السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
التجريب في الأدب، يقظة من الافتتان/دراسة في ما بعد الحداثة: شاون فايدمار
ترجمة: أماني أبو رحمة
التجريب في الأدب، يقظة من الافتتان/دراسة في ما بعد الحداثة: شاون فايدمار
سكوت فيتزجيرالد
تبدل حكي القصة في مطلع القرن التاسع عشر*, من التقليدي إلى صيغة سردية جديدة أكثر حداثة. لقد حدث هذا التحول نتيجة عوامل عدة : (1) تحطم الديانات المنظمة والمؤسسات الأخرى ,(2) و ادعاءات داروين أن الإنسان من سلالة القرود ، (3) وكشف فرويد عن التناقض بين الفكر والتعبير والعمل ، وهلم جرا.
أذكى الارتحال العالمي نيران الحداثة كما أن حلول التصوير الفوتوغرافي هزّ الأوساط الفنية. و تمثل تأثير هذا الاضطراب في استجواب شخصي عام وشامل للمحيطات المدركة، مما أسفر عن تحول السرد التقليدي وانكفائه نحو الداخل.
أثرت الحركة الحداثية في العالم بطرق عدة : فقد وصف سكوت فيتزجيرالد عصر موسيقى الجاز والرجال الأغنياء المتهورين الساخرين العابثين المحاطين بالجميلات حتى وان كن فارغات تافهات . مكنت نهضة الهارليم المثقفين الأمريكيين من أصل إفريقي مثل زورا نيل هارستون ولانغستون هجيز من الحديث عن تجاربهم وكتابتها , كما وظف جورج جرشوين قدرة موسيقى الجاز على الارتجال ضمن حدود وحول حواف الأغاني الزنجية الكئيبة " البلوز" ،والأغاني العسكرية ،والتراتيل الدينية ،وأغاني البوب ودمجها في الموسيقى العالمية السائدة . لخصت الغانيات الحرية بالخروج وحدهن بسيجارة في يد وكاس في اليد الأخرى.
تحرر الرقص من صالات الرقص الكئيبة الخانقة والتمايل على إيقاعات منتظمة, ورمى الراقصون الشريك على ارض المرقص. ولكن مع كل هذا التمرد في ثقافة الفوضى ونهمها لكل ما هو جديد وميلها إلى التضمين, فقد بقي هناك حدود لأفق الحرية. لقد رفعت الحداثة الحاجز إلى أقصى ما يمكن تخيله وسنتعرض فيما يلي إلى تأثيرات الحداثة على الأدب والعمارة.
في الأدب , لم يعد الكُتاب بحاجة إلى وصف غثيان الظروف الزمكانية ، إذ أن هناك عدد كاف من الناس لتوثيق الجغرافيا في مجلات الرحلات وأعمال اللا- تخييل , وتبعا لذلك فقد بحث الكاتب عن فضاءات جديدة ، واكتشف إمكانيات لا محدودة للعقل البشري .
كانت فرجينيا وولف في طليعة هذا المونولوج الداخلي , ففي نصها, المنارة, تكشف كثير من الشخصيات قصتها بوساطة إدراكهم الذاتي وأفكارهم وتطلعاتهم. إنها تجسد سوء الفهم ضمن تقاليد حكي القصة الأكثر حداثية , مانحة القارئ مناقشات المناخ الداخلي للشخصية بدلا من عرض المحيطات الفيزيقية .
أخذ الفن الحداثي , أيضا, انعطافة جديدة من فضاءات الرسم كما تظهر, إلى التجريب في الشكل والإدراك . بدأ أبطال الفنون الجميلة انعزالهم لان الجيشان الحداثي تسبب في استجواب الجماليات . تزود هذا الاستجواب بوقود التصوير الفوتوغرافي الذي صور الطبيعة أو البورتيهات بدقة تفوق الرسم بما لا يطاق . وتبعا لذلك فان الفنانين أيضا تحولوا إلى الداخل نحو إدراك تجريبي. مثّل بابلو بيكاسو هذا التغير بدقة . لقد احدث بيكاسو ثورة برسوماته التكعيبية الشهيرة التي صورت بورتريهات متعددة الأوجه لوجه واحد , طامرا مخاوفه الذاتية وقلقه في قطعة فنية . لقد سمح بيكاسو للشكل أن يوظف في رسومات خطية ، ورسومات توضيحية بسيطة ، ومع ذلك لا يوجد شيء من التبسيط في فنه.
تطورت العمارة أيضاً . فقد تحاشى المصممون الحديث عن أغلال الماضي المزخرفة. لقد مسحوا تصميم كعكة الزنجبيل الفيكتوري والتصاميم القوطية الثقيلة ، وهدفوا إلى تصميم أشكال أكثر منهجية ، حيث الشكل يتبع الوظيفة. كانت المباني في هذا العصر واضحة وتشبه الصندوق. عُرف لوكوربوازييه بهياكله التي تشبه صناديق من الورق المقوى الموسع مع قطع لفتحات النوافذ. المباني تبدو باردة، حيث تبنى المصممون تكنولوجيا جديدة لدرجة أنهم أنتجوا أربعين ناطحة سحاب من الزجاج والفولاذ. تعتبر تصميمات فرانك لويد رايت الخطية والزاويّة أمثلة جيدة لعرض جماليات العمارة الحداثية .
وبالمثل فقد تطورت ما بعد الحداثة من التاريخ ومن ردود فعل الإنسان على ما اقترفته يداه. شهد عام 1940 أسوأ مثال على وحشية الإنسان تجاه الإنسان مع روايات لشهود عيان ولقطات مصورة من معسكرات الاعتقال في الحرب العالمية الثانية. بعد ذلك بوقت قصير بدأت المجموعة الديموغرافية المعروفة باسم جيل الطفرة الإنجابية Baby Boomers في التشكل متسببة في انتقال كثير من الأسر إلى خارج مراكز المدن ، والى الضواحي ، مما تسبب في انهيار اقتصادي قاد إلى تكوين معازل داخل المدن . وكان عاملا في طرد العديد من النساء من وظائفهن في زمن الحرب. هؤلاء النسوة اللواتي جربن الحرية الاقتصادية و الشخصية تم إجبارهن على العودة إلى أدوار ربات البيوت والأمهات. لقد أمطرن بوابل الأجهزة الحديثة وتوقع منهن أن يتنحين جانبا من أجل أن يعود الرجل لتولي مهامه مرة أخرى. و حدث أن كان واحد من تلك الأجهزة هو التلفزيون, القادر الجامع للقوة, مولدا في لحظة شكلا جديدا من الثقافة الجماهيرية.
وحتى مع هذه التغيرات , فقد اعترى الحنين للحكاية الحداثية الكثيرين بتركيبها المدرك المتعارف عليه وشخصياتها المتأنية عن قصد . ولهذا فان كثيرا من نصوص ما بعد الحداثة لها قدم في كل معسكر. وعلى الرغم من أن ما بعد الحداثة قد اكتسب زخما في الخمسينيات وخلال الحرب الباردة وظهور النزعة الاستهلاكية الشامل ، و جلسات استماع مكارثي ، والقوة المتزايدة لفتيان الطفرة الإنجابية ، إلا إنها لم تبدأ في التشكل فعلا حتى الستينيات الراديكالية.
كانت الستينيات عقد الهيجان تاريخياً . كان الشعراء الوجوديين في المشهد مع موسيقى الروك اند رول المثوّرة لفرقة الخنافس . واجتماعيا فقد اكتسبت النساء صوتا, ومع ظهور حبوب منع الحمل أصبحن مسيطرات على الإنجاب. أخذت حركة الحقوق المدنية في الجنوب شكلها, ورفض الكثيرون الرجوع إلى مؤخرة الحافلات ,وأصروا على الاندماج في مدارس كانت مخصصة للبيض في السابق . لقد وضع ريتشارد البيرت وتيموثي ليري خبرتهما الأكاديمية على خط التحول حين أنتجا عقار الهلوسة المسمى "ال سي دي " الذي عرفه المجتمع , بدوره , في عمل وولف توم Electric Kook-Aid Acid Tests والذي تروج له عصبته السعيدة , والموت المقر بالجميل . لقد أدى تجريب هذا العقار وغيره من العقاقير التي تغير العقل إلى ظهور صحافة الجونز" Gonzo journalism, وفن الزخرفة بتوظيف الحروف على شكل دوامات والألوان المتذبذبة .تواصلت حالة التشكيك وانعدام الثقة العام بالحكومة عبر العاطفة المناهضة للحرب التي عززتها التغطية الإعلامية, ومجزرة ولاية كنت, والشغب العرقي, وعدم قدرة الحكومة على الاستجابة للمطالب الجماهيرية بالانسحاب من فيتنام. أوصل العلماء الإنسان إلى القمر ، وأنتج الإعلام الجماهيري غول الباباراتزي "المصور الخفي" الضاري . ليس من قبيل الصدفة إذا أن الاضطرابات الاجتماعية والتاريخية قد فسحت الطريق لإحداث تغييرات في الفنون، بحيث كان الأدب والفن والعمارة ، رد فعل لمشاعر عامة من الاشمئزاز والريبة ، والتفكيك.
بدأ كثير من المؤلفين التجريب الرسمي , والتخصص, والتمرينات على الإلقاء والصوت والخطابة . ففي عام 1961أصدر جوزيف هيللر كتابه كاتش -22 الذي يصور بشراسة البيروقراطية العسكرية الأمريكية والمنطق الخبيث لما لا مفر منه. كما كشف رولان بارت في "موت المؤلف" أن كل نص (أو جسم فني ) لا يمكن إلا أن يكون إعادة تركيب لكل التجارب ، وكل النصوص السابقة ،وكل التاريخ . وأكد أيضا على أن" الكاتب الحديث ولد مع النص في الوقت ذاته " إلا أن " ولادة القارئ لا بد أن تكون على حساب موت المؤلف ".
لقد ذهبت أيام التدخل الإلهي، والاعتماد على آلهة الإلهام اليونانية. و بعد مرور عشر سنوات ، عرف ريموند فيدرمان مصطلح pla[y]giarism(1) ـ الذي جلب إحساسا بالنزوة والمتعة" "play للرواية والنقد ، في وقت لاحق دمجهما في حدث واحد أ طلق عليه critifiction (2).
ونتيجة للافتراضات التي قدمتها الثقافة المتزايدة لما بعد الحداثة، أصبح الأدب، والفن، والهندسة المعمارية، مقتلعا من جذوره لا أساس له، منزوع المركز وبلا أخلاقيات.
رفض ما بعد حداثيين التقاليد ، وبدؤوا التجريب في الشكل والبنية والعملية السردية , الأمر الذي يتضح بصريا في مجال العمارة .
تعاون المصممان رينزو بيانو وريتشارد روجرز في تصميم مركز جورج بومبيدو الوطني للفنون والثقافة في باريس ، الذي هو عبارة عن مبنى زجاجي تم تسقيف طوابقه الستة عبر منظومة من المساند المتشابكة المثبتة خارج المبنى. وبدا المبنى، وفقا لرغبة المصممين، وكأنه لا يزال محاطاً "بقوالب " أعمال الإنشاء المؤقتة أكثر بكثير من مبنى مكتمل البناء! . ساهم في تشويش واجهات المبنى الحضور الكثيف للعدد الهائل من عقد الإنشاء والتراكيب البنائية الطولية والمحورية والمتصالبة التي غطت بعناصرها مفردات الواجهة وأكسبتها انطباع " الفوضى " العفوية ، بيد أنها تظل " فوضى " مقصودة و مصممة مسبقا . ومما زاد في خلق حالة " التشويش " الواجهاتي كشف مجاري وأنابيب الخدمات الهندسية نحو الخارج ؛ هذا عدا عن اللجوء لتوظيفات عنصر اللون وتشغيله تكوينيا للقيام بوظائف جديدة لم تكن معتادة سابقا في العمارة المدنية . أضاف مصممون آخرون واجهات ضخمة على مباني الماضي القديمة المربعة الحداثية .
اغترف المصممان من فن الخداع البصري (فن الترومبيلوي : trompe l’oeil ) عند صبغ النوافذ على الجدران الآجرية ونقش الزخارف على أنابيب الصرف الصحي المعدنية . أفاد معماريو ما بعد الحداثة من التيارات التاريخية مثل آرت ديكو وكيتش كما من التصميمات اليونانية والمصرية لجمع كل الخطوط التقليدية في مبنى واحد . تسبب هذا التجريب في خلق شعور بان العمارة باتت في "حقيبة – اختطاف " مضافا إليها السياق التاريخي وتعقيدات التيارات الفنية.
أنجز فنانو ما بعد الحداثة جيشان مشابه في صالات العرض. الفن الأدائي الشعبي ,و جماليات القمامة , ومواصلة استجواب الفن المفاهيمي , ما هو الفن ؟ . كما اصدر النحات المعتدل دونالد جد سلسلته " بدون عنوان " من صناديق الحديد المجلفن المحمولة على جدار . لقد مهد لتيار فني يجاهد من اجل اختزال الفن إلى شكله وألوانه البدائية . استفز هذا التحول فنانين مثل اندي وارهال الذي أنتج شاشات حريرية من صورة معادة التدوير . أما بُعد الاستهلاك الشعبي فقد ,ظهر في مجموعته " علب الحساء الفارغة" . فيما أدرك لروي ليتشتنستين قدرة الكتب المصورة .
أعطت الثقافة الشعبية في أواخر الخمسينيات والستينيات دفعة قوية لفن ما بعد الحداثة.
تسببت ما بعد الحداثة, من حيث كونها حالة ذهنية أكثر من أي شيء آخر, بعوائق استثنائية مع أي محاولة لتعريفها بمصطلحات مطلقة. لذا فان هذا البحث سوف يتفحص فقط توجهاتها في منح امتياز للاستجواب الوجودي على الابيستمولوجيا , فضلا عن التجارب في الشكل التي غالبا ما تعرض بوساطة الكتاب الما بعد حداثيين .
تبعا لبرايان ماكهيل في كتابه " رواية ما بعد الحداثة" كان الاستجواب الابيستيمولوجي هو النوع المهيمن في الحداثة وتضمن التنقيب عن المعرفة والاهم عن من يمتلك تلك المعرفة . يعلق هذا الافتراض على شماعة وجود ما وراء السرد أو التفسير الكبير .
في السابق كان ما وراء السرد يعرض المعرفة بمصطلحات محددة. لم يستجوب أحد الكنيسة، الدولة، أو الوضع الراهن. وإذا كان لدى الناس بعض الأسئلة المعرفية، فان كل ما عليهم فعله هو الرجوع إلى دينهم وحكومتهم، والرأي العام. إن ما يلازم الاستجواب المعرفي هو أن هناك معارف يمكن العثور عليها، وان شخص ما يحمل ذلك المفتاح المستنير.
هذا الاستجواب مشابهة لطريقة جمع الأدلة على النحو الوارد في الرواية التقليدية البوليسية . هنا تبحث الشخصية عن المعلومات خلال النص ، تتحرك وراء القرائن ،وتستنتج حلا محددا . لا يهتز إيمانها أبدا بأن مفتاح حل اللغز موجود في مكان ما. القارئ بدوره لن يترك النص دون أن يعرف الحل. إن هذه الممارسة التقليدية المعرفية في البحث عن الجواب هي من سمات القصة الحداثية .
تعارض الانطولوجيا ,الما بعد حداثية المعرفية الحداثية . يوضح ماكهيل ذلك : عندما يذهب الاستجواب الابستمولوجي إلى ما بعد عالم التفسير الكبير Big Explanation وينقلب حرفيا إلى تشكيك وجودي ، عندها تكتسب ما بعد الحداثة زخما .
يتألف الاستجواب الوجودي من إدراك عالم واحد من بين العديد . إن الفضاءات النصية التي يجد البطل نفسه فيها تكون في جيشان وثورة دائمة . لا تفترض الشخصية هنا وجود شرح أو تفسير ، كل ما تفعله هو محاولة استجواب مكانه في عالمها المدرك . تمتلك النصوص الانطولوجية نوستالجيا إلى المساءلة الابستمولوجية ، وتندب غياب شيء ما لا يمكن تذكره تماما . بدوره يخلق هذا الحزن توترا لا يمكن انحلاله في النصوص الما بعد حداثية التي توظف بوصفها عوامل تسيير تدفع المساءلة بثبات نحو الذاتوية Solipsism ، أو نشوء عالم داخل عالم آخر. الذاتوية ، كما يعرفها ماكهيل هي قبلة رمزية لكرات المسبح الكوني . إن التوتر المتوقع للذاتوية في النص غالبا ما يكون معرفا حيث تقيم ما بعد الحداثة .
يخلق الصراع بين الاستجواب المعرفي والاستجواب الوجودي توترا دون شك إلا أن الشيء نفسه يحدث في التجريب الشكلي.
عندما أعلن بارث أن كل النصوص الحداثية لا تعدو كونها " خليط أو خبصة " من النصوص السابقة ، كنص الحداثيين . وبدلا من محاولة إثبات أن بارث على خطأ ، ساير الفنانون الحداثيون الفكرة وبدؤوا بإنتاج مواد معاد تدويرها وأشكال نصية مغايرة .
جميع كتاب ما بعد الحداثة الذين سنعرض لهم هنا أعادوا توظيف بنية خرافات القرن الثامن عشر الكلاسيكية كأساس لإبداعاتهم . وظف روبرت كوفر ،و أنجيلا كارتر ،و دونالد بارثلم الأفكار الرئيسية في الحكايات الشعبية في أعمالهم . لقد قاموا بتسليط الضوء على كل كسور الحكايات المألوفة حين قاموا بعرضها من خلال منظور ما بعد الحداثة.و بدفعهم للنهاية السعيدة الأبدية المعرفيةـ Happily Ever After (( جملة تختم بها الحكايات الشعبية وتعني السعادة الأبدية التي لا سعادة بعدها )) ـ إلى استجواب القرن الحادي والعشرين الوجودي للسعادة والأدوار التقليدية والسحر ، فقد أودعوا الشخصية الحداثية في عالم ريفي رعوي سابق مما أنتج استجوابا حول الأصول .
سلط كل كاتب الضوء على ما بعد الحداثة بشكل مختلف، ومع ذلك فان المسألة الوجودية بقيت نفسها: " كيف يمكنني تعريف هذا العالم ؟ " يوظف كوفر أدوات ما وراء القص ، فيما يركز بارثلم على السقطات اللغوية النصية .
أ. ما وراء القص:
يصنف مصطلح ما وراء القص, الرواية التي لا تنكفئ على نفسها فحسب , ولكنها تلفت النظر إلى عملية كتابتها وشكلها بدلا من إبراز حبكتها ومحتواها . يستنتج لاري ماك كافري في كتابه " الميوزا الما وراء قصية ": إن مصطلح ما وراء القص غالبا ما ينطبق على تلك الأعمال التي أهملت من قبل النقاد والعامة بسبب القصور في فهمها والتشويش في تأويلها .
وكما في أي صيغة جديدة في الكتابة , فقد كانت في بدايتها خروج عن الكتابة المألوفة , أنتجها ما بعد حداثيين تقدميين ,وظفوا النصوص المضطربة الجديدة , بوصفها عاكسة للتجريب في الشكل , واللعب الحر , والاستيلاء ( الانتحال) . وعندما انزلقت إلى تيار النقد السائد , استشهد بكثير من المؤلفين بوصفهم كتاب ما وراء القص بما فيهم وليام غاس وتوماس بينشون.
وفر التجريب الشكلي حرية في توظيف أي نوع أدبي مرغوب فيه. و أصبحت الأنواع السردية الراسخة مثل رواية التحقيق ، و الاوديسيا الملحمية ، ورحلة الخيال العلمي ، والحكايات بدائية الطراز بما في ذلك قصص الكتاب المقدس ، والأسطورة ، والحكايات الخرافية ، زادا لكتاب ما وراء القص .
وظف توماس بينشون الرواية البوليسية في " بكاء الرقم 49 ". رواية بينشون هذه تحمل مرآة أمام الافتراض السابق بان الاستجواب المعرفي يقود إلى إجابات ويتحرك متجاوزا ذلك المفهوم إلى الجانب الأخر من الزجاج , مؤكدا تصدع المساعي المعيارية في العثور على الحقيقة . شخصيته الرئيسية , اوديبا, لا تستطيع التميز بين الحقيقة الواقعية و سمك الرنجة الأحمر . لقد جمعت كل المعطيات مثل محققة مجتهدة , لكن بينشون يتركها بدون إجابات راسخة عند نهاية الرواية.
وسيلة أخرى في ما وراء القص هي الاستيلاء appropriation, تماما كما يفعل مغني الراب شون كومبز الشهير بـ " بف دادي" , فان كاتب ما وراء القص المعتدي يأخذ قصة راسخة ويتلاعب فيها كما يشاء هواه . لقد أعاد بف دادي إصدار البومات من السبعينيات . مثل " كل نفس تأخذه"و " روكسين" , و"كاشمير " بإيقاعاته وكلماته وتوزيعه وكورسه الخاص. وبالمثل فان كاتب ما وراء القص يأخذ غالباً قصصاً راسخة مثل رحلة " ذات الرداء الأحمر" في الغابة , ومشاعر جوزيف , و قبلة بياض الثلج الساحرة , ويعيد مزجها , وتقسيمها إلى عينات مختارة , وكتابتها تماما كلمسة بف دادي .
يحتضن كتاب ما وراء القص التلاعب النصي الحر, إذ أن القصص التقليدية لا تنزلق على سطوح اختيار العينات والتحديث فحسب وإنما تعامل لغويا ً.
توظف كتابات ما وراء القص أشكالا من التلاعب لتخفيف حدة الدهشة من تغير القصة الأصلية. توظيف الشعر والتجاور والشكل و الجناس وما شابه ينتج قصة لم يرى القارئ مثيلا لها بالرغم من وعيه العالي بالحكاية العتيقة التي سمعها بالتأكيد . كما يوظف كتاب ما وراء القص التورية, والتلاعب اللفظي المحكي بالعامية , وكلاشيهات الوعي الذاتي لتقسيم وكشف الحكاية القديمة وفي نهاية المطاف إبراز الاستجواب الوجودي .
تتخلل الجمل الشعرية نصوص كوفر وكارتر و بارثليم على سبيل المثال. جميعهم يوظفون التلاعب بالكلمات في نصوصهم وان كانوا لا يصنفون جميعا بوصفهم كتاب ما وراء القص بل كتاب ما بعد حداثيين . إن ما وراء القص ليس الأداة الوحيدة التي يوظفها كتاب ما بعد الحداثة في رواياتهم الإبداعية. ذلك أن سمة أخرى غالبا ما تقف تحت مظلة ما بعد الحداثة ألا وهي النسوية feminism
ب . النسوية Feminism
النسوية : هي نظرية المساواة السياسية والاقتصادية والاجتماعية . تنسب ولادة النظرية إلى مؤتمر سينيكا فول في عام 1848 . وحد هذا التجمع قوى المناهضين للتميز العنصري والنسويين لمناصرة التساوي في الحقوق للجميع . في ذلك العشرين من يوليو صدر إعلان العواطف “Declaration of Sentiments,” وهو نص يشبه إعلان الاستقلال مع تضمين النساء والأقليات . كان ذلك بمثابة إلقاء حجر في المياه الراكدة لتتكون موجة أصبحت تيارا في مجتمعنا الحديث , أصدرت الكاتبة شارلوت بيركنز جلمان مقالات حول كيف يمكن للمرأة أن تعيش وحيدة في سلسلتها "المرأة والاقتصاد "عام 1898 .
أعادت حركة "حق الاقتراع للنساء" توحيد النساء حول القضية, وجدت النساء صوتا يساند مطالبهن الصامدة بالحقوق المتساوية, بما فيها حق التصويت. وخلال هذه الانتفاضة جمّعت النساء قوى الحركات السياسية المشابهة المجاهدة من اجل حقوق متساوية لكل البشر , ومن هنا بدأت الكتابة النسوية تأخذ شكلاً . ملئت صفحات النصوص النسائية بإرشادات عن كيفية العيش خارج خيارات الزوجة , والأم , والعانس , أو العاهرة . تقوضت تلك الحدود واكتسبت النساء الحق في التصويت , والملكية الخاصة , والعمل , وفي طلب الطلاق. كما أضفيت صفة الذاتية على فكرة المساواة الاجتماعية .
لم يحدث من قبل أن كتبت نساء بأسمائهن بمثل هذا الكم. لم تركز كتابتهن على الصعوبات الجديدة
وإنما عن كيفية التعامل والتحايل على البطريركية .
بالنسبة لكثير من الكاتبات, فان قيود الواقعية والحداثة خانقة بالقدر نفسه كما البطريركية اللاتي يحاولن إزاحتها.
وبالاحتماء تحت مظلة ما بعد الحداثة , امتلكت الكاتبات الحرية في توظيف فسيفسائيات ما بعد الحداثة ببراعة وذكاء مذهل , ورغبة صاعقة في تحدي النظم الإيديولوجية لما يعرف بالأمر الواقع .
ينتحل كتاب ما بعد الحداثة الذين يوظفون وجهات النظر النسوية الأنواع السردية المتأصلة ويعيدون كتابتها لإلقاء الضوء على القدرة البطولية النسائية .
في "امرأة على حافة الزمن" ، تأخذ مارج بيرسي رواية الخيال العلمي التقليدية ، وتبرز الأنثى البطلة والرجل النمطي . الشخصيات الذكورية ـ عند بيرسي ـ حمقاء ، خطيرة وشريرة. إنهم يؤيدون البارادايم المؤسساتي الخانق متسببين في الموت الروحي للبطلة ، كونسويلو - الملقبة كوني. تركز بيرسي على نظم إسكات المرأة وتعطي لبطلتها صوتا للتمرد على تلك النظم .
قد تكون الظروف الزمكانية ملجأ ، ولكن الخيار يترك للقارئ للاعتقاد إما بقوة كوني لاحقا ,وبالتالي ارتحالها الزمني مع الناشطة النسوية لوزنت , أو باحتمال جنونها. تدرج بيرسي قضايا العنف المنزلي ، والحياة كأقلية ، والفقر التي يؤثر على كثير من النساء. من غير الواضح ما إذا كانت كوني على استعداد لمحاولة إعطاء تفسير للغير المؤمنين بالعالم الطوباوي الذي رسمته مع لوزنت ، مما يترك للقارئ حرية استجواب مفاهيمها الخاصة وتجاربها.
مظهر آخر للنسوية يركز على ذكاء المرأة البطلة . لقد انتقص قدر المرأة عبر التاريخ بوصفها خادمة للرجل , أو مما ملكت يده, أو حصان الأشغال الشاقة كما في رواية مارك توين أو مستغلة جنسيا بوصفها عاهرة كما في رواية نورمان ميللر الأجساد العارية والموتى .
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد ففي رواية دراكولا لبرام ستوكر , تكون النساء عدوات حتميات لأنهن متهمات دائما وبالتالي سيلطخن أحبتهن . عندما تعطي الكاتبة النسوية بطلتها صوتا , تنبثق الرواية الأخرى المدهشة , مثل صوت جو القوي واستقلاليتها في رواية" المرأة الصغيرة" للويزا ماي الكوت أو بسالة اماريليز في رواية جلمان " جمالها".
يختل توازننا, بوصفنا قراء, ذلك أن معظم النساء افتقرن تاريخيا إلى أي نوع من التعليم الرسمي أو حتى القراءة, لذا لم تكن هناك أي مطالب بشخصية نسائية قوية وقليل من استطاع أن يخلق مثل هذه الشخصية.
وبالتالي, فإنها عندما تمنح صوتا, تشد الانتباه إلى نفسها والى السنوات الطويلة من الظلم حين تجاهل المجتمع نساء ذكيات وكمم أفواههن.
انتحل الكتاب النسويين النظام البطريركي المعياري للهرمية و قرصوا أذنه . وتماما كما سلطت بيرسي الضوء على رواية الخيال العلمي وأغلال المؤسسة الفكرية , فضحت مارغرييت اوتوود الشرع الديني , وقيمة المرأة المرتبطة بخصوبتها في رواية "حكاية وصيفة" . في رحلة الخيال العلمي هذه , نجد قيمة المرأة واستحقاقها للإجلال مرتبط برتبة زوجها العسكرية وخصوبتها . أما أولئك اللواتي جربن حرية تحديد النسل أو الحق في الاختيار, فقد تعرضن للإدانة العلنية بل وربما للاضطهاد أو الإعدام بوحشية.
ومن المخيف أن ندرك كيف أن هؤلاء النسوة في الروايات، وغالبا ما كن أستاذات وفنانات ومهنيات، فقدن مكانتهن في المجتمع بخبث لتحل محلها المكانة المتعارف عليها اجتماعيا ً. ولكن مع تصوير أوتوود القارس للعالم ، فإنها قد أنتجت بطلة نسوية ، عرفت فقط باسم اوفرد ، وهي ذكية وجريئة ، قاسية ، وبارعة . وظفت منصبها الصغير للتنقل بين عوالم الصمت والاغتصاب والجريمة والقوانين والسلوك من اجل فك رموز النظام ثم ....الهرب في نهاية المطاف .
وكما يشدد كتاب ما وراء القص على القواعد السخيفة المقبولة للشكل واللغة ، فان النسوية تعيد هيكلة نظم عفا عليها الزمن وتناضل من أجل المساواة ،و التنقيب عن نظم لغوية أيضا تتشظى بعيدا عن الافتراضات المعرفية.
ما رواء القص عند روبرت كوفر:
ولد روبرت كوفر عام 1932 في مدينة تشارلس , ايوا . و بدأ دراسته في جامعة ساوترن إيلوني , كاربونديل , ثم انتقل إلى جامعة إنديانا وبلومنغتون حيث نال درجته العلمية عام 1953 . نال درجة الماجستير من جامعة شيكاغو عام 1965 في الوقت الذي نشر فيه روايته الأولى " أصل البرونستيين ". كان كوفر قد نشر عددا من القصص القصيرة في صحف ومجلات ودوريات , استمر كوفر في إتحاف المجلات والصحف بقصصه، ولكنه لم يحظ باهتمام النقاد إلا بعد أن نشر روايته الأولى"أصل البرونستيين " , التي تعتبر رائدة في التجريب الروائي وقد حصل كوفر على جائزة وليام فوكنر لأفضل رواية أولى عن هذه الرواية.
البرونيستيون : هم جماعة دينية متخيلة تمنح إحساسا بالارتياح الهزلي للحداثيين التعساء التائقين إلى الأمان المعرفي الديني . يعد اقتحام كوفر للدين المستند إلى آلة العد وبعض الحظ السعيد مثال ممتاز على نزواته الما وراء قصية . بعد هذه الرواية اصدر كوفر رواية بعنوان " اتحاد البيسبول الكوني " وهي قطعة تجريبية أخرى ساعدت في تعريف ما وراء القص.
تغرق الرواية في قضايا الخلق والإجابات المطلقة. هنري واخ , رجل ابيض أعزب في منتصف العمر . يلف لعبة البيسبول التي يحكمها كتيب معقد من التوليفات الممكنة التي تشبه لعبة النرد . ومن الطبيعي أن تطوق هذه اللعبة حياة واخ بسرعة ، حتى انه يفقد وظيفته بسبب الإهمال , وفورا أصبحت لعبة البيسبول هي التي تعرّف حياته . لكنه في الواقع يدخل في اكتئاب عميق عندما يضطر الى قتل شخصيته المفضلة "دامون روث فورد" في نقلة طائشة بسبب موت متزامن لثلاثي ثلاث مرات في الصف . في هذه اللحظة بالتحديد تصبح قصة كوقر ما وراء القص لأنها فجأة لم تعد قصة حزينة عن رجل أعزب في منتصف العمر, ولكن عن خالق يتفكر مليا في قدرته. يلمح كوفر إلى مشاعر واخ نحو رذرفورد بوصفها مشاعر بين المخلص وابنه , وعندما ينجح واخ في التدخل وإنقاذ حياة روث فورد , يدرك أن اتحاد البيسبول الكوني الذي خلقه سوف ينهار . هذه الانعكاسية الذاتية للغاية هي بمعنى أوسع ما يواجهه مؤلف النص بوصف خالقا لعلم ما أثناء عملية الخلق.
ما وراء القص عند كوفر البالغ حد الكمال بالتجريب الشكلي والانتحال واللعب الحر ,غالبا, ما يدفع الغطاء خطوة إلى الأمام . وفي حين انه يخوض التجريب مع شكل النصوص البدائية الطراز كالحكايات الشعبية والأمثال الإنجيلية ويستولي على أي شخصية ضمن تلك العوالم بطريقة هازئة لعوب , فانه أيضا يفشي صدوع ما وراء القص بوساطة العملية السردية والجنسوية والبنيوية . إن درجة تناغم مناوراته السردية الواضحة في رواياته: باب: "مقدمة في الأنواع ", و"زواج"J, و"الملكة الميتة", تشي بتربعه الفريد على عرش ما وراء القص.
أ‌. العملية السردية:
تعد قصة "باب: مقدمة في الأنواع", الأولى في مجموعته القصصية Prick songs and Descants الصادرة عام 1996, مثالا على سبره لأغوار اللعبة السردية. بدأ كوفر قصته باستدعاء كل الحكايات الخرافية والإنجيلية و الطفولية . يتشابك جاك والعملاق وتختلط هوياتهم . لقد ذهبت تلك الأيام التي كانت فيها الشخصيات دمى ورقية ثنائية الأبعاد. منح كوفر القارئ حكاية عن ذات الرداء الأحمر تتأرجح في عالم جديد حين قذفها إلى عالم المراهقة بدلا من بيت الجدة النيقة , كما عرض لنا الجمال الذي وقع يوما في غرام الوحش ناضجا ومتقدما في العمر . اثر ذلك على العملية السردية عندما استبعد السارد الكلي العام وتحول إلى سارد الشخص الأول بأفكاره واحاسيسه . يرى القارئ حيرة جاك وتردده في تعريف ابنته . ذات الرداء الأحمر , بشذوذ وخزعبلات عالم الخرافات الذي يحيون فيه. يصف كوفر مرارة الجميلة وحسرتها وهي تصف لنا " عدم سعادتها الأبدية" مع الوحش الذي لن يصبح أميرا أبدا .
بطريقة مشابهة, تستحضر قصة " زواج J" كثير من التقاليد المجازية إلى الحكاية. لم يلمح كوفر إلى " فترة الترحيل المضلل من عصر الجدات العتيق المشوه البغيض , وحكايات الدم والتعذيب في العالم السفلي القديمة المرعبة " فحسب بل إلى القصة المقدسة عن الميلاد الطاهر . وبدلا من العملية السردية التي يقوم بها الرب في الكتاب المقدس, فان كوفر يحضر صوت جوزيف النجار إلى دائرة الضوء . هنا يشهد القارئ جوزيف مستجوبا حبه لمريم الذكية الخلاقة , بالرغم من تقدمه في السن , ويرى أن جوزيف قد أصبح واسع المعرفة بما لا يقارن . تتلوى القصة وتتشابك بينما يناقش يوسف قضية حبه للعذراء, ومشروع زواجهما , ثم غضبه من الرب الذي سوف " يرتكب مثل هذه الأعمال غير المجدية ، نعم ، و بطريقة ، تكاد تكون مبتذلة" حين يجعل مريم تحمل بهذه الطريقة قبل أن يدخل بها . يتحدى كوفر مرة ثانية السرد الرسمي المألوف بطريقة هازئة لعوب .
في الملكة الميتة يقرص كوفر أذن السرد التقليدي فبدلا من سرد الشخص الثالث , يتلقى القارئ وجهة نظر ـ التي نادرا ما تذكرـ الأمير الساحر قليل الحظ . لا يوضح كوفر معارضة الأمير لتقبل مصيره القدري في أي حكاية خرافية يشارك فيها فحسب ,بل انه يلقي الضوء على أهمية الأمير ضمن الحكاية .
تسريده العفوي والمشكك يختلف بصورة آخذة عن تسريد الأبطال الواثقين المقتنعين بمصيرهم في الحكايات الخرافية . مستحضرا المساءلة الوجودية, يتساءل الأمير عمن هو المسئول والحاكم في عالمه هذا الذي لا خيار له فيه سوى انقاد بياض الثلج النائمة؟ .
يتصرف الأمير وحده ويقبل الملكة النائمة ولكن تحدث انتكاسات كثيرة وتسقط الملكة مغشيا عليها , حينها يفكر الأمير مليا في مكانه في هذه الحكاية الخرافية وحين يقرر المغادرة يكون قد حطم التابو بالفعل .
تتضح التشابهات بين قصصه الثلاث . ينبذ كوفر السارد العليم ويترك شخصياته طليقة في عالم السرد حيث تحيا , انه يعقد الأمور أكثر فأكثر, حين يخلط الأمثلة العتيقة المهجورة بالمشاعر والأحاسيس . انه يحاكي بحث ما بعد الحداثة عن نوع من التموضع في هذا العالم , بوساطة تحليل عالم الخرافات وقصص التنشئة و الرموز ، والأمثال ، والأساطير إلى طبقات من خلال تصريحاته هو أبطاله الإنسانيين لدرجة لا تصدق . هذه السمة الإنسانية هي أيضا التي تعين كوفر في معالجته للجنسوية ضمن نصوصه
الجنس:
نتاج آخر لقصة "الباب: مقدمة في الأنواع "هو كشف النغمة الجنسية الخفية الموجودة في اغلب الخرافات. مبدئيا فان هذه النصوص كانت أمثلة للصغار تهدف إلى تعليمهم السلوك المهذب وبمن يثقون وكيف يحبون. وغالبا فان الأنثى التي وصلت البلوغ تنام طول هذه الفترة أو تحبس في برج, حتى تصبح جاهزة لان تحرر وتعيش في سعادة أبدية. ولكن هنا فان حياتها المتقدمة بعد زواجها من الوحش الذي لن يصبح أميرا ابد مملوءة بالألم من قضيبه الغليظ النزق وبالإحراج عندما" تسقط منه بعرة أو اثنتين أمام العامة" . أما ذات الرداء الأحمر على أعتاب البلوغ , بزغب على العانة ونهدين صغيرين ممتلئين , فإنها تجتاز الممر الضيق بخفة ورشاقة نحو النضوج والكمال الأنثوي . وعندما تقترب من الباب " باب بيت الجدة الذي على شكل كعكة الزنجبيل " الأحمر النابض بالحياة و تقرر العبور, فان القارئ يستنتج أن استهلال حياتها البالغة جاء بعد اجتياز الحواجز والدماء.
في قصته " زواج J" نجد رغبة يوسف العارمة في عروسه العذراء. انه يصف براعته كعاشق, حبه العميق, وصبره على عروسه الجديدة, وإعجابه بالجسد الجميل بين يديه, حتى يهيمن عليه الرب والروح القدس. كيف يمكن لبشر أن ينافس الرب ؟ .
مرة أخرى يقوض كوفر خرافات بدت بريئة وساذجة, حين يطرحها مشبعة بالأحاسيس الحديثة والعواطف الصاخبة . انه يضفي طابع الإنسانية البحتة على الأحداث كلها ,عندما يدغدغ النغمات الجنسية الخفية في الحكاية, ويصل بها إلى أقصى الفرويدية حتى ينال اعتراف القارئ بها .
في "الملكة الميتة "يفضح كوفر نوايا الأقزام السبعة الجنسية نحو الأميرة النائمة في الحكاية الكلاسيكية . يسمح لهم كوفر بالدخول إلى مخدع الأميرة للحصول على متعة من فعل جنسي أحمق . لا يريد الأمير أن يعترف " بعدم نقاء زوجته".و لا يريد أن يصدق آثار الخيانة على جسدها. وبدلا من ذلك يركز على قدميها المتقرحتين بسبب حشرهما في الحذاء الحديدي الساخن. إذا لم تقوض تلك الحادثة رومانسية الليلة الأولى , ليلة بداية الحياة الأبدية السعيدة , فان كوفر ليس ملكا على كتابات ما وراء القص .
ج. البناء القصصي:
بنيت قصة الباب على ضم صيغتين تجريبيتين في الشكل, مبدئيا: وجهة النظر المتغيرة. تبدأ القصة بجاك العملاق متفجعا على دوره كاب لذات الرداء الأحمر , متسائلا عما إذا كان عليه أن يحذرها من الأخطار المحدقة بها أو أن يتركها تخوض غمار المعرفة والاكتشاف بنفسها . لا جديد في عرض تلك الأفكار ولكن كوفر ينحدر إلى خطاب جاك وعندها تغيب علامات الترقيم كلها . تتراكض الجمل لاهثة منقطعة الأنفاس خلف بعضها , وقحة وبذيئة . هنا يتحول كوفر إلى البريئة ذات الرداء الأحمر التي تمتلك تلميحات غامضة عن تداعيات مرورها عبر المدخل إلى قصتها الخاصة. يصور كوفر الفتاة البالغة حديثا تواقة للمرحلة المقبلة من حياتها ولكنها غير مستعدة بشكل مفزع .
تحتوي قصة "زواج J"على بيانات طويلة لجوزيف النجار . يكشف فيها ادراكاته من خلال حكي قصة يعرفها كل مسيحي بل ويسلم بها على أساس أنها معجزة الرب . المقاطع طويلة والجمل قصيرة, إنها تشبه محاضر الشرطة, لكنها منزوعة العواطف إلى حد بعيد.
تروى حكاية "الملكة الميتة " من وجهة نظر الأمير فحسب. يكشف الأمير مخاوفه وشكوكه بينما يواصل سرد القصة التي نعرفها جميعا . يسلط كوفر الضوء على شخصية ثانوية في الحكاية التقليدية ـ الأمير ـ ويمنحها واجهة متقدمة للتأمل , والتفجع , ولعن قدره الذي جعله أمير حكاية خرافية ينفذ ما يؤمر به فحسب .
تلاعب كوفر البارع بالحكايات العتيقة والمشهورة جعلت منه كاتب ما وراء القص الذي نعرف . وعندما انطلق عالم ما بعد الحداثة نحو الانترنت واكتشفنا النصوص المتعالقة المتشعبة , لم يدهشنا أبدا أن نرى يد كوفر في قبعة ما بعد الحداثة . انه يدّرس الآن في معهد براون , المعهد الرائد في فن الرواية بمساعدة الحاسوب , ويحكم مسابقات النصوص المتشعبة .
النسوية عند كارتر :
ولدت أنجيلا كارتر في منتصف الحرب العالمية الثانية عام 1940 الأمر الذي ترك أثرا واضحا على إدراكها وكتاباتها ,ذلك أنها عاصرت موجة النسوية العارمة التي تزامنت مع الطفرة الإنجابية . وعلى الرغم من أنها بريطانية بالولادة , إلا أنها تنسب الفضل في ثقافتها المتنورة إلى عدم الاستقرار الذي فرضه واقع ما بعد الحرب . صنفها النقاد كاتبة نسوية بسبب قوة شخصياتها حتى قبل أن يصنفوها كاتبة ما بعد حداثية . هذا التحول الذي جاء عندما بدأت كارتر التجريب في الحكايات الخرافية .
النسخة الجديدة التي وضعتها كارتر عن الحكايات الخرافية تقذف بشخصياتها إلى القرن العشرين لكنها تبقي على ملامح كافية من الشخصية التاريخية لتبرز الدوافع الأصلية لهذه الشخصيات .أثارت مجموعتها الأولى عن " الخرافات مشروخة" والتي تحمل عنوان " المخدع الدموي" (1979) الاهتمام عندما سلطت الضوء على الطبيعة الايروسية لتلك الحكايات القديمة (جاريت : 414).
تتضح الايروسية هنا من القدرة على كتابة " سرد يمزج مثل هذا الجمال الذي نعشقه بالرومانسية ـ متناسيا الاميرة (سنتو:35 ) .
قدرة كارتر لا تكمن فقط في فضح الجنسية الكامنة في الحكايات , بل و الانتباه إلى المقاطع الانتقالية في قصص الأحلام التي تحلم ، و الفقرات التي تقرأ كما لو كانت "مقالات " ، والجمل من قبيل " بجعات برية تحولت إلى عربات تجرها الخيول "(اودينكي: 72) . عبث كارتر وتحويلاتها تسلط الضوء على تفجر اللاوعي حيث الجميلة "تقع في حب الوحش بوصفه وحشا(سنتو) والصغيرة ذات الرداء الأحمر التي "تنام في سرير الجدة ، بين مخالب الذئب اللطيف " (كارتر ، المخدع : 118 ). دائما ما تنتصر الشخصيات النسائية عند كارتر ، وغالبا ليس على طريقة السعادة الدائمة ، وإنما نهاية لذيذة تعرض الاستقلالية والحدود التي يمكن تحديدها.
تدعم هذه النهايات نسويتها ,كما تدعم محاكمتها لمجتمع يميز الجميل ويعاقب القبيح . إنها أيضا تعرض رغبتها في استبدال البطلات المائعات البلهاوات بأخريات قويات و ذكيات .
ترسم كارتر شخصيات بطلاتها القويات لينبذن " الصورة النمطية الثقافية للأنثى , خصوصا تلك البريئة , المسالمة , الفارغة العقل والمثيرة , لصالح شخصيات نسوية تتميز بالحسم والجسارة الجنسية .
في كثير من الأحيان تسلط كارتر الضوء على التقاليد الأبوية التي تحكم على المرأة بالتبعية. مع هذا ، تعرف المرأة بوصفها نقيض صورة الرجل. في الاختلاف الجنسي، عدمية المرأة لا تعرف إلا من خلال شيئية الذكر.إن الخرافة التقليدية مثقلة بالذكورية والرغبة في أن يكون الذكر هو من يعرف الأنثى أولا ، ثم ينقذها ، ذلك إنها لا يمكن أن تعرف نفسها بدقة على الإطلاق بعيدا عن رجل . إن الجمال , في الحقيقة ، شيء ذاتي بحت ، وغالبا لا يكون أكثر من مجرد انكسار الضوء على المرآة. لكن المعايير الذكورية تشوه انعكاس الرؤية الذاتية عند المرأة . تصرفات كارتر في رواياتها هي بمثابة المنشور الذي يلوي هذه الانعكاسات الملطخة ويحولها إلى ثقة ذاتية .
وفضلا عن الجنس المهذب والشخصيات النسوية القوية , فان كارتر تمتلك صوتا متفرداً وصفه تشارلز نيومان" بأنه أدبي غزير الاطلاع دون تكلف , و عميق دون استهتار , غير مبال بالصيغ التقليدية دون أن يكون تجريبيا مجردا , ساخر دون سطحية أو قسوة "
كتاباتها حدثت الخرافات القديمة المنتحلة . تقول كارتر " يميل كل عصر إلى أن يخلق أو يعيد اختلاق أساطيره وخرافاته تبعا لأسلوبه وعصريته" . لذلك فن إصدارتها الحديثة عن الحكايات القديمة ليشت سوى مرايا تساعد المجتمع العصري على عكس صورته. ولكن ما حدث هو أن نظرتها جاءت من خلال زجاج النسوية مما منحنها تأملات متفردة .
اثبت كارتر في قصتها" المخدع الدموي" قدرتها على تخطي المعايير دون الابتعاد عن الحكاية الشعبية .تناولت كارتر بإنسانية خرافات مثل " الجميلة والوحش , وذات الرداء الأحمر , الخبز الأزرق " .
في قصتها "عروس النمر" اهتمت كارتر بوجهة النظر الأبوية البطريركية عن المرأة ,والتي ظهرت جليلا في تناولها لحكاية الجميلة والوحش الخرافية . هنا تقرر كارتر أن للجمال استحقاقات ولذلك رغب الوحش في الجميلة . ولكن بدلا من أن تكون الجميلة زوجة تشبع رغباته البهيمية , فقد أراد أن يراها عارية من ثيابها. بصمات كارتر الساحرة لا تأتي إلا بعد أن تحرر الفتاة . تساوم الجميلة الوحش في أن يحفظ لها حياؤها حتى تلبي له رغبته, إلا أن الوحش يرفض التسوية. وفي وقت لاحق عندما تحررت من مأزقها, تأملت حياتها قبل الوحش وقررت أن ترسل إلى والدها إنسانا آليا يشبهها تماما ليتمكن والدها من ممارسة دور الأب على ابنته.
قرار الجميلة في أن تخدع والدها وتبقى مع الوحش كان أول قرار استقلالي لها , ونتيجة لذلك , فقد سلمت نفسها للوحش طواعية ,الذي قرقر في البداية ثم لعق الجسد العاري بلسانه المصنفر الكاشط . كان يكشط طبقات من الجلد واحدة بعد الأخرى في رمزية مثقلة بالدلالة "كل جلود الحياة في هذا العالم " حتى بزغت طبقة وليدة من شعر لامع " . عندها تحولت الجميلة إلى وحش ولم يتحول الوحش إلى أمير كما كان متوقعاً. طوحت كارتر بالصورة النمطية الخانعة للجميلة وحشرت, بدلا منها ,صورة امرأة جسور جريئة مستعدة للتعامل مع رغباتها و حياتها الجنسية بطريقتها الخاصة.
يميز هذا النوع من التحويلات أعمال كارتر ولذا فليس من المدهش أن تتحول الفتاة العاجزة في شركة الذئاب إلى شخصية قوية ناضجة تمتلك خياراتها . وبينما تكون الفتاة في قصة ذات الرداء الأحمر التقليدية مرتعبة من ذئاب الغابة ,فإنها في قصة كارتر تدرك " إن الخوف لم يجلب لها سوى المتاعب , لذا فإنها تقاوم خوفها " وعندما تجتر شخصيات الحكاية الاسطوانة المشروخة " لماذا أسنانك كبيرة ...لآكلك بها " تنفجر البطلة بالضحك في وجه الذئب لأنها تعلم أن لحمها ليس للأكل وتدرك أن الذئب لا يشتهي لحمها بل جنسها. تزن الفتاة خياراتها ثم تقذف ملابسها بطريقة احتفالية نحو المدفأة, وفي حفل زفافهما الهمجي نرى الفتاة تجر رأس الذئب إلى حضنها وتفلي رأسه من القمل. هنا أيضا تعرض كارتر بطلة ذكية لا تخجل من لحمها وقادرة على تفتيت النزوات البطريركية التي تتواجد حكايات الماضي من خلال ادوار البهائم المحتاجين والذئاب المرعبين . في اصدارها الحديث عن حكاية الخبز الأزرق تعرض كارتر الذكورة الخطيرة المرعبة كما دائما ولكن البطلة هنا لن تتمكن من تدجين الذكر فتقرر الهروب من قلعته المنعزلة ومحوه من ذاكرتها .
أ‌. وجهة نظر
تنقل كارتر خبرتها عن الوحش إلى قرائها , إنهم يتعاطفون مع قلقها وخوفها و إشفاقها عند مقابلة الرجل الذي قد يقبل الرهان على ابنته . للوحش ملامح خرقاء غير متجانسة وقيد عرضي شاذ وضعه باختياره حتى يحتفظ بانتصاب قامته و لا يهوي على أربعته وقناع مرسوم عليه وجه رجل وسيم يضعه على وجهه , من هنا بدأت الجميلة تعي إدراكها الذاتي وإدراك الآخرين .
مثل أي كاتب ينزلق في منعطف ما بعد الحداثة , يتوجب على كارتر اختيار مسرحها الذي ستعرض عليه بطولاتها . لقد اختارت أنجيلا كارتر توظيف شخصياتها النسوية لهذا الغرض ولغرض المطالبة بالمساواة في كثير من حكاياتها الخرافية الرائعة.
ب. التاريخ:
تتناول كارتر مواضيع عديدة في أعمالها لكنها تركز على انشغالات السينما ذات النظرة الذكورية .
تتعامل كارتر مع الخرافات بوصفها ذكورية النظرة , ذلك أنها ابتدعت في زمن الهيمنة الذكورية والسلطة البطريركية والنظرة الأبوية حين كانت المرأة تجهز لانتظار الأمير المخلص . نادرا ما منحت الأنثى سيطرة على ممتلكاتها أو صوتا أو سلطة لاتخاذ قرار أو خيار . من هنا جاءت أهمية كتابات كارتر , إنها تعامل بطلاتها كأشياء حتى تحين الفرصة عندها تمنحهن قوة لبلوغ الكمال ولاتخاذ القرار ولتحطيم الخرافات الخرقاء ذات النظرة الشوفينية عن المرأة المثالية : جميلة , عذراء, سعيدة , ضعيفة , ساحرة , هادئة أو حتى نائمة.


الهوامش:
( ) pla[y]giarism :بإضافة حرف y" " إلى كلمة انتحال بالانجليزية plagiarism (المترجمة).
Critifiction (1): نوع من السرد يحتوي نظريته الخاصة ونقدها في الوقت ذاته يطمس critifiction أنواع السرد الأخرى. عندما أعلن ريموند فيدرمان موت ما بعد الحداثة 1980 , عرف بنوع جديد من الخطاب " نقدي بقدر ما هو روائي". نحن محاطون بالخطابات "يقول فيدرمان" : التاريخية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والطبية والقضائية ، وبطبيعة الحال الأدبية. "فلماذا لا نجمعها كلها ، بدلا من إبقائها منفصلة وموجودة "إما / أو " في عالم النص" (المترجمة).

* المقال فصل من كتاب (جماليات ما وراء القص : دراسات في رواية ما بعد الحداثة ) . مجموعة مؤلفين وترجمة أماني ابو رحمة . دارنينوى . دمشق 2010


اماني أبو رحمة
ناقدة فلسطينية من غزة
amani.khalaf3@gmail.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث