الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
هومسيك:هل شارك الروائيون حقاً في خراب العراق؟
خضير اللامي
هومسيك:هل شارك الروائيون حقاً في خراب العراق؟
غلاف الكتاب
حب الذات .. وحب الوطن في الإبداع ..
خضير اللامي
كتاب " هومسيك .. الوطن في غبار المبدعين." الصادر عن مؤسسة دراسات عربية . هو كتاب لافت للانتباه، مثير للإدهاش والاستغراب وقاس، في تناوله مبدعي المهجر . شعراء ، روائيين وفنانين. حين يتهمهم مؤلف الكتاب الدكتور نجم عبدالله كاظم في مستهل كتابه "معظمهم إذا لم يكن جلَهم لم يقدموا للوطن تضحية ، انهم شاركوا في عملية الخراب التي يعيشها العراق الان . ويقول : ... إنَ الكثير من هؤلاء المثقفين الكبار، وإن شاركوا بدرجة معينة ومن حيث يعرفون او لا يعرفون في عملية الخراب التي يعيشها العراق الان ، بتأييد بعضهم لتغيير النظام بأي صورة بما فيها الاستعانة بالأجنبي . ص 16)
هذا الكلام فيه الكثير من العسف على مثقفينا الكبار وعلى رموز ابداعنا ، ولا ادري كيف يسهم المثقفون مع الاحتلال ، وإذا كان ثمة بعض المثقفين الذين جاؤوا بعد السقوط فقد تعرض بعضهم للاغتيال مثل كامل شياع ، وعاد بعضهم من حيث أتى بعد تلقيهم تهديدات ، مثل ابراهيم احمد ، واحيل بعضهم الى التقاعد مثل صادق الصائغ ، وشاكر الانباري الذي عاد الى مهجره بعد ان قصفت القوات الاميركية منزله واستشهد 12شخصا من أقاربه حسب علمي ، وهؤلاء عينة من المغتربين ( الذين هم من ثيمة دراسته هذه ، كما يرى القارىء بعد ذلك ) الذين صاروا ضحايا عودتهم الى الوطن ، وبخاصة بعد استفحال الطائفية . كما أنه يوجه سهام اتهامه ، الى المثقفين ويصفهم ، بانهم يحبون ذواتهم على حبهم لوطنهم . فهل يعني هذا أنَ الذي يحب ذاته يستغني عن حب وطنه ، ألا يمكن ان نحب ذواتنا كما نحب وطننا . ألا يمكن أن نحب اولادنا وبناتنا بنفس الدرجة التي نحب فيها احدهم او احداهن ، وكيف نفصل حب الذات عن حب الوطن في الابداع ، الم تكن الاعمال الابداعية معبرة عن حب الوطن، في الوقت ذاته ، تعبر عن ذات المبدع ؟ الم تكن ذواتنا ترعرعت في حنايا وطننا ونشأت فيه ، وان قرأت ، يا دكتور، الاعمال الابداعية وبخاصة الروائية منها ولتكن لأدباء الخارج ، هل هي مفرَغة من حب الوطن ؟ وكيف يتأخر حب الوطن، عند الفنانين والأدباء على الكثير من الأولويات ؟ ص 30 " . إنه فصل غريب حقا ، وانني لأستغرب ، كيف تكونت هذه النزعة لديك ، وانت الانسان والمثقف والصديق الذي كنت اعرفه طيلة علاقتنا الطويلة بالاتزان والاعتدال والميل الى جانب الحق ..
ويأتي دور الروائيين ، وتتناول أولهم ، الروائي الكبير غائب طعمة فرمان ، وهو رمز كبير من رموز الرواية العراقية ، بل رائد لها . وقد كان من اهم مصادر اطروحتك للماجستير في الخارج ، اذا لم يكن اساسها ، هذا ما بقي عالقا في ذهني ، منذ ان قراتها قبل سنوات طويلة ، ولم تكن تحت متناول يدي الان ، لافيد منها في هذا الموضوع . وفي موضوع تانيب الضمير ، والاحساس بالتقصير تجاه الوطن ، تقول : في هذا المضمار ، هذا الصوت الداخلي ، القوي يدفعهم هنا الى المبالغة في التعبير ابداعا عن حب الوطن ... ولعل من مبدعي هذا النوع ، على سبيل المثال لا الحصر ، غائب طعمة فرمان ، وسلام عبود ، وشاكر الانباري ، وهيفاء زنكنة ، ولميعة عباس عمارة . فنعرف أنَ ابا الرواية العراقية وكبير كتَابها غائب طعمة فرمان ، لم يذهب ، ولم نقل لم يعد ، الى الوطن منذ ان تركه منتصف الخمسينيات حتى وفاته منتصف التسعينيات الا مرتين او ثلاثا ... فلم يستطع البقاء الا مدة قصيرة لم يتحمل خلالها شيئا فيه ، بعد أن كان الوطن يصير هو بلاد الغربة ، فعاد الى الوطن البديل هاربا . ص 88.
وثمة سؤال يطرح نفسه ، هل أنَ هذا الروائي الكبيرغائب طعمة فرمان ، قد انقطع عن الكتابة والابداع والتواصل طيلة تركه الوطن ؟ وكم رواية او مجموعة قصصية او حتى ترجمات روسية او غيرها كتب خارج الوطن ؟ وليس ثمة حاجة بنا أن نفترض أنَ الدكتور نجم عبد الله كاظم لا يعرف ذلك ، ذلك لأنه تناوله بشكل أساس في دراسته للماجستير ، كما ذكرنا قبل قليل ، وبالتاكيد أنه يعرف أنه كتب جميع اعماله الروائية في المهجر: النخلة والجيران ، و خمسة اصوات ، والمخاض ، والقربان ، والام السيد المعروف ، والمرتجى والمؤجل ، فضلا عن اعماله القصصة وترجماته باللغة الروسية .. اما قولك : بعد ان كان الوطن يصير هو بلاد الغربة ، فعاد الى الوطن البديل هاربا ، فإننا نحيلك الى سؤالك الذي وجهته الى فرمان عن تاثير الغربة فيه وفي حياته وسيرته الفنية ، ويجيب غائب طعمة فرمان على سؤالك: اذا اردت بالغربة الانقطاع عن الوطن ، فلا احس بها اطلاقا ،، انا احس احساسا قويا بكل مطامح الوطن وافراحه واحزانه . وكتاباتي كلها شواهد على ذلك . انا احمل الوطن هنا في قلبي وروحي وفكري وهو داخلي مثل قلبي .. ص 89.
ويقول عنه الأستاذ علي الفواز ؛ غائب طعمة فرمان مواطن بغدادي استثنائي تسكنه المدينة حد الوجع والتذكر .. ورغم أنه غادرها مبكرا لكنها ظلت عالقة يحملها انى استجار بالامكنة مدونا سريا وعميقا ليومياتها الحافلة بالسحر ابدا ، حيث الامكنة المباحة والمغلولة ( علي الفواز . استعادة المدينة / استعادة النص ) ويقول فرمان : الغربة بالنسبة لي كانت حبا وشوقا الى وطني ، وكانت امتحانا قاسيا للوطنية عندي ..
هذا هو غائب طعمة فرمان الذي عاد الى الوطن البديل هاربا ، كما يقول الدكتور نجم ..
اما جمعة اللامي ، فيقول عنه الدكتور نجم ،" ربما يشبه غائب طعمة فرمان في هذا ، الاديب جمعة اللامي . فهو يبدو في ابداعاته معجونا بالوطن وحب الوطن والايمان ، لكنه ، في علاقته به ابداعا وحياة تراوح بين التغني به والتعبير عن ذلك بصدق لا نشك فيه من جهة ، وعدم تقديم شيء عملي وحقيقي له . وعدم العودة إليه من جهة ثانية ... ويمضي ويقول الدكتور : إنَ هذا الذي يقوله اللامي بصدق وتالق ابداعي تجاه الوطن ، هو عندنا ، الا نوع من الاستجابة لتانيب الضمير والإحساس بالتقصير تجاهه وطنه ص 89.
ويبدو للدكتور ، أنَ جميع الادباء والفنانين ، طالما هم خارج الوطن ، فهم اما يتخلون عن وطنهم ، او في احسن الاحوال ، يعانون من عقدة تانيب الضمير والاحساس بالتقصير تجاهه . ويبدو ايضا ، ان الدكتور الذي اشاد بابداع جمعة اللامي ، وقال : عبر بصدق لا يشك فيه ، بيد انه لم يقدم شيئا عمليا وحقيقيا للوطن . ولا ادري ماذا يقصد بالشيء العملي والحقيقي ، فإن كان لم يقدم عملا ابداعيا ، فهذا لعمري عين الجهل تماما ، وان كان يقصد الحياة العملية للروائي جمعة اللامي . هنا اريد ان اقول للدكتور نجم ، وانا كما يعرف ، قريب من جمعة اللامي ، إنَ اللامي واجه الأنظمة الاستبدادية في نضاله السياسي والوطني، وحكم عليه بالسجن المؤبد في زمن البعثيين قبل نظام البعث عام 1968 ، وقضى سنوات سجنه متنقلا في السجون ، واستقر به الحال ، في سجن نكرة السلمان ، ثم اطلق سراحه في عام 1968، وفي زمن صدام احيل هو ومجموعة من الكتاب الى محكمة الثورة سيئة الصيت ، وهذا ما يعرفه ، جميع المثقفين والكتاب والادباء وحتى السياسيين . ولولا تدخل بعض المسؤولين في القضية لواجه السجن مرة ثانية هو وزملاؤه . وعلى اثر ذلك ، وانقاذا لحياته وحياة اسرته ، دون الوقوع تحت قبضة النظام البوليسي هرب الى دولة الامارات العربية ، ومن هناك بدا يمارس عمله الابداعي ومد خيوط التواصل مع ابناء وطنه، وصدرت له : ابن ميسان في عزلته . مجنون زينب . مملكة الحكمة : بوابة الكلمة. النيل والفرات . عبد لله بن فرات ينتظر ثأره . الحرية والثقافة ( ذاكرة المستقبل ) . فضلا عن اعمال قصصية .
وفي فصل " شجرة فاضل وحديقة لطفية " من كتاب الدكتور نجم عبد الله كاظم المشار اليه في حديثنا ، يقول : والان وقد خرج من خرج من العراقيين خارج الوطن ، فإنَ هذا الخروج لم ينطلق بالضرورة من ظلم نظام او قمعه ، بل لم ينطلق احيانا من معاناة او مشاكل او صعوبات فردية . ويستطرد الدكتور ، في ضوء هذه الحقيقة ، التي يعرفها الكثير منا من خلال علاقتهم ببعض ممن خرجوا ، يجب الا نغفل روح الجماعة او الحمى التي استولت على العراقيين ... وهي تذكرنا بما يعرفه العراقيون من حمى ( سامكو ) التي اجتاحت بغداد في سنوات الحصار ص 131.
اذن ، خروج المثقفين والمبدعين والكتاب ، من وطنهم لم ينطلق بالضرورة من ظلم نظام او قمعه . وهنا يفهم من كلام الدكتور ان النظام الدكتاتوري المستبد ، لم يمارس الظلم او القمع ضد هذه الشريحة من المجتمع، وانهم كانوا يمارسون حرية التعبير باوسع فضاءاتها ، وريما لم يسمع باعدام عزيز السيد جاسم وضرغام هاشم وغيرهما دون اجراء اية محاكمة ولم يسجن اي مثقف او مبدع .. كما ان خروجهم من الوطن لم يكن من معاناة او مشاكل فردية . وهنا اريد ان اعيد الدكتور الى الوراء ليتذكر من من اساتذة الجامعات من زملائه نزل الى الشارع لبيع سياراتهم و محتويات منازلهم ومقتنايات اخرى ، واحذية وملابس نسائهم ؟ و الدكتور ، نفسه ، من الذين عانوا من قسوة تلك المراحل مثل مرحلة الحصار والحروب او قمع الحريات .واضطر ان يعمل استاذا في جامعات ليبيا وسلطنة عمان في تلك الفترة ..ومع هذا اتفق مع الدكتور في ( حمى سامكو ) التي اصابت الناس ولكن دعنا نتساءل ، لماذ انتشر هذا الوباء بين الناس ؟ الم يكن بسبب حروب النظام وحصاراته ،ام كان حمى او وباء انتشر بين الناس ، حسب ؟!
وعن فاضل العزاوي يقول : ولكننا لا ننسى ايضا اقواله ومواقفه وافعاله التي تتناقض مع الموقف الوطني ، كما يجب ان يكون ، خصوصا في قسوته على الوطن وعلينا حين عبرعن موقفه من العودة الى الوطن طيلة اكثر من ثلاثين سنة لم يقدم خلالها شيئا ، بل لم يكلف نفسه عناء اقتراب سريع منه . وهو ، في هذا ينساق ، كما راينا اخرين ينساقون بدافع الضمير والاحساس بالتقصير ، وراء خداع الذات . ص 140.
التهم نفسها التي الصقها الدكتور بالمبدعين في المهجر ، الصقها بالروائي والشاعر فاضل العزاوي الذي هو الاخر، لم يقدم للوطن شيئا عمليا ، ولم يكلف نفسه بزيارة قصيرة للوطن ، وانساق مع الاخرين بدافع الضمير والاحساس بالتقصير تجاه الوطن . ولا ادري تماما ، ماذا يريد الدكتور نجم من المبدعين في المهجر ان يقدموا للوطن غير ما يملكونه من عصارة فكر وابداع ومعاناة غربة وتشرد في الشتات ، كي يرضوا ضميرهم ويزيحوا عن كاهلهم الإحساس بالتقصير الذي ينوؤن تحت عبئه . وكيف يعبر المبدع في المهجر عن حبه للوطن كي نرضى عنه ونمنحه شهادة وطنية . الم يكن فاضل العزاوي واحدا من الذين وقفوا بوجه الاستبداد وطورد من قبل السلطات ، ودخل السجون واستقر في نكرة السلمان كما جمعة اللامي وسعدي يوسف. الم يكن هذا واجبا وطنيا عمليا في وجه السلطات القمعية ؟
ها هم اولاء مبدعو المهجر ،وبخاصة الكبار منهم ، اراد الدكتور نجم عبد الله كاظم ، ان يرسم لنا لوحة عنهم ، يعتقد هو انها صحيحة ؛ انهم لم يقدموا تضحية للوطن، وان جاءت بعض اعمالهم معبرة بصدق عن حبهم لوطنهم فهي نتيجة انسياقهم بدافع الضمير والاحساس بالتقصير ، وراء خداع الذات . وكي يثبتوا عكس ذلك عليهم بزيارة الوطن وعدم البقاء في الخارج .كما حاول ان يفرز موضوعتي ما يسمى ادب الخارج وما يسمى ادب الداخل ، بعد ان ثبت موقفه من ادباء الخارج ، كما راينا في هذه المقالة ، فانه يدافع ضمنا واحيانا صراحة عن ما يسمى ادباء الداخل ، واذا كان يجد بعض التبريرات لينبري بها على ادباء الخارج ، فانه يجد بعض التبريرات ليدافع بها عن الادباء في الداخل ، حين يقول : ويصل تحامل بعض مبدعي الخارج الى التعالي على مبدعي الداخل ، بل اتهامهم ومهاجمتهم بما هم انفسهم في الواقع مصابون به . وكاني بادباء ومبدعي الداخل ردا على هذا ، يقولون قول رسول حمزاتوف ، حين انهار الاتحاد السوفيتي السابق " ان قصائدي لم تكن عضوا في الحزب الشيوعي ص 125"
إن تقسيم ثيمة ما يسمى ادب الداخل ، وثيمة ما يسمى ادب الخارج ، هو تقسيم افتراضي ، لدي بعض المثقفين والادباء وبعض النقاد، وانهما ، اي ما يسمى ادب الداخل وما يسمى ادب الخارج . هما ادب واحد ، لا يمكن فصل احدهما عن الاخر ، إنهما توأم ، باستثناء اختلاف الاساليب والثقافات والتجارب لكل منهما ، وكلاهما عبر عن هموم ومعاناة وضمير الوطن ، ولو اخذنا على سبيل المثال ، روايتين احداهما من الداخل والاخرى من الخارج ، ووضعنا مؤلفيهما احدهما بدل الاخر ، وقراناهما ، لما لاحظنا فارقا شاسعا ، ولما ميزنا بينهما ، اي رواية تعد من ادب الداخل والاخرى من ادب الخارج . انهما روايتان عراقيتان بامتياز ..
اذن ، ما قدمه الاديب في الداخل للوطن ، يقدمه الاديب للوطن في الخارج ..وهذه ثنائية عراقية خالصة .. وما يريده الصديق الدكتور نجم عبد الله كاظم من ادباء المهجر سواء عودتهم او زيارتهم للوطن ، وان يقدموا ما يسميه شيئا عمليا ، موضوع لا يحتاج لكل هذا الاهتمام والجهد ، في تاليف كتابه هذا ..

خضير اللامي
ناقد ومترجم عراقي مقيم في السويد
alaame2003@yahoo.com
مقالات اخرى للكاتب
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث