الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
المُحتْرَس/فصل أول من رواية
يان أوبري/ترجمة: حسين عجة
المُحتْرَس/فصل أول من رواية
يان أوبري






الفصل الأول

كان بلاط وأبواب شارع "سانت سوفير" مغلقةً. لم يكن هناك سوى رجلُ واحداً، يَقفُ تحت مدخل بناية، ظهره يستند على باب جعله يشعرُ بأن قبضته البرونزية تَردُ بوخزاتها الصغيرة على ضربات قلبه. ولأنه لم يكن يجرأ على الخروج من الظل ويتنفس بصعوبة، لذا صارَ يُلقي على اليمين والشمال نظرات مخبولةً. في ساعة كهذه من النهار، كان ينبغي أن يكون شارع المدينة القديمةِ مزدحماً. كان خالياً. لقد حاولَ الرجل سماع صيحات بائعة الزهور، بحث عن عطور الورد، رائحة الأسماك والأجبان المجففةِ، عن أسياخ اللحم المشوي المتقلبةِ، لقد بحث عن حركة الجماهير المارة، عن الضحكات، الأصوات والأغنيات المتكررة، التي كانت تستقبله دائماً، في كل واحدة من تجولاته، كما بحث عن المرأة الأبدية التي كانت تبيع الوشاحات قرب النافورة. لم تأتِ، لا هي ولا الآخرون. مطرٌ ناري كان يهبط من السماء.
كانت الواجهات البُنيةِ، الجذلة عادةً، قد سُدتْ بألواح خشبية. الشارع بكامله قد اخفى نفسه. كانت الجدران، من هنا وهناك، عبر ثقوب جصية، تَقذفُ حمماً. وفوق البلاط تطايرَ الشرر. دوت شظايا خشب، زجاج ومعدن وأمتلأ الزقاق الضيقِ بها. كانت ثلاثة من الأجساد المطروحة أمام أحدى الحوانيت قد أصبحت تشبه ثلاثة أكياس أو ثلاثة أكياس تشبه أجساد ثلاثة. أبعد من هناك بقليل، ثمة من أغصان سوداء لعربة متفحمةِ. دخان متنوع الأشكال صعدَ من فوق المدينة كلها.
شعرَ الرجل ببرودة وجهه، ويديه المُشتعلتين. كان يرغبُ بلمس جبهته، بمسح القطرة التي ساحت عليه، بيد أن يديه كانتا ترفضان الخروج من جيبيه. عبر القماش، كانت يداه تمسكان على شيء تَعضُ طرفيه جلده تحت حزامه وجنبيه الخلفيتين. لو كان بمقدوره لأقحم ذلك الشيء في داخله الأكثر نظافة، والأكبر أماناً من هذا العالم الذي كان على وشك تحطيم نفسه، غير أنه لم يعر إنتباهاً لذلك الضغط الجنوني، تماماً كالمعركة، التي كانت تقبض عليه بسخونةٍ من بطنه الضخم، لم تكن تعبأه به.
بعد قليل، سيحل الليل. بدءً، لم يعد النور يصل إلا من خلال حرائق تُثقل على الغسق. في لحظة من الصمت، سمعَ الرجل صوتاً كان منذ زمن طويل رفيقاً للضجةِ. صوت أجراس الكنيسةِ. كانت المعاول العنيدة تطرق المعدنِ وكأنه كان ينبغي عليها، بالقوة، فرضَ عقيدة على كتلة الضجيج المعدومة الحس تلك. "كم يمكن أن تكون عليه الساعة"؟ تساءل الرجل. كان ثمة من إنفجار قد وقعَ بقربه. غطا وجهه من شظايا الجص. من حول عمود الكهرباء الذي بدا ضوءه بالإرتجاف تكسرت بضعة آجرات. صدعت جوقة من صفارات الإنذار. على بعد أقل من خمسين متر منه، إنهار منزل من ثلاثة طوابق مصحوباً بصوت "بم" من الغيم الأحمر. قرب قدمي الرجل هرعت، باتجاه الدوار، مستعمرة من الفئران، مئات من الأظلاف مست البلاط بضجة تقويض كتلك التي تحدثها القوارض. قنابل من طراز حديث نخرت المدينةِ. كان يجب عليه، قبل الساعة السابعة، بلوغ الدار التي كان ينتظره فيها صديقه.
لكن الرجل لم يتخذ قراره بالخروج من مخبأه. تخيلَ كل السبل التي كانت تقود إلى مكان موعده، الشوارع وفروعها، الممرات المغطاةِ، الدروب القصيرة التي تمر عبر الحدائق، دورات السلالم المحبذةِ لديه، كل هذه الجغرافية الدقيقة والغريبةِ (كان يمشي، كل يوم، لساعات طويلة، فهو واحدٌ من أولئك الذين يبتعدون باقترابهم، الذين يحبون اللقاءات من أجل الشارع، وليس الشارع من أجل اللقاءات، الذين يسرعون الخطى بأطالتهم للوقت، منْ يجرون أقدامهم دون أن يتأخروا، الذين يثبتون عينهم على التفصيلةِ وأذنهم على المجموع برمته) قد تداخلت فيما بينها، أختلطت، أصبحت مستحيلة. ولأنه شرعَ، في النهاية، بتهيأة نفسه بغية مواصلة خطواته كما يفعل الرجال والدجاجات التي فقدت رؤوسها، كان الباب خلفه قد أسمعَ صوت قفله "أدخل"، قال صوت ما.
أزالت يدُ خصلة شعر أسود. أمام الرجل كان يقف خيال "مارتا" الجميلة، التي كانت قد فازت في العام الماضي بالأغلبية ناقص صوت واحد باعتبارها أجمل امرأة للزواج. الصوت الذي أمتنع عن أختيارها كان صوت كاتب العدل الذي فسخت بفظاظة خطوبتها معه بزمن قليل بعد المنافسة. "هيا، أدخل"، قالت.
سحبتْ مارتا الرجل نحو باحة الدار، فتحت باباً وأرتقت السلم. تبعها حتى الطابق الثالث، داخل غرفة كانت قد قفلتها بمرتاج وكرسي وضعته تحت قبضةِ الباب. كانت الغرفة، الصغيرة، مظلمةَ. كذلك كانت "مارتا" بثوبها الطويل، أكثر عتمةً مما هو عليه ملمحها، المُعبرِ عن حياة سامية، مقهورةً، والذي كان يسحر الرجال، ومن ثم يأسرهم، لأنهم كانوا يخشونه.
وقفت "مارتا" وسط الغرفة. لم يجرأ الرجل لا على التقدم ولا على توجيه كلامه إلى هذه المرأة الشابة، التي كانت تصغي للسعال المُتحشرجِ للمدينةِ. كانت قد ثبتت نظراتها، لكنها تطلعت نحوه أيضاً. ثمة من حوار قد شرعَ، حوار بصوت دوي المكائن الحربية، تطاير الحطام، ضجة القنابل والصواريخ. كان الشفق قد هيمن على القرقعات المجنونة التي كانت تذهب وتعاود ثانيةً. ضمن الغضب الصاعق للعناصر ونزوة الأنوار، كان الرجل والمرأة يتمتعان بهدوء مُفزعٍ. كأمواج من الذهب، كانت أجراس الكنيسة العتيقة تدق، دائماً.
-أنتَ، جوزيف، الرحالة.
لم يرد. "أجل، أنكَ هو. المدير القديم للمدرسةِ". إستدارت من حول الطاولة. نظرَ إليها وهي تسكبُ مشروباً في كأس غاية في الجمال من صنع مدينة "بوهيم" تُحليهْ شجيرات متداخلة؛ كأس صغير، مرهف تماماً، تحت وابل القنابل. مدتُ نحوه الكأس.
-هل تتذكرني؟ سألت.
-لقد مرَّ زمن طويل.
-نعم.
-لا يمكنني البقاء.
أحتست قليلاً من الشراب وهي تدقق بعناية بالإنتفاخ الذي شكله الشيء من فوق بطن جوزيف. مدت له ثانية الكأس.
-أكراماً للشجاعة. ما الذي تحمله؟
-كتاب.
-أطرحه.
لم يستطع جوزيف.
-من فضلك.
لقد قطعَ صوت "مارتا" المصير الذي كان يشدُ جوزيف بحمله.
تصارعَ مع الشيء الغاطس تحت ملابسه. كان مخطوطةً مرزومةً بخيوط.
الصعوبة التي ولدتها محاولة أخراج الشيء كانت ناتجةً عن تداخل الكتاب في ثنيات القميص. تألمت أصابعه. سحبه بدفعه واحدة، نزعت واحدة من أزراره.
-ضعه فوق السرير.
لم يكن يريد الإنفصال عن المخطوطةِ. ساعدته هي. كانت إناملها تمر من فوق يد جوزيف حتى غلاف الكتاب، ومن ثم طرحت الكتاب برقة تحت غطاء السرير.
-بعد قليل سيأتون، قالت.
كانا قريبان من بعضهما. كان جوزيف يجول بنظره ما بين شفاه "مارتا" والمخطوطةِ. "أعطيتٌ وعدي، سوف أغادر". ثم حررَ نفسه من عناق لا مرئي، وأنحنى لكي يأخذ المخطوطةِ.
-رأيتك في الخارج. أدركت بأن خلاصي قد تحقق.
قبلتْ خده. وضعً فمه، دون فتحه، على جبهة الشابةِ، ثم تراجع، حتى يراها، لكي يرى أين هي، أين التقيا، حتى لا يترك أي شيء منهما، معهما، من حولهما يفلت منه (الدوائر الرطبة فوق السقف الأبيض والمُنتفخ؛ إرتعاشة المصباح تحت الغطاء القطني، المربوط بسلك كهربائي، بدا وكأنه منطاد يتأرجح من سلسلته؛ الحبال الشقراء، الرقيقة كعيدان الكبريت، في إستدارة نصف متر، بالتناوب، والتي تقترب لعبتها، الواضحة تماماً في أجزاء منها، من أرصفة الأبراج؛ القنب على شكل قبضة باب خزانة، الوردة العالية تماماً، الأكثر بروزاً من غيرها، وكأنها الناطق الرسمي الأخرس باسم مجموعة من التويجات؛ غطاء الحائط المفدوع من عمقه؛ لتغطية البؤس؛ مجموعة القبعات التي تشبه الشرفات الصغيرة المجتزأةِ من مجلة لحمالات النهود؛ الأمشاط المختلطةِ بالأخشاب الصغيرة للمدفأة باغطيتها المأساوية من النحاس وفتحة الرماد؛ مرآة الحمام المُضببةِ والمخفية جزئياً بالنسيج المُقصبِ من حبات الشعير لبوابة مركبةً؛ كيس تدليك الحمام المثني على الطلاء الخزفي والساق المعقوفةِ للمغطس؛ الليل المُهيمن بالرغم من النيران؛ شمعة تخلقُ ظلاً لاهثاً؛ شرشف الدانتيلا الصغير حيث تستقر قداحةً؛ علبة سجائر، زهرة جافة وممراحة، حلي عقيقية، رطوبة الهواء، أسطوانة الموسيقى المرفوعة ذراعها من فوق فتيل من أخاديد الغبار المُذهبِ، عطرٌ من الزيتون والمُسك، من البرنق والتبغ و، على مسافة ما، رائحة فاكهة ميتةً وحجارة ساخنة)، كل هذه الأشياء التي أتخذت تدريجياً مسافتها، أختفت إزاء اللقاء كما يختفي الموسيقيون خلفَ الرقصة.
هبطت ذراع وأحاطت بعرقوب "مارتا". وقعت هناك وكأنها تقع لكي يستقبلها الرماد، وقبضت عليه، هو، الذي كان ينظر نحوها، خافضاً رأسه قليلاً، وكأنه، بإمساكه على عرقوبها بقوة، قد فقدَ حيائه. إزاحت شبكية شعرها كلها. حدقَ جوزيف بركبة "مارتا"، التي كان مفصلها، المُدورِ والصغير، يختفي كلما أثنت ساقها.
-هل تعرف ما يفعلونه حين يصلون؟ أتعرف ما الذي يفعلونه مع النساء؟ أنني أسمعهم، أنتَ تعرف بأني أعرفهم جيداً، لقد كانوا هنا قبل الحرب، لكننا لم نكن نراهم، ثم فجأة ها هم أمامنا، يعتقدون بأن السماء تقف إلى جابنهم، أنني أسمعهم يرتقون الدرجات كل ليلة نحوي.
ثمة من ندبة صغيرة فوق صدغ "مارتا"، شامة بين حاجبيها، كانت قدمها الشمالية مخدوشةً، وقليل من الدم تحت أصبعها الأكبر، لكثرة ما ركضت حتى تلاقيه، هو، جوزيف، المدير القديم للمدرسة الذي عاد إلى المدينةِ، والذي كان يسكن منذ ثلاثة أشهر في دار صديقه الشاعر "ليوبولد مرسلوف"، 6 مكرر شارع "فرونري". لقد ترك من ورائه طفلة عاشت في عيون أولاد باحة المدرسة. وها أنه يجدها ثانية امرأة تمسكُ عليه بنظرتها.
-جوزيف، أعطني طفلاً.
كان ضجيج طائرة قنص قد غطى على صوت الشابةِ. تناولت "مارتا" يد جوزيف.
تحت الهبوط المتواصل للأنوار والظلال، ضمن ذلك الرعب والمذبحة العظيمة التي ضربت العالم، ظلت مُمسكةً لوقت طويل بتلك اليد، أكتشفتها، شرعت بالتعرف عليها. كان الوقت محسوباً، لكل دقيقة منه صوت قنبلة، لون النار، رائحة ميت، كما أنها مُحملةً برسالة النهاية الوشيكةِ، لكن، كل لحظة في يد "مارتا"، كانت بمثابة توقف للزمن. في الغرفة الصغيرة، تحت السطح، كان رجل وامرأة يمارسان الكيمياء اللحظوية لليأس. في لحظة اللقاء ذاتها، يفترقان، ينتظران، يفتقد أحدهما الآخر، يأملان، يبحثان عنهما، يرى بعضهما ثانية، يتدربان على البقاء سويةً، يحبان بعضهما بجنون، يُميتْ أحدهما الآخر، يخونه، يمقته، يحبه بفزع، ينساه، يعثرُ عليه من جديد، يعده، يعشقه إلى نهاية العوالم، يموت معه. فيما كان المكان يحتل الأهمية الأولى، والزمن يشتغل، كانت يديَ "مارتا" وجوزيف تتحدثان بكلامات الأطفال. تساءلت يد جوزيف "متى"؟ وردت عليها يد "مارتا" "حالاً". لم يكن التردد الغامض يستبق الحب، لكن، أثناء الملاطفات الرعناء للأصابع من فوق راحة اليد، وقبضتها على الظهر، بنفس الأصابع فوق العروق والخطوط، أستقرَ. لم يكن همّ ما بعد قد أقلق العاشقين أكثر مما يستطيع حدوث ثقباً أسوداً أن يغير من مصير نجمة.
دوى إنفجار من فوق رأسيهما. إهتز السقف والجدران. هواء حارق دخل من ثقبٍ أو من النافذةِ. تَدَحرجتْ القنينةِ، دون أن تنكسر، تحت السجادةِ.
أبتسمت "مارتا". كان ذلك وكأنهما عاشا حياتهما بكاملها معاً، ضمن ماض ظل حتى تلك اللحظة في المطلق، ثم صار كل واحد منهما يخمن أقتراب الحاضر عند الآخر. سحبتْ "مارتا" جوزيف نحوها.
-متى سيأتون، يا جوزيف...
لم يصغِ جوزيف.
-... حين سيصلون، لن يتمكنوا من فعل أي شيء. هل ترغب حقاً؟
التقى جسداهما. شعرَ بنوع من الغموض بحافة المخطوطةِ داخلةً في كتفه. نزعَ أحدى ذراعيه وأسندَ الكتاب على الجدار.
-سوف يأتون، لكني أنا لن أكون هنا، لن يكون بطني هنا، ولا حبي أيضاً.
-نعم، قال جوزيف الذي لم يعد يُصغِ.


يان أوبري
روائي فرنسي شاب

حسين عجة
كاتب وروائي وشاعر عراقي يعيش في باريس
hussainagah_010744@yahoo.fr

مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث