الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ما وراء القص التاريخي: السخرية والتناص مع التاريخ/ليندا هتشيون
ترجمة: أماني أبو رحمة
ما وراء القص التاريخي: السخرية والتناص مع التاريخ/ليندا هتشيون
غابرييل غارسيا ماركيز
يتميز ما نطلق عليه أدب ما بعد الحداثة بالانعكاسية المكثفة والتناصية التهكمية . وفي الرواية , فان رواية ما وراء القص هي التي تعادل ما بعد الحداثة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار ندرة التعريفات الدقيقة لهذه الفترة الإشكالية , فان مثل هذه المعادلة يمكن قبولها بلا نقاش. ما أريد أن أقوله هنا أنه إذا أردنا توخي الدقة والالتزام, فانه لا بد من إضافة شيئا آخر لهذا التعريف: وعي ذاتي بالتاريخ بوزن الانعكاسية الذاتية. و نموذجي هو أسلوب البناء الما بعد حداثي : الاستدعاء التهكمي الساخر المتعمد للتاريخ بأشكاله البنائية والوظائفية .
لقد كانت ثيمة , فينيس باينيل , التي قدمت ما بعد الحداثة إلى عالم العمارة في الثمانينيات هي "حضور الماضي" . وبالقياس فان مصطلح ما بعد الحداثة , عندما يوظف في الرواية , يجب أن يفرد لغرض خاص , لان يصف الرواية التي هي من جانب ما وراء قصية و تاريخية في محاكاتها للنصوص والسياقات الخاصة بالماضي .
ومن اجل أن نمايز بين هذه الطبيعة الوحشية المفارقية و الرواية التاريخية التقليدية , فسأطلق عليها ما وراء القص التاريخي historiographic metafiction.
الروايات التي أفكر فيها الآن تضم : (مئة عام من العزلة) ,و( امرأة الضابط الفرنسي) ,و (اسم الوردة) , و(موسيقى الجاز) . اقل ما يمكن أن يقال أن كل هذه الروايات المشهورة وذات الشعبية تجعل ـ بفضل انعكاسيتها الذاتية و(تناصها) ـ الادعاءات الضمنية بالدقة التاريخية قضية إشكالية نوعا ما.
سعت الرواية الأمريكية الما بعد حداثية ، في أعقاب الهجمات الحديثة من قبل النظريات الأدبية و الفلسفية على انغلاق الحداثية الشكلية على وجه الخصوص ، للانفتاح على التاريخ : على ما أطلق عليه ادوارد سعيد "العالم " . ولكن يبدو أنها قد وجدت انه لا يمكنها أن تفعل ذلك بأي أسلوب برئ : لقد ذهبت يقينية المرجعية المباشرة للرواية التاريخية أو حتى الرواية اللا تخيلية أدراج الرياح . كذلك الأمر بالنسبة للمرجعية الذاتية المتضمنة في الادعاء البورخيسي بان كلاً من الأدب والعالم هو حقائق تخيلية زائفة .
إن العلاقة الما بعد حداثية بين الرواية والتاريخ أكثر تعقيدا من مجرد التفاعل و التضمينات المتبادلة . ويعمل ما وراء القص التاريخي من اجل أن يموضع نفسه ضمن الخطاب التاريخي دون التنازل عن استقلاليته بوصفه رواية . إنه نوع من المفارقة التهكمية الجادة التي تؤثر على كلا الهدفين:
التناصات مع التاريخ والرواية التي تلبس حالة موازية (وان لم تكن مساوية) لإعادة تهكمية من الماضي النصي لكل من العالم والأدب . يوظف الدمج النصي لهذه الماضيات التناصية ,بوصفها عنصر هيكلي تكويني لرواية ما بعد الحداثة ,على انه تسويق رسمي للتاريخية عالميا وأدبيا. و قد يبدو للوهلة الأولى أن التلميح الثابت الساخر من الاختلاف في قلب التشابه هو ما يميز التهكم الما بعد الحداثي عن المحاكاة في القرون الوسطى وعصر النهضة (انظر غرين :17) . و بالنسبة لدانتي ودكتوراو , فان نصوص الأدب والتاريخ على السواء , لعبه واضحة .
ومع ذلك , فلا بد من توضيح التمايز :" تقليدياً , لقد سرقت القصص, كما سرق تشاوسير قصصه , أو أننا أصبحنا نشعر بها ملكية مشتركة ثقافية ومجتمعية .... هذه الحوادث الجديرة بالذكر, متخيلة كانت أو حقيقية, ترقد خارج اللغة بنفس الطريقة التي يفترض فيها الشيء نفسه بالنسبة للتاريخ , في حالة مصادفة بحتة (غاس :147)."
واليوم , هناك عودة في الرواية إلى فكرة الملكية المشتركة غير الحدسية لما هو مضمر في النصوص الأدبية والتاريخية , ولكن هذه العودة إشكالية , بفضل التأكيدات العلنية الما وراء قصية بان كلا من التاريخ والأدب هي بناءات وتراكيب بشرية , وفي الحقيقة أوهام بشرية – لازمة , ولكنها ليست اقل وهمية على الإطلاق بسبب ذلك كله. تمثل المحاكاة الساخرة التناصية لما وراء القص التاريخي وجهات نظر مؤرخين معاصريين معينين) أنظر كاناري وكوزيكي): إنها تمنح الإحساس بحضور الماضي , ولكنه الماضي الذي يعرف من نصوصه وآثاره , سواء كانت أدبا أو تاريخاً .
من الواضح إذن أن ما ارغب في تسميته ما بعد الحداثة هو ظاهرة ثقافية مفارقة ( متناقضة ظاهرياً ) , فضلا عن أنها تعمل عبر انضباطات تقليدية عديدة . في الخطاب النظري المعاصر, على سبيل المثال , نجد تناقضات محيرة : الانكارات المستبدة للاستبداد , والرفض الشمولي للشمولية , و الشهادات المستمرة على صحة اللا -استمرارية. و في رواية ما بعد الحداثة نجد أن الاتفاقيات الخاصة بالكتابة التاريخية والرواية تُوظف ويُساء توظيفها , تُنصب وتُهدم , تُؤكد وتُنكر في الوقت نفسه. فضلا عن أن الطبيعة الثنائية (الأدبية/التاريخية) لهذه السخرية التناصية هي احد أهم الوسائل التي تكتب وتعرّف بواسطتها الطبيعة المفارقية لما بعد الحداثة نصياً . وربما أن احد الأسباب وراء النقاش الساخن حول تعريف ما بعد الحداثة حاليا هو أن تلك التضمينات المتعلقة بازدواجية هذه العملية التهكمية ,لم تختبر بشكل كاف بعد. لا يمكننا القول بالتأكيد أن روايات مثل (كتاب دانيال)و (الحريق الشعبي ) – مهما كانت قاعدتها التناصية المعقدة ً – تتحاشى التاريخ , أكثر مما يمكن أن يقال أنها تتجاهل ارساءاته على الواقعية الاجتماعية (جراف:209) , أو الفحوى السياسية الواضحة (ايجليتون). لقد نجحت كتابات ما وراء القص التاريخي في إشباع الرغبة في وجود قاعدة دنيوية (عالمية) , وفي الوقت ذاته , مساءلة والتشكيك في أسس سلطة هذه القاعدة , كما عبر عن ذلك ديفيد لودج حين قال: أن ما بعد الحداثة يقصر دارة الفجوة بين النص والعالم .
تبدو مناقشات ما بعد الحداثة أكثر عرضة للتناقضات الذاتية المحيرة , مرة أخرى بسبب الطبيعة المفارقة للموضوع نفسه . فعلى سبيل المثال, يبدأ تشارلز نيومان كتابه ( حقبة بعد الحداثة) بتعريف الفن ما بعد الحداثي بوصفه" تعليق على جمالية التاريخ أيا كان النوع الذي يختاره ويؤقلمه لهذا الغرض" . وعليه فانه لن يرى التاريخ عبارات جمالية فحسب ، ولكنه حين يستعرض النسخة الأمريكية من ما بعد الحداثة , فانه يتخلى عن هذا التعريف التناصي الما وراء قصي ,ليسمي الأدب الأمريكي "أدب بدون مرجعيات ابتدائية" .أدب يفتقد أبوة معروفة , معانيا من قلق عدم التأثير " . وكما سنرى فان دراسة لروايات , توني موريسون ودكتوراو وجون بارث و إسماعيل ريد وتوماس بينشون وآخرون, تلقي شكوكاً منطقية حول هذه التصريحات . فمن ناحية , يريد نيومان أن يقول أن ما بعد الحداثة تهكمية عن سابق إصرار بدرجة كبيرة , ومن ناحية أخرى يؤكد إن ما بعد الحداثة الأمريكية تضع ـ متعمدة ـ مسافة بين ذاتها و سالفاتها الأدبية فتحدث تبعا لذلك ، قطيعة إجبارية مع الماضي . على أن نيومان لا يقف وحده في نظرته إلى السخرية الما بعد حداثية بوصفها شكلا من الحرب التهكمية مع الماضي (ثيهر :214), ولكن , من ناحية كونها بناء ما بعد حداثياً. هناك دائما مفارقة في قلب تلك الدعامة : التهكم يخدش الاختلاف مع الماضي , ولكن في الوقت ذاته ,تعمل المحاكاة التناصية على تأكيد الارتباط مع الماضي من الناحية النصية والتفسيرية . وعندما يكون الماضي هو الفترة الأدبية التي يبدو أننا نطلق عليها الآن الحداثة, فان ما يُنصّب ثم يُهدم هو الفكرة الأساسية لعمل الفن بوصفه شيئاً مغلقا, ومكتفياً ذاتياً ومستقلاً ومستمدا لوحدته وانسجامه من العلاقة التبادلية الشرعية بين أجزائه.
في محاولته المتميزة لاستعادة الاستقلالية الجمالية , بينما لازال يعيد النص إلى العالم , فان ما بعد الحداثة يؤكد ثم يبخس هذه النظرة الشكلية . لكن هذا لا يستلزم عودة إلى عالم "الواقعية العادية" كما زعم البعض (كير :216 ) : إلى العالم الذي يموضع فيه نفسه هو عالم الخطاب وعالم النصوص والنصوص المتداخلة . هذا العالم ذو علاقة مباشرة بعالم الواقع التجريبي , ولكنه ليس هو بذاته ذلك الواقع التجريبي . إنها بديهة معاصرة وحاسمة: أن الواقعية هي في الحقيقة مجموعة من الاتفاقيات , وان عرض الواقع ليس هو الواقع نفسه.
يتحدى ما وراء القص التاريخي كلا من المفهوم الواقعي الساذج للعرض , أو أي تأكيدات نصية أو شكلانية ساذجة للفصل الكلي للفن عن العالم . أن ما بعد الحداثة هو فن وعي ذاتي ضمن الأرشيف (فوكو :92) . وهذا الأرشيف هو تاريخي وأدبي معاً. وفي ضوء أعمال كتاب مثل كارلوس فيونتز , و سلمان رشدي , و د.م. توماس , وجون فاولز , و امبرتو ايكو , فضلا عن كوفر ,و دكتوراو , و جون بارت , و جوزيف هيلر, وإسماعيل ريد وغيرهم من الروائيين الأمريكيين , يصبح من العسير أن تفهم لماذا لا يفكر نقاد مثل الن ثاير اليوم بتناصية مثل تلك الموجودة عند دانتي في (فيرجيل) . هل نحن حقيقة في ذروة أزمة يقين فيما يتعلق" باحتمالية الثقافة التاريخية " ؟ هل كنا في أزمة مماثلة من قبل ؟
أن تسخر لا يعني أن تحطم الماضي , وفي الحقيقة فان التهكم يعني أن تحتفظ بالماضي مقدسا وان تحاكمه معاً . وهذه هي المفارقة الما بعد حداثية . إن الاستكشاف النظري للحوار الضخم (كالينسكو) بين الأدبيات والتاريخيات الذي نصب ما بعد الحداثة , ما كان ليحدث لولا جوليا كريستيفا بتجديدها المبكر للأفكار الباختينية عن التعدد الصوتي المتراكب , و الحوار الروائي , و التغاير اللساني -الأصوات المتعددة في النص .
لقد طورت كريستيفا من هذه الأفكار نظرية شكلانية أكثر صرامة عن التعددية الغير قابلة للاختزال للنصوص ضمن أو خلف أي نص معطى ، وبالتالي فإنها تحرف البؤرة الحاسمة بعيدا عن الفكرة الرئيسية للموضوع (المؤلف هنا) إلى فكرة الإنتاجية النصية .
شنت كريستيفا مع زملائها في تل كويل , في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات, حملة جمعية ضد الموضوع المنشأ( المسمى الكليشيه الرومانتيكي للمؤلف) بوصفه أصل ومصدر إنشاء المعنى الثابت والمقدس في النص , وبالطبع فان هذا يشككك بفكرة النص كلها بوصفها كيانا مستقلا ذاتيا بمعنى جوهري .
لقد استفزت نزوة شكلانية هجمة مماثلة في أمريكا , في وقت أبكر بكثير ,تمثلت في الرفض الحاسم الجديد " للخداع الاممي " (ويمسات ), ومع ذلك يبدو أننا لا نستطيع أن نذهب بعيدا في حديثنا المريح عن المؤلفين( والمصادر والتأثيرات), ذلك أننا نحتاج إلى لغة حاسمة نناقش بها هذه الأوهام الساخرة , و تلك العبارات المساوقة من جديد ,وتلك التهكمات الثنائية الحادة من النوع أو من أعمال محددة و التي تفشت في النصوص الحداثية وما بعد الحداثية. هذا بالطبع الموضع الذي اثبت فيه مفهوم التناصية جدواه الكبيرة . وكما عرفت مؤخرا من قبل رونالد بارث وميشيل ريفاتير, فان التناصية تستبدل العلاقة المرتابة بين المؤلف والنص بالعلاقة بين القارئ والنص , تلك التي تموضع هندسة المعنى النصي ضمن تاريخ الخطاب نفسه. لا يمكن اعتبار العمل الأدبي أصيلا حتى وإن كان كذلك إذا كان بلا معنى بالنسبة لقرائه. إن أي نص يشتق معنى ومغزى فقط بوصفه جزء من خطابات سابقة. ليس من المدهش إذا , أن إعادة التعريف النظري هذا للقيمة الجمالية قد تزامنت مع التغير في نوع الفن المنتج. عبّر الملحن الما بعد حداثي الساخر جورج روتشبيرغ , في تسجيله غير المسبوق لرباعياته رقم 3 عن هذا التغير قائلاً: " لقد اضطررت للتخلي عن فكرة الأصالة حيث نمط الشخصية للفنان والانا هي القيم السامية , ومطاردة فكرة- الواحد , والعمل الأحادي البعد , والبادرة التي تبدو أنها قد سيطرت على جماليات الفن في قرن القسم المقدس ,والفكرة الواردة التي تقول بان على المرء أن يفصل نفسه عن الماضي " . في الفنون البصرية أيضا نجد أن أعمال شوساكو اراكاوا ,و لاري ريفرز ,و توم ويزلمان وآخرون قد جلبت ـ من خلال التناصية التهكمية جماليا وتاريخياً ـ انحرافا حقيقيا للأفكار الرومانتيكية عن الموضوعية والإبداع .
و كما في كتابات ما وراء القص التاريخي , فإن هذه الأشكال الفنية الأخرى تذكر بالتناصات مع العالم والفن , وبذلك فإنها تصارع الحدود التي يمكن أن توظف بلا تردد لفصل الاثنين. كانت نتيجة هذا النضال ضد الحدود ـ في أكثر أشكاله تطرفا ـ هو القطيعة مع كل سياق معطى, مولدة عدد لا متناهي من السياقات الجديدة بأسلوب غير محدود على الإطلاق(دريدا :185).
وفي حين أن ما بعد الحداثة ـ كما أعرفها هنا ـ أقل تشويشا وتهتكا إلى حد ما , إلا أن مفهوم التهكم , بوصفه فتحا للنص على مصراعيه بدلا من إغلاقه , يبدو بالغ الأهمية : من بين الأشياء العديدة التي تتحداها تناصية ما بعد الحداثة هي المعنى المتمركز المغلق المتفرد. ذلك أن مؤقتيتها أو عدم تلاحمها الإرادي والمتصلب يرتكز بدرجة كبيرة على تقبلها للتسلل النصي المحتوم مع التطبيقات الاستطرادية السابقة. تثري التناصية في فن ما بعد الحداثة, في تناقض ظاهر , السياق وتقوضه في آن واحد . وبمصطلحات فينست ليتش فإنها" تثبت كلا من المحتوى التاريخي المسيج اللا متمركز والأساس السحيق المنزوع المركز للغة والتناص , وبذلك فإنها تكشف كل المتساوقات بوصفها محدودة وتحديدية , استبدادية ومقيدة , فاشستية تخدم ذاتها لاهوتيا وسياسياً , وبالرغم من ذلك, فان التناصية المتشكلة بمفارقية تمنح حتمية تحررية " .
ربما يتضح الآن سبب الزعم بأن توظيف التناصية في النقد ليس لمجرد الاستفادة من أداة مفاهيمية نافعة لكنها تومئ إلى " موقف , ومرجعية (انجينوت :122). إلا أن فائدتها بوصفها إطاراً نظرياً شكلياً وتأويلياً يتطلب من القارئ ليس مجرد الاعتراف بالآثار المنصصة للماضي الأدبي والتاريخي, بل والاطلاع على ما جرى ـ بفعل التهكم ـ لتلك الآثار .
يدفع ذلك القارئ إلى الاعتراف ليس بالتناصية التي لا يمكن تجنبها لمعرفتنا بالماضي فحسب , بل بقيمة وعجز ذلك الشكل ـ الاستطرادي الذي لا مفر منه ـ من المعرفة , القائمة كما هي "بين الحضور والغياب " (بارللي) .
إن ماركو بولو في(مدن غير مرئية) لايتالو كالفينو ليس ماركو بولو التاريخي .كما أنه هو في الوقت ذاته. كيف لنا أن نعرف اليوم المستكشف الايطالي؟ . نستطيع ذلك فقط من النصوص ـ من ضمنها كتاباته (Il Milione) ـ التي اخذ منها كالفينو بتهكم إطاره (الحكاية, ومخطط الرحلة, والحبكة والتشخيص) )موسارا:141 ).
عرف رونالد بارت التداخل النصي ذات مرة بأنه " استحالة العيش خارج النص اللانهائي"(متعة: 36) .جاعلا بالتالي , التناصية حالة خاصة جداً للنصية . يقول امبرتو ايكو كاتب رواية ( اسم الوردة ) : " لقد اكتشفت ما عرفه الكتاب على الدوام واخبرونا به مرارا وتكرارا: الكتب تتحدث دائما عن كتب أخرى , وكل قصة تحكي قصة سبق أن حكيت". أما القصص التي تعيد (اسم الورد ) حكيها فهي: كتابات أدبية لارثر كانون دويل ,و غورغي لويس بورخيس ,و جيمس جويس ,و توماس مان ,و اليوت وآخرون، وكتابات تاريخية( دوريات تاريخية من القرون الوسطى, و شهادات دينية ) .
إن هذا هو الخطاب الثنائي الساخر للتناصية الما بعد حداثية. ومع ذلك ، فانه ليس مجرد الشكل الانطوائي على نفسه بازدواجية لعلم الجمال .
تتزامن التضمينات النظرية لهذا النوع من كتابات ما وراء القص التاريخي مع النظرية التاريخية الحالية عن طبيعة كتابة التاريخ بوصفها سرّدنة (بدلا من كونها تصوير أو تمثيل) الماضي ، وعن طبيعة الأرشيف كونه بقايا التاريخ المنصصة ( انظر القضية لوايت ) .
وبكلمات أخرى, توضح ما بعد الحداثة انطوائية ذاتية معينة, ووعي ذاتي يتحول نحو شكل فعل الكتابة نفسها ولكنها أيضا أكثر من ذلك . إنها لا تذهب بعيدا حد" تأسيس علاقة أدبية صريحة مع ذلك العالم الواقعي ابعد من نفسها " كما ادعى البعض (كيريرنيديجيان:283 ) .
إن علاقتها بـ " الدنيوي " لا زالت على مستوى الخطاب , ولكن أن تدعي ذلك ليس بالأمر الهين , وفي المحصلة لا يمكننا سوى أن نعرف (نقيض أن نجرب) العالم من خلال السرديات (الماضية والحاضرة) عنه . أو هكذا تدعي ما بعد الحداثة. الحاضر كما الماضي تماما , دائما ما يكون منصصا لنا بشكل غير قابل للعلاج (بيلسي :46). والتناصية الظاهرة فيما وراء القص التاريخ تساعدنا بوصفها إحدى الإشارات النصية لهذا الإدراك الما بعد حداثي .
قراء رواية مثل (المسلخ رقم خمسة) لكورت فونيجوت, ليسو مضطرين للتوغل كثيرا في الرواية قبل التقاط هذه الإشارات . يُعرّف المؤلف في الصفحة الافتتاحية بوصفه" أمريكي ألماني من الجيل الرابع، يعيش الآن في ظروف سهلة في كيب كود ( ويدخن كثيراً) , والذي شهد, بوصفه أسير حرب ـ كان ضمن كتيبة استطلاع أمريكية عاجزة عن القتال ـ قصف مدينة دريزدن الألمانية منذ زمن بعيد " فلورنسيا الألب" , ولكنه نجا ليحكي لنا الحكاية " .
هذه رواية بأسلوب الفصام التلغرافي لحكايات كوكب ترانفامادوريا، حيث تأتي الأطباق الطائرة من هناك. تظهر الشخصية, كورت فونيجوت , في الرواية محاولا أن يمسح ذكرياته عن الحرب ، وعن ديرزدن , وعن الدمار الذي رآه من المسلخ رقم خمسة ، حيث عمل هناك مثل غيره من أسرى الحرب . الرواية نفسها تبدأ هكذا: " كل هذا حدث, بصورة أو بأخرى. فصول الحرب , هي الأصدق على كل حال" . النقطة المضادة لهذا السياق التاريخي , هو بيلي بيليجرم ( الموسوم ما وراء قصياً ) المبصاري , الذي يساعد في تصويب النظرة الخاطئة حتى وان كانت نظرته . على الرغم من أن ذلك يتطلب أن يمنحه الكوكب ترانفامادوريا منظوره الجديد . حياة بيلي الفنتازية تعمل بوصفها اليغوريا لانزياحات المؤلف الذاتية و ارجاءاته ( بمعنى رواياته الأخرى ) التي منعته من الكتابة حول دريزدن قبل الآن .
التناص الداخلي الذاتي في الرواية هو ما يشير إلى هذه اللاليغوريا. ترانفامادوريا نفسها هي من رواية فونيجوت (صافرات إنذار تايتان) , كما أن موطن بيلي في ايليم هو من روايته (عازف البيانو) وتظهر شخصيات من (ليلة الأم) , و(يباركك الرب),و (السيد روز وتر) . التناص , بالرغم من ذلك يوظف بنفس الأساليب , و مرة أخرى فان منشؤه الوظيفي ثنائي : هناك تناصات تاريخية وثائقية حقيقية في دريزدن , مختلطة مع تلك الروايات التاريخية (ستيفن كرين, سيلن ) . ولكن هناك إشارات ضمنية متصلة ثيميا وتراكبيا مع (رحلة إلى الشرق) لهيرمان هيسي ، و أعمال متنوعة من الخيال العلمي ، ومزيج من تناصات مع نصوص شهيرة عالية الفنية: (وادي الدُمى) تلتقي مع أشعار وليام بليك وثيودور رواثيك . كل هذه النصوص صناعة جميلة وكلها أعيد تنصيصها من اجل أن تتحدى العقليات الامبريالية (سياسيا وثقافياُ ) التي تسببت في " دريزدينات" عبر التاريخ .
وظف توماس بينشون في روايته ( V) تناصات ثنائية بطريقة مشابهة مفعمة بالشجن لأجل إن يعلن رسميا الثيمة المتعلقة بالمؤلف عن التدمير الحتمي للبشرية . ملف ستنسل , و شظايا من نصوص من التاريخ , و تناصات أدبية ملغمة , كأنه يريد أن يذكرنا بأنه " لا توجد حقيقة قابلة للكتابة عن التاريخ وعن التجربة, فقط نسخ متسلسلة : تأتي إلينا دائما مستنسخة " (تانر: 172). وهي دائما متعددة تماما مثل هوية V.
لاحظت باتريشيا واو أن كتابات ما وراء القص مثل(المسلخ رقم خمسة) , أو( الحريق الشعبي) " لا تقترح أن كتابة التاريخ هي عمل روائي , وترتيب مفاهيمي للأحداث بواسطة اللغة لتشكيل العالم- النموذج , فحسب , لكن التاريخ نفسه يستثمر , مثل الرواية, بحبكات متعالقة تبدو أنها تتفاعل باستقلالية عن النموذج البشري" .
ما وراء القص التاريخي , مثله مثل هذه الكتابات , ثنائي على نحو خاص في كتاباته للتناصات الأدبية والتاريخية معاً . تعمل تذكارات ما وراء القص التاريخي, الخاصة والعامة عن أشكال ومحتويات كتابة التاريخ على التآلف ونزع الألفة عبر التراكيب السردية( المألوفة جدا) , ـ كما اسماها هايدن وايت [ النصوص التاريخية ] ـ , لكن انعكاسيتها الذاتية تعمل لأجل مَشكَّلة أي تآلف يمكن أن يحدث .
والسبب في التماثل هو أن كلا العالمين المتخيل والحقيقي يأتي إلينا عبر تقديراته وتناولاته, بمعنى , عبر آثاره ,و نصوصه . إن الخط الوجودي بين الماضي التاريخي والأدب ليس مطموسا (ثايهر:190) ، لكنه مؤكد هنا. وهنا بالضبط تكمن علاقته بالأدب .
لقد وُجد الماضي فعلاً, ولكننا نستطيع أن نعرف ذلك الماضي اليوم عبر نصوصه فقط. وإذا كان انضباط التاريخ قد افقده امتياز حالته بوصفه متعهد الحقيقة , فذلك أفضل كثيرا, وفقا لهذا النوع من النظرية التاريخية الحديثة : إن فقد وهم الشفافية في الكتابة التاريخية هو خطوة نحو نظرية الوعي الفكري الذاتي المتقابل مع تحديات ما وراء القص لشفافية لغة النصوص الواقعية المسلم بها .
وعندما هاجم النقاد ما بعد الحداثة كونها لا تاريخية بزعمهم ( ايجليتون,و جيميسون, ونيومان) , أصبح ما يشار إليه بوصفه ما بعد حداثة غير واضح على نحو مفاجئ . و بالتأكيد فان ما وراء القص التاريخي ـ مثله مثل التصاميم المعمارية والرسم الما بعد حداثيةـ تاريخي بجلاء وإصرار بل على نحو لا يمكن إنكاره , حتى وان بطريقة ساخرة وإشكالية تعترف بان التاريخ ليس تسجيلا شفافا لأي حقيقة على أي درجة من التأكيد . بدلا من ذلك , فان مثل هذه الروايات يعزز نظرات فلاسفة التاريخ مثل دومنيك لاكا بارا الذي يقول" يصل الماضي إلينا في شكل نصوص ,و ذكريات و بقايا منصصة , و تقارير , و كتابات منشورة ,و أرشيفات ,و محفوظات ,و نصب تذكارية وما إلى ذلك " . و أن هذه النصوص تتفاعل مع بعضها بأساليب معقدة . هذا لا يعني بأي حال إنكار قيمة الكتابة التاريخية , انه فقط إعادة تعريف شروط هذه القيم بمصطلحات اقل امبريالية . وأخيرا فان تقاليد سرد التاريخ باهتمامها بالفترة الزمنية القصيرة للفرد والحدث, قد استدعيت للمساءلة من خلال مدرسة الحوليات الفرنسية. ولكن هذا الشكل الخاص من سرد التاريخ كان بالطبع هو سرد الرواية الواقعية , لذا فان ما وراء القص التاريخي يمثل تحديا للأشكال المتفق عليها من الرواية والتاريخ عبر اعترافه بنصيته التي لا مفر منها . وكما أشار بارث مرة , فان بوفارد و كيشوت أصبحا مادة أولية مثالية لكاتب ما بعد الحداثة الذي يستطيع فقط أن يقلد اللمحة التي هي دائما في الواجهة وليس الأصل على الإطلاق . سلطته الوحيدة هي مزج الكتابات , مقابلة احدها مع الأخر , بطريقة لا تجعله يستقر على أي منها (آيرنيج :146).
لا يسبب الربط الرسمي بين الرواية والتاريخ عبر المهيمنات المشتركة من التناصات و السردية , في العادة , اختزالا أو تقليصا في أفق وقيمة الرواية ,بل على العكس تماما, إنه يمنح توسعا وتمددا في الأفق والقيمة. أما إذا ما نُظر إليه على أنه محددات مقيدة لما هو مسرود دائما , فان ذلك يضاف إلى قيمته الابتدائية ، كما في رؤية ليوتارد الوثنية , حيث لم ينجح احد على الإطلاق في أن يكون السارد الأول لأي شيء , أو أن يكون أصل أي سرد ,حتى لو كان خاصا به . لقد وضع ليوتارد هذا الحد عن قصد ليقابل ما اسماه" الوضع الرأسمالي" للكاتب بوصفة مبدع قصته الأصلي ومالكها ومتعهده ا. يشترك كثير من كتاب ما بعد الحداثة في هذا النقد الإيديولوجي المضمر للفرضيات المؤسسة لمفاهيم المؤلف والنص. و تمثل التناصية الساخرة الوسط الرئيسي لهذا الانتقاد . ربما لان السخرية ذاتها تحمل تضمينات ايديولوجية متناقضة افتراضاً (الخطيئة المفوضة ) لذا يمكن النظر إليها بوصفها محافظة وثورية معاً (هتشيون :63-69( , إنها صيغة مثالية لانتقاد ما بعد الحداثة , هي بذاتها مفارقة في تنصيبها المحافظ ثم نضالها الراديكالي ضد الاتفاقيات .
يوظف ما وراء القص التاريخي في ( مئة عام من العزلة ) لغبرائيل غارسيا ماركيز و و( طبلة من الصفيح) لغنتر غراس و (أطفال منتصف الليل) لسلمان رشدي ـ والتي وظفت العمليين السابقين في تناصاتهاـ التهكم ليس فقط لحفظ التاريخ والذاكرة في وجه تحريفات تاريخ المنسيين(ثايهر), ولكن أيضا ليستجوب سلطة أي فعل كتابي من خلال موضعة خطابات التاريخ والرواية معا داخل شبكة متمددة باستمرار حتى تحاكي أي فكرة من أصل فردي أو ظرف عارض بسيط . وعندما ترتبط بالهجاء كما في عمل فونيجوت, ,و فامبي لوف, و كريستيا وولف ,أو كوفر , فان التهكم يأخذ بكل تأكيد أبعادا إيديولوجية أكثر دقة . ولكن هنا , أيضا, لا يوجد تداخل مباشر مع العالم: إنها اشتغال كتابي عبر كتابة أخرى و تنصيصات أخرى للخبرة (بدايات, ادوارد سعيد).
كان مصطلح التناصية في كثير من الأحيان محدودا جدا لوصف هذه العملية , وربما سيكون مصطلح المنطق الداخلي interdiscursivity أكثر دقة في تحديد الصيغ الجمعية من أشكال الخطابات التي تنهل منها ما بعد الحداثة بسخرية : الأدب والفنون البصرية والتاريخ والسيرة الذاتية والنظرية والفلسفة والتحليل النفسي و علم الاجتماع ويمكن للقائمة أن تتابع .
احد تداعيات هذه المجمعات الاستطرادية هو أن مركز ـ الوهمي ربما ولكنه كان يوما متفردا ومتماسكاـ السرد التاريخي والروائي قد تشتت . تكتسب الهوامش والحواف قيمة جديدة. أصبح "خارج – المركز" سواء كان مطرودا من المركز أو لا مركزي يحظى باهتمام. ذلك ما تثبته كلمة "مختلف" في مقابل النخبة والآخر الغريب , وكذلك نبض الثقافة الجماهيرية المتوسقة . وفي ما بعد الحداثة الأمريكية، أصبحت كلمة مختلف توظف بوصفها مصطلحا تخصيصيا ، مثلها مثل مصطلحات الوطنية, والعرقية , والجنسوية , والميل الجنسي .
إن السخرية التناصية من الكلاسيكيات الكنسية هي احد صيغ إعادة ملائمة وإعادة صياغة ـ بتغيرات ذات مغزىـ هيمنة الرجل الأبيض والطبقة الوسطى والثقافة الأوروبية . إنها لا تنبذها لأنها لا تقوى على ذلك , إنها تومئ إلى تبعيتها من خلال توظيف المعايير ولكنها تؤكد عصيانها عبر الشتم الساخر لها. وكما يقول ادوارد سعيد في (الثقافة" : يوجد تكافل متبادل بين تاريخ المهيمن والخاضع للهيمنة . منذ الستينيات والثقافة الأمريكية فريسة للقلق والهواجس على نحو خاص ـ كما وصفها مالكوم برادبري ـ فيما يتعلق بماضيها الأدبي والاجتماعي والتاريخي . ربما يكون هذا الانهماك أو قد كان مرتبطا ولو جزئيا بالحاجة إلى صوت أمريكي متميز ضمن تقاليد اورو-مركزية مهيمنة ثقافيا .
الولايات المتحدة مثل دول القارتين الأخرى هي ارض هجرة , وبكلمات دكتوراو " بالطبع نحن ننهل بغزارة من أوروبا وهذا جزء مما تعنيه موسيقى الجاز: وسيلة بدأنا من خلالها رفع العمارة و الفن الأوروبي ماديا ومعنوياً وجلبها إلى هنا(ترينر) , وهذا كل ما يعنيه ما وراء القص التاريخي عموما .
ناقش النقاد باستفاضة التناصات التهكمية في عمل توماس بينشون V)), من ضمنها قلب الظلام لكونراد (ماكهيل:88) ، وشكل شارد بروست الأول الاعترافي بايبسون : 37-38).
في روايته (بكاء الرقم 49) على وجه الخصوص , ربط مباشر بين السخرية الأدبية من الدراما اليعقوبية والانتقائية والموضوعية مع ما نعتقد انه حقيقة تاريخية .هنا تعمل التهكمية الما بعد حداثية بالطريقة ذاتها التي عملت بها في أدب القرن السابع عشر . وفي رواية بينشون والمسرحيات التي تسخر منها [ جون فورد في (إنها عاهرة) , وجون وبستر في (الشيطان الأبيض ) , و (دوقة مالفي ) , و سيرل تاورنر في (تراجيديا المنتقم) ومسرحيات أخرى] , نجد أن الخطاب التناصي (الموثوق به ) مضمر بتماسك في التعليقات الاجتماعية عن فقد القيم التقليدية وثيقة الصلة بالحياة المعاصرة . بذات القوة ,بل وربما أكثر عنفا, جاء تهكم إسماعيل ريد في روايته (عامان فظيعان) من رواية تشارلز ديكنز ( ترنيمة عيد الميلاد) حيث يلتقي الهجاء السياسي بالتهكم لمهاجمة إيديولوجيات الهيمنة الأوروبية المركز . تركيبها عن عيد الميلاد الماضي وعيد الميلاد المقبل يهيئنا لتوسلاتها الديكنزية الاستهلالية عبر الاستعارة أولا ( النقود شحيحة مثل سكروج ) ,ثم بشكل مباشر " يحلق ابنيزر سكروج , في أفق واشنطن , فاركا يديه محدقا بجشع من خلف نظارته" سكروج ليس شخصية , ولكنه روح أمريكا الموجهة في الثمانينيات , تلك التي حضرت تنصيب الرئيس الأمريكي في ذلك العام , تواصل الرواية تحديث حكاية ديكنز :
"رغم تداعيات التضخم وآثاره فان الأغنياء لا زالوا مرتاحين و حميمين . سيحتفل هؤلاء بعيد الميلاد كما يحلو لهم , صرح بذلك الناطق الرسمي باسم نيومان مركوس ، وتابع قائلا : الفقراء لن يحظوا بذلك . هذه هي استجابة العام 1980 لشتاء سكروج ضنينة ككلب المزابل. سيأتي عيد الميلاد في المستقبل بعد أن ألقت الرأسمالية المحتكرة القبض عليه بعد قرار محكمة منحت حقوقا حصرية بسانتا كلوز لشخص واحد وشركة واحدة" .
يواصل احد شريطي الحبكة المعقدة التناص الديكينزي . الرئيس الأمريكي ـ نموذج الأبله السكير عديم الرجولة ـ يعاد تشكيله بزيارة من القس نيكولاس الذي يصطحبه في رحلة عبر الجحيم , ممثلا دور فيرجيل مع دانتي . يقابل هناك رؤساء سابقين و ساسة آخرين ممن كان جزاؤهم في جهنم متوافقاً مع أعمالهم و جرائمهم. أما وقد أصبح رجلا جديدا بعد هذه الرحلة ، فان الرئيس يقضي ليلة عيد الميلاد مع كبير الخدم الأسود جون , وحفيده المقعد . وبالرغم من عدم ذكر ذلك إلا أن "تم" الصغير هذا يثير شفقة ديكنز بسخرية : له ساق مبتورة , اسود قتل أبواه في حادث سيارة .
و في محاولة لإنقاذ الأمة, يتوجه الرئيس إلى محطة التلفزيون ليعلن أن " مشكلات المجتمع الأمريكي لن تزول بسبب استثارتنا لمواقف سكروج ضد الفقراء أو احتيالنا على كبار السن و المهمشيين "، ولكن أصداء تناصات ديكنز الأخيرة تأتي ساخرة بلا حدود : أُعلن أن الرئيس الأمريكي غير لائق للحكم بسبب رسالته المتلفزة وأُدخل المستشفى من قبل أصحاب النفوذ الاقتصادي الذين يديرون دفة الحكم في الحقيقة . لم يبق أي مجال لتفاؤلات ديكنز في هذه النظرة الهجائية الصريحة . و بالمثل في رواية (الراديو الأصفر الخلفية تحطم) , يقلب ريد بتهكم حاد محقق ديستوفسكي العظيم من اجل أن يدمر نظام السلطة الاجتماعية والأدبية والأخلاقية .
واليوم ، لا يوجد عمل في التراث الغربي الإنساني يبدو آمنا من تناصات ما بعد الحداثة استشهادا أو خصاما : حتى النصوص الإنجيل المقدسة في رواية هيلين ( يعلم الله) , تعرضت للمصادقة أو نزع السرية والأسطورة .
و من المؤشرات ذات الدلالة أن تناصات جون بارت في " رسائله" لا تتضمن الروايات الرسائلية البريطانية من القرن الثامن عشر , دون كيشوت , وأعمال أوروبية أخرى لويلز ,ومان , وجويس فحسب , بل ونصوص لهنري ديفيد نوريو ,و ناثانيال هاوثرون ,و ادغار الآن بو ,ووالت وايتمان وجيمس فينيمور كوبر .
إن الماضي الأمريكي الشديد الخصوصية بعيد تماما عن تعريف "الاختلاف والتشتت " بمفهوم ما بعد الحداثة الأمريكية تماما كالماضي الأوروبي. نفس المزيج الساخر في توظيف وشتم السلطة والإثم يميز التناصات الأمريكية – الأمريكية . فعلى سبيل المثال ، تسخر رواية V) ) لبينشون , و(أغنية سليمان) لموريسون, بطريقتين مختلفتين , من تراكيب وثيمات استعادة التاريخ في رواية وليام فوكنر (ابسالوم , ابسالوم) ! . أما دكتوراو في ( حيوات الشعراء ، 1984) فانه ينصّب ثم يدمر رواية (حياتي كرجل ) لفيليب روث و(هرزوج ) لشاوول بلو(ليفين :80).
ربما كانت الإشارات الهازئة إلى أوائل القرن التاسع عشر أو إلى الأدب الأمريكي الكلاسيكي أكثر تعقيداً , حيث أن هناك تراث طويل من التعالق بين الرواية والتاريخ في توظيف هاوثرون, على سبيل المثال , لاتفاقيات الرومانسية في ربط الماضي التاريخي والحاضر الكتابي . وفي الحقيقة فان رواية هاوثرون هي تناص ما بعد حداثي مألوف : رومانسية بليثيديل والأوبرا العائمة لبارث تتقاسمان ذات الانشغال الأخلاقي مع سلسلة كتاب اخذين مسافة جمالية من الحياة , مع اختلاف الأشكال البنائية (ذلك أن رواية بارث تتميز بوعي ذاتي اكبر يميز كتابات ما وراء القص,{كريستنسين12 } ). يلفت ذلك نظر القارئ إلى التهكم الحقيقي من تزامن القضية الأخلاقية.
لقد قُوضت النصوص الكنسية الأمريكية , ولكن لازال يعتمد عليها في الوقت نفسه. و لان التهكم هو أسلوب ما بعد الحداثة المفارقي للتصالح مع الماضي , فليس من المدهش أن الأدب المعاصر الأمريكي لا بد و أن يزخر بمحاكيات ساخرة من اهتمامات رواية (موبي-دك ) لهيرمان ميلفيل ـ الرواية الأعظم اسما وشهرة ـ التي تشترك فيها مع ما بعد الحداثة:
( اتصل بي يا سميثي ) من رواية (الرواية الأمريكية العظيمة ) لروث , (واتصل بي يا جونا ) من رواية (غطاء المهد) لفونيجوت , أو عندما يقول بارث في روايته (نهاية الطريق) ـ بشكل أقل مباشرة وان كان أكثر فرضية ما بعد حداثية ـ أنا جاكوب هورنر .
إن الروايات التي تتعامل مع الحقائق التاريخية والتقنية و/ أو التي تعيد تناول السعي وراء الطبيعة التي تبدو عصية على الاختراق , تكون مغرمة أيضا باستدعاء نص ميلفيل . فمثلا في رواية نورمان ميلر ( من النار على القمر ) , نجد أن القمر / الحوت المرغوب بشدة من الدلو/ إسماعيل , يعود إلى الحياة بلغة مألوفة , ولكنها هنا ساخرة تمزج الصلابة التقنية بالغموض المتعالي(سيسك).
ما هو جدير بالملاحظة , على هامش هذه الدراسة" إن رواية اللا- رواية مثلها مثل ما وراء القص التاريخي ـ مهما بلغت ادعاءاتها بالدقة الحقيقية في التسجيل التاريخي ـ إلا أنها تبني تقاريرها بوضوح على التناصات الروائية . فمثلا , يسخر توم وولف في( The Electric Kool-Aid ) و (الاختبار الحامضي) من (على الطريق) لجاك كيرواك , ومن( السقوط في الفوضى) لبو , ومن أعمال ثورو, رالف والدو اميرسون, وآرثر كلاركا ) أنظر هيلمان :110-13) .كما يستدعي هنتر ثومبسون في روايته( الخوف والقرف في لاس فيغاس) (موبي-دك) , والرومانسيات الأمريكية والنوع البيكارسيكي أو الشطاري (هيلمان :82-87) .
تناص من نوع آخر في رواية ميلر (من النار على القمر) هو (تعليم هنري آدمز) لتايلور و( حادث في الموتيل الجزائري ) لجون هيرسي , فيما تسخر روايته (جيوش الظلام) من جون دوس باسوس في (يو.اس. ايه) .
تعتبر ثلاثية جون دوس باسوس حالة دراسة جيدة كونها شكلا مبكرا من ما وراء القص التاريخي في توظيفها وشتمها لاتفاقيات التاريخ والرواية والسيرة الذاتية والسيرة الذاتية الشخصية والصحافة (مالميغرين :132: -42).
الشكل المتشظي واللعب المتواصل بتوقعات القارئ , تبدأ ,في الواقع, في انتهاك سلطة تلك الاتفاقيات ولكن ربما كانت النهاية أكثر انحلالا للتوترات الشكلية والتأويلية أكثر مما يميز روايات ما بعد الحداثة الأكثر انفتاحا وتناقضاً .
يعود ما وراء القص التاريخي , مثله مثل رواية اللا-رواية , إلى التاريخ تماما كما إلى الأدب. ينجح بارث في روايته (The Sot-Weed Factor) , في فضح كذب وتزوير التاريخ ,وخلق تاريخ ميرلاند ليس فقط من خلال قصيدة ابنيزر كوك 1708 , التي تحمل الرواية نفس الاسم , ولكن بتوظيف أرشيف السجل التاريخي الخام لميرلاند . يعيد بارث كتابة التاريخ من هذه التناصات متمتعا بحرية اعتبارية في ابتكار شخصية أو أحداث أحيانا, أو قلب النغمة والصيغة لهذه التناصات بسخرية أحيانا أخر , مانحا ـ في بعض الأحيان ـ صلات حيثما وجدت ثغرات في السجل التاريخي.
تتناول رواية توماس بيرغر( الرجل الصغير الكبير) كل الإحداث الرئيسية التي جرت على السهول الأمريكية من نهاية القرن التاسع عشر ( من قتل الجاموس وبناء السكك الحديدية حتى آخر موقف لكاستر) . ولكن إعادة السرد هذه كانت من خلال شخصية تخيلية لرجل يبلغ من العمر 111 سنة , يضخم ثم يفرغ شخصيات الغرب وأبطاله ,وبالمثل الكليشهات الأدبية الغربية في الوقت نفسه , لان التاريخ والأدب يشتركان في تضخيم تسريد الماضي .
لم يبذل بيرغر أي محاولة لإخفاء تناصاته سواء كانت أدبية أو تاريخية . يستدعي القوام الأسطوري لواجهات المحفل الأسطوري محفل بامبو الأنيق ويسخر منه في الوقت نفسه . سرد موته كان نقلا حرفيا عن تقرير جون نيلهارد الخاص ببلاك اليك , وجنون كاستر الأخير مأخوذ مباشرة من ( حياتي على السهول ) , وحتى جاك كراب التخيلي يعرف من خلال تناصاته : جاك كلايبورني التاريخي و جون كلاي تون التخيلي من رواية (لا أحياء) لول هنري ، كلاهما متساوقان زمانيا ومكانيا مع كراب .
ليس الأدب أو التاريخ , هو الذي يشكل خطابات ما بعد الحداثة فحسب. كل شيء ابتداء من الكتب الكوميدية ,والحكايات الشعبية ,إلى التقاويم , والصحف اليومية يزود ما وراء القص التاريخي بالتناصات الدلالية ثقافيا .
في رواية ( الحريق الشعبي) لكوفر , نجد أن تنفيذ إجراء روزنبرغ يُسوى من خلال أشكال منصصة متنوعة الاختلاف . أهم هذه الأشكال ذلك الخاص بمختلف وسائل الإعلام التي يظهر من خلالها مفهوم التباين بين الأخبار والواقع والحقيقة. تظهر صحيفة ذنيويورك تايمز على أنها تشرع النصوص المقدسة في أمريكا , النصوص التي تمنح نسخا من الخبرة بمنهجية وتعقل , في حين أن ذاتيتها الظاهرية تغلف " المثالية الهيغيلية التي تسيء إلى لغتها الخاصة عن الواقع( مازورك:34)" . واحد من التناصات المركزية لصورة ريتشارد نيكسون في الرواية هي خطابه المتلفز الشهير , اللهجة , الاستعارات , والايدولوجيا هي التي زودت كوفر بالشخصية والبلاغة اللازمة لنيكسون التخيلي .
يظهر ما وراء القص التاريخي استعداده للاستفادة من التطبيقات الدلالية التي يمكن له أن يجدها فاعلة في المجتمع . انه يريد أن يتحدى تلك الخطابات وفي ذات الوقت أن يستنزفها لأخر قطرة.
في رواية بينشون , على سبيل المثال , يصل هذا النوع من الوصف المتناقض المهدم إلى أقصاه " التوثيق , والأنظمة الاستحواذية ,و لغة الثقافة الشعبية , و الدعاية لمئات الأنظمة التي تتنافس فيما بينها وترفض الاستيعاب في أي مثال يعترف بصحته "(واو: 39).
ولكن روايات بينشون كثيرة المحددات تناصياً و مثقلة باستطراد بالسخرية مع ميل ـ في كل خطاباتهاـ إلى خلق نظم وتراكيب . حبكة هذا النوع من السرد تصبح نوعا آخر من الحبكات ، بمعنى : مؤامرات تحرض أولئك الخاضعين لسلطة النمط (مثلنا جميعا) على الذعر . لقد علق كثيرون على هذه البارانويا في أعمال الكتاب الأمريكيين المعاصرين ولكن قلة هي التي لاحظت الطبيعة المفارقة في هذا الاشمئزاز والخوف الما بعد حداثي بصفة خاصة : الذعر من شمولية التحبيك منقوش ضمن النصوص متميز بمرجعية ذاتية كثيرة المحددات تناصياً ومثقلة التحبيك . النص نفسه يصبح نظاما مغلقا ذاتي المرجعية بلا حدود . ربما يشرح تناقض الجذب / الرفض للتركيب والنمط هيمنة التوظيف الساخر للأشكال المحبوكة ـ بجلاء وابتذال ضمن التقاليد المصطلح عليها ـ في الرواية الأمريكية ,على سبيل المثال ,للروايات الغربية: (الرجل الكبير الصغير) , (الراديو الأصفر الخلفية تحطم) , The Sot-Weed Factor) ) , (ومرحبا بالأيام الصعبة ) , و( حتى راعيات البقر يحصلن على البلوز) .
لقد قيل أن " الشيء الوحيد الذي يعنيه الغرب دائما هو أن أمريكا تعيد كتابة وتفسير ماضيها الخاص"(فرنش:24). التوظيف التناصي الساخر للغربي ليس كما يدعي البعض نوعا من الهروب الزمني (ستينبيرغ :127) ,بل على العكس, أنه مصالحة مع التقاليد الموجودة في التمفصلات الأدبية والتاريخية المبكرة للأمريكانية .
وإذا كان الأمر كذلك فان التهكم يمكن أن يوظف بوضوح للنهايات الهجائية. رواية دكتوراو ( مرحبا بالأيام الصعبة ) تستدعي (الفندق الأزرق) لستيفن كرين في توصيفها لسلطة المال والجشع والضغط على المهمشين : بتوظيف التناص تقول الرواية أن بعض الأساطير النبيلة تحمل في جوهرها استغلالا رأس مالياً (غروس:133 ). وبقلب التعاقدات والاتفاقيات الغربية بسخرية , يعرض دكتوراو طبيعة ليست توحشية افتدائية , ورواداً اقل نشاطا نجوا على حساب المغامرين .
انه يدفعنا بقوة لإعادة التفكير, وربما, إعادة تأويل التاريخ . وقد فعل ذلك عبر سارده بشكل خاص , بلو, الذي سقط في مأزق "هل نحن من نصنع التاريخ أم أن التاريخ هو الذي يصنعنا" ؟ و لتوضيح التناصات المتشابكة مع الخطابات , يكتب بلو قصته على دفتر الأستاذ المحاسبي الذي يحتفظ فيه حتى بالسجلات المدنية (ليفاين27:-30).
جاءت سخرية إسماعيل ريد من الغرب في ( الراديو ذو الخلفية الصفراء يتحطم) مثقلة بالايدولوجيا بصورة اكبر . الولد , لوب غارو , وهو راعي بقر، بطل اسود بتهكم . كما أنه ،في الوقت ذاته , يسخر من روح كونغو الهايتية برموزها الثلاث (Bacca Loup gerow) (بايرمان :222).
لقد قُلبت هنا افتراضات النوع التقليدية بخصوص البطل الطيب الطويل الذي يحارب الشر الخارج عن القانون والفساد ، حيث راعي البقر الشيطاني الفوضوي يجب أن يحارب قمع وفساد قوى القانون والنظام الخاصة. وظف ريد أنواع أخرى من التهكم لذات التأثير النقدي . ففي روايته (حامل النعش المستقل) يحول حبكة (قصة النجاح الأمريكية) لهوراشيو الجير إلى مصطلحات هرائية غير معقولة ليوضح فكرته عن فضلات البشرية .في (مامبو جامبو) يتهكم بابا لاباس من البوليسية الأمريكية في كشفه بالغ الذروة عن تاريخ دوافع الجريمة , ولكن الجريمة هنا بدائية والدوافع تعود إلى ما قبل التاريخ والأسطورة . تصبح حبكة الحكاية البوليسية , باعتمادها على العقلانية, مؤامرة أخرى و نمط نظامي استبدادي .
تؤكد رواية ريد بوضوح ليس فقط " الاختلاف " الأمريكي الانتقادي ولكن العرقي أيضا . مزجه الهازئ لمستويات وأنواع من الخطابات تتحدى أي فكرة عن " المختلف" سواء كانت متماسكة متجانسة أو أصيلة. انه يقتبس من التقاليد السردية الأدبية للسود والبيض على حد سواء , معيدا كتابة زورا نيلي هرتسون , ريتشارد رايت , ورالف اليسون بالبساطة ذاتها التي يعيد فيها كتابة بلاتيوس واليوت (انظر ماك كونيل: 145 ، غيتس:314 ). بينما يستفيد أيضا من الاحتمالات المتعددة التي تفتحها النواميس الشعبية , هذه المواد الشعبية التاريخية , المتغيرة , و البذيئة و الانجازية تعارض ضمنيا المجتمع وتوفر أصواتا غير متجانسة مقابل الهوية الثابتة المتفردة المتجانسة. إنها وسيط مثالي توظفه ما بعد الحداثة لتحدي الطبيعي و الكوني و الخالد واللا -تاريخي .
تستدل رواية ( رحلة إلى كندا) لريد أو تسخر من الآثار الأدبية لسرد العبيد كما كتبت من قبل كتاب بيض وسود على السواء ) كوخ العم توم على سبيل المثال ) .
يوضح هنري لويس غيتس الابن باستفاضة أن (مامبو جامبو) هي مناظرة ساخرة مطولة ومتعددة وواحد من تناصاتها يأتي مع قصيدة لريد نفسه , هي بحد ذاتها استجابة ساخرة لخطاب (الرجل الخفي) لاليسون التي تؤكد أن الرجال [هكذا] مختلفون وان الحياة مقسمة وان التقسيم ظاهرة صحية . يرد ريد على ثنائية: رجل "رالف اليسون الخفي" , (النشيد 50 )
أنا خارج التاريخ , أتمنى
لو كان معي بعض الفول السوداني,
التاريخ
يبدو جائعا
هناك في قفصه
أنا داخل في التاريخ
انه جائع أكثر مني
يبدو ريد خلف هذه السخرية والعبث جاداً, كما هو دائما . هذه الجدية التي كان النقاد يغفلونها , عندما يتهمون ما بعد الحداثة بالمحاكاة الساخرة وبالتالي بالتفاهة والابتذال .
تبدو فرضية أن أصالة التجربة والتعبير غير متلائمة مع ثنائية الصوت و /أو المرح والفكاهة مشتركة ، ليس بين النقاد الماركسيين من أمثال جيميسون وايجليتون فحسب ولكن بين نقاد وناقدات الكتابة النسوية : ترى ايلاين شووالترز أن تهكم فرجينيا وولف في غرفة لشخص واحد " مراوغ و خبيث و مضايق " . وعلى الرغم من ذلك فان الكاتبات النسويات مع الكتاب السود هم اللذين وظفوا التناصية الساخرة وصولا إلى هذه النهايات المفعمة بالقوة إيديولوجيا وجماليا ( إذا كان من السهل علينا فصل الجانبين) . التهكم بالنسبة لهم هو الإستراتيجية الأساسية التي كشفت من خلالها "الازدواجية الأنثوية", على الرغم من أنها احد الأساليب الرئيسية التي يتم بها توظيف النساء واستغلالهن : وضع ثم تحدي التقاليد الذكورية في الفن . الرابط بين الجنسوية والنوع الأدبي واضح في عبث اولاندو الساخر مع باتفاقيات السيرة الذاتية , ومونيك ويتج التي أعادت تجنيس الملحمة الذكورية في (الجلنار).
وفي الحقيقة , فان روايات التنشئة كانت أكثر النماذج سخرية وشعبية , تقلب ميرج بيرسي في رواية (التغيرات الصغيرة ) نمط السرد الذكوري في التعليم والمغامرة لتوفر هروبا أنثويا حادا من ـ بدلا من التكامل مع، هانسن :215-16ـ الحالة البطريركية . توظف رواية (أغنية سليمان) لتوني موريسون البطل الذكر ولكنها تقلب ,بسخرية, التركيز المعتاد على الفرد في العالم لتجعلنا نرى المجتمع والأسرة برؤية جديدة(واغنر: 200-1). وبالطريقة نفسها تستدعي أليس ووكر بسخرية الحكايات الشعبية المألوفة مثل اللون الأرجواني, وبياض الثلج , البطة السوداء, والجميلة النائمة . لكن دلالة هذه المحاكاة الساخرة لا تتضح إلا عندما يلاحظ القارئ الانقلاب الجنسوي والعرقي المتأثر بسخريتها : العالم الذي تعيش فيه بسعادة مطلقة بعد أن أصبح امرأة سوداء .(بايرمان:161).
لا يتعلق موضوع التهميش والطرد عن المركز في أمريكا بالجنسوية والعرق والجنسية فقط ,ولكن أيضا بالطبقة ,ذلك أن خمس المجتمع الأمريكي لا يشكل في الواقع كتلة اقتصادية أو اجتماعية . تدخل هذه القضية حتى ضمن الروايات النسوية السوداء. و مع المحاكاة التناصية لشخصية اكي ماكزيلان في رواية(الدب) لفوكنر , نرى أن بائع اللبن في (أغنية سليمان) يجب أن يجرد من الرموز المادية لثقافة البيض المهيمنة وان يخضع للتجربة لإثبات قدرته على التحمل ليتم قبوله . السبب ؟ أن وعي السود في شاليمار بالقضية الطبقية يأتي دون وعيهم بالقضية العرقية . إنهم يدركون أن له قلب الرجال البيض اللذين جاءوا للقبض عليهم في شاحنات عندما احتاجوا إلى عمال مجهولين بلا وجوه.وفي نفس الرواية نجد البرجوازية الصغيرة روث ابنة الطبيب تزدري زوجها المحدث الثراء. في (موسيقى الجاز) لدكتوراو يمتزج موضوع العرق والجنس مع الطبقة . في (بحيرة الريفي) نحد أن الفن نفسه يخضع للمساءلة : يشعر جو أن خلفيته الاجتماعية تحول بينه وبين الثناء الكامل الذي تحصل عليه قصائد "وارن بنفيلد " : "كيف يمكن أن أحظى بالإصغاء الذي تستحقه هذه الكلمات الجميلة ؟ الناس من عالمي لا يتحدثون بكلام مزين كهذا " . ربما يغوي القراء مطابقة النحو مع الطبقة الاجتماعية إلى أن يلاحظوا أن قصيدة بنفيلد تفتقد إلى علامات الترقيم. تكشف روايات ريد و دكتوراو التأثير القوي للتناصية الساخرة على الصعيدين الرسمي والإيديولوجي . ففي رواية (بحيرة الريفي) نجد أن وارن بنفيلد , عامل الإشارة في فيلق الإشارة, و تحت وطأة النيران المعادية عام 1918 , لا يرسل الرسالة المطلوبة من قائده , ولكنه يرسل بدلا منها الأسطر الأولى من غنائية وردزوورث :( تنويهات الخلود من ذكريات الطفولة )
الملائمة الساخرة لهذه الثيمات من الماضي المجيد والواقع الحاضر يجعل من فكرة دكتوراو عن الحرب أفضل من أي عبارة وعظية يمكن أن نقولها . تقدم لنا هذه الرواية كل أنواع التهكم التناصي الذي يمكن أن نراه في الرواية الأمريكية على العموم : النوع , والتقاليد الأوروبية, والأعمال الكنسية الأمريكية (الكلاسيكية والحداثية) , و نصوص الثقافة الشعبية والتاريخ .
على مستوى النوع , نجد أن (جو) بطل بيكارسيكي, كما انه ليس كذلك في الوقت نفسه , سواء في مغامراته في الشوارع وفي سرده لها . انه يسرد عادة بصوت الشخص الثالث عندما يتناول حياته الماضية ، ولكن أحيانا يتدخل صوت سارد الشخص الأول . تسود التناصات البريطانية على وجهه الخصوص الرواية : فمن رسالة ووردزوورث الاشارية إلى السخرية من( أبناء وعشاق) للورنس . و مثل بول مورل , ينشأ وارن بنفيلد في مجتمع مناجم الفحم مع أمه التي يشعر إنها "مميزة , روح نادرة , مخلوق شفاف لطيف". يبسّط دكتوراو و يتهكم من مثالية لورنس الجادة بجعل شاعره رجلا اخرق , لا يحسن صنعته . وتماما كما حدث لمورل , فليس من الواضح في النهاية ما إذا كان فنانا حقيقيا أم لا .
تُستدعى افتتاحية رواية جويس (بورتريه لفنان شاب ) في الفقرات الأولى من ( بحيرة الريفي) عندما تتحدث عن علاقة الرضيع بجسده وباللغة . ولكن التهكم يبدأ عندما نتعرف على الفروقات : بخلاف ستيفن ديدالوس لا يتعرف هذا الطفل على أي اسم, وحيد , لا يستطيع أن يجد لنفسه مكانا في عائلته , عالمه اصغر كثيراً . والمفارقة أن كلا الصبيين سينتهي به الأمر شاعراً. أو هل سيكونان؟ لا تناص يوظف من قبل دكتوراو بدون حافته القاطعة . الريفي هنا ربما يعيد إلينا ذكرى عندليب كيت ولكن الكليشيه "مجنون كريفي" ليس بعيدا مطلقا في خلفيته .
احد الأبطال, جوزيف كورزينيويسكي , ينبذ اسمه ليصبح ابنا اسميا ل "بينيت ". من الصعب أن يكون توظيف الاسم الأصلي لجوزيف كونراد هنا محض صدفة في رواية عن الهوية والكتابة . لكن جو يرحب به في باترسون , نيوجيرسي , حيث المكان الذي توجد فيه جمعيات أدبية أخرى بالنسبة للأمريكيين . الأماكن, في الحقيقة, تردد صدى المحاكاة في (بحيرة الريفي ) . في الأدب الأمريكي ترمز البحيرة إلى نقاء الطبيعة ( وميض الزجاج في بحيرة كوبر , رواية والدن لثورو{ليفين:66})، ولكنها هنا ترمز للفساد وفوق ذلك كله , سلعة اقتصادية .هذا التأويل معزز بتناص آخر: حالة بينيت التي تذكر بشكل لا يمكن تفاديه بغاتسبي , حيث يتتبع جو الفقير الشاب الذي يحلم بامرأة , محاولة البطل الأدبي الأمريكي العصامي المشهور . ليس القانون الكنسي الأدبي هو الذي يستحضر في هذه الرواية فحسب , بل أن البورتريه الكامل لأمريكا الثلاثينيات يُطور من الثقافة الشعبية في تلك الفترة : كوميديات فرانك كابرا , و أفلام العصابات ,و الروايات الصاعقة , و ميلودراما جيمس كين (ليفين:67).
لهذه النقطة دلالات أدبية وتاريخية: الرواية في الحقيقة تمثل الإدراك بان ما "نعرفه" عن الماضي مشتق من خطابات ذلك الماضي . هذه ليست واقعية توثيقية ( حتى لو كان ذلك ممكنا) : إنها رواية عن فهمنا أو عن صورة الماضي , خطابنا نحن عن الثلاثينيات . اعتقد إن هذا ما قصده دكتوراو عندما قال في مقابلة عن (موسيقى الجاز) انه لا يستطيع تقبل التمايز بين الواقع والكتب. الأمر بالنسبة له انه لا يوجد خط محكم فاصل بين نصوص الأدب ونصوص التاريخ , ولهذا فانه لا يجد حرجا في توظيفهما والاستفادة منهما. من الواضح أن قضية الأصالة لها معنى آخر ضمن نظريته الما بعد حداثية عن الكتابة .
بؤرة تلك الرواية هي موسيقى الجاز, وأمريكا عام 1908: فترة حكم الرئيس روزفلت , ولوحات ونسلو هومر , وشهرة هاوديني, وأموال مورغان , و أخبار التكعيبية في باريس . لكن التناص مع التاريخ ضعف تناصاته مع الأدب , خصوصا مع(مايكل كولهاس) لهينريتش فون كليست و (يو اس ايه) لدوس باسوس . لقد وجه دكتوراو انتقادات عديدة لنصوص كليست (ترينر39:). كما أن أعمالا كثيرة ربطت العملين معا( ليفين56:, فولي: 166, ديتسكاي :176-77).
وباختصار , فان قصة كول هاوس ووكر Coalhouse Walker تمتلك توازيات عديدة مع قصة مايكل كولهاس Kohl haas ( ابتداء من اسم البطل) . في حكاية كليست , كولهاس هو بائع خيول من القرون الوسطى يرفض دفع غرامة غير عادلة لخادم ونزل "فون ترونكا" وبالتالي يفقد خيوله الجميلة . يواجه كول هاوس في رواية دكتوراو ظلما مشابهاً على يد ويلي كونكلين , لكن خيوله استبدلت هنا بالموديل الجديدة تي . وحين يفشل في الحصول على تعويض قانوني من منتخب ساكسوني , تحاول زوجة كولهاس ـ مثل كول هاوس ـ تحاول أن تتدخل ولكنها تقتل بأسلوب يستحدثه دكتوراو , ولكنه يستبقي أسسه . التضمينات القوية للتشابهات بين فساد المجتمع الإقطاعي و المجتمع الحديث الفاسد بالدرجة نفسها وغير المستقر لا تخفى على القارئ . يقود البطل في الرواية الألمانية جيش عصيان وبالرغم من أن خيوله تسترجع إلا انه يعدم . تستنسخ رواية دكتوراو هذه الحبكة, بسخرية ,من المجتمع الأمريكي بمصطلحات القرن , متهماً إياها بأصداء ذروة من تناص أخر : (كتالوج) لجورج ميلبورن. و في كل الأحوال, نحن نتعامل مع أناس لا يستطيعون أن يجدوا العدل " في مجتمع يزعم انه عادل". تختلط الشخصيات التاريخية في (مايكل كولهاس) و(موسيقى الجاز) مع الشخصيات الروائية : البطل يلتقي بمارتن لوثر في احدها وببوكر تي واشنطون في الأخرى ولكن أي منها ,من وجهة نظري, لا يمثل مبالغة في التخييل ( فولي :166).
ما تم التركيز عليه هو السرد والتناصية مع معرفتنا بالماضي , ذلك أن القضية ليست منح امتياز للتاريخ أو للرواية . مرة أخرى هتك كثير من النقاد الصلات بين (موسيقى الجاز) و(يو اس ايه) لدوس باسوس(ليفين,سيلي,فولي). فقد كانت المحاكاة ثيمية: (إضراب العمال في لورانس , والصراع من اجل حرية التعبير في سان ديغو,و بورتريهات الأحداث والأشخاص البارزين مثل الثورة المكسيكية وايما الحمراء ) ,و شكلية :( رواية ممزوجة بالتاريخ : عين كاميرا الصبي تسجل الأحداث بسذاجة), وإيديولوجية : ( نقد للرأسمالية الأمريكية في تلك الفترة ) . ولكن هؤلاء النقاد كانوا حذرين في اعترافهم الاختلافات الجادة , احدها هو المحاكيات التناصية نفسها التي تدفعنا لتقديرها . لا يشارك دكتوراو أسلافه الثقة بالعرض الموضوعي للتاريخ . خلطه التهكمي بين الحقيقي والروائي ومفارقاته التاريخية المتعمدة هي التي يتكئ عليه في عدم ثقته . لاحظت باربرا فولي أن رواية (يو اس ايه) تلمح إلى أن الحقيقة التاريخية "قابلة للمعرفة , و متماسكة , وذات دلالة , ومتحركة بذاتها". و بالرغم من ذلك يبدو أن دكتوراو يشعر بأن الرواية هي كذلك أيضا , من ناحية , ومن ناحية أخرى ، أن كلا من التاريخ والرواية بحاجة إلى مساءلة في ضوء هذه الافتراضات . التاريخ المسرّد , كالرواية , يعيد تشكيل أي مادة ( الماضي في حالتنا هذه) على ضوء القضايا الحاضرة وهذه العملية التأويلية تستدعي انتباهنا . تحاكي مقابلة ووكر مع بوكر تي. واشنطن, على سبيل المثال, الجدل المعاصر بين دعاة الدمج العرقي وبين دعاة فصل السود. وبالمثل , وُصف هنري فورد على انه أب مجتمع جماهيري فيما صورت ايفيلين نيسبت على أنها أول آلهة للثقافة الجماهيرية.
تبدو التداعيات الإيديولوجية والابستومولوجية للتناصات أكثر وضوحا في روايات دكتوراو المبكرة . في روايته (كتاب دانيال ) نجد نفس معدل أنواع التناصات الساخرة . لا يمكن للعنوان إلا أن يقودنا إلى الاسم ذاته في الإنجيل : إبعاد اليهود المعاصرين يعيد قدر أسلافهم. العبارة الأولى المقتبسة من كتاب دانيال التوراتي , الآية 4:3 و التي تحكي عن نداء الملك للجميع لعبادة " الصورة الذهبية" وإلا فإنهم سيحرقون في أتون الأفران , تضع أمامنا مصير هؤلاء اللذين يتحدون الصورة الذهبية الجديدة للرأسمالية المعاصرة, وان اليهود في هذه الحكاية لن ينجوا في مناخ الحرب الباردة المعادية للسامية وشُبهة معاداة الشيوعية . الملك الذي حكم على أتباع دانيال التوراتي بالحرق في أتون الأفران قد أصبح هنا حالة شخصية بدرجة اكبر , حين حُكم على والدي دانيال هذا بالصعق على الكرسي الكهربائي . صورة الفرن البابلي التقطت أيضا في شقة ايزاكسون (في مبنى الفرن ) و حارسها الأسود المنبوذ .(لم يكن هناك حاجة لذكر أفران النازية مباشرة إلا أن أنها كانت جزءا من التناص التاريخي ) .
ولكن التوظيفات التناصية من كتاب دانيال التوراتي ليست بدون محاكاة ساخرة , أيضاً , دانيال دكتوراو أطلق على سميه التوراتي " منارة الإيمان في زمن الاضطهاد" . المفارقة الساخرة هنا ذات شقين : دانيال الحاضر يضطهد زوجته وطفله وينشد الإيمان -بيأس . دانيال التوراتي هو أيضا شخصية مهمشة " شخص مشكوك في صدقة بعض الشيء إن لم يمكن تماماً " . يهودي في الأيام الصعبة . لم يكن فاعلا في التاريخ بقدر ما كان مفسرا وشارحا "بعون الله" لأحلام الآخرين اللذين بقوا مشككين بذاته . كذلك كانت صورة الكاتب بالنسبة لدانيال دكتوراو , الذي كان يحاول أن يضع قائمة بالأحاجي والغموض ثم يفحصها وأيضا ـ بوصفه احد الناجين ـ كان يقع فريسة كوابيس لا يستطيع تفسيرها . نتيجة كتابات الدانيالين كانت متشابهة بمفارقة هازئة . الكاتب الحديث يصف النص التوراتي بأنه "مليء بالألغاز "و مزيج من قصص مألوفة و" أحلام ورؤى غريبة "، انه نص مشوش مختل بدون أي نهاية من وحي أو حقيقة" . كذلك أيضا كان ( كتاب دانيال) لدكتوراو , نوعا سرديا مختلط بين : شكل الصحفية و التاريخ , والأطروحة , والرواية . كلاهما كان عملا عن فعل التأويل ثم الحكم والتقييم . تتحرك الأصوات السردية في كل منهما من سرد الشخص الثالث المحيط موضوعياً إلى سرد الشخص الأول الافتراضي الشخصي , لكن السلطة العرفية للإحاطة الدينية قوبلت بمفارقة تهكمية : محاولات دانيال المعاصر التي لا طائل من ورائها سبقاً و اتقاناً .
عندما اعتقل زالداهم , أُخبر أطفال ايزاكسون بمصيرهم عن طريق وليام , الحارس الأسود الشيطاني للفرن في الطابق السفلي . و عندها يقتبس النص أغنية بول روبنسون " الم نقل دانيال يا ربي ؟ ". ولكن التساؤل البلاغي في الأغنية قد حول إلى مفارقة ساخرة بسياقها الفوري عندما علمنا بمصير الوالدين النهائي . منح لم شمل أسرة روبنسون دانيال الشاب تبصرا هاما لمعتقدات ومبادئ والده " بول " . تشير المحاكيات المتعددة والمعقدة إلى وظائف محتملة مختلفة للتناصية في ما وراء القص التاريخي , ذلك أنها تستطيع تعزيز رسالة النص ثيمياً وشكلياً , أو أنها تستطيع بمفارقة هازئة أن تقوض أي ادعاءات للسلطة المستعارة بيقين أو بشرعية . ينتهي ( كتاب دانيال) في الواقع كما بدأ : وعي ذاتي بكونه" مكتوب في كتاب". كانت كلماته الأخيرة خاتمة بأسلوب " كل شيء تحت الممحاة" . لأنها ليست خاصة بها لكنها خاصة بسميتها التوراتية " لان الكلمات أغلقت وأحكمت حتى اليوم الآخر" . أغنيتا العويل والنبوة (ليفين: 49) وصلتا إلى نهاية , عندما كُشفت كلماتهما بفعل قراءتنا.
بمعنى مشابه , فتح مصير ايزاكسون " قضية روزنبرغ" (1) مرة أخرى . لقد كانت التناصات هنا , بالنسبة للقارئ : الكتب الكثيرة المكتوبة ( قبل وبعد الرواية) عن تلك الحادثة في التاريخ الأمريكي الحديث , متضمنة تلك التي كتبها أولاد روزنبرغ. لم يحل الزمن الشكوك والتساؤلات التي أحاطت بهذه القضية حتى اليوم. يصطف محللو كل الانتماءات الإيديولوجية لإثبات كل تأويل ممكن . تتراوح هذه التأويلات بين أن الزوجين روزنبرغ كانا ضحيتين بريئتين لمؤامرة معادة السامية الخاصة أو العامة أو حتى معاداة اليهودية . ووجهة النظر القائلة كان يمكن للتاريخ أن يكون عادلا لو أننا تقبلنا هوية جوليس روزنبرغ, بوصفه جاسوس سوفيتي يتصرف وفق ما يمليه عليه ضميره مع زوجة مخلصة وداعمة .
ما رآه الكثيرون على ما يبدو من المحاكمة ونتائجها هو المحددات والتوجهات الإيديولوجية والاجتماعية لما يطلق عليه "العدالة العالمية الموضوعية". هذا ما يتمثله دكتوراو من التعذيب الذي يتعرض له " دانياله" في التحقيق معه حول" حقيقة عائلته" . وبمصطلحات التوسير , فان كلا من أجهزة الدولة الإيديولوجية والقمعية تآمرت وتعاونت لإدانة عائلة ايزاكسون , وبالقياس , ربما عائلة روزنبرغ .
تتبارى الأصوات التناصية للنصوص التاريخية الرسمية و لكتابات كارل ماركس ضد بعضها البعض في هذه الرواية لإضعاف القوة على نحو مضاعف.
قارن دكتوراو نفسه ,حالة ايزاكسون/ روزنبرغ , بالتوازي مع حالة كروز/ سيليكرك لديفو (ترينر:46). كما لاحظ النقاد المتوازيات التناصية بين هذه الرواية وهاملت (ومن خلالها إلى فرويد) : المحاولة الفكرية التحليلية للتعامل مع الحقائق السياسية والعاطفية المرتبطة بقتل احد الوالدين ,و ضغط الماضي على الحاضر , و الانعكاسية الذاتية النصية. نسخة دكتوراو هي تهكم ما بعد حداثي دلاليا لان "الوغد " ليس شخصا معروفاً , ولكنه حكومة الولايات المتحدة والقضاء , وربما حتى كل المجتمع الأمريكي . فضلا عن وجود تناص ثقافي رئيسي يحدد هذا الاختلاف ضمن الرواية : تصبح ديزني لاند تجسيد للتناصية الوضيعة التي تنكر تاريخية الماضي . تُعرض ديزني لاند بوصفها انتهاك مغامر و استهلاكي لتخوم الفن والحياة , وللماضي والحاضر . ولكنها , بحد ذاتها, ليست انتهاكا ساخرا أو انتقاديا يمكن له أن يستحث التفكير, إنها مخصصة للاستهلاك الفوري. عرض فارغ المضمون للدلالات الجمالية و التاريخية. إنها تروض الماضي في الحاضر . أنها ماضي الأدب والتاريخ معا هذا الذي يتفّه ويعاد استرداده . إنها الحياة وأسلوب الحياة في أمريكا. اختزلت ديزني لاند "تجارة الرقيق" على المسيسبي في القرن الماضي في رحلة على قارب بخاري لمدة خمس إلى عشر دقائق في نهر "هو " . ولم يعد مارك توين , الكاتب الذي كان وسيطاً بيننا وبين هذه التجربة التاريخية الحقيقية في روايته (الحياة على المسيسبي) أكثر من مجرد اسم للقارب . و جاء الاختزال الإيديولوجي الذي تمثله ديزني لاند على حساب التعقيد و التنوع في المجتمع الأمريكي . لاحظ دانيال انه لا يوجد هبيز أو لاتينيون وبالتأكيد لا يوجد سود في هذه لأمريكا الفنتازية . دكتوراو , بلا شك, هو الكاتب الأمريكي الوحيد الذي وظف التناصية ببراعة قوية .
يوظف بارث في رواية (The Sot-Weed Factor") اتفاقيات وتلميحات روايات القرن الثامن عشر بنظرتها النظامية المتماسكة للعالم ثم يدمرها . وبهذا فانه ينشئ انقلابا ساخرا و مفارقا للتناصات الأخرى- الأكليشيهات الثقافية , مثلا, للطبيعة العذراء والبراري البكر , التي تصبح ـ بدلا من ذلك ـ مكاناً للرذيلة , والغدر , و الجدري . هنا , ينظر إلى البراءة نظرة تشبه الإغفال تماما كما كشفت أمريكا" جيفرسون" ارتباطاتها الخفية "لإيزنهاور ". هذا النقد يتجاوز الحاجة إلى " أسطرة " تجربة في مواجهة فقد القيم التقليدية(انظر شولز: 88-89). وبعيدا من مجرد كونه انطواء ذاتيا جمالياً , فان التناصية الساخرة تعمل لإرغامنا على أن نعيد النظر في الروابط بين الأدب و" العالم" .
استبدلت أي محاكاة بسيطة بمجموعة معقدة ممشكلة من العلاقات المتبادلة على مستوى الخطاب ، أي على مستوى الأسلوب الذي نتحدث به عن التجربة , أو الأدب , أو الحاضر التاريخي أو الماضي . و الحقيقة هو أن التناصات , تطبيقيا , تستدعي سياقاتها الاجتماعية والسياسية وما إلى ذلك , بطريقة لا مفر منها . و تدفعنا ثنائية قابلية التناصات للتساوق )شميث) ليس إلى أن ننظر بازدواجية فحسب , ولكن إلى النظر أبعد من المراكز: إلى الهوامش والحواف والى ما هو خارج المركز .
تكشف هذه النظرة المتفرسة عبور التهكم التناصي حدود الأنواع دون تحفظ : مسرحية ميلان كونديرا ( جاك وسيده ) تحمل عنوانا فرعياً ( تحية إجلال إلى ديديروت من ثلاثة فصول) وتعرض ما أطلق عليه الكاتب " مناظرة بين كاتبين , بل و قرنين أيضا وبين الرواية والمسرح "
تعرض رواية الكاتبة الأمريكية سوزان ديتش الأخيرة (أل.سي) , تفاعلات بين الأنواع الأدبية بصورة أكثر تعقيديا ومرتبطة مباشرة بتناصيتها المكثفة . جوهر سرد الرواية هو صحيفة امرأة روائية , ليوزين كروزير , شاهدة عيان على (واقع) ثورة 1848 في باريس .أول إطارين حداثيين لهذه الصحيفة كانا من قبل , ويلا رينفيلد , مترجمتها الأولى . تذكرنا مقدمتها بتناقض العام 1848 من خلال تناصين رمزيين : مرتفعات ووذرنج و البيان الشيوعي , اللذان نشرا في تلك السنة . وتلك كانت في الحقيقة هي تناقضات الصحيفة ( على الأقل كما ترجمتها رينفيلد) . تمتلك ليوزين سياسات اشتراكية قوية ولكنها أصبحت عاجزة بسبب تهميشها ( من قبل اليسار) وبسبب موتها الميلودرامي بالسل , والأهم هو تخلي عشيقها عنها في الجزائر . ترى رينفيلد, ليوزين, بوصفها مُشكلة من " الماركسية والتفاهة " بمعنى , تسلية اليوم . ولكن , في الحقيقة, تكشف الصحيفة نقدها للشكل الأدبي الشعبي , كونه غير صادق مع الوقائع الاجتماعية والاقتصادية للحياة الواقعية , بالرغم من واقعية لغته في الظاهر . هل هذه ايما بوفاري بعد تطريفها؟ لقد طُرح هذا السؤال, في الحقيقة , من قبل النص نفسه:" لقد حكم على مدام ليوزين كروزر بالتعاسة منذ أن تزوجت " , وذلك, بالطبع , ما حدث لمدام بوفاري , كما يذكرنا عنوان الرواية باستمرار . لكن ليوزين هي قلب ساخر لايما. على الرغم من أنهما تشتركان في بعض المقاطعات , وفي العلاقات غير الشرعية وفي القراءة , ودوافعهما المتبادلة في الحالتين والتي قادتهما باتجاهين متعاكسين : ايما إلى الفانتازيا ونبذ المسئولية وليوزين إلى العمل السياسي . وفي النص محاولة من قبل التحريرـ بوساطة كلمة سوقيةـ للربط بين مدام بوفاري وماركس من خلال ترجمة ابنته اليانور للرواية . الارتباط السياسي الأوضح , كان بفضل المترجمة ورئيسة التحرير الثانية للصحيفة , التي اتخذت اسما مستعارا هو جين ايمي . هذا الاسم العائلي يذكرنا بوضوح بايما ولكن هنا ,بالتحديد, تبدأ المحاكيات الساخرة التناصية بالتضخم والانتشار : ايما بوفاري ترتبط بايما غولدمان وايما جين اوستن , فيما لا تبتعد جين اير كثيرا في الخلفية ,عندما تشير الحاشية ( بمحاكيات نقدية حديثة متعمدة, أيضا) إلى " المرأة المجنونة في العلية , واقعياً أو نظرياً " .هذا المجاز الإطاري يعرف نفسه بوصفه" الطريقة التي قد وصفت بها شخصيات جين اوستن الشابة المنسجمة والمستعدة للقبول واللطيفة " , على الأقل لحين تطرفها النسوي على يد اليسار الجديد الذكوري الأكثر جنسية في بركلي عام 1968 والمغتصب الذي هاجمها .
رافضة الدور الأبكم ـ كما تفعل ليوزين على الأقل في ترجمة ايما ـ للمشارك التلقائي , تفجر منزل المغتصب الرأسمالي الكوني , الذي كان أيضا مغتصبها . تكتب قصتها , رافضة الخرس لنفسها ولغيرها من النساء الكاتبات اللاتي حيكت تناصاتهن في نسيج نصها. صحيفة ليوزين توظف الفن البصري بالطريقة ذاتها تقريباً . تغضبها أعمال دومير لساخرة ضد النساء تماما كما يغيظها موقف عشيقها , ديلاكروا , ضد الواقعية السياسية خارج نافذته : انه يفضل أن يرسم الزهور و النساء لينات العريكة ـ مديرا ظهره لتلك النافذة .
انتبهت الرواية الأمريكية اللاتينية إلى أشكال فنية أخرى عدا الأدب أو التاريخ وأجبرتنا بالتالي على توسيع ما يجب علينا أن نعتبره تناصات.
الأفلام المتعددة التي وصفتها رواية مولينا ( قبلة مانويل بويغ للمرأة العنكبوت ) كانت مجرد سرديات أكثر لفظية على احد المستويات . إلا أنها ,وعلى مستوى آخر, كانت لعبا هازئا بالأنواع السينمائية (أفلام الرعب , و دعاية الحرب, والميلودراما الرومانتيكية) التي تسييس ما هو غير سياسي ( أو تعيد تسييس الترويجات لدعوة ما) من خلال الجنسوية والميول الجنسية والايدولوجيا .
العنوان باللغة الانجليزية في رواية اليخو كاربينتير ( انفجار في الكاتدرائية) يشير إلى الرسم الحقيقي ضمن أرضية الرواية في الواقع ( بواسطة مونسو ديزي ديريو) . وقد وضح جبرائيل سعد أن أوصاف مدريد في نهاية الرواية , في الحقيقة , هي أوصاف لفظية لأعمال خاصة لكويا , تلك الخاصة بالثاني والثالث من مايو 1808 و سلسلة ( كوارث الحرب).
توظيف كاربنتير للتناص الثنائي هنا , وللتاريخ ينشط عبر التناص الجمالي : تمثل هذه الأعمال انتفاضة مدريد , التي استمرت حتى أشعلت حروب الاستقلال الاسبانية والأمريكية اللاتينية , وبكلمات أخرى , هناك بعد تاريخي خارجي تماما كالبعد الروائي الداخلي للمرجعة التناصية .
لكن لا يتوجب علينا أن نذهب بعيدا عن الوطن إلى هذه الدرجة لنواجه هذه المحاكاة التناصية. فقد حاولت كثير من أشرطة الفيديو لموسيقى الروك أن تستدعي التقليد السينمائي أو التلفزيوني في شكلها [ ( راديو غاغا) لكوين يقتبس من (مترو بولس) لفريتز لانج] وفي ظروفها الزمكانية [ الانتقال إلى مانهاتن يوظف غرفة الجلوس في (أنا أحب لوسي )]. لكن الحافة الساخرة التي يمكن أن تستحث أو تحرض نوع من المنظور الانتقادي تبدو مغفلة هنا . في معارض الصور الفنية , بالرغم من ذلك , نستطيع أن نجد أعمال ميشيل انجيلو بستوليتو : فينوس الأسمال واوركسترا الأسمال , التي تقترح نقدا مفارقا ساخراً , يوظف بستوليتو أسمالا حقيقية بوصفها النتاج النهائي للاستهلاك .يمثل الفن هنا حطام الثقافة ضمن أخلاقيات المستهلك . استنساخه لفينوس الكلاسيكية من كسر الزجاج ربما يمثل بسخرية المبدأ الكوني الاستاتيكي عن جمالية الجمال ، ولكنه يواجه ( ويعوق ) بأكوام من تلك الأسمال . وبينما قال الكثيرون أن كل اللوحات تترابط تناصيا مع لوحات أخرى, فان اللوحات الما بعد حداثية تبدو ساخرة بانحياز في علاقاتها الداخلية . حتى الموسيقى , التي اعتبرت من قبل الكثيرين اقل الفنون تمثيلا , يجري تأويلها هذه الأيام بمصطلحات الربط التناصي للماضي بالحاضر , على سبيل التناظر للربط الضروري بين الشكل الفني والذاكرة الإنسانية (مرغان :51).
ما بعد الحداثة هي اقل من حيث كونها مرحلة زمنية مقارنة بالشعرية والايدولوجيا. إنها تحاول بوضوح أن تتصدى لما قد أصبح ينظر إليه من قبل الحداثة على انه سحري مغلق محكم الانسداد , الانعزالية النخبوية , التي فصلت الفن عن العالم" التاريخ عن الأدب . ولكنها غالبا ما تفعل ذلك من خلال توظيف التقنيات الخاصة بالجمالية الحداثية ضد بعضها البعض.
لقد أُحتفظ باستقلالية الفن , بل أن الانعكاسية الذاتية لما وراء القص زادت هذه الاستقلالية وضوحا وتحديداً , ولكن قد أضيف, ضمن هذه التناصية المنطوية على ذاتها ظاهريا , بعدا آخر من خلال الانقلابات المفارقة للتهكم : علاقة الفن الحاسمة بعالم الخطاب ابعد من علاقته بالمجتمع والسياسة .
يوفر التاريخ والأدب تناصات في الروايات التي وردت هنا ولكن بعيدا ًعن مسألة التسلسل الهرمي ضمنيا أو بأي صورة أخرى . كلاهما ,الأدب والتاريخ , جزء من أنظمة ثقافتنا الدالة . كلاهما يصنع عالمنا ويجعل له معنى . وهذا من أكثر أشكال ما بعد الحداثة تعليمية: ما وراء القص التاريخي.




الهوامش:
( )قضية روزنبرغ : هما الزوجان جوليوس واثيل روزنبرغ , الشيوعيان الأمريكيان واللذان أعدما في عام 1953 بعد أن أدينا بتهمة التآمر والتجسس. وتقديم المعلومات حول القنبلة الذرية للاتحاد السوفيتي. كان إعدامهما أول عقوبة إعدام للمدنيين بتهمة التجسس في تاريخ الولايات المتحدة . (المترجمة).


* المقال فصل من كتاب جماليات ما وراء القص: دراسات في رواية ما بعد الحداثة، مجموعة مؤلفين. ترجمة أماني أبو رحمة ، دار نينوى للنشر والتوزيع . دمشق . سوريا 2010.


اماني أبو رحمة
ناقدة فلسطينية من غزة
amani.khalaf3@gmail.com
تعليقاتكم
1. شكر
سمير الشريف | 23/3/2011 الساعة 10:45
نص ماتع وترجمة وافية ليس غريبا على قلمك استاذة اماني
2. سخرية الفانتازيا
احمد مصارع | 15/6/2011 الساعة 01:32
يقتلك بمشهدية بالغة الايغال ألما ثم بروح شيكسبيرية عاصرت القنانة ولم تستوعبها حقيقة تنزاح بكيفية حرة بدون عبودية وأسر وكأن الطلقة الثاقبة التي انطلقت بتمثيلية صخفية مخادعة ستتحقق نصرا كرنفاليا مخادعا ييصرف النظر مؤقتا عن حقيقة الواقع الرتيبوالمسالم, كل ذلك جرى وسيجري في اللاواقع وفي الخفر الباطن بدون شخصيات وبدون تاريخ وعن سوى الفانتازيا الرهيبة والهيتشكوكية
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث