الإثنين, 11 كانون الأول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
أنفال العنكبوت/فصل من رواية
كريم كطافة
أنفال العنكبوت/فصل من رواية
كريم كطافة




فؤاد يلدا..
ما زلت الجرح الناتئ في روحي




قبل أن أتلبس بقناع الوسيط.. دعوني أقول شيئاً..
عشرون سنة وأنا كالشاة المشدوهة هارب من رزمة أوراق قديمة.. لا أدري ماذا أفعل بها ومعها مثلما لا أدري لِمَ أنا كتبتها أصلاً.. رزمة أوراق قديمة لاحقت إحداثياتها الزمانية والمكانية حين كان كل شيء لم يزل ينبض بدمه وبحرارة مراراته وملابساته الكثيرة.. كانت الأحداث لم تزل طازجة يتصاعد بخارها من أجسادنا، من تنظيراتنا، من احتفالات عدونا بنصره علينا، من هذيان مذيعين ومذيعات وصحف لم تنصفنا يوماً.. أحداث تصاعدت لولبياً مع صعودنا وهبوطنا على تجاعيد وأخاديد تلك الوديان الناظر إليها من علوٍ لا يجد فيها غير هاوية الجحيم.. في تلك الكهوف التي كانت قبل أن نسكنها للوحوش.. في تلك الغرف التي نحتناها بنضيح عرقنا وهواجس جنوننا بموقد النار في حصارات الثلج.. تلك الشتاءات بعواصفها وثلوجها التي لم تكن تمزح مع حماسنا وإهمالنا المديني.. لقد أكلت منا أصابعاً وسيقان تغنغرت في وحولها.. استلفوا لحربهم علينا آية من القرآن، قالو أنها (الأنفال)(*).. تلك الأسلاب ومعها السبايا والأسرى التي غنمها المسلمون من (الكفار).. في الحلقة الأولى من الآية طهّروا ريفنا الجنوبي من فلاحيه.. حرفوا مجاري الأنهر الجارية فيه منذ الأزل وجففوا الأهوار.. وفي الحلقتين التاليتين من مسلسل الآية طهّروا كوردستاننا من فلاحيها (أسلاب أخرى) أحرقوا قراها وخضرة جبالها.. كنا والفلاحون ومن ساكننا من حيوان ونبات، الأسلاب التي لم تختلف قبائل المخابرات والأمن على خمسنا أو سدسنا.. تقاسمت رفاتنا خارطة الدفن الجماعي التي افترشت البلد من جنوبه إلى شماله والتهمت المنافي القريبة والبعيدة من فاض على حفلات الدفن وقاوم عوامل فنائه.. كنا شباناً قبل أن تدركنا الكهولة بتجاعيدها ونكساتها.. لم نكن مرتزقة هبوا للقتال طمعاً في مال.. لم نكن جنوداً غُلبوا على أمرهم وتم سوقهم عنوة.. لكننا كذلك لم نكن مقاتلين مثاليين.. منا من كان يؤمن حتى وهو في لجة التجربة؛ أن الكتب قادرة على تغيير العالم.. واللوحة قادرة على هزيمة القبح.. والموسيقى على اجتراح المعجزات.. كذلك منا من آمن أن مصير العالم مربوط على بندقيته بين الفرضة والشعيرة.. كان منا فئران كتب.. مغامرون.. حالمون متقنعون بأقنعة فلاسفة ومنظرون لمدن فاضلة.. وكان منا كذلك جنود هربوا من حروب ليست حروبهم وفلاحون امتزج إخلاصهم للرفقة بشرف العشيرة وقيمها..
لا أريد أن أكون شاهداً.. وهل تُقبلَ في أرضنا شهادة الضحايا.. أريد فقط أن أهمس لنفسي بالشيء الوحيد الأكيد في حياتي.. أني كنت وما زلت أنتمي لأولئك الرجال والنساء والأطفال الذين قاسمتهم تضاريس تلك الأيام.. وإليهم وحدهم أقدم هذا الذي لا أدري ما هو.. هل هو همسة خجلى أم صرخة مدوية..!!!
ـــــــــــــــــــــ
(*) تقدر المصادر الكوردية عدد ضحايا الأنفال من المفقودين بـ 182 ألفا. ويروي السياسي الكوردي المحامي (محمود عثمان): إن هذا الرقم طرح خلال المفاوضات بين القادة الأكراد والقيادة العراقية عام 1991 فاعترض (علي حسن المجيد)، الذي كان المسؤول الأول عن تلك العمليات والذي كان حاضرا الاجتماع ، مصححا بغضب بأن الرقم 100 ألف فقط .
(1)
توقفت الحرب

ليست حربهم التي توقفت. بل الحرب الأخرى. تلك التي تمردت على تنبؤات العرّافين بكل ألوانهم. عجز الجميع عن تحديد نهاية لها. بدت حرباً مستدامة يزداد وهجها على مر السنين مثل تنور يشعل نفسه بنفسه. حرب بين رأسين اعتمرا الدين واليقين والتاريخ، تارة بقلب ذلك الخزين على ظهره وأخرى على صدره. وعلى مدى ثمان سنين ظلت الكائنات من بشر وحيوان ونبات تتقلب على ذلك السعير بين ظاهر النص وباطنه..!! الاثنان استلفا وقود حربهما من التاريخ وبفرعيه المقدس والمدنس. الأمر الذي جعل العرّافين يتسلقون منطقاً آخر لا ينتمي لصنوف المنطق المعروفة في تحديد البدايات والنهايات المحتملة للحروب.. منطق الغيب ذاته. ارتكن مروجو السلاح وصناعه في العالم الآخر إلى أسطورة التعب؛ سيتعب الاثنان معاً وتتكسر قرونهما.. أنها حرب عقيمة بلا نصر ولا هزيمة.. ومن الآن إلى ذاك اليوم الذي ستُكتشف فيه بذور عقمها وانسدادها، هي سوقاً جارية، لِمَ العجلة..؟ والرابضون على بحيرات النفط المجاورة للحرب، ركنوا ليقين؛ إنها حربهم إنما يخوضها غيرهم.. لِمَ العجلة؟ والماسكون بسوق المال كذلك ليسوا على عجلة من أمرهم ما دام شريان النفط جارياً من منبعه إلى مصبه في بنوكهم. أما الكائنات المسحوقة بتروس آلات الحرب ومن جانبي المتراس، فلم تجد أمامها غير أسطورة الظهور إياها، بلسماً لمداواة الجراح وكسر الملل.. سيظهر ((المنتظر)) لأن علائم الساعة قد أُزفت.. ها هي الدماء يصل نضيحها إلى الرُكِبْ وها هي الأنهار المذكورة في علائم الساعة قد تلونت بالأحمر القاني وها هي الجموع تتبع الدجال السائر بها إلى حتفها كاتباع العبيد ناثراً عليهم النقود وقطع الأراضي مع أكداس الدجاج البرازيلي والسيارات البرازيلي، رغم أن البرازيل بسياراتها وبدجاجها المذبوح ذبحاً حلالاً لم تكن ضمن علائم الساعة..!! داوموا على العد والانتظار.. لم يتبق من العلامات العشر سوى القليل.. سينبثق النجم الثاقب من عليائه السماوي وستظهر الدابة التي تكلم البشر وسيسمعها ويفهمها كل من على الأرض من مشرقها إلى مغربها وستشرق الشمس من مغربها بعد الرعدة التي ستجعل القائم جالساً والجالس قائماً.. كل شيء قد أُعد لظهور المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلاً بسيفه البتار كما ملئت جوراً..
لكنها توقفت. توقفت قبل اكتمال علامات الظهور، ظلت الشمس تشرق وتغرب من وإلى مستقرها العتيد وظل شريان النفط يجري من منبعه إلى مصبه بتدفق واندفاع كبيرين..!! فجأة أعلن الرجل الكبير عمراً وفقهاً عن قبوله بتجرع (كأس السم)..!! هكذا وصف قبوله.. أراد لطريق حربه أن ينتهي بكربلاء حيث قبر جده.. وها هو يقف عند الحدود بلا نصر ولا هزيمة..!! ليخرج الرأس الآخر مساء ذات اليوم يقود سيارة (مرسيدس) عجيبة الطراز واللون، يشق طريقه بصعوبة وسط أطواق الحماية والجموع المحتفلة ببقائها على قيد الحياة، معتمراً عقال ويشماغ القبيلة، ومعلناً أنه المنتصر. ارتدى وجهه ملامح الفاتحين الداخلين إلى مدنٍ انتهت تواً جحافل جيوشهم من تنظيفها من كائناتها، تاركة له هذه الحشود لمتطلبات الاستقبال. كلّت يداه وهو يلوِّح بها إلى الحشود؛ أن افتحوا لي طريقاً. كانت سعادته تطفح من لمعان عينيه الصقريتين ومن ابتسامات صامتة تارة يمن بها على من حوله وتارة يهديها للجمهور، حتى أنه ضحك في إحداها ضحكاً صريحاً وهو يشاهد أحد المحتفلين في وسط الجمهور يشق دشداشته طولياً ثم يأخذ باللطم على رأسه وصراخه يتصاعد إنما الصراخ الضائع وسط لجة صراخ الحشد.. لعله رغب حينها أن يسمع بماذا كان يصرخ ذلك الرجل المأخوذ بجنون الفرح الجماهيري، لكنه لجم ضحكه ورغبته تلك بوقار وهيبة شيخ القبيلة. وعلى غير عادته، لم يقل شيئاً لتلك الجموع الهاتفة بفدائه بالروح والدم. ظلت يداه تحيي صراخهم وتطلب منهم أن يفسحوا لعجلته طريق المرور. توقفت الحرب وتقاسم الرأسان نوعاً من عدالة الأقدار، كلٌّ في مكانه على قيد السلطة كما كانا قبل اشتعالها.
في غرفة جبلية تشبه كهفاً يعلمك ببكارة الطبيعة الغفلة، نُحِتَ جوفها من صخور وأشجار الجبل، متخفية في تلافيف سفوح (گارا) المهيب، برشاشها ذو القوائم الثلاث والرابض قرب مدخلها مثل كائن قادم من زمن الأساطير، كانوا ستة وسابعهم تلفاز صغير يعمل على بطارية تشحن عبر الألواح الشمسية. تابعو احتفال القائد بنصره بمشاعر حيرى من فرح على غيض مجهول المصدر. انبجس فرحهم من منابع بعيدة، لكنه لم يصل إلا ذاوياً ملوثاً بهواجس الغيض المجهول. شيء ما أعلمهم أن رتابة وانسداد الأيام قد ولى.. شيء قد حصل للتو.. نقطة بحجم الجحيم القادم قد وُضعت بنهاية سطور أيامهم المتشابهة. كل ما بعدها سيكون آخر مختلف، لا عهد لهم به وما عليهم سوى تصديقه ومواصلته. وبتدرج ممل تحول ذلك الشعور الملتبس مع فحيح التلفاز الناقل لفحيح الجمهور إلى احتصار في الصدور. بدا كلٌّ منهم وبفعل لا إرادي يبحث عن ما يفك به مغاليق احتصاره. منهم من تسللت يده لتمسك بخناقه في منطقة البلعوم وكأن ذلك الشيء لاصقاً هناك لا يريد الخروج.. منهم من ترك أصابعه تعبث في شعر لحيته الكث باحثاً هناك.. منهم من وجد يده تمتد لترتد بـ(زمزمية) الماء الكائنة على خصره ولأن الزمزمية وصلت إلى فمه، كان عليه أن يشرب.. ومنهم المرأة الوحيدة في ذلك الجمع الذكوري، أخذت يدها تبحث عن يد زوجها الجالس جنبها، لتشد عليها بتوتر وإلحاف حتى التصق جسدها بجسده. بعد حين وجد المدخنون ملاذهم بالسيكارة، يسحب الواحد منهم نفساً من سيكارته وكأنه يريد ابتلاع السيكارة لا الدخان الخارج من أنفه وفمه بسحب تتوالى بأشكال أهليليجية متباطئة. ظلت مشاريع القول متواشجة مع خيوط الصمت الراشحة من ضوء الفانوس الوحيد، مختلطة بدخان السكائر وروائح تنثها أجسادهم الناضحة بعرق صيف آب الخانق.
نهض (فؤاد) من جلسته كنابض كان مضغوطاً، انتشل بندقيته القصيرة التي كانت موضوعة أمامه ومعها رفاقه من صمتهم المغلف بالغيظ. بدا غاضباً ونافذ الصبر على غير سجيته الصبورة المرحة في كل الأوقات والظروف. انتفخت أوداجه بالاحمرار القاني حتى غطت على لون شعر لحيته الشهباء، وتدورت عينا القط الزرقاوان بلمعان صار مشعاً تحت جبينه الذي تجعد ببعض خصلات شعره الأشقر، أعلن النية على الخروج وكأنه يودعهم إلى الأبد. ـ آني نازل..!!
لعله أراد الهروب من احتصاره. لكنه وقبل الخروج ترك لهم ما يمزقوا به غلالة الصمت. ترك احجيته أو معلقته:
- الحمار لم يمت.. نحن لم نمت.. والملك هو الملك.. لقد انتهت المهلة يا رفاق..!!
قال لغزه المنذر واقفاً عند باب الغرفة قبل خروجه. قاله بهدوء من انتهى تواً من تقليب صفحات المجهول الكامن فيه مصيره. رماه فوق رؤوس جلساء الغرفة وتخفف من ذلك الوزر العالق في جسده. لم يعلق أحد منهم على ما قاله. اكتفى الجميع بابتسامات لم تجدِ نفعاً مع سيماء الوجوه المجعدة ما زالت بالغيظ. إنما الأجساد المسترخية في ظلال الفانوس الوحيد قد بدأت بالتململ. بدا لهم ما قاله واحدة من معلقاته. هكذا كانوا يصفون وسيلة (فؤاد) في التعامل مع الأفكار والأحداث مهما كبرت، باختصارها وضغطها إلى حجوم غالباً ما تكون غير مفهومه لمن لا يعرفه. يختزل التعقيد الكامن في الأشياء والأحداث، ثم يغلفه بنكتة أو مفارقة حصلت معه أو مع غيره. هو سريع الملل من الشارحين والمنظّرين والمحاضرين. اعتادوا عليه في المحاضرات لاهياً بقلم الرسم ذو النبلة الدقيقة ودفتره الصغير اللصيق به، محققاً هروبه بخطوط يوالفها على أنساق يستلها من على صفحة خياله المأخوذ بعوالم بعيدة عن عوالم أشباهه.. ليأخذ ذلك الهروب لاحقاً شكل لوحات مكتملة أو مشاريع للوحات ستكتمل. وإن لم يجد ضالته في خطوطه، يهرب بعيونه الزرقاء البرية إلى حيث متعلقات الجدار المقابل، يبحث هناك عن أشكال وأفكار ورؤى تجسدها خارطة الأشياء المعلقة بإهمال من حقائب ظهر، بنادق، أحزمة عتاد، شراويل عتيقة، يشاميغ، بشاتين وغيرها الكثير..! قال مرة مازحاً وهو يرد على المحاضر الذي سأله:
- رفيق فؤاد..!! أنت معنا؟
- رفيق بصراحة.. أفكر شلون توصلنا هنا في هذه العزلة إلى فن الانستليشن..!!
بالطبع سيتحول السؤال وجوابه الغامض إلى مناسبة لضحك ينتاب جميع الحاضرين مثل فاصل استراحة. ليجيب هو على سؤاله:
- بشرفي آني ما دااتشاقى.. بس ركزوا شوية على الحائط اللي كدامكم.
تندار الرؤوس إلى حيث الجدار الذي أشار إليه، الجدار المزدحم بأشياءهم:
- قليل من الخيال.. راح تشوفون لوحة مكتملة معمولة بطريقة التركيب.. هذا هو فن الانستليشن..!!
وهذا هو (فؤاد) لا يرى في موجودات عالمه الجبلي سوى لوحات يؤثثها بمخياله المأخوذ بعوالم لا يصلها الرائي الآخر.. هو ليس هنا في كل الأحوال.. لكن.. وعلى الرغم من غيابه الواضح.. وبعد انتهاء المحاضرة.. يفاجأ الجميع باختزال مناسب لما قيل على لسان المحاضر أو أحد المعلقين، اختزال يقدمه على شكل نكتة، يكون ضحيته القائل. اختزالات (فؤاد) في الغالب غير بعيدة عن مقاصد القول للمحاضر أو للمعلقين ويتقبلها حتى من يكون هو الضحية، لتتحول فيما بعد إلى نكات يتندر بها البعض في مناسبات عديدة ويتناساها البعض الآخر. منهم من تعود عليه وصار يفهم ألغازه الطائرة وهؤلاء حلقته الضيقة من الأصدقاء ومنهم من ظل على قناعة؛ أن هذا الشاب الملتحي بهالة تشبه هالة وجوه الأئمة والصالحين، في رأسه (وشيش) الجنون..!!؟
مع بدء ذبذبات الشاشة الصغيرة بالتغبيش منذرة بدنو أجل بطارية الشحن، بدت معلقة (فؤاد) كأنها قد سهلت لجلساء الغرفة الكهفية، أمر خروج أشياءهم الباحثين عنها. قالت (وضحة) وأصابع يدها ما زالت تشد بذات التوتر على أصابع زوجها:
- صار الموقف صعب. ماذا أعددنا لنهاية الحرب..؟
رد زوجها (أبو طيف):
- لنرى خطة طوارئ الحزب..
علق (كمال الزيباري) ساخراً:
- يمعود! هل صدقت أنت الآخر أن هناك خطة طوارئ..؟
رد (حاتم):
- اعتقد جولة (أبو طاروق) قبل شهرين لها علاقة بخطة الطوارئ.
ضحكت (وضحة) بصوت عالٍ واكتفى (كمال) بزم شفتيه كما اعتاد حين يريد الضحك، كأنه يبتلع ضحكته. تذكروا كنية (أبي طاروق) والذي هو تركيب معقد اجترحه المسؤول السياسي للسرية الرابعة (أبو حمدة)، المشهور عنه دمج ما لا يُدمَج من صفات وأسماء في لجة لهفته لقول أخبار يعتقد أنها لم تزل طازجة لم تصل غيره بعد، يقولها بلهوجة تبعثر الأسماء والحروف.. هكذا دمج على طريقته أسمين لقياديين من المكتب السياسي للحزب بمسمى واحد، كان أحدهما يدعى (أبو فاروق) والثاني (أبو طارق). ومن حينه تحول (أبو طاروق) إلى ما يشبه الكودة السرية ما أن تُطلق في مكان حتى يضج المكان ضاحكاً. حصل أن نزل القياديان (أبو طاروق) من مقرهم الكائن في المثلث الحدودي العاصي على ثلاث جيوش (جيوش الدول الثلاث المتقاسمة لأرض الكورد)، بجولة ميدانية شملت أفواجاً و سرايا، وعلى غير العادة لا ليلقيا محاضرات أو يوصلا توجيهات بل ليستمعان إلى ما يقوله رفاقهم العاملين في الميدان. كان مشروعهما مكوناً من سؤالين بحثا لهما عن إجابات:
1ـ ماذا تعتقد سيحدث فيما لو توقفت الحرب فجأة..؟
وكانوا يقصدون الحرب المشتعلة على الحدود.
2ـ ما هي إمكانياتك الفعلية للعمل في مدينتك أو في مدينة أخرى فيما لو طُلِبَ منك ذلك..؟
وتم اختيار المقاتلين المرشحين للإجابة بالتشاور مع قيادات الأفواج والسرايا. منهم كوادر ومنهم أنصار، منهم حزبيون قدامى ومنهم ملتحقون جدد. لكن، الغريب في أمر تلك الجولة أنها وبعد حين قصير، نُسيت تماماً بمشروعها وأسئلتها والإجابات المقترحة، ولم يتبق منها غير لقب (أبي طاروق) المتحول إلى نكتة طازجة انتشرت بسرعة مذهلة وعلى مساحة تواجد السرايا والفصائل والأفواج، حتى تلك التي تبعد عن مكان الحدث مسيرة أسبوعين من السير الجبلي..!!
تشعب جدل المتجادلين في ذلك الكهف الجبلي، عن وجود أو عدم وجود، عن أهمية أو عدم أهمية خطة الطوارئ، ليعود ويتكور أخيراً حول سؤال النصيرة (وضحة)؛ ماذا أعددنا لنهاية الحرب..؟ اكتشف كلٌّ منهم أنه كان محتصراً بذات السؤال. هو تلك الكتلة العمياء الرابضة في صدورهم.. إنه سؤالهم القديم.. السؤال الناغز مثل شوكة عالقة في الخاصرة، ما أن تحركها حتى تلسعك.. سؤال لم يكن وليد اللحظة.. إعتادوا في أحيان كثيرة على تقليبه ولما لم يصلوا معه إلى شيء، يعيدونه ثانية إلى حقائبهم الظهرية. لعل السبب؛ أن لا أحد كان مصدقاً أن تلك الحرب يمكن لها أن تنتهي. مثلما هو غير مصدق أن حربهم الجبلية المشتعلة على هامش المدن والبلدات الكردية، قادرة على إسقاط النظام في العاصمة..!! وهو السؤال ينبعث من رماده.
منذ الانسحاب الكبير الذي أقدم عليها الجيش الحكومي في بدايات الحرب الخارجية، بفعل التداعيات الحاصلة على الجبهات الطويلة مع (إيران)، ترك خلفه مساحات شاسعة من الريف الكردي الجبلي تؤول إلى سيطرة المسلحين الكورد بفصائلهم المتنافسة. وكان هؤلاء قد بدأوا تمردهم المسلح بحرب عصابات تُمارس خلف وبين خطوط تواجد قطعات الجيش قبل اندلاع الحرب الخارجية بسنوات. بذلك الانسحاب غدا أغلب الريف الكوردي بحوزتهم. لكنه الريف الخالي من الفلاحين. أطلق الجيش المنسحب على تلك المناطق المتروكة مسمى (المناطق المحرّمة)، تُرك أمرها للطائرات الحربية بأنواعها، لتضرب كل مصدر حركة يُشاهد فيها وأطلقوا هم عليها مسمى (الأراضي المحررة). مع مرور السنين، نجح في التسلل إلى هذه المناطق المحررة- المحرمة الكثير من الفلاحين، سواء من الذين كانوا نازحين إلى المدن القريبة أو أولئك الذين سبق لهم أن أُجلّوا عن قراهم بعد هزيمة ثورتهم الأولى. الثورة التي كانوا فيها جيشاً لجباً من مقاتلين جبليين تنتظمهم تشكيلات قبلية، استعصى أمر تمردهم لعقود من السنين على جميع الحكومات بجحافل جيوشها المختلفة. لكنهم انهزموا أخيراً ليس بفعل تلك الجحافل المدججة بالسلاح ونوايا التدمير الشامل، بل بفعل التوقيع على بضعة أوراق لتنازلات متبادلة حصلت بين رأسي الدولتين المتقاسمتين أرض الكورد. تخلى بموجبها احدهما عن نصف نهر حيوي كائن في أقصى الجنوب مع بضعة أميال من أرض خالية، لتتخلى الدولة الأخرى عن كونها القاعدة الخلفية للثورة الكوردية المسلحة. خلال أسابيع قليلة تُرجمت بنود الاتفاقية سريعاً على أرض الكورد. لقد تشرذم الجيش الفلاحي الكبير بين قتيل وأسير ولاجئ وهربت القيادات الأعلى إلى مناف بعيدة بما فيهم رأس الثورة الكوردية (الملا مصطفى البرزاني). لم يعد للثورة من ظهير إسناد. جمع الجيش المنتصر الأسرى والمستسلمين من المقاتلين والعوائل وشحنوهم بالقطارات والشاحنات إلى مدن وأرياف تقع كلها جنوبا وغربا. نفوهم إلى جهات لا يصلها نسيم الجبل. وكأن الجبل في حسابات الحكومة وجيشها كان هو سبب بلاء تلك الكائنات وانشغالها الدائم بالتمرد. خلفوا وراءهم جبالهم وقراهم ببساتينها وحقولها نهما للنيران ولأصابع الديناميت، أرضاً محروقة. احتضنتهم هناك في الغرب والجنوب العشائر العربية بما يلائم خصلة إكرام الضيف. كانوا ضيوفاً واستمروا ضيوفاً. لم يفكر أحد منهم بالاندماج مع محيطه الجديد مثلما لم يستوعب المحيط ذاته تلك الإمكانية. ظلوا يقتاتون أيامهم على حلم كثيرا ما راود مخيلتهم الجبلية؛ حلم العودة. وها هي الفرصة تحين مع انتشار مجاميع صغيرة لشبان مقاتلين مفعمين بالإصرار على إعادة إنتاج الثورة من جديد. إنما الثورة المحرومة من دعم وإسناد زعماء القبائل (الأغوات) هذه المرة، (الأغوات) اللذين كانوا هم القادة في الثورة الأولى. لقد تحقق حلم الفلاحين المنفيين بالعودة إلى قراهم وجبالهم لإعادة إحياء ما دُمر وحُرق. على مدى سنين الحرب الخارجية المشتعلة على جبهات بعيدة عن جبالهم، نهضت القرى من رمادها المدفون تحت الأعشاب وأكوام حجارة السيول المجروفة من الوديان وأُعيدت الحياة للبساتين والحقول المهجورة. لكن انكسار (الثورة الأولى) ظل ملازماً لتعامل الفلاحين العائدين مع مقاتلي الثورة الجديدة. وجدوهم خليطاً غير متجانس من فصائل وأحزاب بينها من الخصومة أكثر مما بينها من الود.. قادة شبان ليسوا بزعماء عشائر ولا حتى ما دونهم، يلهجون بأفكار وحكايات عن ثورة جديدة تختلف عن تلك القديمة.. ثورة الفقراء لا ثورة الأغوات. ظهرت معهم بعد حين مجاميع لمقاتلين من نوع آخر، خليط من عرب وكورد ومسيحيين وتركمان وصابئة وإيزيديين، معهم كذلك فتيات مزنرات بأشرطة الرصاص وبنادق أطول من أجسادهن النحيفة والقصيرة..!! أنهم الشيوعيون القادمون من مدن وأرياف الوسط والجنوب والغرب من ذات الأصقاع التي لم يصلها نسيم الجبل.. كائنات بدت رثة الثياب غير منسجمة بعد مع لباسها الكوردي، يلهجون أكثر من غيرهم بأحاجي وطلاسم عن عمال وفلاحين وفقراء وأغوات، عن أسماء وصفات وأحداث وأمكنة وقصص كلها تقع خارج نطاق الجبال التي يعتبرها الفلاح الكوردي هي العالم ولا شيء بعده.. كل هذا الزخم من الكلام غير المردوف بأعمال عسكرية واضحة إذ لا أهداف عسكرية في منطقة متروكة أصلاً، جعل الفلاحين يستمعون إلى أحاديث هؤلاء المقاتلين بهزات الرؤوس وبعيون غير مستقرة باحثة عن شيء غير متيقنة من وجوده في المكان، عيون كأنها تريد إخفاء الشك الكامن تحت جليد ذلك الانكسار الذي يُشاهد متلجلجاً في المآقي وفي عبارات الترحيب وفي الحذر المتوجس من تقديم العون الذي يطلبه المقاتلون.
كان باروميتر السؤال (ماذا اعددنا لنهاية الحرب) يصعد ويهبط، تبعا للأخبار التي تنقلها راديوات الترانسيستر الصغيرة المحمولة في الحقائب الظهرية مع الخبز والشاي والسكر وجبنة الكشك الصلبة واحتياط العتاد، أخبار لجان المساعي الحميدة الساعية لوضع نهاية للحرب التي بدت متطاولة وخارجة عن حدود احتمالات مراكز البحوث والاستطلاع والتي لم تبق دولة إلا ودخلت على خطها من الأمم المتحدة إلى سلطنة بروناي. كذلك يعمل الباروميتر مع كل هجوم إيراني تنبئ ملامحه للوهلة الأولى وبموجاته البشرية المخيفة انه سيكون حاسماً كاسحاً هذه المرة، لكنه ككل مرة يفشل في كونه كذلك، يرتد المهاجمون على أعقابهم مخلفين وراءهم جثث الضحايا من العراقيين والإيرانيين تتناهشها جوارح الأرض والسماء. لم يخرج السؤال في كل الحالات عن ملامح السؤال الافتراضي.. وهل لك أن تجيب على سؤال افتراضي دون أن تقترح له واقعاً افتراضياً كذلك..!؟


كريم كطافة
روائي عراقي مقيم في هولندا
k.hussin@telfort.nl
تعليقاتكم
1. شجون
قاسم الطائي | 9/3/2011 الساعة 22:17
وأنا أقرأالسطور جعلتني أشتر الذكريات واتذكر تلك الايام الخوالي التي قطفت زهرة الشباب وعنفوانه
2. اتشوق لقراءة الجزء التالي
كفاح جمعة كنجي | 29/3/2011 الساعة 16:31
اعدتني الى تلك الايام التي غدت جزاً من اجسادنا و لايمكن فصلهاواذا فصلت فيعني ولوج الموت اليها . انا اتشوق لقراءة باقي الاجزاء قلمك كريم ناطق صادق باسم كل هولاء تحياتي الاخوية
3. شكرا لتوثيقك تلك الايام
محمد جميل | 25/5/2011 الساعة 20:48
افرحني ان اقرأ هذا الجزء من الرواية التي والتي تتحدث عن تاريخ ووقائع مجهولة عن هؤلاء الابطال وقصص حياتهم وبطولاتهم الخرافية وخصوصا ان السؤال الذي كنا نتداوله دوما عن الكم الهائل من التفاصيل والاحداث التي تصلح لالاف الاعمال الرواءية الممكنة والتي كنا نتجسف لعدم رؤية تحققها في اعمال ادبية شكرا عزيزي كريم لانك اهديتنا اخيرا عملا عن تلك الايام اتلهف لقراءة فصوله الكاملة
4. متى الفرج ؟
محمد ياسين | 12/4/2012 الساعة 21:33
أن تضيف فصلا فهذا يصبح تشويقا بلهفة أكثر تعقيدا بمزيد من الصبر فمتى الفرج ؟ تواق جدا لهذا الكتاب .. معلومة وليس مجاملة .. أنتظره بشغف .. دمت مبدعا
5. تحية ابداع
محمد الأحمد | 9/8/2013 الساعة 04:19
والله يا أخي انت مبدع بحق.. سلمت.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث