الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
سجون من زجاج/ فصل من رواية جديدة
منصور عمايرة
سجون من زجاج/ فصل من رواية جديدة
منصور عمايرة


في بيتي الصغير، أحسّ بخواء لا أستطيع أن أبعد هواجس روحي عنه، أحسّ بهذه المدينة العذراء سجنا مغلقا، خارت قوى روحي وهي تدافع عن روح حوران الساكنة فيها منذ الأزل، وحدي أحسّ بالأفق الضيق الذي أصنعه بنفسي كما يقول الدكنجي والأخرس، هل أنا كما يقولون ؟ هل أنا وحدي في دنيا تعاني من ظلمة فراغها ؟ يبدو أنك كما يصفونك ترى الدنيا شطحات من الخيال الذي لا يردع هوى النفوس، بل يزدادون منك سخرية، وتبدو كالأبله، وأنت لم تستطع أن تجعل أم فوزية ترفق بروحك لتحضن فوزية، وفشلت بإقناع الشيخ الصغير، مشكلتك أنك ترى أن رؤية الوجه في المرآة يعجب الآخرين، فشلت أيضا بتخيلك الذي بدا قاصرا، فوسمت الآخرين بحقيقتهم، ومن يريد الحقيقة؟ ماذا تساوي الحقيقة؟ مازلت تعيش في البيت الذي ورثته عن أبيك المتعب في سوق الماشية، غرفتين ومطبخ في ظل عالم يتحدث عن أبراج في عمان، وهذه المدينة تتغير، لا بد أن تحس بهذا، أنت الملوم.. تبدو لي كل خبرتي في مصلحة البلدية لم تجعلني على علم بما يدور فيها، لم تتعلم من تجارب الآخرين ومن القصص الشفوية التي أصمت أذنيك إلى حـد التصديق عن شطحات أصحاب المقام في القرية، ليجعلوا عيون الآخرين تؤمن بما يأتون به، سأنزل عند رغبة نفسي، أنت أيضا كانت لك شطحات في هذه المدينة التي تصبو للإلحاد، لم تعد تؤمن بروح واحدة هائمة في سمائها تقف على عرش كل واحد فيها، هناك أرواح، لكل واحد روح تختلف عن روح الآخر، وروحك وحدك ترحل باحثة عن عبق روح حوران في أطرافها المنسية.
في الاجتماع الذي دعا إليه الدكنجي، كان هناك الضابط ، النائب، أبو ساطور، الشيخ الصغير، أبو فاتنة، الأخرس، ومخيمر.
قال مخيمر:
- أعرف بأن كل واحد منكم يريد أن أحدثه عن مآرب يريد أن يأخذ أكثر من هذه المدينة، أقول لكم بأنه ليس في جعبة مخيمر مآرب وأنتم تعرفون هذا، لكن الإنسان يتعلق بمآربه وأهوائه، يأمل أن يأخذ أكثر قبل أن يودع الدنيا.
النائب:
- لم نأت نتعظ بك.
الضابط:
- أنا أعرف ما تريد قوله، أقول لك بأننا لا نبالي بما حدث لك.
أبو ساطور:
- تململ.. شخص فاشل.
الشيخ الصغير:
- دع المواعظ لخطيب الجمعة، هذا دوره، صدقني يا أخ مخيمر المواعظ كلمة الفاشل.
أبو فاتنة:
- صدقوني يا إخوان إني أجهل مخيمر، لا أعرف على أي دين هو.
... ضحك الجميع.
الدكنجي:
- يا ولدي نتمنى أن تكون منا، ولكن بقوة.. أسمعنا ما لديك.
الأخرس:
- أنا أخالفكم الرأي، دائما كنت أتوجس في مخيمر الخير.
مخيمر:
- لا أريد المعاتبة عن محاولة قتلي، أعرف بأني لا أملك الدليل ولست قادرا على إيذاء أحد.
... سخر الجميع.
مخيمر:
- أرجوكم وهذا طلبي الأخير، ولن أحدث أحدكم مرة أخرى، دعوا المدينة تستيقظ بعيون وسنى بأهداب كسلى، دعوها تتماهى مثل غجرية تعرف الغزل وتتراقص له.
الضابط:
- ليست لك.. المدينة لن تكون ذات يوم للجميع، ولن تكون.
الشيخ الصغير:
- " وجعلنا بعضكم فوق بعض درجات "
عندئذ أدار الدكنجي شرابا على الحاضرين، وبدأ المكان صاخبا بأحاديث أخرى.
لم يطل الوقوف هناك كثيرا، انسحب حزينا يحدث نفسه: " ومن ذا الذي طلب من اللئام ولم يحرم " مد يده لجفونه يمسح دمعة سقطت رغما عنه.
وهو يخرج من هناك قال الضابط:
- كان لا بد أن تتوقف، لكنك لم تتوقف.
نظر إلى الضابط يحدث نفسه:
- التوقف عجز. كيف أكون عاجزا ؟ صمت قليلا.. لكنك عاجز.
***
وهو يرحل من هناك كنت تحسب نفسك برميثيوس تحدث الآخرين عن حريتهم التي لا تسلب، عن إبداعهم الذي لا يوقفه شيء، عن تلك العزيمة التي لا يقوضها وعد كاذب، صرت وحدك برميثيوس تائها في هذه المدينة... ها أنت تسير من حلم إلى حلم، يدك فارغة من كل متع الدنيا، تنادي المدينة عودي إلي.
***
ذات مساء مرّ بالجزار، اشترى نصف كيلو من لحم الضأن، دلف إلى بيت الضابط الكبير، وهو يقترب من الباب هرّ الكلب، دبّ فيه فزع، فارتجف من رأسه إلى أخمص قدميه، حتى عاد به الزمان إلى أكثر من ثلاثين سنة، جدته تحدثه عن الشبح، أو الجان، أو العفريت أو الغولة.. الذي يجعل شعر الرأس يقف، تحسس شعر رأسه، ها هو شعر رأسه يبين خوفه.. وهو يتحسس بيد خائفة كيس البلاستيك ليخرج قطعة اللحم، أفزع الكلب الذي بدأ بنباح لا يتوقف، رمى قطعة اللحم إلى الكلب، وهرول من هناك يلوذ بجدار المنزل الكبير، بعدما اطمأن إلى ما آل إليه من أمان، رمى السم في حاوية الزبالة.
من هناك رجع القهقرى يبتعد عن بيت الضابط ، ظل صوت الكلب يتلاشى شيئا فشيئا، حتى اطمأن إلى حالة من الضعف الذي لم يسبق أن واجهه في حياته، وهو يصف واقعة محاولة قتل الكلب بالواقعة الجبانة التي لم تجد نفعا، وزادت من خوفه.
بدت شوارع المدينة مظلمة، كان الضوء يعج في شوارع المدينة، لم يعد يبصر الطريق، تعثر أكثر من مرة وهو يرى سُجفة المدينة.
وهو يسقط على نفسه لوما لاذعا لفشله بقتل كلب، ظل طوال الليل يراقب صفاء السماء ويحصي نجومها.
***
حدثته نفسه عن بيته الملجأ الأخير لهذا الحصار برفقة عرجة دائمة، استكان هناك، رسم في وسط الحجرة دائرة كبيرة، وضع حولها حجارة ملونة، كتب على كل حجر اسم شخص، وطاف حول الدائرة يغني وحده سبع دورات دون توقف.
موت يا حمار.
الأخرس يقول لي بأني غير قادر على منفعة نفسي.
موت يا حمار.
سبع دورات، سبع دورات.
فجأة ذات يوم استيقظت بي الفحولة، صرت أبحث عن امرأة، كانت فوزية امرأة مكتنزة أريدها لشيئين، الخلاص من كبتي، ورؤية الشيطان الذي يلعنه أبوها في روحها العذراء.
موت يا حمار.
أنت مثلي صرت صاحب لقب، هل نستطيع أن نعيش في هذه الدنيا من دون ألقاب ؟ يحلو للناس أن ينادوك ابن
الأعور، وأنا يحلو لي أن أناديك الأعرج، أحسّ بالفخر ولكني لا أعرف السبب. أقول لك عن السب يا أخرس هه.. هه اسمع، قلت لك الأخرس، السبب أننا نستلذ الفخر بنقص الآخر؛ لنشعر بأننا أفضل منه في الوقت ذاته.
الأخرس:
- أجد الإنسان لا فخر له. كلنا متساوون الحاكم والمحكوم، كلنا لنا ألقاب.
وأنا أتمتع بكلامه قلت:
- ألقابنا هي التي تصنع أمجادنا، وهذا يعني أننا غير متساوين، خذ مثلا ألقاب الخلفاء منذ البدء حتى الأندلسيين، حتى الحكام الحاليين، نسلخ عليهم ألقابا ونحن سعداء بذلك، هل ترى أننا الأمة الوحيدة في كل الدنيا المغرمة بالألقاب؟ ونسلخ ألقابا حتى على أعدائنا خذ مثلا أبو حنيك، نحن وسمناه بهذا، ولكنه كان سيدا يرى فارقا كبيرا بيننا وبينه، وهو يضع أسس تشكيل دولة يهودية في صدر الوطن العربي الذي نسمه بالكبير، وكان يقسم أغلظ الأيمان بأنه يحب العرب، وأنه ترك ولاءه لبريطانيا، وتبين مع مرور الزمن جاسوسيته علينا وتعاونه المطلق مع إسرائيل.. حتى أنه ذات مرة وصفنا بقوله: " العرب قوم يدركون بألم مدى تخلفهم وضعفهم وعدم نضجهم، وتظهر عليهم جميعا النزعات العاطفية، وصفات عدم الاستقرار التي تظهر على المراهقين، كما أنهم يتميزون بحساسيتهم واستعدادهم للهجوم لدى أي تنازل يقدمه كبارهم ".
هذا يعني أننا نعيش لنخدم سيدنا. وهذا يبين الفارق بين ألقاب الحكام والمحكومين، فألقاب المحكومين تبين مازوخيتنا.
ظل يروح ويغدو مستحثا المكان على النهوض مثل طائر الفينيق، كي يأتي بشيء جديد، يجعل الآخر يتوقف عن مازوخية مكثت فيه مثل نخاع العظم، وتجري في عروقه مجرى الدم.
لابد من التفكير، كي تخرج روحي من عرجتها التي يمقتها الضابط الكبير، وصرت امقتها. لا شيء هناك غير الحلم، حلم الأخرس الذي رآك فيه من الأولياء والصالحين.
***
في الجمعة الأخيرة، قبل انتشار خبر الأولياء والصالحين بعماماتهم الملونة، لم يعجبني كلام الشيخ الصغير وهو فوق المنبر يتحدث عن الدرجات العلا، والمراتب، والمناصب، والقضاء والقدر. ودعا إلى القبول بكل ما هو واقع من دون حول ولا قوة، ويجب علينا أن نبعد الوساوس التي عزاها إلى قوى خفية لكنها لا تريد خيرا بالوطن ولا أهله، وأنا أعرف قصده ومراده وهو يشير بالحديث إلى الشيطان الذي طلقه مدة طويلة.
قلت:
- يا سيدي الشيخ ليست هناك قوة خفية، ولا شياطين خفية، ولا قضاء وقدرا، ولا مصيرا صنع درجات، ومراتب، ومناصب، وأنا اقصد هذه المدينة وهي وطني.. ما صنع وطني الحرامية واللصوص، وألزمونا القبول بالقضاء والقدر.
صاح الضابط الكبير:
- " إذا صعد الإمام المنبر فلا صلاة ولا كلام "
الدكنجي:
- للمسجد قداسة يا مخيمر.
وحدقتني الوجوه وأنا أرى أكفهم تتجمع ليضربوني.
قال للخليفة:
" لماذا ثوب أمير المؤمنين أطول من ثيابنا "
حاولت أن أتحدث عن تلك الواقعة التي تشهد ديمقراطية، يتحدث عنها الذين نصبوا فوقنا، والشيخ الصغير يصف هذه الفوقية بالقضاء والقدر والدرجات العلا.
وجمت الوجوه وانقلبت إلى الشيخ الصغير الذي تابع خطبته.
تخطيت الأكتاف والأعناق أبحث عن حذائي، وأنا أحدث نفسي عن ضياع صلاة الجمعة.
وهو يخرج من المسجد بلا صلاة، في هذه الجمعة الأخيرة في حياته التي يدخل فيها ليصلي الجمعة وراء الشيخ الصغير، تهت في شوارع المدينة التي بدت مبعثرة مثل بقايا زبالة في زوايا الطرقات، يد الزبال لم تطالها في هذا اليوم الرتيب الذي يبعث الوحشة في النفس، دكاكين المدينة ميتة، وأنا تهت في طرقات المدينة، أضرب الهواء بعصا تعويذة.
***
مارق صفة ألصقت به بعد تلك المداخلة في المسجد، وأثناء وقوف الإمام فوق المنبر، وافتضح أمره، وسم بالملحد، وغير مؤمن بما تؤمن به هذه المدينة، واستمرت التداعيات حتى المقاطعة التي وصلت إلى الأخرس، الذي لم يعد يسأل عنه إذا ما مر به في الطريق، والدكنجي لم يكن أقل من الأخرس سادية، وأبو فاتنة الذي تسمه المدينة بالكافر قاطعه، وطالب أن يلتف الجميع حول الشيخ الصغير في هذه المحنة التي عصفت به، وظل الضابط الكبير يلج عتوه حتى شكاه الشيخ الصغير إلى المحافظ.
وهناك كانت الأمور أكثر وقعا وإيلاما، وسم مرة أخرى بالمارق، وهو يتناهى إلى سمعة محنة الحلاج ومحنة ابن حنبل عندما استبد المعتزلة بالمأمون.. أنا مثل خالد ابن الوليد الذي انهالت علية المفسدة ما بين مكفر ومخطئ.
- أنت مجنون. قال المحافظ وهو يصر على أسنانه.
وما بين جدال وخصام، قرر ما بين لحظة وأخرى أن يبعث به إلى مستشفى المجانين ، وهناك يقرر الطب النفسي مدى جنون مخيمر، ومعرفة ما إذا كان مجنونا أم مارقا.
أخذوني إلى مستشفى المجانين مخفورا بسيارة شرطة، تستحث الطريق إلى الفحيص، حيث يقبع هناك مصيري، الذي ينتظره الضابط الكبير، وآخرون من الذين طغت عليهم غشاوة الكبر والأنانية والسطوة، وذاع أمر ذهابي إلى المستشفى، ليتحققوا من أمري بسبب حالة جاءتني فجأة وبمحض إرادتي، لم أستطع إبقاء فمي مغلقا.. تكلمت كما علمت من الآخرين بجنون.
بعد إجراء كل الفحوصات على وجه السرعة، تبين أنه لا يعاني من جنون أو سفه، ليعود إلى حضن المحافظ الذي وافق الشيخ الصغير على أنه مارق، وقرر الشيخ الصغير بمساعدة الضابط الكبير منعه من ولوج المسجد في يوم الجمعة، وقرر أن لا يعود إلى الصلاة وراء الشيخ الصغير، لأنه شعر بفقدان هيبته أمام الوجوه الصماء، التي ولجته حتى احمرار الوجه.
***
ظل وحيدا، غنى وحيدا، دار وحيدا في دائرة طباشيرية صماء، أحاط بها دمى يدور حولها، وظل الخاسر الوحيد.
ماذا تنتظر من هذه الدنيا البليدة التي تحيط بك، اذهب إلى مكان آخر يهبك حبا، ألا تشتاق إلى جسد تبحث فيه عن النسيان، يمكنك أن تحضن جسدا مثل جسد فوزية الشهي، وأنت حدثتك نفسك مرارا عن جسدها الشهي، ولم تنله كما ارتأت أم فوزية. والشيخ الصغير وجد فارقا كبيرا بين دائرة التنظير والتطبيق، فالموعظة في المسجد في بعض الجمع عن الفقر والجوع والخبز وزواج الفقراء والتقليل من المهور، ودعوة الفقير إلى الصوم ؛ ليدفع جسد امرأة يحلم به
بعيدا عن مآربه التي لا يستطيع أن يقاومها، وأول شيء تفعله، تغمض عينيها عن الغرفتين والمنافع.
لا أريدها.. سأذهب إلى أي قواد في الشام أو في عمان، سأتمرغ في أي ملهى من ملاهي الشام أو عمان، أو في أي ماخور حقير اختفى وراء الزوايا المظلمة، وهناك أتوسد صدر امرأة من دون تأنيب وشعور بالخيانة. الآن أنت واحد من أولئك الذين قبلوا أن يكون على هامش التاريخ والحياة، أي تاريخ ؟ التاريخ لا يحفل بأمثالك، وأرى أنك ما زلت تؤمن بخرافات التاريخ المزورة، ماذا أستطيع أن أفعل ؟ لي نزواتي التي لا تعني غيري، وهذا يعني أنني لست بريئا، ولي مازوخيّة خاصة بي وحدي. غدا ومنذ شروق الشمس أهبط الشام، وهناك أتمرغ في كل هواجسي، وأوهامي، وأحلامي وأحزاني، وأفراحي إذا كانت لي أفراح، سأغط بنوم عميق هذه الليلة، أحاول نسيان كل أركان هذه المدينة التي تتهاوى أمامي، سأرحل هذا هو الرأي الصواب، وسأنسى أن لي مدينة، سأنسى أن لي مكانا محددا، سأبحث عن مكان آخر، وربما آخر، وآخر، لا أريد التعلق بمكان بعينه، ولا بامرأة بعينها، أريد أن أجعل من حياتي مشاعا، أرضا بورا أحرثها كما أشاء وفي الوقت الذي أشاء، إلا من بقايا أوهام خلتها ذات يوم تتحقق.. وجدت نفسي أمام أبواب مؤصدة. في اليوم التالي، صحا الساعة العاشرة متثاقلا، متكاسلا.
لا أجد لي رغبة بالنهوض، ولا رغبة بالذهاب.. ظل راقدا طوال الليل وضحى اليوم التالي مثل بغل. نام نوما هانئا في تلك الليلة، نام نوما لم تقض مضجعه الأحلام، أفرغ جعبته في تلك الليلة من كل هواجس نفسه المتعبة، وهو لا يدر كيف نام.
وهو يحدث نفسه، كيف نام هذا النوم العميق والمريح ؟ سمع هاتفا يقول:
- أنت غير قادر على فعل شيء.
تململ.
- أنت ضعيف. قال الهاتف مرة أخرى.
تقلب في فراشة مرة أخرى، وعاد الصوت يقول له ما قاله قبل قليل. تقلب أكثر، تلاشت عن عينيه بقايا النعاس الثقيل الذي أقصى أحلامه في الليلة الفائتة.
بدأت أتحسس ذقني التي نبتت فوقها الشعر الذي يدغدغ أناملي، وأنا ما زلت في فراشي رأيت الدائرة الطباشيرية، وقع نظره على تلك الدائرة الطباشيرية التي أحاطها بدمى إنسية طباشيرية بيضاء دعاها الغرانيق، انتابني إحساس غريب، وأنا أسمع الصالحين في مقامهم المقدس ينشدون الأذكار والتسابيح، وهم يتقافزون فوق الجمر. لم أدر كيف وصلت إلى
الدائرة الطباشيرية، وهناك صرت أدور خلف الصالحين، وأردد سبع دورات.
وهو في الدائرة التي رسمها:
- ما نحن ما نحن ؟ نقدس المازوخية، ونرضى بأحلام لا وجود لها، نحلم ونحلم، كي نفوز بشيء، نحلم بالصراخ، ولكنه يبقى في دائرة الكبت في صدورنا، ثم نغازل الصراخ مرة أخرى، الجندي الصغير حاول الصراخ مرة، كان صوت الضابط الكبير يجلده، وحاول الصراخ مرة أخرى.. أدمن الصراخ واستلذ الجلد.
الفصام الذي نعانيه يبحث عن علاج.. أبو فاتنة وضع سلسلة طويلة من الذين كانوا برفقته في قبضة المخابرات، وبدورهم صاروا مثله ، استلذ الاعتراف تلو الاعتراف، وكانت النتيجة مازوخية، صار اليساريون في الأردن خواء، طبلا أجوف يبيعون الكلام المعسول للناس، ويجتمعون حول المناصب الحكومية.
وأنا صرت واحدا من أولئك الذين يخطر ببالهم أن يتجردوا من كل شيء، ينتابني شعور أن أكون واحدا منهم مصفقا على الرغم من أنه قد فات الأوان بهذه العرجة التي أقصتني من عملي، ما زالت هناك بقية، منذ الآن سأجبرها على سماع العتاب الذي سأنهال به عليها، وكلما رفضت أجبرها مرة أخرى، وهكذا أصير مثل مازوخي تماما.. ربما أتزوج أي امرأة، تملك من المال ما يجعلني أجالس الدكنجي الذي صار يشار إلية بالبنان، وربما أتدثر ذات مرة بعباءة تخفي كل نرجسيتي القابعة في صدري، وأرتل:
" حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس "
كلمات توارثها الناس في الأردن عن كيفية التنازل وراء التنازل، حتى عن آخر ذرة كرامة في حياتي.
أبدأ بلعن الشيطان، ولكن بمسميات لا تغضب الضابط الكبير، ولا تغضب الأخرس الذي صار من أصحاب النُهى بين غمضة عين وطرفتها، أنا الوحيد الذي يبدو زائدا على المجتمع، مثل أبي محمود البقال، قلبه الضعيف لم يمهله كثيرا، ولكنه أفضل مني، مات رافضا، وأبدو كمن يحدث نفسه عن القناعة المستولدة من الصبر، وبشرى للصابرين.
لا، لكني سأرفض، سأكون مثل جمرة تحرق كل شيء حتى الأولياء والصالحين، فأنا لا أصدق أن النار لا تؤذي الجسد، هذا غير صحيح، سأبقى معارضا، أعارض كل أولئك الذين صنعوا مازوخيتنا، وقرروا في لحظة أن يكونوا أوصياء علينا وتباركهم الحكومات، لأنهم قادرون على جلد المستسلمين، الذين يلجأون إلى الصالحين، والذين يدعوننا إلى الصبر.
ما هذا الـخرف الذي يقصي آمالنا، أنا في حيرة، بل سأكون مثل الأولياء الصالحين الذين يتقافزون فوق الجمر يتشبثون بالصبر، يتلذذون بالصبر والمعاناة، يتطلعون إلى التكفير حتى لو كان بالحرق.
لست أدري بوجودي، من يقول لي بأني موجود، أسمع صوت الضابط الكبير الذي يؤكد وجودي، فقرر أن يكون مصيري الموت، هو لم يرد ذلك أراد أن يسكت فمي الناطق، هذا الشق الذي رسم في وجهي على غير إرادتي، يريد أن يغلقه، أبقى مثل أي كائن آخر، يروح ويجيء، مثل عباد الله الذين يرضون بالحياة الدنيا، وأنا أسمع الأخرس يقول: نحن نعيش في عالم سفلي.
آخر يوم في الأسبوع ، نهرول إلى المساجد نتغيا الوصول إلى الطهارة، ونحن نسمع نصائح الشيخ الصغير نردد وراءه آمين، والذي يصور لنا وجود الشيطان، ولا أمل بالأحلام لأن الشيطان يقصيها.. ونردد خلفه " اللهم لا نسألك رد القضاء بل اللطف فيه "
كل يوم تبزغ الشمس ويبقى المكان كما هو، والزمان يتحرك بدائرة سبع دورات سبع دورات، وأظل أدور وحدي في هذا المعتقل " الغوانتناموي " يمارسون علي كل طقوس المازوخية.
لم لا تقبل أن تبدأ حياتك من جديد مرة أخرى خبازا يتلاءم مع عرجتك، وتتصيد امرأة بحجم زوجة الأخرس؟
أو أن تكون محاسبا في دكان الدكنجي، وتضحك ضحكة بلهاء كلما تحدث عن نفسه مفتخرا، وهو يضع عباءته على كتفه، وكلما تحدث الأخرس عن العالم السفلي.. سجن من زجاج، ترى كل شيء مهلهلا، أو تكبت صراخك في صدرك المتورم من الصبر، لم لا تكون الولي الذي حلم به الأخرس ؟
أهو حلم أم حقيقة ؟ متى صار الأخرس مفوها فعلى الدنيا السلام. هذا ما ردده أمامي الشيخ الصغير الذي كان يعفي الأخرس من الصلاة؛ لأنه غير مفوهة بمخاطبة رب العزة، وبعدما تفوه لم يصلِ، لم يرد ذكر السلام على الدنيا في أي خطبة أو حجاجة مع الشيخ الصغير.
سأبدأ منذ الآن بتوزيع المنشورات، التي تؤكد وصول الأولياء والصالحين إلى المدينة بعد أسبوع، سأترك الأوراق غير موقعة، سأترك الشعر على وجهي متخبطا بلا هوادة، واستقبل الأولياء الذين سيخلصوننا من آمالنا، وأحلامنا، وآلامنا، من كل أنواع الصبر والمازوخية.
سأخرج الآن في هذا الليل الداجي، سأتخلى عن المنشورات سأكتب على جدران المدينة عن الأولياء الذين سيصلون بعد أسبوع.. ركنت إلى رأيي الأخير، غنيت:
" إحنا و ذياب الغابات اربينا
بالليل الداجي العتمات امشينا
للغابة ليالينا
للريح أغانينا "
في الصباح كانت الجدران ملطخة، تتحدث عن الأولياء والصالحين، وصار الحديث ينتقل من بيت إلى آخر، انتشر الحجاب بين الفتيات اللواتي وصفهن الشيخ الصغير بالكاسيات العاريات، وانقلبت فاتنة كما هي عادة والدها على نفسها، وضعت منديلا ملونا غير ساتر لجميع شعرها، وارتفع فستانها قليلا يظهر ساقيها دون فخذيها، وانتشر مرة أخرى أصحاب اللحى الصغيرة يجوبون الشوارع ويعتكفون المساجد، وصار الناس يرقبون وصول الصالحين، التجار أخفوا المؤن، صمتت الأفواه. بعض المتجمهرين استحبوا حكاية الأولياء والصالحين، تنادوا لجمع الحطب في وسط المدينة.
في تلك اللحظة هبت حركة دؤوبة، لا تعرف التكاسل، وعلى مدى ثلاثة أيام جمع الحطب في وسط المدينة، افترش الأرض من سوق الصياغة القديم، وسوق الخضار، وساحة الجامع، صعودا إلى السراي القديم " السجن".
تجمرت النار، حاول بعضهم أن يقفز، يجرب صدق إيمانه، اقترب من الجمر سرعان ما عاد خائبا، أحاطوا بالنار.. وفي الليل رقدوا هناك حول الجمر.
اصطف الناس في الساحة الكبيرة وسط البلد وافترشوا الأرض عند سوق الصياغة القديم، وحسبة الخضار، نظفت الحسبة من بقايا الخضار التالفة، وتبرع بتنظيفها الشباب الملتحون وهم يلوكون السواك، وارتفعت ثيابهم وفاحت منهم عطور ثقيلة الرائحة على الأنوف، وهم يرددون:
- عاد الإسلام كما كان منذ السنة العاشرة للهجرة، وارتفع صوت في الساحة يتوعد العاصين بجهنم وبئس المصير، وتبشر المؤمنين
بجنات النعيم. تعلقت الأيدي بالسبحات الطويلة المصنوعة من الخرز ومن بذور الزيتون.
جاب الأخرس الجموع المفترشة للأرض، يوزع السبحات الملونة، ارتدى ثوبا بعدما نزع البنطلون، ووضع سواكا في فمه، يحركه شمالا ويمينا، وتبعه الدكنجي يوزع التمر على مفترشي الأرض.. ذات يوم قال لي:
الدنيا بالفقر سجن، تعيش في سجن من بلور، وأنت ترى كل الناس أمامك رؤية العين، لا تقدر على فعل شيء إلا
شيئا واحدا عض أصابعك.
صار أبو فلاح يعض الفقراء بأسعاره التي يقررها هو من دون حسيب ولا رقيب.
فتح صندوق تبرعات، حمله في تلك الساعة أبو فاتنة الذي لبس ثيابا إفرنجية قديمة، لم يضع السواك، مر بين المفترشين للأرض يحضهم على الصدقة التي تطفئ الخطيئة.
تبرعوا باليسير، يحثهم على ذلك ما يسمع من أحاديث عن نهاية الدنيا، وأنها تقف على شفا حفرة، هذا ما قاله الشيخ الصغير.
مخيمر ينتقل من مكان إلى آخر، تدلت من عنقه سبحة طويلة بألوان مختلفة.
ها أنت اقتصصت منهم، لم تحطم رجلا ولا يدا، ولكنك استطعت أن ترى نفوسهم حزينة خائفة، مترددة، متشبثة بشيء.. أصابهم جنون.. تنفس الصعداء، نفث ما في صدره، وبدت ابتسامة عريضة على وجهه، وهو يراهم حشروا يترقبون الأولياء والصالحين.. تحولت ابتسامته إلى ضحكة قاسية وهو يقف إلى جوار الضابط الذي بدا فزعا من الأولياء، وردد على مسمع مخيمر:
- يجب أن نكتم أفواهنا في حضرة الأولياء.
ضحك أكثر.
فعل الضابط الكبير كما فعل التجار، خزن المؤن، أعد خطبة طويلة عريضة، ظل الشيخ الصغير ينقحها حتى رضي عنها، بدأت بالمدح للأولياء والصالحين، وانتهت بالمدح للأولياء والصالحين، سقط لعابه أكثر من مرة على صدره، وهو يفتض تلك الخطبة على مسمع الناس، احمرّ وجهه، وهو يرى مخيمر يرقب سقوطه، بدا ضعيفا، تحسس مكان العانة أكثر من مرة، وهرول إلى مرحاض المسجد، وحينما عاد كان سرواله مبتلا.
وافقه أبو فاتنة، الدكنجي والأخرس أيدا ما قرره الضابط ، وذكّر
الشيخ الصغير بتقواه ، وطالبه أن يذكر موقفه الحازم من مخيمر الذي تحدى الشيخ الصغير في المسجد في يوم الجمعة، وحينما يخلو بين خلصائه يعلن أمامهم أن زمن الصالحين والأولياء قد ولّى منذ زمن بعيد إلى غير رجعة.. ذكر أحدهم وهم يجتمعون في بيت الدكنجي يجيبه الأخرس:
- إذا صدقت النبوءة يعرف الناس أننا كنا معهم من المصدقين والمتصدقين، أنصح أن نقدم بعض ما يحتاجه الناس في المدينة صدقة.
الدكنجي:
- وإذا كذب المتنبئ لم نكن نخسر الكثير.
أبو فاتنة:
- على العكس تماما ربحنا الناس.
الضابط:
- لأننا كنا مثلهم نؤمن بما يؤمنون.
بعد ذاك الحوار، عمل الضابط الكبير بما قرره الجميع.
بدا مضطربا ضعيفا، تهاوت كل قوته أمام حديث وهمي، رأيته رجلا متضخما، ومترهل الجثة.
قلت لنفسي:
ها أنت تقتص منه وحدك، وهذا كاف؛ لتحس بالفخر والانتصار، أما المدينة فلم تعد لك منذ زمن بعيد.
في اليوم الأول : ظل يدور مثل الرحى، لم يستقر به مكان، وبدا مهزوما، لأول مرة أراه بهذه الحالة الرثة.
في اليوم الثاني: دعا إلى التقارب بين الناس، فأعلن إئتلافا أخويا مع الأخرس، الدكنجي، النائب، " أبو ساطور "، " أبو فاتنة "، والشيخ الصغير.
في اليوم الثالث: أقام وليمة للمتجمعين حول النار، المترقبين للأولياء والصالحين.
في اليوم الرابع: ظل يغمغم بكلام غير مفهوم، فهمه الآخرون بأنه يتمتم بأدعية وأذكار لحماية المدينة، بدا خائفا من الأولياء والصالحين.
في اليوم الخامس: رقد في الحسبة حزينا يستجدي شفقة الآخرين.. وقال الجندي طلاّق: إن تقوى الأولياء حلت بالضابط الكبير، تقرب منه الناس، بعضهم تمسح به.
في اليوم السادس: فعل ما فعل في اليوم الخامس.
في اليوم السابع: قام يدور حول النار، وتبعته سلسلة بشرية طويلة من المريدين، تماهت الأدعية والأذكار بألسن لاهجة مرتبكة، بدت
الأصوات صياحا مبهما.. في مساء هذا اليوم: نزع عن نفسه كل الأردية الرثة، ووقف بعيدا يراقب الناس من هناك، أحاطت به زمرته التي خلت من طلاّق.
بعدما ملّ الضابط الكبير وصول أصحاب العمامات، دعا الناس إلى العودة لسالف أمرهم.
توقف أبو فلاح الدكنجي عن توزيع التمر، وطالب أن تعاد إلى المخزن، ليحتفظ بها إلى شهر رمضان الذي يطرق الأبواب.
توقف الأخرس عن توزيع السبحات، وانحسر إلى جانب الضابط الكبير برفقة الدكنجي والشيخ الصغير وكان هناك أبو فاتنة والنائب وأبو ساطور.
هرولت من مكان إلى آخر، وكأني أحمل شعلة المواقد مثل الآلهة فيستا، أريد إبقاء شعلة المدينة متوقدة ، أرمي بالأدعية والأذكار في النار التي انتشرت طوال أسبوع، كان هذا آخر حلم جنوني اختلقته؛ لتبقى الشعلة متوقدة.. ها هي بدأت تنطفئ ، ما العمل ؟ بدا الضابط طبلا أجوف يخيف المدينة، وخاف الولي، هذه هي فرصتك كي تقتص منه ، لا بد من إطالة الخوف إلى أقصى حد، تستطيع أن تسلب هيبته منه أمام الجميع.. في مساء اليوم السابع، اختفى مخيمر عن العيون.
بدت المدينة تضيق علي الخناق، أحسّ بلذة الاقتصاص، ونفسي تصرخ ما العمل ؟ ها أنت تفشل هذه المرة بحزن أشد من المرة الأولى التي هزمك فيها كلب الضابط ، أما الآن فأنت تهزم من الضابط نفسه، ذاك الكلب حيوان أبكم، رآك لكنه لا يستطيع أن يخبر سيده إلا بنباح، وعندئذ تستطيع الفرار من هناك قبل أن يفضح أمرك، أما الآن بت تواجه الضابط الذي يطول لسانه، وسيغرزه فيك من دون خوف أو وجل.
قال الأخرس: أنت الولي.. لم لا تجرب أن تكون الولي أمام جميع الناس في هذه المدينة، وها أنت ترى الجميع يترقب وصول الولي؟
بينا كان يلهج الناس بدعاء طويل عريض، ومع ضوء صباح اليوم الثامن سقطت الشمس على وجوه النيام، لم يكن هناك أولياء. فجأة دخل المدينة من جهة الشرق رجل اعتمر عمامة خضراء كبيرة، وارتدى أردية فضفاضة، كان مخيمر المتخفي وراء ثياب الأولياء، مشى بخطوات وئيدة يتوكأ على عصاه ، ليخفي عرجته.
دب صمت رهيب في وجوه الناس، بعد هنيهة بدأت الأصوات ترتفع بالدعاء والتهليل.
دبت حركة دؤوبة بين الشباب صغار السن الذين أطلقوا لحاهم، اقترب الملتحون من الولي مخيمر، وطبعت القبل على كتفيه وهما يرددون أدعية وأذكارا، وانتشرت مجامر البخور في ساحات المدينة التي هتفت بنهاية الخلاص من النفس الأمارة بالسوء.. عاد الدكنجي يوزع التمر، وعاد الأخرس يوزع السبحات، وأحاط بالضابط الكبير الدكنجي، والشيخ الصغير، وأبو فاتنة والنائب، وأبو ساطور، والأخرس.
فرغت للولي مخيمر دارة كبيرة قرب سوق الصياغة القريب من المسجد ودار البلدية، وأشعلت النار مرة أخرى في الساحات العامة، وتحلق الناس حول الولي مخيمر، جاءته الهدايا التي فرقها على فقراء المدينة من كل حدب وصوب، وتقرب إليه كل سكان المدينة الأغنياء والفقراء.
ضربت الطبول، تراقصوا على قرع الدفوف، وداروا حول النار.. دعا الولي مخيمر إلى الأخوة التي تكون بين جميع الناس، وبغض النظر عن المال الذي يملكه كل واحد منهم.. في تلك اللحظة أعلن الضابط الكبير وحدة أخوية بينه وبين الجندي طلاّق، بدا طلاّق يرافقه في حله وترحاله. في المساء طالب الولي مخيمر بإعادة فتح دكاكين البقوليات في المدينة التي بدت خالية من البقوليات، وقال بصوت عال وبدا غاضبا: مدينة لا تأكل مما تزرع مدينة ميتة.. حثّ الجميع على إحياء المدينة.
بدا الضابط الكبير متقلقلا من حديث الولي مخيمر، تململ أكثر من مرة، حينما همس الأخرس بأذنه عن أحاديث مخيمر الذي ينبه الناس عن ضياع المدينة.
مرّت سبعة أيام على المدينة التي استحوذ عليها الولي مخيمر، ذات مساء وهم يتحلقون حول الولي مخيمر ذكر الأخرس اختفاء مخيمر من المدينة، عندئذ بدا الضابط وكأنه يفيق من غفوة امتدت سنوات طويلة، وهو بثيابه التي يبدو منها الزهد، وأخذ مجلسه بالقرب من الولي مخيمر خوفا من أذاه ، كما كانت تقول العجائز: إن الأولياء يستطيعون إلحاق الأذى بكل من يخالفهم أو يشتمهم ولو كان يسكن في بلد آخر يبعد عنه المسافات الطويلة.. وقال فتى صغير ممن نبت الشعر على وجهه، ولبس ثوبا طويلا وهو من الذين بدوا فرحين بذكر الأولياء: إن الأولياء يستطيعون إلحاق الأذى بأي إنسان حتى لو ابتعد عنه آلاف الأميال.
لم يستطع الولي مخيمر الصمت أمام حديث الأخرس، قال: دع الخلق للخالق يا سلطان.
تعجب الأخرس من ذكر اسمه أمام الناس جميعا.. ازداد التهليل، وسمعت فرقعات حبات السبحات الطويلة، ولاذ
الجميع بالصمت أمام بصيرة الولي مخيمر.. تململ الدكنجي الذي يجلس قرب الشيخ الصغير، بدا ساهيا ماكرا، قال:
- مخيمر ابن المدينة يا سيدي الولي و...
صاح الولي مخيمر وقد أربد وجهه:
- قلت دع الخلق للخالق يا أبا فلاح.
الشيخ الصغير:
- نعم دع الخلق للخالق.
لم يدعوا الخلق للخالق، وبدت حملة تفتيش عن مخيمر بأمر من الضابط.. بعد بحث لمدة يومين في كل المدينة، لم يعثر عليه.
في الاجتماع الذي عقده الضابط الكبير في بيته، قرروا جميعا أمرا جديدا، وهم يرون المدينة تسرق من بين أيديهم.
الضابط:
- يجب امتحان الولي بالنار.
الأخرس:
- نعم الرأي.
الدكنجي:
- أنا موافق.
النائب:
- أوافق.
أبو ساطور:
- سأفعل أي شيء يعيد الهيبة لنا.
الشيخ الصغير:
- كيف نبدأ، كلنا موافقون على إرجاع المدينة من يد رجل واحد وغريب.
طلاّق:
- بحكم الأخوة بيننا لا بد من الموافقة على رأي واحد.
صمت الجميع يمتعضون مما قاله طلاق، ولم يعلن أحد بأنه ليس
من ملتهم.
في المساء نقل طلاق أخبار الاجتماع إلى الولي مخيمر بحسن نية؛ لينال بركات الولي.
وقع مخيمر بحيرة، وهو لا يدري ماذا يفعل، كل الناس في المدينة يعرفون أن الولي يستطيع المشي على النار.
في صباح اليوم التالي أعلن الضابط أمام الجميع عن تطهير أرواحهم أكثر، وهم يرون الولي يمشي فوق النار.
دبت الأصوات الرافضة لاختبار الولي الذي وسمه بعضهم وهم الصغار الملتحون، بالكفر بقدرة الأولياء، وهذا فأل سوء.
فريق آخر، أعلن أن هذا لا يتنافى مع صدقية الأولياء وكراماتهم.
رضخ الصغار لمطالب الناس، وهم يرجئون الموعد يوما بعد آخر، علّ الفريق الآخر يتخلى عن مطالبته.
قال الضابط:
- نحن نريد أن نقتدي بولينا ، لأن الحقيقة لا تقف عند ضرب
الطبول، بل بالموت أو الحياة، الحياة للولي لأنه لا يتأسى بالنار، والموت للجبناء الخرّاصين.
نزل الولي مخيمر عند رغبة الناس، ولكنه كان يرجئ هذا الموعد يوما بعد يوم، حتى ضاق الناس ذرعا، وبدأ التشكيك
بقدرة الولي على المشي فوق الجمر، بعد تسعة أيام من الإرجاء المتواصل، قرر أن يكون اليوم العاشر هو الموعد المضروب الذي يهبط مخيمر الولي إلى ساحة النار، وهناك يتقافز فوق الجمر الذي يكون بردا وسلاما.
في مساء اليوم العاشر ظل مخيمر في حديث مع نفسه: إما أن أهرب وأترك المدينة ولا أعود إليها، وبعد أسبوع يعود إليها مخيمر العتيق، الذي يسكن في غرفتين ومنافع، في طرف المدينة الغربي، وأنزوي هناك طائعا.. وإما أن أمشي فوق الجمر.. الخياران قاسيان، الأول يعني نهاية مكانة الأولياء إلى غير رجعة، وهذا يعني نهاية الخوف، ويتسلط الأقوياء على المدينة، ويستمر الحال السابق، والثاني افتضاح أمري لكن يبقى هناك أمل أن يأتي الأولياء ذات يوم، وتبقى القلوب معلقة بشيء سيأتي.
وهو بين شد وجذب، وهو يطمئن على أحوال الناس، وما آلت إليه المدينة التي بدأت تتغير، تمنى أن يبقى معترشا كرسي المدينة وليا.. هيهات هيهات أن تكون المدينة التي يتصارع عليها الآخرون لك ؟
كانت الليلة مدلهمة، قرر الرأي الأول. انتشر الظلام في المدينة، وانتشر النيام فيها. تسلل من المدينة ومن ظلامها، ومن بين النيام فيها رجل اعتمر عمامة خضراء كبيرة، يحمل بيده عصا غليظة، يلبس ثيابا فضفاضة إلى خارج المدينة.
توقف فجأة عند حدود المدينة قرب المقبرة، وهو يسمع هاتفا من المقبرة يقول:
- لا فرق بينك وبين ساكني المقبرة.. عد إلى مصيرك وواجه مهما كان قاسيا.
مخيمر يهمس لنفسه:
- لم أكن أتغيا هذا الشيء الذي آلت إليه الأمور..
تاه ضالا مثل ذي القروح.
عاد مخيمر يخترق عباب الظلام، ظلام المدينة، وظلام نفسه.
انبلج الصباح، وفي ساعة الضحى كان الموعد المضروب، تسلح مخيمر بكل الأدعية والأذكار، وهو يستجمع كل ذاكرته المنسية، وهو يضع رجله على حافة النار تراجع مذعورا فزعا.
عندئذ صاح الضابط الكبير:
- ألم أقل لكم بأن زمن الأولياء ولّى، إن لم تكن تلك الأحاديث عنهم أباطيل ومحض خيالات تأتي في النوم
كالأحلام، تتلاشى بسرعة.. هذا الرجل كذاب.
ضجت الأصوات رافضة قول الضابط.
بدا الأخرس مضطربا خائفا من تجديف الأولياء، وخائفا من هذه الجموع، وبدا الدكنجي كذلك، لم يستطيعا فعل شيء إلا الصمت.
قال مخيمر وهو يخلع العمامة الخضراء الكبيرة عن رأسه:
- أردت تخليص المدينة من سجنها.. أردت استرجاع المدينة التائهة.
قاطعته أصوات الجموع المندهشة.
الأخرس همس:
- مخيمر ؟!
الضابط أظهر صلابة:
- مخيمر مخيمر؟! أنت تتوهم ، المدينة ليست مسجونة، كل ما
هناك أن الفارق بالدرجات هو ما يقرر مصير كل واحد منا. يصمت قليلا وهو يراه خاسرا: أنت تبحث عن زعامة طائشة حتى لو كانت بالشعوذة ، هذا سفه وحماقة.. جنون جنون.
مخيمر ردد في نفسه:
- الدرجات ؟!.. أبحث عن مدينة مسروقة.. لا تستطيع دحر أقوال الضابط ، بت مجردا من كل شيء.
صفق أبو ساطور، أبو فاتنة ، النائب، الأخرس، الدكنجي، الشيخ الصغير، طلاق، وآخرون لما قاله الضابط.
قال لنفسه:
- تحطمت هيبة الضابط الكبير، ورفاقه أمام الناس المحتشدين في الساحة الكبيرة..
وقال مرة ثانية: الساحة الكبيرة كانت محرقة الحطب، لم تطهر شيئا آخر، لم تحطم شيئا آخر.
الضابط الكبير:
- أنت تبحث عن بقايا نصر..
هسهس لنفسه:
- أنا أبحث عن وجودي.
دمدمت نفسه بالنصر القليل الذي تحدث عنه الضابط الكبير، وقال لنفسه:
- وهم قليل.
انسحب منتشيا يحس بالفوز والناس ينظرون إليه، ومهزوما أمام الضابط الذي بدا قويا، ولم يستطع تخليص المدينة منه.. همست لنفسي:
- هل تستطيع فعل أكثر ؟
أحسّ أصحاب اللحى الجديدة بالحسرة، جر كل واحد نفسه ضعيفا حزينا.
في هذا الصباح كان الرماد ينتشر فوق وجه المدينة، نفضوا الغبار، عادوا كما كانـوا لا يفكرون بماضي الأولياء والصالحين.
في اليوم الذي عاد فيه إلى عمله في دار البلدية، حدثه طلاق عن الاجتماع - في آخر يوم لمحرقة الحطب - الذي ضم الضابط الكبير، النائب، الأخرس، الدكنجي، الشيخ الصغير ، وكان هناك أبو ساطور، وأبو فاتنة.. وحدثني عما قال الأخرس:
مخيمر شريك بالمدينة، مهما كانت مشاركته أوهاما... سرقنا منه كل شيء حتى فوزية... كادت المدينة تفلت من بين أيدينا، أنا متفق مع " أبو فلاح " هدد حياتنا.. لكننا حرمناه من كل شيء... عندي حل صغير لا يغضبنا ولا ينقصنا ولا يعطي " مخيمر " فخرا أو نصرا.. يعود إلى عمله في الطابق الخامس، من هناك يشاهد مدينته التي أحبها، لا يعنينا حبه، ويا دار ما دخلك شر، لم تبق لديه حيل، بات ضعيفا، مسكين يحس بنصر هزيل.. والمحرقة نظفت المدينة من الحطب الواهن ، عج الضحك في الاجتماع، أيد الجميع الأخرس.
انسحب طلاق من أمامي، لا يلوي على شيء، وهو يراني ضعيفا، ويعج في نفسي الحَنق، كما وسمني الأخرس، كدت
أهذي، لم يكن هناك نصر، ولا بقايا نصر.
نبتت ذقن أبي فاتنة، لزم المسجد يوم الجمعة بعد واقعة الأولياء والصالحين.
بدأت الإعلانات تفضح الانتخابات البلدية، وكان أبو فاتنة المرشح الذي يطبل له الضابط الكبير، النائب، الشيخ الصغير، أبو ساطور، الأخرس، والدكنجي، وطلاق. بسرعة تفتضح المآرب في هذه المدينة، وبسرعة تلج في سبات تغيّب الآخرين.
مدينة كالثلج تدمل كل فجوات الزمان والمكان، وحينما يذوب تتكشف فجوات جديدة.
عادت إلي مازوخيتي أغني سبع دورات.. وأنا أستحث ذاكرتي كيف ولج العرب العصر الحديث ؟
***
يصحو من نومه غير راغب بالنهوض، كأنه يفيق من حلم مرعب، وهو يحدث نفسه عن البقاء هنا في هذا البيت الصغير، يعتزل الناس حبا بالعزلة، يغفو عن رؤية المدينة، فجأة دبت في أوصاله القوة والعزيمة، لمّا مرت إربد برأسه بكل مفاتنها التي لا يستطيع أن يغفو عنها، وقال لو لم تكن إربد مدينتي لأوجدتها، نحن نخلق مدننا التي لا نسمح لها أن تتوارى عنا، ها أنت مازوخي تتعذب من أجل مدينة لا تسمع آهاتك، قلت هل هناك أعذب من مازوخية من أجل مدينة.
لن أهرب من مدينتي الناعسة مهما كانت ذاكرة منسية، ستبقى لي وحدي بأنانيتي، وأنا فخور بذلك إلى حد السادية، لأن الآخرين لا يشاطرونني متعتي.. وأنا في أحضان مدن أخرى، وفي أحضان أماكن أخرى، تبقى إربد بكل عنجهيتها، بكل بساطتها، بكل أريجها الزيزفوني، ترقد على صدري أتشبث بها.. هي تحرقني وأنا أحرقها مثل " نيرون " الروماني المجنون حرق روما أنانية؛ كي لا يتمتع بها غيره، وحسدا كي لا يملكها غيره. وأنا أحرقك في قلبي مثل حطب أشجار البلوط في يوم شتائي، أنتِ كوخي الذي أفزع إليه، وأنا على حافة البكاء فأجهش، ولم أكُ أعي قبل الآن أن هناك فارقا بين حب امرأة وحب مدينة، أحدهم قال: لا فرق بين حب امرأة ووطن.
وأردف قائلا: المرأة وطن.
وآخر قال: لا فرق بين حب امرأة ومدينة، فالمدينة نحبها ؛ لأنها امرأة أو تسكنها امرأة نحبها.. وقلت لنفسي:
أنا أحب كل نساء الأرض في مدينة هي أنت
المسكونة بهمسات الياسمين في ليل صيفي
المسكونة بهمسات الثلج في ليل شتائي
المسكونة بهمسات أوراق الخريف في مساء خريفي
يا مسلوبة مني.. أحبك
نحب مدننا المسلوبة منا
أحبك أكثر لأنك مسلوبة مني
في المساء، ذهبت إلى الضابط الكبير أستجدي وجودي بصورة مختلفة عن نفسيتي المحبطة، ولا أعرف أبصورة جنونية أم عقلانية؟ الآخرون يرون جنوني ، بقيت في وظيفتي التي منعت من ولوجها بعد شفائي مدة ثلاثة شهور، عدت إليها بعد جلسة واحدة مع الضابط ، التزمت شيئا واحدا أمامه، وهو ما أراد طلبه مني، فاجأته حينما قلت له: سأصمت.
لم أنتظر وحدي طويلا ، بعد ربع ساعة من وصولي إلى بيته جاء الضابط معتذرا عن التأخير، لكني انشغلت طوال غيابه بالنظر في هذه الصالة الكبيرة التي بدت مزدانة بكل أنواع الأثاث الجميل، بدا النعيم ممتدا في كل أرجاء الصالة، وتدلت من سقف الصالة ثريات كهربائية حوت الكثير من الضوء في تلك اللحظة التي ولجت فيها عتبة البيت الكبير، علقت على الجدار صور الضابط الكبير، والتي بدت في أزمان مختلفة، ولكنها كانت شامخة يبدو منها العبوس والتحدي، واللامبالاة، وفي زاوية الصالة الواسعة بدا الأسد المحنط يرعبني، وحدثتني نفسي حينما وصلت إلى تلك الصور التي رافقت صور العائلة أن أغادر من هناك خائبا وخائفا، لكني كنت ثقيل الجسد كلما وقع نظري على الأسد المحنط ، وأنا أحسّ بالضيق الذي يطغى على حياتي، تشبثت في مقعدي، كنت جبانا، هذا ما توصلت إليه في تلك الساعة.
هذه الحالة الجنونية التي وصلت إليها قبل يوم من التقاء الضابط، كنت أحتجب عن الآخرين قدر استطاعتي، وكانوا راغبين بذلك بعد واقعة المسجد، وبعد واقعة الأولياء، وبعد شهر من لقاء الأخرس الذي رغبني بالعمل في المخبز، وهو يراني بعرجتي نصف معاق، عاجزا أو شبه عاجز، لأبدأ من هناك حياة يريد أن يراني بصورته هو، بكل جنونه الشبقي، أو يراني وراء منضدة صغيرة أحصّل النقود من المتبضعين في سوبر ماركت الدكنجي، وهذه الصورة لا تقل عن تلك الصورة.
لم تكن حياتي سهلة، صرت بعد شهرين من حرماني من وظيفتي، لا أطيق شيئا حتى تلك المشادة التي وقعت في المسجد يوم الجمعة، وعلى مرأى ومسمع الهاربين إلى المسجد في هذا اليوم الذي تتزاحم فيه الأكتاف، ليفيض المسجد بزبائنه الذين يبيعون الشيخ الصغير وأمثاله من المصلين العابدين إيمانهم، ويبتاعون من الشيخ الصغير موعظة لا تصل إلى أطراف آذانهم.. صرت مدحورا مذموما.. الحقيقة صرت منبوذا، وبين ضعفي وقوتي التي تشحذني، وجدت نفسي وجها لوجه أمام الضابط في بيته؛ لأعود إلى عملي في مصلحة البلدية منذ بداية الأسبوع مقابل الصمت، ابتدرني قائلا: هذه المدينة ليست مدينتك.
هذا القرار اتخذته قبل ولوج تلك الفكرة رأسي، وأنا لا أميّز بين الضابط والجندي، وجدت نفسي أسير في طريق وصفه الأخرس بالمستقيم، وأنا أحفظ وأردد المستقيم أقرب مسافة بين هدفين، والآخرون في هذه المدينة مثل رغيف الخبز المدور، مثل نظام حكم عربي يتبع حمية الأخرس؛ فلا ندري متى تكون الصورة جلية، لنسمع أن السياسة والانتخابات أشياء فاجرة تبيعك كما تبيع غيرك.. وظل العرب بحكامهم يضيعون مدنهم،.. أما المدينة فتسكن هواجس الضعفاء مثلي ، وهم يفتخرون بحب لا يقاوم ، وأردد: " للريح أغانينا ".
وأحدث نفسي عن السرقة، سرقت مني التحفة، وأجيب نفسي سرقت تحفتك ؟ ألم تتخل عنها ؟ تخليت عن مفاتيح المدينة مثل أبي عبدالله الصغير، سلم مفاتيح غرناطة إلى ملك قشتالة عاجزا، وبت عاجزا، الآن سرقت مني أحلامي، وأحزاني، ومكاني. قررت أن ألجأ إلى الصمت، وأقصي فظ الكلام إلى غير رجعة؛ لأني صرت أردد كما تقول العجائز في وطني: " للحيطان آذان "
سأكتفي بالرؤيا، أعيش في سجن من زجاج، ولن أسمح لتلك العيون أن تتحدث إلا بالهمس لذاتي.. صرت من أولئك الذين ضيعهم التاريخ ذات يوم بأسرع وقت ممكن.
كان هذا اليوم يوم السبت، بداية العمل الأسبوعي في مصلحة البلدية.. كالعادة قام بعمله اليومي قبل الذهاب إلى العمل، حلاقة
ذقن، استحمام، إفطار، يرتدي ثيابه، ينطلق. في هذا الصباح، كأني أفيق من حلم طويل، كانت نفسه تحضه على تذكر فوزية، والضابط الكبير، والأخرس، و.. و...
كانت أصوات الباعة والمتسوقين أكثر ضجيجا؛ تطغى على كل ذاكرة، وظل المشهد الأخير في رأسه.
من ذاك المكتب القابع في الطابق الخامس، في مصلحة البلدية، في مدينة إربد، في الساعة الثامنة صباحا- هشمت اللوحات الفنية التي كان يعلقها على الجدار ، وحطم الإناء الزجاجي ، وكانت بقايا الزهرة يابسة بعيدة عن الإناء في زاوية الحجرة .. - شاهد مدينة من حجارة ممتدة بلون رمادي، لا يستطيع تبين معالمها. قال يخاطب نفسه:
- عودي إلي... ولم أع ساعتئذ هل أنا أخاطب المدينة أم أخاطب
نفسي؟ وأسمع هاجسا من داخلي ضيعت الاثنتين.
ونثر نظره في كل أطراف المدينة يخاطبها، لم يستطع أن يعيدها إليه. انكمش في ذاك المكتب، أنا مثل جندي مجرد من كل أسلحته.
عبثا حاولت لملمة التهشيم والتحطيم.. من هناك شاهدت المدينة، صفحة رمادية، مدينة مسروقة من لحظات الألفة المتعانقة مع المكان، المكان المؤنس مسروق من شوارعها، وشوارعها خاوية من هسهسات الأرواح، وأبوابها مؤصدة.. والشمس تبدو مضحكة بأشعتها المسفوحة إلى حد الجنون، لم تستطع إيقاظ المدينة من صمتها.. وبدت صورة ضبابية، لا يستطيع تبين ملامحها التي قبعت في صدره ، بدت مثل دائرة طباشيرية يدور فيها وحده.
هرول بين جهات المكتب الزجاجي، لا أعرف كيف رددت بصوت ملحن في تلك اللحظة أغنية الطفولة، س ب ع دورات س ب ع دورات.
***



منصور عمايرة
روائي أردني
buqasem_21@yahoo.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث