الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
اميرات منسيات/ مقدمة وفصل اول
متيم جمال
اميرات منسيات/ مقدمة وفصل اول
شرفة شرقية في الجزائر/لوحة لفردريك ارثر

مقدمة
أمَّا بعد؛ فهذه الرواية هي أول عمل فني يغطي - بتفصيل - سيرة حياة أشهر سيدتين في العهد الأموي. وقد وقع اختياري عليهما ، لأنهما تمثلان شخصية متألِّقة متحرِّرة فاعلة مؤثرة ذات إرادة و قرار و فعل، لا ترضى أن تعيش على الهامش. كما أنهما تتجاوزان كل الأفكار المسبقة، والصورة النمطية عن المرأة العربية، ودورها في تلك الحقبة، حيث تقدمان نموذجاً نسوياً عربياً رائداً و رائعاً. هذا بالإضافة إلى وجود قواسم مشتركة عديدة بين سيرة الشخصيتين. سنتعرف أيضاً- من خلال الرواية - على حقيقة الأجواء الاجتماعية والثقافية والدينية والاقتصادية والسياسية لدى الطبقات العليا في العصر الأموي.
إن الصعوبة الكبرى - بالنسبة لهذا العمل - كانت مرحلة التوثيق التاريخي. فالأخبار مبعثرة في الكثير من كتب التراث العربي والإسلامي، وهي - غالباً - ما تكون مُختصرة ومبتورة السياق. فحرصتُ طوال سنتين على البحث والتنقيب بموضوع الرواية والظروف المحيطة بها، حتى لم أترك كتاباً يعتب عليّ.
لذا، فليعلم قارئي أن جوهر كل الشخصيات حقيقي، وأن معظم الوقائع المذكورة-على الأقل الخطوط الرئيسية - مستوحاة من أخبارٍ، سجّلها وأرّخ لها أهم وأقدم الأدباء والشعراء والمؤرِّخين والأئمَّة العرب والمسلمين. أمَّا عملي؛ فهو نفض الغبار عن هذه المادة الخام، وتطويعها إبداعياً، و ربطها و توسيعها بأسلوبي، فيما أراهُ امتداداً لحقيقة الشخصيات والسياق، فاتحاً المجال لخيالي في فكّ الألغاز، وترميم الأحداث، وإضافة ما أعتقد أنه قد غاب عن بال التاريخ أن يذكره، بناءاً على استقرائي للشخصيات وسيرورة الأحداث، بمعزل عن كل النظريّات المذهبية التقليدية الجاهزة التصنيع.
فلستُ ملزماً في هذا العمل إلا بما انتهى إليه بحثي و إدراكي للدلالات الجلية والخفية في الأخبار التي وَصَلَتْنَا، وما تقتضيه جماليات فن حكاية وحياكة القصص من إمتاع وتشويق وصناعة الحبكة الدرامية، ابتكار تقنية السرد، وإيجاد الدوافع، خلق السياق، وبناء الشخصيات، وصياغة الحوار، ووصف التفاصيل.
و لقد حاولت التوفيق بين القيمة الجمالية الفنية الأدبية ، و القيمة المعنوية الفكرية التاريخية. فقد تحرَّيت الدقة والإنصاف و الحقيقة أينما كانت ، والاستفادة من العلوم الاجتماعية في تحليل التاريخ، وإعادة إنتاجه بتركيب روائي، يُعيد اكتشاف صفحات مُغيّبة ومهملة (عن قصد أو عن غير قصد) من تراث عربي إسلامي غني، خلاب جذاب ساحر ومدهش ، قادر على الإلهام والتجدد عبر إرسال بصيص نور يخترق الزمن بما يحمل من أفكار و نماذج مستنيرة و صراع من أجل قيم خالدة كالحق و الخير و الجمال و الحرية و العدل و العلم و الإصلاح و التقدم.
إن سر جاذبية كتابات العرب في عصور الإزدهار تكمن بموسوعية المواضيع التي تناولوها بتأنق وتفنُّن، وسقفٍ عالٍ للحريات، وجرأة أدبية ليس لها مثيل . ولأن لا شيء يضاهي روعة التراث العربي لمن عرفه، فقد تعمّدتُ تأليف روايتي على شاكلة كتب العرب القديمة من حيث اللغة والسجع و الاستطراد والجرأة الأدبية والإستعارة من القرآن و الطرائف و الحبكات الجانبية، كي يُخيَّل للقارئ أن الرواية مكتوبة منذ زمن طويل. إنما حرصتُ على ذلك كي يتسنّى لقارئي أن يلقي نظرة عن قرب، ويستمتع بأجوائهم المُلهِمة المتحرِّرة من عبء القيود التي تحدُّ من حرية التفكير والتعبير في مجتمعاتنا المعاصرة. فأتمنى من قارئي أن يكون واسع الأفق مثل أجداده الذين كتبوا منذ أكثر من ألف عام ما هو أجرأ و أكثر إثارة للجدل من هذه الرواية، و نقلوا أخبار السيدتين بقصد الإعجاب و التعظيم و لم يجدوا أي حرج في تسجيل تفاصيل حياة أبطال روايتي. و لا ضير أني إستخدمت بعض الكلمات العامية، فقد إستخدمها قبلي أهم القدماء،خاصة في الحوار.
وقد اخترتُ أن أضع الرواية على لسان شخصية معاصرة لزمن الرواية. إنه طويس، من مشاهير ظرفاء العرب، وأعلمهم بأخبار الناس وتفاصيل حياتهم. وكان هؤلاء الظرفاء محترفين بمجال حكاية القَصَص والغناء والتسلية والترفيه كالحكواتي في القرون الوسطى. وأخيراً، فقد أوصى أحد الحكماء ابنه، قال:
«الأدب أكرم الجواهر طبيعةً، وأنفسُها قيمةً. إنما الأدب عقل غيركَ، تضيفه إلى عقلكَ. وهو دليلٌ على المروءة، وصاحب في الغربة، ومؤنس في الوحشة، وزينة في المجلس. يرفع الأحساب الوضيعة، ويُعزّ بلا عشيرة، ويجمع لكَ القلوب المختلفة». والله ولي التوفيق.









الفصل الأول: طُويس يروي
الحمد لله الرؤوف الودود، الإله المعبود، والصلاة والسلام على رسوله المحمود، النبي العربي ذي الكرم والجود، الذي كتب الله له الخلود، فسيرته أحلى من عنب العنقود، وكلامه لَسَمعي أشجى من غناء العود، وسيبقى كبيرُ فضله عثرةً في عين الحسود، الذي لم ولن يسود. والسلام على أصحابه الوافين بالعقود والعهود، الذين بلغوا السؤدد المشهود، لا يُقدَّر بمالٍ ولا نقود. وعلى آله الطيبين الطاهرين أكثر من طهر المولود، أفديهم بورد الخدود، وأغصان القدود، وألحان الوجود.
بالطبع ، قد تسألون: مَن أنا؟
أنا أبو عبد النعيم
أنا طاووس الجحيم

وأنا أشأمُ مَنْ دبَّ
على ظهر الحطيم

نعم، هذا أنا طاووس بن عبد الله. أول مَن غنى الغناء الإيقاعي المتقن في المدينة المنورة، وأول مَن صنع ألحان الهزج والرمل ونقر الدف المربع في الإسلام.
وكان بداية هذا الأمر أني وُلدتُ ليناً، أعور العين اليمنى، أعمى العين اليسرى، مفرطاً في الطول. لا أصلح أبداً لأعمال السوقة والعامة، إنما أصلح للسماع والكلام. وقد ورثتُ تلك الموهبة عن أمي، بارك الله فيها، التي كانت تمشي بالنميمة بين نساء المدينة. وأول أخذي طرائق الغناء كان عن سبي فارس. ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب كان قد صيّر لهم في كل شهرٍ يومي عطلة، يستريحون فيهما من المهن. فكنتُ أغشاهم حينما يغنُّون في هذين اليومين، وتبعتُهم حتى فهمتُ طرائقهم. ولكني لم أقنع بذاك، بل ذهبتُ أتعلم الشعر والغناء من كل مَن التقيتُ من مغنِّين ومغنِّيات في المدينة المنورة، حتى حذقتُ الغناء العربي المتقن. صنعتُ ألحاناً جديدة ، واحترفتُ النقر بالدف المربَّع، الذي لم يكن مشهوراً من قبلي.
ولكن أمي لم تعرف فضلي في بادئ الأمر، وقالت لي:
«يا بني، إن المغنِّي إذا كان قبيحَ الوجه لم يُلتفتْ إلى غنائه!».
فقلتُ لها:«وما العمل، يا أماه؟».
قالت - وهي تمضغ العلك، وتعدّ بعض النقود -: «دع الغناء، واطلب الفقه. فإنه لا يضرُّ مع طلب الفقه قبح الوجه».
فاستغربتُ جوابها، وضربتُ يداً على يد، وقلتُ:
«ويحكِ! ما لهذا خُلقت! إنما خُلقتُ كي أتظرَّف، وأُغني، وأعزف، وأُدخل السرور على قلوب الناس باللهو المباح والحديث العذب. ووالله، ما تركتُ الغناء بشعر الأنصار حتى يوسّدوني التراب.ثم، أما سمعتِ بقولِ أشهر الموسيقيين: أحسنُ الرجال غناءاً مَن تشبّه بالنساء، وأحسن النساء غناءاً مَن تشبّهت بالرجال؟».
فأطرقتْ أمي قليلاً، وجعلتْ تفكِّر بصمت. وضعتُ يدي على خصري، وابتسمتُ، ثم تابعْتُ:
«أمَّا قبح وجهي؛ فدواؤه عندي. انتظري حتى تري العجب العُجاب!».
ثم دخلتُ إلى غرفتي، وخضبت يدي ورجلي بنقوش الحناء. وخضبت به شعري من بعدها، ومشَّطتُهُ أفضل تمشيط. ثم لبستُ ملاءةً مصقولة مصبوغة، ووضعتُ بعض العطر في أنفي، وسكَّر نبات في فمي، وخُفَّاً في قدمي. عندها، خرجتُ أتبختر وأجرُّ ثوبي إلى صحن الدار؛ حيث تجلس أمي. ثم غنّيتُهَا صوتاً، ونقرتُ بالدفِّ فوق رأسي. فاندهشتْ، وبدتْ بشائر السرور على وجهها، وقالت:
«ما شاء الله، والحمد لله! والله، إنكَ لستَ بطاووس، إنما أنتَ طُويس!».
ثم رمتِ العلكَ من فمها، ورفعتْ يديها إلى السماء، وقد ترقرقت عيناها بالدموع:
«ألف شكرٍ لكَ يا ربّ، أنك تركتَ لأهل المدينة ابناً باراً من بعدي، يخلفني في أمري، إنكَ أنتَ الوهَّاب!».
ثم جعلتْ تنظر إليّ، وتتأمَّل كل ما فيَّ. تابعَتْ تقول لنفسها:
«الآن، سيعلم الناس فضلكِ عليهم، يا زعفرانة! إنكِ أنجبتِ لهم ومنهم مَن يخفّف عنهم في أتراحهم، ويشاركهم في أفراحهم، ويلهو ويلعب في أعراسهم، بدل زنج الحبشة، الذين لا يعرفون الغناء العربي، ولا النقر بالدفِّ، ولا لبس الخُفِّ!».
والله، يخشع قلبي، وتدمع عيناي، كلما تذكرتُ تلك اللحظة. حينما اقتربتْ مني، وأمسكت بيدي، وقالت:
«اذهب، يا طويس، وتتبع أخبار المدينة، وأهلها. وتعلّمْ أنسابهم وأشعارهم وغناءهم. ثم استفد من ذلك في مؤانسة مجالسهم. إني أرى لكَ يوماً، سيصبح لكَ فيه شأنٌ عظيم!».
ثم ضمَّتْني إلى صدرها، وفارقتِ الحياة، رحمها الله.
بعد ذاك، سمعتْ بي السيدة أروى بنت كريز، فاشترتْني لأخدمها وأرفّه عن نفسها. هي ابنة عمِّة رسول الله، عليه الصلاة والسلام، ووالدة الخليفة عثمان بن عفان.
كانت امرأةً جليلةً طاعنةً في السنِّ، ذات حسبٍ ونسب، ومالٍ وجاه، ودينٍ وورعٍ وتُقى. كما كانت طيبة النفس، رقيقة الطبع. فكنتُ أخدمها، وأقضي لها حوائجها من السوق. أزيِّن مجالسها عند اجتماعها مع سائر النساء من علية القوم، فأغني لهن، وأنقر بالدفِّ، وأضحكهن بالأخبار الطريفة، والنكت الظريفة. وكنتُ أسمعُ منهن أحاديثهن الخاصة، فخبرتُ كل شؤونهن، كبيرها وصغيرها. وعرفتُ عنهن ما لم يعرفه أحد. وحفظتُ عنهن وعن حياتهن الكثير الكثير. ولعل أكثر خبرٍ استظرفوه أني تنسّكتُ يوماً، وصعدتُ جبل حراء، فأعييتُ، وسقطتُ كالمغشي عليه تعباً لشدة انحدار الجبل، فقلتُ: «يا جبل، ما أصنع بكَ؟ أشتمكَ؟ لا تبالي. أضربكَ؟ لا يوجعكَ. ولكنْ؛ يا شماتتي بكَ يوم القيامة، يوم تكون الجبال كالعهن المنفوش!».
وتوفِّيت - بعدها - السيدة أروى، طيّب الله ثراها، وأسكنها فسيح جنانه. فاشتراني بعدها عبد الله بن أبي أمية المخزومي. وفي أحد مجالسه، طلب مني مولاي أن يسمع صوتاً جديداً، ما سمع قبله مثله أبداً.
فتناولتُ دفّي، وغنّيتُ لأول مرة في أوزان وألحان الهزج:
«كيف يأتي من بعيد
وهو يخفيه القريب

نازح ٌ بالشام عنا
وهو مكسال هيوب

قد براني الحبُّ حتى
كدتُ من وجدي أذوب»

ثم إني أصبحتُ أعلم الناس بالأخبار والأسرار. لا ينافسني أحد بمعرفة أطباع النساء، وأمزجتهن، وأحوالهن، وحركاتهن، وكلامهن، ولباسهن، وما يختلج في صدورهن. وهذا ما يجعلني أنسب الناس لسرد رواياتهن، فيما رأيتُهُ بعيني من أحداثٍ في حياتهن، أو ما تقصّيتُهُ من أخبارٍ عنهن، ممَّن كان يعرفهن حق المعرفة في حياتهن. قد ساعدني في ذلك أني كنتُ أعرف كل ّ ما ملَكَتْ أيمانَهن من الجواري والغلمان والعجائز والخصيان والمغنِّين والمغنِّيات والظرفاء والخدم الذين كانوا يخدموهن، ويشاركوهن حياتهن في بيوتهن. ولم يكنَّ مُضطرّاتٍ أن يتكلَّفنَ لهم، أو يخفينَ عنهم أسرارهن. فعرفوا عنهن من دقائق الأمور ما لا يعرفه الغريب، ولا حتى القريب. ومن هؤلاء مجموعة من الخدم، ممَّن كنتُ أعلمه الموسيقى والغناء كالدّلال وقنْد وبرد الفؤاد ونومة الضحى ونعيمان ورحمة وطريف وصالح بن زهير. كنا نجتمع كل أسبوع بعد قضاء صلاة الجمعة، نتداول أخبار المدينة والطرائف والنُّكَت والنوادر والأشعار والأغاني. وكلهم يشهد لي بالسبق والأفضلية.
ثم إني بتّ أظرف الظرفاء، أُضحِكُ كل ثكلى وحزين. أُحسن رعاية مَن حفظ لي حق المجالسة.لا يصبر الناس عن حديثي لحلاوة لساني وخفة روحي ورقة أدبي ودقة فهمي وكثرة علمي. وممَّا قاله أحدهم عني: «لقد رأيتُ قريشاً، يكتنفونه، ويحدقون به، ويحبون مجالسته، وينصتون إلى حديثه، ويتمنون غناءه.».
ومن ذلك أنه لما وُلي أحد النبلاء على المدينة المنورة، قعد في بهوٍ له عظيم، واصطف له الأشراف يهنؤونه. فأقبلتُ وعليَّ ملاءة مصقولة، مخضوب اليدين بالحناء، ومشتملاً على دفّ. فسلَّمتُ عليه، ثم قلتُ:
«بأبي، وأمي، أنتَ يا أَبان. الحمد لله الذي أرانيكَ أميراً على المدينة».
فتبسّم، وقال:
«الحمد لله دائماً، وأبداً. المهم أن تكون راضياً».
فقلتُ والحيرة تعلو وجهي:
«نذري، أيها الأمير! نذري!».
«وما نذرك؟».
«إني كنتُ قد نذرتُ الله فيكَ نُذراً، إن رأيتُك أميراً في هذه الدار، لأخضبنّ يدي غمساً إلى المرفقين، وآتي إلى مجلس إمارتكَ لأغنيكَ صوتاً، وأزدو بدُفّي بين يديكَ».
تبسَّم أبان مُخفياً ضحكته خلف شفتيه، والكل ينظر إليه. ثم قال بصوت منخفض:
«بارك الله فيكَ، ولكنْ؛ ليس هذا موضع ذاك!».
«بأبي أنتَ يا ابن الطيب، أبحني!ولقد أنذرهم بطشتنا، فتماروا بالنذر. والله، لا أزالُ قائماً حتى أفي بنذري!».
فرفع أبان صوته عالياً قائلاً: «يوفون بالنذر، ويخافون يوماً كان شره مستطيراً. هاتِ، يا طاووس!».
وكان لا يقول لي يا طويس لنبلي في عينيه. فحسرتُ عن ذراعي المخضوبتين، وألقيتُ ردائي، ومشيتُ، ثم أخرجتُ دفي، وغنَّيتُ:
«ما بال أهلكِ يا رباب
خزراً كأنهم غضاب

إن زرت أهلك أوعدوا
وتهر دونهم الكلاب»

فطرب أبان، حتى كاد أن يطير. صفّق، ثم قال:
«حسبكَ، يا طاووس!».
وقام عن مجلسه، واحتضنَني، وقبّل بين عيني قائلاً:
«يلومونني على طويس! تعال، فاجلس.».
فجلستُ بجانبه. قال ممازحاً:
«يزعمون أنكَ كافر، أَصحيحٌ ما يقولون؟!».
«جُعلتُ فداءكَ! والله إني لأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. وأصلي الخمس، وأصوم رمضان، وأحج البيت. أمَّا زكاتي ، فهي الكلمة الطيبة، وصناعة الألحان، وجودة الغناء. فأين كفري؟».
فجعل أبان يضحك، حتى بدت أضراسه، ثم قال:
«قل لي: مَن أسنُّ؟ أنا أو أنتَ؟».
«جُعلتُ فداءكَ! لو رأيتَني مع جلائل نساء قومي أمسك بذيول فساتينهن يوم زُفَّت أمكَ المباركة إلى أبيكَ الطيب!».
فاستحيا أبان، ورمى بطرفه إلى الأرض. وفوق هذا، فإني أعلم الناس بأمر المدينة وأهلها في أنسابهم وأخبارهم بشهادة القاضي المؤرخ ابن خلكان، بارك الله فيه.أمَّا الثعالبي؛ فقد كذب حينما زعم أني كنتُ خليعاً، خلعَ الله ضرسه، ونشره يوم النشور. أمَّا أنتُم؛ فقد طُلب مني أن أروي لكم سيرة أميرتين من نساء العرب، لا تخطر قصتهما على قلب بشر.
فوالله، هما من الجمال أجمل، ومن الكمال أكمل، ومن العقل أعقل، ومن الظرف أظرف، ومن الملاحة أملح، ومن الحلا أحلى، ومن السمو أعلى. وإن كان النبي سليمان قديماً قد حصل على مُلكٍ لا ينبغي لأحدٍ من بعده، فإنني سأروي لكم روايةً لا تنبغي لأحدٍ من بعدكم!
إنهما عقيلتا قبيلة قريش: عائشة بنت طلحة بن عبيد الله التيمية، وسُكينة بنت الحسين بن علي الهاشمية.
سأكشفُ الأسرار والسرائر، وأفتح الستائر، وفي قولي لن أكونَ جائر. سأروي ما لم يُروَ من الليالي المُرّة والمِلاح، ولن أسكتَ عن الكلام المباح، حتى يؤذِّن المؤذِّن للصباح، وينطق الديك بالصياح، ليقولَ هبْ لي من لدنكَ - يا فتّاح - لساناً يشدو بالروايات الصّحاح، واكتبْ لي ولكم الصلاح والفلاح والنجاح...


مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث