السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
من متاهات رواية مابعد الحداثة
عدنان المبارك
من متاهات رواية مابعد الحداثة
فلاديمير ناباكوف



في رواية ما بعد الحداثة أشياء تجذب كل واحد بعيد عن عبادة " الثوابت ". معلوم أن مصطلح مابعد الحداثة لا يعني إلا إسما جماعيا لشتى المستجدات الأدبية التي ظهرت على السطح منذ النصف الثاني من القرن الأخير. وما يجمعها هو الإعتراض على الأدب التقليدي ، وخاصة التقاليد البلزاكية في الرواية ، ورفض الرواية الواقعية المعهودة أو إتخاذ موقف التشكيك والنقد إزاءها. وتمدالريادة ، هنا ، جذورها في أكثر من أرض. وقد تكون رواية بورخيس ( حديقة الدروب المتشعبة ) من عام 1941 المثال شبه النموذجي لرواية ما بعد الحداثة ، وعامة نلقى في نصوص الأرجنتيني بنى يكون فيها السرد بحد ذاته جزء من العالم المقدًّم أو حين تتكلم شخوص بورخيس عن مؤلفها الذي يبقى مرشدا جيدا ، وفي أضعف الأحوال مرشدي . هناك أيضا ال( New Fiction ) الأميركية ( كورت فونيغات ) والرواية الجديدة Noveau Roman الفرنسية ( روب – غرييه ) و ( New Journalism ) عند ترومان كابوت ، والأدب النسوي بل حتى الأدب السحري من أميركا اللاتينية. أعترف أيضا بأني واقع تحت تأثير ثلاثة مناهج لهذه الرواية :
– أن تكون للرواية مهمة تعرفية لكنها مرسومة من جديد.
– أن تكون الرواية حقلا سياديا يكون فيه الخلق ( داخليا ).
- أن تتيح الرواية أكبر الفرص أمام المؤلف كي يتكلم بالصورة المباشرة عن نفسه ومن دون التظاهر بأنه يكتب من وراء ستار. ويسهل علي أن أضع في النهج الأول روب – غرييه وبوتورالمحرّكين لفرضية أن الرواية هي حقل فينومينولوجي قبل كل شيء ، وعليها أن تخدم مهمة فحص الواقع. أما الأميركان أمثال بارث Barth و كوفر Coover وهوكز Hawkes فيتصرفون وكأنهم إكتشفوا الرواية كقارة جديدة تطلق العنان لألعاب المخيلة ، فهم عميقو الإيمان بأن الرواية ، شأن بقية الأصناف السردية ، ليست إلا نتاجات للوهم ، ومن هنا تلك البنى الأسلوبية والهيكلية المصطنعة التي لا تخلو من عناصر سوريالية كما لا تبتعد ، بالطبع ، عن مختلف الإشكالات الفلسفية والأخلاقية. ويرى جون بارث أن روايته هي لهو مؤسلب ، ومحاكاة وهجوم كلامي وسخرية ومحاكاة هازئة ، وإيماءات خفية في علاقتها مع النماذج الأدبية ، وكلها صفات ما أسماه ( أدب الإستنفاد depletion ). ولا يصعب علينا هنا أن نضع في هذا النهج ( إسم الوردة ) لأمبرتو أيكو ، وبقية البنى القريبة مما يسمى ب( فوق القص المستند على التدوين التاريخي metafiction historiographic ) مثل روايات فولز وماركيز وفوينتيس. وهذا المصطلح يقترب هنا من الآخر المسمى بنص مستند على نص خضع للتنقية palimpsest . عموما المقصود هنا نص يعتمد على عناصر مثل التعليق وطرح إشكاليات معينة وقبل كل شيء الأخذ بقوانين في الكتابة يضعها المؤلف نفسه وتخص قضايا معينة مثل المهمة التعرفية للأدب وكون العالم بالغ التنوع وقائما على المصادفة بل العبث والإرتكاز على الفوضى وإنعدام النظام ، والتشظي ، وأن كل شيء يعتمد على تأثير قوى مجهولة تفرض الشروط والمناخات - النموذج البارز هنا " لعبة الحجلة " لكورتاثار من عام 1962 . أكيد أن رواية ما بعد الحداثة تقدم معرفة عن نفسها بالذات كوهم وحكي ، بدل تقديم المعرفة القديمة عن العالم. إلا أن جهدها واضح في المسك الفينومينولوجي لعالم البشر والأشياء ، ومن دون فرض أهمية مسبقة. ومثل هذا العالم أختصِر الى حالات " لا- معنى ، لا – أهمية ، لا – معرفة " ، أما الفعلية فقد أصبحت في هذه الرواية مكتشَفة ومخترَعة من جديد ، إذ ليس على الواقع أن يكون " معلوما" و لا " مُوضَحا " بل " معاشا lived ". ووفق نياتها تكون هي رواية غير منطقية ، غير متماسكة لكنها تفتح أمام قارئها إمكانية إستخلاص الأهمية ومنحها النظام أيضا. وبدلا عن الإنسياق مع مصاعب الوجود يقوم هؤلاء الكتاب بمواجهات مع ضرورة الوجود ( والكتابة أيضا ) لاجئين الى حس الفكاهة وموقف الإنسان اللاهي ( homo ludens ).
أما النهج الثاني فيعتمد على فرضية أن الكتابة الروائية " تنظم / تشكّلconstitute الواقع “ وتخترع العالم والإنسان ثم تتوقف كي تشكك بكل هذا... وكان هذا نهج نابوكوف ( في " حياة ساباستيان نايت الحقيقية " أو " لوليتا " مثلا ) . فنصوصه قد خلقت لعوالم محددة ، وهي لا تبتعد أبدا عن ألعاب في اللغة لاعلاقة لها البتة بعالم الظواهر ، كما لا تفيدنا بشيء عند التعرف عليه. واضح أن روايات هذا النهج لا تملك ذاك " العمق " و لأنها قد ُحررت من الواقع الخارجي ، وهي ليست ثاقبة النظر بمعنى أنها لا تشدّ إنتباه القاريء الى سطح النص...
والنهج الثالث يكون هاجسه صقل تقنيات الشكل والبحث عن حلول جديدة تكون ناجعة ومعقدة في آن واحد. وهنا ثمة نوعان من التقنيات. الأول يبرز بصورة مصدمة ما يمكن تسميته وهمية العالم المقدَّم والنص كمنتوج ( غير طبيعي ). ولكي يحقق غرضه يلجأ الكاتب الى الإيغال في التأملات خارج النصية ، الى الإستعراض الهازيء مستخدما أسلوب المقارنات والقلب inversion أو الجديد الطوبوغرافي محوّلا الرواية الى ( مادة مرئية ). من ناحية أخرى يبالغ هذا الكاتب بتمسكه بالواقعية الفوتوغرافية. وهناك حلول أخرى مثل تقويض العالم المقدَّم ووحدة النص عموما وذلك من خلال حركة ملؤها المفارقات ، حركة خلق ومحو ، وهدم الحدود بين ماهو فعلي وما هو متصوَّر ، وإدخال الأضطراب على خطية الزمن ، والإستخفاف التام بمستويات السرد. إن روايات هذا النهج هي تسليات شكلانية ( وليس هذا عيبا ، إذ لا داع هناك لدفع اللعب والتسلية الى مرتبة لاتليق بهما ! ) تبهج المؤلف والمتلقي على السواء. ومبعث الإبتهاج طاقة الإكتشاف والإبتكاروالتعقيدات الماهرة لقنوات النص. رغم كل هذا فطبيعته تعرفية ويبقى الغرض هنا نسف التصور المعهود عن إمكانيات العقل التعرفية.
وسوية مع نشوء هذه النزعات ظهرت أخرى ذات طبيعة مناقضة ومعارضة : جاءتنا نصوص تنفي تماما التخيل وخلق الوهم وتعتمد كليا على الحقائق والوقائع ( " بدم بارد " لكابوت من عام 1966 ، بعض مؤلفات نورمان ميلر ). وفي الواقع تملك رواية مابعد الحداثة هذه طابعا هجينا : تروي أحداثا فعلية لكنها تغني فعل الرواية بتقديم أوضاع وأحوال من عوالم الأبطال الداخلية واللجوء الى عامل الحوار الداخلي، ومن هنا تلك التسمية : New Journalism .
ولاعلينا أن ننسى بأن ما بعد الحداثتيين جاءوا بعد المجددين والمجرّبين الكبار : بروست ، جويس ، كافكا ، إليوت ، فوكنر ، باوند ، توماس مان. وقد وجدوا أنفسهم في ظروف تمرد جديد ، تمرد ضد المرجعيات الإجتماعية ، ومولد ( ضد الثقافة ). وكلاهما أعلن أن الأدب قد إستنفد طاقاته القديمة بعد أن قال ما لديه لقوله وإظهاره. وطالما لايمكن خلق أي ّ شيء جديد وأصيل ينبغي جعل هذا العجز تظاهرة وعرضا من نوع الهيبننغ... ينبغي القيام بتفكيك المعاني والقيم السارية ، الأدبية والفلسفية والأستيتيكية على السواء ، ومن ثم جعلها عناصر لعبة مع القاريء...
هناك من لاحظ خصائص أخرى لأدب ما بعد الحداثة. منها :
- التناص : نص يحيلنا الى نصوص أخرى عبر الإستشهادات والإيماءات المبطنة منها والظاهرة ، والإستعارات.
- الإصطفائية / التوفيقية syncretism : في العمل الأدبي تتعايش مختلف الأصناف والأساليب وعناصر من الأدب ( الرفيع ) والآخر الشائع / الجماهيري.
- " أدبية " إستعراضية للنص : الكشف عن وهمية العقد السردية ، تسليط الضوء على المشغل الكتابي ، تكريس النص لمواضيع ذاتية تخص الكاتب.
- معاملة النص كنتاج لمخيلة الفنان التي لا يقيدها أيّ شيء ، ومن هنا اللاعقلانية والفوضى وإلغاء شتى أنواع التابو.
هكذا تبدو بالفعل بعض ميزات مابعد الحداثة. و يسهل علينا الوصول إليها عند قراءة ليوتار ودريدا وفوكو مثلا. وهؤلاء وغيرهم لايعثرون على ما بعد الحداثة في الأدب وحده ، بل في العروض المسرحية والنقد الفني والطروحات الفلسفية وحتى في الموسيقى حين تلقى المؤلفات الموسيقية تفسيرات بروح مابعد الحداثة.
أكيد أن هناك إختلافات جوهرية بين الحداثة ومابعدها، سببتها شتى الإنقلابات التي عرفها العالم منذ نهاية القرن التاسع عشر. فهذه الحداثةmodernism مفهوم قوامه نزعات في مقدمتها الفردانية والروحانية والشاعرية والعودة الى الميتافيزيقا. وكما يبدو خلطت مابعد الحداثة أوراقا كثيرة الى درجة يصعب فيها القيام بأيّ فرز دقيق. قبل كل شيء لايطرح منظرو مابعد الحداثة تعاريفا دقيقة. وقد يفسر هذا بأنها لا ترفض أي شيء لكنها تنفر أيضا من مواصلة ما أُنجِز قبلها. بإختصار : غريب عليها التمرد المطلق على التقاليد وإحترامها أيضا. وهو صحيح القول بأن ما بعد الحداثتيين لم يجدوا الكثير لعمله بعد أن جاء القرن العشرون بأكثر من قمة أدبية. وهي ملاحظة صائبة عن اقتراب نزعات معينة فيها ويكون منحدرها الثقافة الجماعية التي تكون التسلية خصيصتها الرئيسية. وهكذا صار العمل الفني نوعا من اللعب مع المتلقي ، لكنه لعب محروم من القواعد المحددة أو بالأحرى الدائمة. ثمة غرابات في هذا الأدب : نجده يقف ضد التحكمية / التعسفية arbitrariness حين يحصل الإستخفاف بمرتبة التكوين / الإنشاء composition ، و التخلي عن الإنتقائية والذي يجيئنا بتلك الأعمال – المتاهات البورخيسية التي صارت ( مكتبة بابل ) نموذجها المثالي...

وفق مقالة جون بارث ( أدب الإستنفاد ) يقف في طليعة أدب ما بعد الحداثة بورخيس وبيكيت ونابوكوف وبنتشون Pynchon. والملاحظ أن مابعد الحداثتيين الأميركان يضعون ، عادة ، حدودا صارمة بين الحداثة ومابعدها. وفي الحقيقة تكون الخلافات هنا كثيرة وطويلة ويصبح الدخول فيها شبيها بالدخول في إحدى المتاهات البورخيسية ! فكتابها لا يطلقون المانفستات ولا البرامج الأدبية ، وكل ما نجده نتاجات أدبية ميزتها الرئيسية خلط الأساليب والشعريات والأخذ بعناصر الباروديا والفكاهة السوداء واللعب وتفضيل المواضيع التي تخص المؤلف مباشرة. بالنسبة لي تقودني ما بعد الحداثة الى حقل شاسع يصعب عليّ إختيار بقعتي الدائمة فيه...



عدنان المبارك
روائي وكاتب ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك
adnan1935@gmail.com

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث