الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
المثقفون؛ عالم النخب الباريسية بعد الحرب
سعد محمد رحيم
المثقفون؛ عالم النخب الباريسية بعد الحرب
سيمون دي بوفوار



ألفيتني فجأة، أرغب بالعودة لقراءة رواية ( المثقفون ) لسيمون دي بوفوار.. تلك الرواية التي صدرت في باريس في العام 1954 وحازت على جائزة غونكور، فيما صدرت الترجمة العربية لها عن دار الآداب بتوقيع جورج طرابيشي في العام 1962، وبأكثر من ألف صفحة. ولكن ما الذي جعلني أدير ظهري لعشرات العنوانات المنتظرة في مكتبتي لكتب صدرت خلال السنوات الأخيرة، ولم أقرأها بعد، فأذهب لمعايشة عالم المثقفين الباريسيين في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. لعل السبب هو الحنين الذي يتولى المرء لأيام خلت فيعود لإحيائها عبر طقس القراءة؛ أقصد الرجوع إلى الكتب التي قرأها في تلك الآونة أملاً، الآن، في استعادة النكهة القديمة العالقة عنها في جزء خفي من الذاكرة. أو ربما هو تأثير الأحداث الجارية، اليوم، في الساحة السياسية العربية، والمتمثلة بثورات الشباب واحتجاجاتهم، وتمردهم على أوضاعهم السيئة، وعلى السلطات الحاكمة المسؤولة عن ذلك السوء. والتغيرات الدراماتيكية المصاحبة لذلك. فالرواية تطرح تساؤلات حيوية وحادة حول مواقف المثقفين من الحدث التاريخي الكبير بوجوهه العديدة، وكيف يؤدون دورهم، وهل يُفترض بهم الانخراط في النشاط السياسي الفعال؟ أم يكفي أن يستقلوا عن ذلك النشاط ويمارسوا إبداعهم الفني والفكري والإعلامي دعماً لاتجاه ما، أو إيديولوجية ما؟ أو أن الصحيح هو تحديد وظيفتهم في أن يكونوا شاهدين ـ محايدين على عصرهم؟. وقراءة رواية مثل ( المثقفون ) تلهمنا بأسئلة مماثلة مستلة من واقعنا وحركته ومسار تحولاته.
ترسم الرواية صورة عن مجتمع النخبة الباريسية المثقفة في مرحلة الحرب العالمية الثانية والاحتلال النازي لفرنسا حيث تفرض ظروف المقاومة المسلحة والخيانة والشجاعة والخوف والهرب والاختفاء عن أنظار العدو، ناهيك عن مهام الكتابة الأدبية والصحافية، والعمل السياسي، نفسها على تلك النخبة. لتبرز بعد اندحار النازية وحلول السلام قضايا جديدة وأسئلة ملحّة من قبيل، مع من علينا أن نقف؛ أمريكا أم الاتحاد السوفياتي؟ الشيوعية أم اليسار الأوروبي المستقل، أم اليمين؟ وذلك كله في خضم علاقات اجتماعية وسياسية متقلبة ومربكة بتفاصيلها؛ الصداقة والحب والجنس والعنف والدسائس والمؤامرات، وما يرشح عنها من متع وآلام، واضطرابات نفسية، وتأملات وجودية.
كان تأثير المثقفين في المجتمع، لاسيما في الشريحة الشابة منه، في تلكم العقود، هائلاً. وقد أصبح أدباء ومفكرون أمثال جان بول سارتر وألبير كامي وسيمون دي بوفوار ومرلو بونتي وكويستلر أيقونات معبودة من قبل الشباب الذين رأوا فيهم ممثلين لعصر مغاير ولمستقبل آخر. وصارت فلسفاتهم ذات النَفَس الوجودي موضة ذلك الزمان. والتي أفصحت عن عقلية مذهلة تعطي إجابات صادمة ومحفِّزة عن أسئلة بات يفرزها واقع لم يعد يشبه، بأي شكل، واقع ما قبل الحرب. فكانت تعبِّر عن ضمير إنساني يقظ يحاكم ويقوِّم من دون هوادة.. وهؤلاء الفلاسفة اتفقوا فيما بينهم، ومع غيرهم، واختلفوا، حول مسائل الاشتراكية والحزب الشيوعي والاتحاد السوفياتي ومعسكرات الاعتقال ومحنة المستعمرات، الخ، لكنهم كانوا، وعلى حد تعبير دي بوفوار "يزوِّدون حقبة ما بعد الحرب بإيديولوجيتها".
إن صراحة المؤلفة المشعّة، والجارحة أحياناً، تجعل من كتابتها مصدراً يصعب التشكيك فيه، أو التقليل من قدره، لطبيعة وملامح تلك السنوات. فقد لا تكون الرواية هذه ذات قيمة فنية عالية ( بمعايير الأساليب السردية الحديثة ) كما هي شأن روايات ألبير كامي مثلاً، لكنها تبقى شهادة دامغة على عصرها لأنها تعطي صورة صادقة ودافئة عن مجتمع المثقفين في باريس سنوات منتصف القرن العشرين. ونحن نعلم ماذا تعني باريس في كل وقت، وماذا كان يعني فعل مثقفيها وإبداعهم في تلك الحقبة العاصفة من تاريخ أوروبا والعالم؟.
* * *
كتبت سيمون دي بوفوار روايتها ( المثقفون ) بذهن متوقد، وجرأة لا تُضاهى، راسمة صورة بانورامية عن أحداث كانت، في حينها، لم تزل تحتفظ بطزاجتها وسخونتها. فهذه الرواية بعدِّها نصاً سردياً تمازجت مع فن السيرة الذاتية والمدوّنة التاريخية، وإن لم تكن في نهاية المطاف، لا سيرة خالصة، ولا كتابة تاريخية دقيقة، بل عملاً فنياً نستطيع بيسر بالغ مناظرته بالواقع التاريخي، والتعرف فيه على شخصيات واقعية ( سارتر وكامي ودي بوفوار، مثلاً ) وقد تمثلت في شخصيات المتخيل السردي. ومثل هذه الرواية تجعل القارئ على تماس مع نبض الحياة وحرارتها.. إنها رواية فكرية في أكثر وجوهها نصاعة، لا لأنها تحكي عن صراعات المثقفين وتصادم تصوراتهم ومواقفهم فقط، بل لأنها تبقي الصلة مباشرة ومفتوحة مع واقع تاريخي يتحرك، وله متطلباته وأسئلته.
كانت عقابيل الحرب العالمية الثانية، ومن ثم الحرب الباردة، قد ألقت بظلالها الكثيفة على الأفكار السياسية ومواقف الأشخاص وعلاقاتهم، ومارست نوعاً من التحفيز، وأحياناً من التشويش، على وعي النخب في كل مكان، ولم تكن النخبة الباريسية بمنجى عن آثارها. وقد عكست كتابات أساطينها من أمثال سارتر وكامي ودي بوفوار ومرلو بونتي وكويستلر وغيرهم وجهات نظر متعددة، تكشف اليوم لقارئها عن مدى التوتر الذي طبع المناخ السياسي والثقافي آنذاك بطابعه. وإذا كنا نقع على إنجازات أدبية وفنية وفكرية وسياسية كبيرة إلاّ أنه لم يمضِ كل شيء بسلاسة.. ففي المقابل حصلت خيبات وخسارات وإحباطات وآلام، في الوقت الذي كان أولئك الكبار يحفرون في وعي جيلهم، ويشاركون في صناعة ثقافة عصرهم، ويتحولون إلى قوة ضغط سياسية.
امتلكت النخبة الثقافية في فرنسا، يومئذ، حساً تاريخياً وحساً سياسياً مرهفين. وكانت قادرة، إلى حد بعيد، على فهم ما يجري. وتعرف ماذا عليها أن تفعل.. كانت أوروبا الاستعمارية المنهكة من الحرب تدخل طور الشيخوخة، فيما الحلم بعالم أكثر عدالة وحرية وإنسانية يداعب العقول والنفوس، ولكن مع شيء من الشك، ومع قليل من الحذر، إن لم نقل مع قدر من التشاؤم كذلك. إذ أن تلك النخبة لم تنخدع بالتفاؤل السطحي الذي ساد، لاسيما عند اليسار الستاليني، عن قرب انهيار الرأسمالية وانتصار البروليتاريا. فثمة نذر شؤم كانت تلوح في الأفق، وثمة عقبات تظهر لا يمكن الاستهانة بها، وثمة خطأ في بعض ما يجري لا يُخفى على الراصد اللبيب.. كانت تلك النخبة تفكر بعمق وتتحاور وتختلف وتتخاصم، وتكتب في الصحافة، وتنشط في الميدان السياسي. من هنا كان الحوار هو العنصر الفني الطاغي في رواية ( المثقفون ). وهو حوار ساخن غالباً يعطي انطباعاً عن جدّية الشخصيات وهمومها ورغباتها وطرق تفكيرها ورؤيتها للحياة والعالم. فالقضايا تخضع لنقاشات مسهبة وحامية؛ قضية الموقف من الشيوعية والاتحاد السوفيتي، أو من احتلال الجزائر، أو صورة أوروبا المستقبلية، الخ.. وكان اختلاف وجهات النظر السياسية يفتك حتى بنسيج الصداقات، ويؤجج العواطف والانفعالات، ويرسم جغرافيا العلاقات بين الأشخاص والقوى.. كان الغضب والأنانية والاعتداد بالنفس والغيرة والعشق والكره مشاعر متواترة ومتلازمة عند هذا المفكر أو ذاك، وإنْ بدرجات متفاوتة. وهذا ما كان ينعكس على لغة الخطب والمقالات والتصريحات فتهز أجواء باريس، وتوزّع الناس في خنادق متقابلة.
أزعم أن كتابات الوجوديين، حتى وإن اختلف المرء مع اتجاهاتهم ورؤاهم تمنح دفقاً من الانتعاش الروحي والأمل، لاسيما حين يتحدثون عن الحرية والمسؤولية وتشغلهم قضية المعنى؛ معنى الوجود في العالم، وماذا على الإنسان أن يفعل. وفضيلة فلسفتهم هي أنها تحث على التفكير في المسائل التي تطرحها حتى وإن لم نتفق مع ما يطرحون. وهذا أقل ما يخرج به قارئ رواية ( المثقفون ).

سعد محمد رحيم
روائي وناقد من العراق
saadrhm@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث