الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
لطفية الدليمي: المتخيل السردي يتوسل جميع الطرق المتاحة ليغتني
حوار: حسين رشيد
لطفية الدليمي: المتخيل السردي يتوسل جميع الطرق المتاحة ليغتني
لطفية الدليمي


تعيش اليوم في شتات بين المدن الأوربية والعربية، لكن حلمها مازال يرنو صوب دجلة وابو نؤاس، وليالي بغداد، فكل تلك المدن لا تستوعب حلمها، تنظر الى ان النهوض الثقافي يبدأ من قاعة الدرس الاول، كما انها ترى الكتابة بلا متعة جمالية كمن يقضم حزمة قش جافة مجردة من المذاق وجماليات الفن واشتراطاته،وترى ايضا ان المبدع غريب عن مجتمعه أينما كان وفي أي ارض وجد، غربته عما هو سائد وغربته في رؤيته المختلفة للعالم.لها تجربة مريرة في الغربة الداخلية والخارجية، وهي اكبر من كل مقدمة تساق لها فهي نخلة عراقية اصيلة ترعرت على مياه نهر ديالى واثمرت بمياه نهر دجلة إنها الكاتبة والروائية لطفية الدليمي التي اجدها في غنى عن كل تعريف .

* تمر الثقافة العراقية بمحن متكررة بدء بمحنة التهميش في العهد الماضي، ثم تعمق هذا التهميش والاهمال حاليا لهيمنة الطائفية، ما تصورك عن مشروعات النهوض بالثقافة العراقية التي يسعى المثقفون لترسيخها في المجتمع؟

لايمكن للثقافة ان تنهض في هذا الجو الاحترابي والتشنج السياسي والواقع الاقتصادي المتردي، الثقافة ليست القصة والرواية والشعر – وهذه الاشكال تقدم براهين على تطورها ونهوضها – الثقافة نمط عيش واساليب حياة شعب من الشعوب بدء من التفاصيل العادية للحياة اليومية وسلوكيات الافراد ونظرتها للانسان بنوعيه من النساء والرجال ومايتركه الموروث الثقافي الذي يحتل الذاكرة الجمعية من أثر في تربية الاجيال الجديدة وقدرة الوصول الى مصادر المعرفة والتقاليد الجمالية المتعلقة بالمناسبات الانسانية كالزواج و طرز الملابس والغناء والرقص والموسيقى وذائقة مطبخ ذلك الشعب ونظرته المتفتحة إلى الثقافات الاخرى والاستفادة منها، وبرأيي لايبدأ النهوض الثقافي إلا إذا شرعنا بوضع أسس وتصورات حديثة للتربية والتعليم فمن قاعة الدرس الأول يبدا التغيير، كيف يمكننا النهوض بالثقافة ونحن نرغم الصغيرات من سن السابعة على ارتداء الحجاب في مدارسنا ونزرع لديهن فكرة العيب والعورة وان الفتاة الصغيرة ماهي إلا أداة جنس ومحط رغبة الذكور أينما كانت؟؟ كيف يمكننا النهوض بالواقع الثقافي ونحن نفصل بين الصبيان والبنات في المدارس الابتدائية ونناقش على الفضائيات(التي هي نتاج الحداثة المفرطة) التكليف الشرعي للاولاد والبنات، ونستخدم منتجات الحداثة الغربية لشتم الغرب وترسيخ قيم طائفية ودينية متشددة وهذه مفارقة عصرنا العجيبة، بمعنى ان توجهات النظم ذات النزعة الدينية تقصر محظوراتها وتحريماتها على النساء وتبيح من المحظورات مالا يتناسب وكرامة المرأة، البداية في أي نهوض ثقافي تكون من اول درس في المدرسة واول كلمات يتعرف عبرها الطفل إلى عالمه ومحيطه في البيت، ولانهوض ثقافي مالم نعمل على تنقية المناهج المدرسية من كل توجه شوفيني وطائفي وسلفي، وان نخرج من إهاب الجاهلية الذي يفخر فيه (عمرو بن كلثوم) بقطع الرؤوس وسجود الاخرين لصبي بلغ الفطام و شرب الماء صفوا وترك الماء الكدر ليشربه الغير (لوعدت الى معلقة عمرو بن كلثوم) لوجدت مايرجح وجود منابع للعنف الدموي والشوفينية المفرطة في الذاكرة الجمعية، كل المشاريع والرؤى التي تسعى للنهوض بالثقافة ستذهب ادراج الرياح اذا لم نبدأ من اساس القضية، تحدث الكثيرون ووضعت تصورات كبيرة بخاصة من قبل المؤتمر الثقافي الاول الذي كان فكرة الصديق الشهيد (كامل شياع) الذي وضع خريطة طريق للنهوض الثقافي وعقدت الجمعية العراقية لدعم الثقافة ندوة عن تصورات النهوض بالثقافة وشارك فيها عدد من المثقفين برؤاهم ومشاريعهم، وقدم عدد كبير من المثقفين تصوراتهم الجادة، ولكن أين هي التطبيقات على ارض الواقع الذي يسبح في بحر من دماء الضحايا والتشدد وارتباك الاوضاع؟؟ من يطبق المشاريع والرؤى الثقافية التي نحلم بها؟؟ وبأية وسائل نطبقها والمثقف لاسلطة لديه ولاموارد لتنفيذ خطط المشاريع الثقافية؟؟ وتعلم ان مشروع المؤتمر الثقافي الاول وتوصيته قد اجهضت في حينها وثمة رؤى لاتزال تطرح من حين لآخر وقد قرات أخيرا رؤية موسعة للشاعر والكاتب فارس حرام بعيدة عن التسييس والأدلجة بل أنها من صلب الشأن الثقافي وحيثياته وتتوفر على جهد كبير محايث للتطورات الثقافية في العالم، فمن يقرأ؟ ومن يعنى بمناقشة هذه الطروحات العقلانية؟؟

*العلاقة المشوهة بين الاقتصاد المشوه والانسان العراقي الذي خرج من حروب وازمات تدميرية قد انعكست على الانتاج الثقافي وحدثت فجوة واسعة وابتعاد عن المنتج الثقافي والثقافة بشكل عام سواء من قبل المسؤولين او مستهلكي الثقافة، بمعنى ان المثقف الحالي يعاني العزلة الاجتماعية، كيف ترين الأمر؟؟

- لقد انعدمت وسائل التوصيل الثقافي كدور السينما والمسارح والمنتديات الثقافية النشطة وبقيت وسائل الاعلام المسيسة تهيمن على عقول المستهلكين و تتدخل في توجهاتهم وذائقتهم على وفق ماتخطط له الجهات التي تمول الفضائيات والاذاعات والصحف وتحول كثير ممن كانوا منتجين للثقافة إلى منتجين لاعلام الدولة ومسيسين تماما بفضل هيمنة راس المال على المنتج الثقافي في وقت الضنك مما دفعهم للبحث عن وسائل للبقاء على قيد الحياة، الاقتصاد المرتبك وعدم وجود قدر من العدالة في توزيع ثروات البلاد واستئثار الطبقة المتنفذة واحزابها بموارد البلد بشكل رواتب خرافية ومخصصات غرائبية واملاك مستولى عليها وترك الطبقات الاخرى ومنها مثقفو العراق في عوزها التاريخي، لهو احد مظاهر الخراب السياسي والحرب المنظمة على الثقافة، كل ذلك الارباك والتشوه وسوء الادارة السياسية والتشريعات التي سنها البرلمان لصالح اعضائه الذين لم ترتو شهوتهم للمال حتى اللحظة، كل ذلك ينعكس على الوضع الاجتماعي والنفسي للجماهير المجوعة المحرومة والمهجرة والمهانة والمحرومة من كل حقوقها إلا حق الغضب والشعور بالمرارة والمناداة بسماع صوتها، ويؤثر كل هذا الاضطراب على أي نتاج بشري سواء كان صناعيا او ثقافيا او حتى قرارا شخصيا يتعلق بالحياة الانسانية، البلاد تتقهقر إلى نظام راديكالي متصلب يتزيا بزي الديموقراطية الزائفة، فكيف تتسق الديموقراطية مع تدخل القوى الدينية في تسيير امور السياسة وبالتالي امور البلاد؟؟ واية ديموقراطية هذه؟؟ أيكفي حدوث انتخابات لتترسخ الديموقراطية؟؟ كم يحتاج العراق من سنوات لتتعزز فيه حقوق الانسان وبالتالي تتعزز الثقافة وتنهض من بين الرماد؟؟

الديموقراطية افرغت من كل محتوى لها بسبب من عدم كفاءة الساسة وانطواء مخططاتهم على نزعات ديكتاتورية شمولية ستعيد العراق الى كهوف الاسلاف، او في احسن الاحوال ستقيد الحريات العامة وحرية التعبير والوصول الى مصادر المعرفة. وهذا يضع الثقافة ومنتجيها في مرمى نيران الساسة المسيرين برؤى الفقهاء من اية طائفة كانوا.

* في كتابك يوميات المدن تمتزج اليوميات بالغنائية الذاتية العميقة المشبعة بلغة الشعر، قد يكون رواية وفي نفس الوقت مشروعا سرديا واحيانا كيانا من التكوينات الانسانية المختلفة الازمنة والامكنة.؟

هذه ميزة كتابتي التي تشكل خصوصية اسلوبي السردي، الكتابة قبل كل شيء نبع للمتع الذاتية والكتابة بلا متعة تصبح لكاتبها وقارئها كمن يقضم حزمة قش جافة مجردة من المذاق وجماليات الفن واشتراطاته، الابداع لايختلف باشتراطاته الفنية وجمالياته لدي سواء كتبت اليوميات او الرواية او المقالة، اللغة عندي تزاوج بين الشعرية وفنية السرد والمفردة السلسة الدفاقة وما تسمونه الغنائية واسميه موسيقى اللغة الداخلية والبناء الهارموني للجملة السردية الذي اعتز بحفاظي عليه في جميع اعمالي وهي الاساس في الابداع الحقيقي الجاد الذي لايتنازل عن مستواه و لايستسلم لتيارات مابعد الحداثة وتبسيطها و اعتمادها التسطيح ومزجها بين اشياء لاصلة بينها، الكتابة فعل جمالي قبل كل شيء وانا من دعاة الجمال وعشاقه ولي متعتي الخاصة في تذوق المفردة الساطعة والتركيب الموسيقي للعبارة لتصل رؤيتي الفكرية والجمالية بسلاسة ويسر، في رواية سيدات زحل برزت اللغة كبطولة مفردة بين شخوص واحداث الرواية فانا لااتنازل أبدا عن السر الموسيقي وحلاوة المفردة ولذتها وانا اتقصى افظع الاحداث وسط دوامة الخراب والالم لعلي بذلك اوازن بين كفتي الجمال والقبح اللتين تتصارعان في ساحة حياتنا الراهنة..

* للمدينة في ادبك حضور فاعل وموثر لعل يوميات المدن خير مثال على ذلك، عن اي مدينة تتحدثين هل هي المدن الحاضرة المعاصرة ام مدن الحلم المدينة اليوتوبيا المدينة المتخيلة ام مدن الذاكرة وهل لديك مواصفات لمدينة ما ؟؟

في كتابي يوميات المدن كانت المدن الحقيقية هي محرضتي على الكتابة وكانت الاحداث دافعي لوضع المدينة في افق
جمالي وفكري يكشف عن خاصيات المدن وثقافاتها على غير ما يلجأ إليه بعض الكتاب حين يكتشفون المدن بعيون سياحية باحثة عن المتع العابرة في مدن العالم تنفيسا عن حرمانات متراكمة عبر القرون فلايرون من المدن سوى سطوحها ومن الشوارع سوى مواخيرها وباراتها، علاقتي بالمدن اتخذت لها خطا مختلفا وخاطبتني كل مدينة بطريقة فجرت لدي رؤى وانثيالات عن بؤرها الثقافية ومذاقات فنونها وخصوصية أناسها، المدن اليوتوبية إحدى وسائل خداعنا لأنفسنا وشكل من أشكال الحلم المستحيل وقد فندت حلم اليوتوبيا واستحالة تحقيقه وان تحقق فلأنه يحمل جرثومة فساده – فندت هذا في روايتي من(يرث الفردوس) وعرضت لمدينة متخيلة شاء سكانها المنحدرون من مستويات فكرية وثقافية مختلفة ان يؤسسوا لمجتمع فاضل يقوم على العدالة والمساواة وتقسيم العمل والثروة غير ان النزعات البشرية للتفرد بالسلطة والاستئثار بالنساء وشهوة الهيمنة واستعارة اساليب التعذيب من النظم السياسية السائدة في المدن ا لتي جاؤوا منها كل ذلك افضى الى انهيار التجربة وسقوطها بايدي من يديرون اقتصاد السوق إذ أتاح التقشف ومحدودية التواصل والتفاهم وعدم اشباع الرغبات الانسانية البسيطة وتسخير الفن لرغبات الجماعة المسيطرة إلى اختراق التجربة وتفكيكها من داخلها، كتبت هذه الرواية في 1985 وكانت رؤية نبوئية عن اجتياح النظام العالمي الجديد واقتصاد السوق للتجارب المثالية وتدميرها، مدني هي ناسي الذين اجد في رفقتهم الامان والمحبة والصدق، الانسان الصادق الذي يتعامل بلا اقنعة ،البعيد عن النفاق وممالأة سلطة القمع مهما كانت محاطة بهالات القداسة - هذا الانسان هو مدينتي ووطني اليوتوبي وبالتالي هو مدينتي الحلم و الوطن الذي يمكن ان يمنحني لحظة الحقيقة، الامكنة لم تعد تصلح لتكون ملاذنا ومدننا الفاضلة الا فيما ندر من أمكنة قد تمنحنا الأمان ونحن في صراعنا من اجل البقاء، اليوتوبيا لعبة ابداعية وحلم فكري ليس بوسعه الصمود على ارض البشر الا برهة حلم او لحظة وهم ٍ، اليوتوبيا الحقيقية من صنع قلوبنا وعقولنا وهي نقطة ضوء تشع من أعماقنا و تتفتح في الحب وتتسع بالحلم..

* الغربة داخل الوطن، الغربة خارج الوطن، مفردات لا اعتقد انها جديدة على المثقفين العراقيين ما مدى استيعابك لهذه المفرادات في اعمالك؟

المبدع غريب عن مجتمعه أينما كان وفي أي ارض وجد، غربته عما هو سائد وغربته في رؤيته المختلفة للعالم وحرية الانسان، غريب في صعوبة رضوخه لقيم التخلف، وغريب في توقه لعالم يكفل حرية التعبير وحرية العيش وحرية التنقل، المبدعة اكثر غربة في وطنها من زميلها المبدع عندما تتفشى النزعة الذكورية العنيفة وتتحكم بحيثيات الحياة وتتدخل بالقوانين الوضعية وتفرض تصورات ماضوية على المجتمع بالتحريم والحظر و تتعامل مع المرأة تعاملها مع كائن أدنى وتغطيه من قمة رأسه إلى اخمص قدميه باعتباره عورة تسير على قدمين، الوطن لم يعد ذلك الاقنوم المقدس الذي نتعبد في محرابه لأنه أفرغ من قيمته ومعناه وسلبه القتلة والمتشددون وعجز السياسة وتهافتها - كل قيمة ومعنى حتى استحال جحيما، تغير مفهوم الغربة لدي وظهر واضحا في معظم أعمالي بدء بروايتي (من يرث الفردوس) في1985، منذ تلك السنوات الصعبة بدأت اكابد الغربة وقبلها أيضا، يتضاعف الشعور بالغربة بعد كل حرب من حروبهم اللعينة صرت اشد غربة وتهدديدا وتحجيما في ما يسمى وطني، في عملي الاخير تغيرت مفهومات كثيرة لدي ومنها الوطن وما دافع عنه ابطال روايتي كان الجانب الثقافي والارث الذي صنعه مبدعون من مختلف العصور، تجربتي كانت مريرة في الغربة الداخلية والخارجية، وامسى التشبث العاطفي بالاوطان سلوكا طفوليا طالما الوطن لايختلف عن صورة الجحيم، اعد الناس الجيدين في بلادي بقعة وطن مضيئة واتواصل مع عدد من أصدقاء وصديقات احترمهم واعتز بهم وبمواقفهم وهم الذين يجسدون لي فكرة الوطن الانساني وعلاقتي بهم هي المعنى المضمر لفكرة الوطن، بينما يحاول اخرون من هذا الوطن الاستيلاء على بيتي، ويتصدى اتحاد ادباء بابل بكل نبل وانسانية القائمين عليه - للدفاع عن بيتي باعتباره ملكا ثقافيا دون ان تتحرك جهة رسمية لاتخاذ اجراء بل يداهم منزلي افراد قوة حكومية مسلحة مع جنود امريكان – يفترض بافرادها ان يحموا ممتلكات الناس وارواحهم - فاذا بهم يدمرون البيت و ينهبون ما تصل اليه ايديهم.. المبدعة اشد البشر غربة في بلاد تحمي ساستها وراء أسوار محكمة وتهدر دم مواطنيها ومواطناتها ولك ان تبحث في نصوصي لتضع يدك على مذاقات الغربة المرة..

* الزمن الفضاء المكان مفردات يتداولها النقد كثيرا ماذا تعني لديك ضمن سياق الانتاج الادبي.

يحتل المكان وتجلياته موقعا مميزا في اعمالي، ثمة في أعمالي امكنة متخيلة برمزيتها ودلالاتها ومسمياتها وفي رواياتي هناك امكنة واقعية تتواشج مع امكنة متخيلة، للمكان سلطته الحاسمة في العمل الابداعي لكني افكك بعض سلطته بتخييله حتى اتمكن من التلاعب بالأحداث ضمن فضائه الفانتازي وامتلك حرية اوسع في تحريك الشخوص والاحداث دون تهيب او مرجعيات واقعية تحدد انطلاق المخيلة، وحسب ظني ان المكان يمتزج عندي بالزمن حتى لايمكنك تخيله منفصلا او قائما بذاته، ذائقتي ومصادري الرافدينية أثرت في رؤيتي لموضوعة الزمن ووجدت فيها حلا لإشكالية الزمكان حسب التعبير الاصطلاحي المعاصر، السومريون كانوا يرون الزمن مكانا، ويطلقون عليه مصطلحات المكان فالمستقبل حسب الفكر السومري - هو الذي يقع وراء المرء لجهلنا به، في حين يصفون الماضي بأنه ذلك الذي يقع بين عيني المرء وأمامه فاحداث الماضي لاتكف عن محاصرتنا والتأثير في حاضرنا، فهو المنظور الذي اختبرناه وعرفنا تفاصيله، مرة اخرى لا نمسك من مستويات الزمن عمليا سوى الراهن المعاش اللحظة التي نحسها ونجتازها، لذا تجد لدى بعض شخصياتي نزعة أبيقورية تجاه الزمن، نزعة تتحمس للإبتعاد عن الالم وبلوغ المعرفة بالنفس والحكمة عن طريق اللذة فلا تكون المتع هدفا بذاتها بل طريقا لبلوغ الحكمة والمعرفة فنراهم يحتفون باللحظة ويحاولون الهرب من الألم والبحث عن متعتهم الخاصة – مدفوعين بغريزة البقاء وحب المعرفة، فاحساسهم بالزمن يرتبط بأفعالهم في تلك اللحظة وبدون الفعل المدرك لانحس بسيرورة الزمن، فنحن ندرك حياتنا ونتعرف إلى انفسنا من خلال حركتنا في الزمن، وخير مثال على هذه النزعة شخصية راوية في سيدات زحل التي تسعى لملذات الطعام والجسد لتتعرف إلى نفسها ومصيرها وتبلغ قدرا من الطمأنينة كما تراها هي عبر المتع المرتبطة بالطعام والجسد.
.
* تمتد روايتك الاخيرة " سيدات زحل" منذ سقوط بغداد على يد هولاكو وحتى سقوط النظام السابق واحتلال المدينة من قبل الامريكان، لماذا هذا التداخل التاريخي مع الواقعي وا لمتخيل في المتن الروائي اضافة الى تحرك الشخوص في مستويات الزمن المختلفة والامكنة المتعددة؟؟

المتخيل السردي يتوسل جميع الطرق المتاحة ليغتني بالامكانات التي يقدمها تنوع الامكنة وتعدد الازمنة، فتعدد الأمكنة والتباس هويات الشخصية يعزز التحولات السردية في الرواية التي لاتركن إلى الشكل التقليدي الحكائي وحده ولاتكتفي بالزمن الكرونولوجي التقويمي - بل تتخطى ذلك الى اختراق مستويات الزمن العمودي وتتقصى اوجاع الروح الانسانية واشواقها واحلامها عبر طبقات زمنية متراتبة وقد استدعى تعدد الشخوص و تنوع واتساع رقعة الاحداث في روايتي هذا المزج بين المستويات المختلفة الواقعية والمتخيلة وأتى التداخل بين الأزمنة ليعزز هوية المكان وسمات مدينة بغداد التي انعقدت لها بطولة الرواية وهي في احد وجوهها حياة البابلي التي تتماهى مع المدينة وتتقمصها وتتحمل عذاباتها وتحلم بنجاتها وحفظ مأثوراتها....

لو راجعت كراسة قيدار البابلي ستجد ان زمن الرواية واحداثها الرئيسة تبدأ من تأسيس بغداد وليس من واقعة سقوطها الاول على يد هولاكو، ومن لحظة التأسيس بدأت ظاهرة الاستبداد لدى الطبقة الحاكمة في تاريخنا الاسلامي / بالنسبة لبغداد بدأت من لحظة قرار ابو جعفر المنصور إقامة عاصمة ملكه في موقعها وكان يرى بغداد كرغبة ملكية وشهوة استحواذ - يراها في المنامات واحلام اليقظة ويتشهى امتلاكها، وكانت بغداد معروفة منذ العصر البابلي الاول (زمن حمورابي) كقرية ومحطة تجارية فيها ثم شيدت فيها لاحقا الأديرة والاسواق والرياض، وعندما رآها أبو جعفر بموقعها الستراتيجي بين اقتراب النهرين ووقوعها على طرق التجارة قرر الاستيلاء عليها وأمر ان تقوم خارطتها على مخطط من نار ومنذ تلك اللحظة – حسب رؤية (قيدار البابلي) وهو صوفي وعلماني رؤيوي- بدأت نذر الاستبداد والإحتراب وتواترت على المدينة عبر تاريخها – حروب حرائق وغزوات ومعارك واغتيالات من اجل السلطة والهيمنة – وكل استحواذ وتمسك بالسلطة والهيمنة كما تعلم - يترافق مع الاستبداد وفظائع المستبدين..

* طبيعة الغموض في الشخصية المحورية حياة البابلي، وهل هناك قصدية باختيار الاسم واللقب؟

ليس غموضا بل هو التباس مؤقت في هويتها ضمن الالتباس الكبير الذي تعيشه البلاد، التباس مرت به وهي تحت ضغط الرعب ومواجهة الموت في سرداب البيت او سرداب الرؤى وفي فوضى الأحداث تفقد قدرتها على تحديد هويتها فهي بين أن تتقبل كونها حياة البابلي او ترتضي إسم آسيا كنعان الذي تحمله في جواز سفرها وبين ان تستسلم لتماهيها مع شخصية زبيدة التميمية التي عاشت قصة حبها على عهد داوود باشا والي بغداد وكابدت في ذلك الزمن أهوال أحداث تتوازى وتتماثل مع احداث الحاضر في دمويتها وعنفها، يبقى الحب وصوت حبيبها حارسا لذاكرتها وهو يبث اليقين في روحها ويؤكد لها في كل لحظة أنها حياة البابلي وتبدأ ذاكرتها باستحضار القرائن التي تثبت لها انها هي بعون من الحب والحلم بالعثور على عمها الشيخ قيدار البابلي، والرواية تعمل في أحد مستوياتها على مفهومي الخاص للهوية والذي يبوح به العجوز الياباني في الكراسة رقم 35 وهو يتحدث إلى حياة عن فكرة الهوية المعاصرة، وعلى مستوى الواقع كان معظم شخوص الرواية في بغداد واقعين في فخ التباس الهوية اختيارا أو اضطرارا في زمن الالتباس الكبير بعد الاحتلال وما افرزته فوضاه الخلاقة –المدمرة من عنف منظم وميليشيات طائفية وخراب شامل..

اما اختيار الإسم فلا يخفى عليك أن أسماء الشخصيات في روايتي لم تأت عفوية إنما لها دلالاتها ولها دورها في تعزيز المواقف والرؤى، حياة هي عصب الرواية وبطلتها المركزية وهي وجه من وجوه الحياة المؤنثة حارسة البقاء والمبشرة بالحب وحاملة حلم صيانة الجمال الذي تتقاسمه مع عمها قيدار البابلي وحبيبها ناجي الحجالي، ولقب البابلي إحالة الى الموروث الرافديني أولا اذا كنت قرات قصة والدها عن جذور العائلة، ثم يحيلنا ثانية الى الذاكرة العربية كثقافة وليس كقومية والبابليون أحد تجليات هذه الثقافة - وهي كعنصر فاعل ومؤنث مانح للحياة تشتبك مع الموروث الثقافي المستنير وتستند إليه في الازمات، و اعمل دائما في رواياتي وجهدي الأدبي على عدم الاعتداد بالإنتماء القومي للشخوص حتى انني قدمت علاقات التمازج والتزاوج بين الاديان والقوميات والطوائف على نحو جلي في الرواية التي تمجد الروح الانسانية الحرة المتحررة من كل قيد ..

*هناك ادانة للتاريخ والحاكم والقادة الذين يتسلطون على رقاب شعوبهم من ثم يسلمونهم الى الاحتلال وهذا واضح من خلال شخصية بهيجة التي اعتقلت عام 1968، وهل مازالت بهيجة في العراق وشهدت سقوط الطغيان؟؟.

يمثل الفن عادة - والكتابة الروائية احدى تجليات الفن – يمثل عاصفة شغف تخترق عظام التاريخ، وتنبثق من الجهة الأخرى للحلم، يظل التاريخ ركاما من أحداث وأسماء وبرك دم وصرخات هلع، أما الفن فإنه يتجاوز التاريخ ويؤثث المخيلة بالأزاهير والجمال وفتنة اللذة وبهاء الحب، يحتفي بالجسد والروح ويقيم مآدب للجمال المهدد، في روايتي احتفاء كبير بالجمال والعشق وسط مايصنعه تاريخ الحكام الدموي..ولكن بم يحتفي التاريخ؟؟ أنه محتشد بالموتى – حتما -والفاتكين وجغرافيات الألم البشري، يحتفي بالجماجم والسيوف والسم والمكيدة ويتشبث به القوميون والشوفينيون والمتشددون دينيا وطائفيا وهم يحاولون إعادة دورة الزمن إلى الوراء..
يعمل الفن في الجهة المضادة، يدين التاريخ ويخترق طبقاته ويخلع عنه رداء القداسة، يفكك مادته متداخلا مع مستويات الزمن المعاشة والمحلوم بها، يبقى التاريخ جثة مبهرجة ببريق الذهب والأكاذيب بينما يختض جسد الفن بالرؤى والرغبات وتجليات الجمال، وينجز تمرده على قداسة التاريخ الزائدة عن حاجة البشر. اما تساؤلك عن (بهيجة) وهل شهدت سقوط الطغيان.؟ نعم ولعلك تجد في موال الست فريدة تلك الخيبة والخذلان الذي منيت به احلام بهيجة وغيرها..

العراق مليء بالبهيجات والنساء اللائي نالهن من الطغيان نصيب ومن العذاب حصص، وقد شهدن ماشهدن ولم يشف غليلهن سقوط نظام او تبدل وجوه الحكام إذ أعادت الفوضى الخلاقة –او الفوضى العمياء عجلة الزمن إلى الوراء وكان أول المتضررين حشود النساء و ابنة بهيجة حياة البابلي ذاتها وبنات الاخريات، وكأن القرابين التي قدمتها النساء والرجال على مدى عقود ذهبت سدى و اتى من يعزز سلطة الماضي ويحاول التحكم في المجتمع وقولبة اوضاع النساء بطرق عنيفة، وكل عنف موجه للنساء مضاد للمستقبل ويهدف إلى وضع المجتمع في منطقة تاريخية أو ماورائية تعطل وتائر التقدم..

* كذلك الحال ذاته في قصص حازم وحامد الاخرس الذين عذبهم النظام وسلب ذكورتهم، لينعكس الامر على حياتهم الاجتماعية، هذا اضافة الى بتر اللسان والاذن ؟

- الذكورة حالة بيولوجية كالانوثة، لذا تجد الطغاة من ذوي النزعات الذكورية العنيفة التي تبرر القتل وكل اشكال الابادة وتحذف من تشاء من قوائم الاحياء، تجدها تستهدف احيانا (ذكورة) المعارضين، وذكورتهم المبتورة تعني بتر فكرة المستقبل والانجاب، الطغاة عادة هم مضادو المستقبل وأعداء الانوثة بالنتيجة، أما بتر اللسان فهو احد وسائل الطغاة لتحريم التواصل والتعبير الحر عن الفكرة التي تضادهم، هم أعداء اللغة اساسا واللسان أداة القول واللغة، لذا يحسبون ان من واجبهم الاستيلاء على قوة اللغة وتجريد الاخر المضاد من هذا السلاح : قوة اللغة وسلطتها..
ألامر ليس مبسطا بهذه الصورة باعتباره خللا جنسيا بل هو ابعد بكثير من ذلك، اخصاء حازم وبتر لسان حامد فعلان يتجهان الى تدمير المستقبل والاستحواذ على اللغة من قبل المستبد..

*تناولت فكرة الهروب الى الداخل والى الخارج وبشكل خفي ولعبة تغير الاسماء والشخوص البعض كان لخوف طائفي والاخر كان لخوف سياسي ،الى اي مدى اثرت تلك الفكرة في بنية الرواية وحركت شخوصها ؟

الحياة المعاصرة هي في جوهرها حياة هروب، الهروب فعل انساني تستدعيه غريزة البقاء إزاء دوامة الحروب والاحتلال والاحتراب الاهلي وفي القرن العشرين وفي هذا القرن تحول ملايين من البشر الى لاجئين او مهجرين او مهاجرين، فوضى البلاد المحتلة تشبه بؤرة غليان تنضج حالات من العنف وحالات من اليأس و تعزز سلطة الموت وتطلق بخارا ساما طاردا للعناصر المسالمة عاشقة الحياة والجمال وتصبح الفوضى مصيدة ومتاهة، البعض بسوء تدابيره او سوء طالعه يقع في المصيدة وينتهي، البعض الاخر يختار المتاهة - مؤمنا ان سبل الحياة كلها اشبه بمتاهات ـ تقود الى المصير ذاته فيسرع في الفرار ليواجه اصنافا شتى من الفوضى والمكائد، الفرار والهروب بدأ في العراق منذ السبعينيات وتفاقم في التسعينيات وضرب ارقاما قياسية بعد الاحتلال وظهور التشدد وهيمنة العنف، حماية المرء لحياته ضرورة وجودية، وروايتي تحفل بحالات فرار وهروب وتجسد وقائع عراقية وكونية وكانت من أشد الافعال حضورا في الرواية باعتبار الفرار احد ردود الاحياء على الموت والابادة وليس لسبب سياسي اوفكري، الأساس هو حماية الحياة قبل كل شيء ثم تأتي المبررات والمسوغات كسند إجرائي..



حسين رشيد
كاتب من العراق
hasan_rr2002@yahoo.com

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث