الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
نجم والي: عماريا ... لا اعرف ماذا اكتب
حوار: حسين رشيد
نجم والي: عماريا ... لا اعرف ماذا اكتب
نجم والي مع يوهان باموق في فرانكفورت في 16 اكتوبر 2008


نجم والي صاحب روايات «الحرب في حي الطرب» و«تل اللحم» و«ملائكة الجنوب»، القابع أبدًا في سِجْنـَي الحرية والخلق، يعود إلينا واحدًا من صنـّاع الطرْق المتواصل على أبواب السلطة البهيمية؛ التي تقع خلفنا، وتلك الجديدة التي تقع، الآن، أمامنا، وفي أيّ لبوس أيديولوجي.
نجم والي الذي رفض أنْ يخضع لظاهرة النفاق الكونية؛ اللغة، التي كانت تـعدم الإنسان لمجرد أن تلفظ كلامًا، أو علـّم، بجسده، مكانـًا. هو بيننا الآن يصرخ: لا لأيّ استبداد جديد، بأيّ مسمّى، كما صرخ من قبل: لا لرجز المعركة! حق نجم والي في أن يرفع صوته دائمًا، هو كونه مشغولا بأبديّة حياته؛ الإبداع والحرية. وما أحرانا، اليوم، أن نرفع أصواتنا بعراق مبدع، حرّ، قبل أن نصل إلى حدود انطفاء الحلم.



* اخذت الراوية العالمية تنتهج وتصنع اساليب حديثة ومتنوعة بالكتابة، ومختلفة ايضا من مكان الى اخرى، انت كروائي عراقي وعربي مميز هل صنعت او تحاول ان تصنع اسلوبا او نهجا خاص بك.
* منذ أن شرعت بكتابة روايتي الأولى "الحرب في حي الطرب" دار في ذهني السؤال هذا: ماذا يعني أن أكتب رواية؟ هناك عشرات الروائيين في العالم، فماذا يمكنني أن أضيف؟ كأنني عرفت حجم المسؤولية التي سآخذها على عاتقي، فلكي تكتب رواية وهذا ما عرفته لاحقاً بحكم الخبرة لا تحتاج إلى أكثر من موضوع جيد ورغبة في القص، لكن المعضلة تبدأ عندما تجلس إلى طاولة الكتابة وتأخذ ورقة وقلم، أو كما يقول أحد أوسطوات الرواية في العالم غابرييل غارسيا ماركيز، "وظيفة الكاتب ربما هي الوظيفة الوحيدة التي تبدأ صعوبتها عند ممارستها"، كنت أشتري رزمة من ورق الفولسكاب وأضعها على الطاولة، وأظل أتطلع بها أياماً وأيام، وأقول لنفسي، أعرف أن عليك أن تملأ كل الصفحات البيضاء هذه، لكن كيف ستقنع من يقرؤك أن يواصل معك حتى نهاية الشوط؟ أن ينتظر منك عملاً جديداً ليقرأه، أن يتساءل ـــ كما سألتني سيدة عراقية ذات يوم في مكتبة الساقي في لندن ــ "وما هو جديد نجم والي؟"، ولكي يصل الكاتب إلى المرحلة هذه لابد أن يكتب أو يروي بشكل مميز، مئات الروايات كُتبت وعشرات أخرى في الإنتاج، طبعاً لو نظرت لها بالتأكيد ستجد تشابه في موضوعها لكن تفاصيلها وطريقة رويّها هي ما يميزها عن بعضها، مواضيع الحب واليأس، الحرب والسلام، الحياة والموت، وغيرها من المواضيع الوجودية شغلت الرواية دائماً، لكن تظل زاوية النظر إليها وتناولها هي ما يمز الكاتب هذا عن ذلك، حسب ستانسلافيسكي هناك نوعان من القطع المسرحية، الأولى هي عندما يخرج المرء من مشاهدتها يقول :"يا إلهي، لم أفكر بذلك أبداً، الآن أفهم الأمور، أخيراً! أي عمل رائع!" ثم ليلتفت لشريكه ويقول،"لنذهب ونشرب فنجان قهوة"، وما أن يصبح المرء في البيت حتى لا يعد يتذكر عنوان القطعة ولا يعرف عن أي شيء دارت. وهناك قطع – وكتب وأغاني وقصائد ورقصات وأفلام..ألخ- التي ربما تجعلنا نضطرب قليلاً، بعد مغادرتنا الصالة، لأنها غير مألوفة، لأنها تركت عندنا شعوراً غير مريح، لكنها للغرابة تشدنا إليها، وهذا ما يجعلنا نصمت، نحار بالتعليق عليها، لأننا نفكر بها، ربما حتى يوم الغد، أو الأسبوع القادم، وربما حتى بقية الحياة، لماذا؟ لأنها لم تكن نظيفة بما يتنطلبه الذوق العام، لم تكن سهلة، لكن رغم ذلك هناك شيئاً في داخلها، يأتي من القلب ولذلك يدخل إلى قلبنا، على عكس القطع الأولى التي تخاطب العقل. الكتابة هذه هي التي تهمني، يهمني كتابة روايات تخرج من القلب للقلب، من غير المهم ما تحويه من تعقيد وتعدد في الأصوات، لأنها بالذات لهذا السبب تشد القاريء، وهو تنوعها الغني الذي يجعله ما أن ينتهي من قراءتها حتى يبدأ بنسج قصته الخاصة به، بإثارة الأسئلة غير المريحة على نفسه وعلى محيطه، لم يهمني يوماً كتابة روايات أفكار، لأن كل ما يأتي من الرأس يحمل الكثير من التضليل، والقاريء ليس غبياً، فهو وبحكم الخبرة يعرف كل طرق التزوير التي تمارس ضده يومياً، من الممكن أن ينهزم للحظات أمام العمل المفتعل غير الأصيل، العمل المليء بالإنشاء القوي، لأنه يشعر بالراحة لحظة بأنه ها هو يجلس إلى جانب الأقوياء، لكنه في داخله، يعرف بأنه ضُلل، بأنه خُدع، وعليه أن يقوم بشيء ما ضد ذلك. نحن في النهاية لا نحب الأعمال اتي تريد خداعنا، نحن نحب الأعمال "التراجيدية"، لأنها لا تحتفي بإنتصارنا، بالبطولة، بل بالحقيقة، أنها لا تعرض الإنتصار، إنما التنازل. وأنا منذ البداية لو تابعت رواياتي الخمس ومجموعتي القصصتين ترى أن ما يجمعها جميعاً أنها ليست روايات أفكار، إنما روايات حيوات، مصائر وشخصيات، روايات ليس فيها أبطال، شخصياتها تصبح أبطالاً بالصدفة دون سعي منها، أنها روايات تُروى من القلب وتغازل قلوب من يقرأها، هذا ما يجعلها مختلفة عن بعضها أيضاً، نعم يجمعها خيط واحد، لكنها تختلف بطريقة رويّها وبشخصياتها.
* في اغلب اعمالك الروائية هناك شخصية محورية ظاهرة واخرى خفية لكنها مؤثرة اكثر؟
* هذا يرجعنا إلى السؤال السابق وحديثنا عن الأسلوب. نعم هناك هذه الشخصية التي نمت مع تطور الكتابة الروائية عندي، يمكن النظر لها بصفتها الوجه الآخر لي، مثلما يمكن النظر لها بأنها صوت القاريء الذي آخذه معي في الرحلة، أدخله في مجرى القصة، في "الحرب في حي الطرب" وفي "مكان اسمه كُميت" كانت هذه الشخصية ما تزال في بداية تشكلها، وحتى في المجموعتين القصصيتين "ليلة ماري الأخيرة" و"فالس مع ماتيلدا"، غير أنها في رواية "تل اللحم" تلبست إسمي الأول مرتين، في المتن أخذت اسمي المذكر نجم، وفي الهامش الجانب المؤنث من الإسم، نجمة، قبل أن تستقر في الروايتين الأخيرتين "صورة يوسف" و"ملائكة الجنوب" تحت إسم الراوي هارون والي. ولا حاجة لي أن أشرح لماذا هارون، فأنا مولع بالسرديات القديمة. هارون في العهد القديم هو الراوي بإمتياز، الكلمة بمواجهة الصورة، هارون بمواجهة موسى.

* هناك ادانة سياسية واضحة في اغلب اعمالك وخاصة للنظام السابق وازلامه، اذ يتصور البعض ان هناك ثار بينكم؟
* ليس لي ثأر شخصي مع أحد، لكن ميلي لكتابة الكوميديا السوداء والسخرية اللاذعة، أو ما يُطلق عليه في المسرح والفنون البورليسك، جعلني أقبل بأن تحضر بعض شخصيات النظام السابق على خشبة الحياة في رواياتي. لم أفكر يوماً مقدماً بأنني سأنتقم من هذا أو ذاك في هذه الرواية أو تلك وأصوره بهذا الشكل الساخر، فمن كان بواقاً للنظام انتقم هو من نفسه. كلا، لم يخطر على بالي أي واحد من هؤلاء الممثلين الأقوياء للجريمة والخديعة والجبن، كان الأمر ببساطة، أنهم هم الذين حضروا بغتة وبقوة عليّ، وهو ميلي للعب جعلني أقول لنفسي، لماذا لا؟ فعندما أتحدث عن ظاهرة كتابة القصائد والأعمدة الصحفية والإستعراضات المسرحية للمعركة التي شاعت في الثمانينات زارتني أسماء هؤلاء قسراً، سواء أولئك الذين كتبوا بحماس "رجز المعركة" أو أعمدة بالصحافة تدعو "السياب أن يلتفت للمجوس" (وهو في تمثاله)، أو أولئك الذين كتبوا في الجمهورية والثورة عن "مجوسية" أبي نؤاس في شعره، أو قدموا أوبريتات القادسية وزبيبة والملك وغيرها..وهو ميلي للعب أيضاً الذي جعلني أحوّر بالأسماء قليلاً، فمن كتب رجز المعركة أصبح اسمه عبدالرزاق عبدالحادي، لمجرد ذكر مثال واحد.

* هاجمكم البعض من الكتب والنقاد على ذلك، واثنى عليك اخرون، وتفرج طرفا ثالث لكن كيف تلمست ذلك عند القراء وخاصة في زيارتك الاخيرة لبغداد؟
* لكن ذلك طبيعي. ليس هناك كتابة ترضي الجميع، خاصة في بلاد مثل العراق. ولو شعرت يوماً بالإجماع على كتاباتي أو مديحاً لها في جريدة حكومية لراجعت نفسي آلاف المرات، ماالذي فعلته خطأً، ففي النهاية لست أنا من يكتب "رواية لكاتبها"، لكي يمدحني الجميع، أنا خرجت من العراق وفي ذهني مشروع أن اصبح كاتباً روائياً، كنت حتى قبل خروجي مقلاً في النشر في العراق، ثلاث أو أربع قصص كانت كل حصيلتي من النشر، قصة في طريق الشعب لم تُنشر لو لم يصر على نشرها سعدي يوسف، قصة في الطليعة الأدبية، وأخرى في ألف باء وآخر قصة نشرتها في مارس 1978 في مجلة الأديب المعاصر والتي كانت للصدفة آخر عدد يصدر في حينه عن إتحاد الأدباء، قبل إنتهاء شهر عسل الجبهة الوطنية أتذكر أن القصة "طقوس مسائية...الحاجة للنوم"، هذه بالذات رفضها كل أعضاء هيئة تحرير الأديب المعاصر في حينه (من شيوعييون وبعثييين) وأنا ممتن لروائينا الجنتلمان المرحوم فؤاد التكرلي الذي اصر على نشر القصة. وحتى خروجي لم أسع للعمل في مؤسسة إعلامية أو ثقافية حكومية. الكثير من الأصدقاء يعرفون أنني عملت حارساً لمدرسة في حي القشل في الشورجة، جعلتها مأوى للمطاردين من السلطة، وبعضهم كان محكوماً بالإعدام. ستة شهور من العمل في القسم الثقافي في إذاعة بغداد ومجلة فنون وحتى طردي من هناك كانت كافية لكي أعرف ضررورة إستقلال الكاتب عن السلطة في العراق، والأكثر من ذلك علمتني المبدأ البسيط: أن من يريد أن يصبح كاتباً روائياً يسير على خطى الروائيين العالميين، عليه ألا يخضع لسلطة دولة أو حزب، عليه أن يكتب من القلب، على هواه، كان من المستحيل تحقيق ذلك في العراق. السلطة أحكمت قبضتها على كل شيء، المشكلة ما زلنا نعاني منها حتى اليوم، النقد والادب عندنا وبإستثناءات قليلة، ما يزال يملك أرث الماضي، يخضع للتصنيفات الأيديولوجية، وهو نوع من الصعود الوظيفي خاصة في الصحافة الحكومية. أغلب الذين كتبوا ضدي هم بعثيون سابقون نشروا مقالاتهم في الصحافة الحكومية، فلماذا أنزعج، على العكس، أشعر بالسعادة. الأيديولوجية البعثية سرطان ما زالت أورامه متوزعة في العراق في أغلب مجالات الحياة. العنف والقتل والعنصرية، الكذب والجهل والغنيمة..والتهميش هي سلوكات ما تزال تعصف بالحياة العامة في العراق وهي خلاصة 35 عاماً من حكم الأيديولوجية هذه وإن تلبست في المرة هذه لبوس الدين.

أما فيما يخص القراء فهو أمر آخر، ما حدث كان غير قابل للتصديق، كان هناك إحتفاء لا يُصدق، تلفوني النقال لم يتوقف عن الرنين، وكان عليّ شحن بطاريته يومياً، بعضهم لم يصدق أنني في بغداد، الصديق شاكر الأنباري أخبرني بأن خبر وصولي وصل حتى مؤتمر قصيدة النثر في البصرة. أما ما حدث في شارع المتنبي فهو ما يشبه العرس، أوقفني العديدون في الشارع، صافحوني عانقوني وسلموا عليّ بحرارة، الصديق الرائع والباحث مازن لطيف حدثني بإسهاب كيف أن كتبي كانت تُستنسخ وتُباع في الشارع، كريم حنتوش لم يصدق رؤيتي أدخل مكتبته، حدثني عن تحايله ببيع رواياتي في أيام صدام، خاصة رواية تل اللحم، حدثني عن إعتقاله أيضاً بسبب بيعه الكتب الممنوعة. نفس الإحتفاء حدث لي في العمارة وفي أربيل. أحدنا يجلس في غرفته وحيداً، يكتب ويكتب ولا يعرف إذا كان سيصل كتابه أم لا. في زيارتي الأخيرة وفي كل جولاتي عبر البلاد، في العمارة وبغداد وأربيل والحلة وفي كل مكان شعرت بأن لي أصدقاء سريون يشاركونني الرحلة ذاتها، يطوفون معي في كل قصة أكتبها، يتقاسمون معي الوحدة ويشاركونني الأفراح، اصدقاء يمكنني الإعتماد عليهم منذ الآن. كم هو جميل أن يشعر المرء بأنه ليس وحيداً.
* في رواية ملائكة الجنوب، والتي لخصت من خلالها لحقبة تاريخية سياسية واجتماعية وثقافية لمدينة هامة في العراق وهي العمارة او كما اسمتها عماريا، تحكمت بشكل او باخر بشخوص الراوية بستثناء ملائكة حيث تركت حرة او ربما متحكمة بحركة الشخوص الاخرين؟
* كان ذلك أمراً طبيعياً، لأن ملائكة هي المحور الذي يدور عليه كل شيء، ليس الشخصيات التي كانت حولها وحسب، بل الأمكنة والأحداث. الآن وأنت تسألني، أتذكر كم عانيت وأنا أكتب عنها، أروي كل ما جرى لها، صحيح أنها شخصية مخترعة، نمت معي خلال 29 شهراً الوقت الذي استغرقته كتابة الرواية مني، لكنها بالمحصلة هي ايضاً خليط من شخصيات نسائية عديدة عرفتها في حياتي، ربما جاءت حريتها من هذا الجانب، أنها لم تنتم إلى أي إمرأة من تلك النساء، بل أنها تنتمي لنفسها وحسب، وهي في كل ما فعلته كانت مخلصة لنفسها، لحواسها، لقلبها، ولم يكن هدفها الإنتصار، بقدر ما كان هدفها العيش مع الحقيقة بسلام، أن ينظر لها الآخرون بصفتها ملائكة وحسب، الأديان حاولت سحبها إلى صفها، لكنها في كل ما فعلته ظلت فوق الأديان، أنها هي التي سحبت الأديان إلى صفها، أبوها يهودي، أمها مسيحية، صديقاها أحدهم مسلم والآخر صابئي، فمن تكون هي، إذا لا تكون ملائكة وحسب؟ تلك هي قوتها، أنها لم تعرف لا الخيانة ولا الإستسلام، عرفت ماذا تريد، مثلها مثل كل النساء العظيمات اللواتي دخلن التاريخ.

* قلت في مناسبة سابقة ان زيارتك لاسرائيل من اجل عمل روائي وهو ملائكة الجنوب، وليس لشأن سياسي، كيف استقبلت الهجوم الذي شن حينها وباعتقادك ما هي دوافعه؟
* السياسيون يذهبون إلى إسرائيل أو يجتمعون في الخارج مع مسؤولين إسرائيليين ويوقعون معهم معاهدات أغلب بنودها سرية، وثائق بيكليكس التي كشفتها قناة الجزيرة خير دليل، المفاوض الفلسطيني كان مستعداً لمنح مدينة القدس كاملة عاصمة لإسرائيل مقابل إعطائهم دولة صغيرة في الضفة حتى بدون غزة، أما الدول التي تدعي محاربة الإمبريالية والصهيونية، سوريا مثلاً فهي تستجدي المفاوضات المباشرة مع إسرائيل إن ليس عن طريق تركيا، أما دول الخليج والمغرب العربي فعلاقاتها مع إسرائيل واضحة جداً. والآن يذهب روائي مثل نجم والي إلى إسرائيل ويبدأ مثقفو الأمة العربية "الأشاوس" بالهجوم عليه. الطريف أن أغلب هؤلاء المتثاقفين يتبوأون مناصب ثقافية كبيرة في مؤسسات حكومات تُسبح ليل نهار بحمد إسرائيل. لا أحد منهم شتم حكومته مثلما شتمني، الحملة بدأها ضدي أحد "حراس البوابة الشرجية" جمال الغيطاني لغاية في نفس يعقوب، يعرف موقفي منه ومن نظام صدام حسين الذي عمل له وأجزى عليه العطايا بسخاء، الغيطاني الذي هو روائي من الدرجة العاشرة، أراد الإنتقام من نجم والي على طريقته وقولني كلاماً لم ينطق لساني به يوماً، لكنني أعرف جبن كل هؤلاء الذين على شاكلته، هل سمعت بالغيطاني ينقد النظام المصري في يوم ما؟ هل سمعت بمثقف في سوريا أدان مفاوضات حكومة الأسد المباشرة مع إسرائيل؟ أو سمعت بمثقف فلسطيني أو أردني أدان توقيع الملك حسين مع رئيس الحكومة الإسرائيلي الراحل اسحق رابين على معاهدة للسلام، وأين على ضفاف بحيرة طبرية؟ هل سمعت بـ..بـ عشرات الأسماء التي وجدت في زيارة زميل لهم لقمة سائغة وراحوت يزاودون عليه. لكن لا يهم، كل هؤلاء منافقين. أنا ومنذ أن بدأت الكتابة أختطيت لنفسي طريقي الخاص بي، مشروعي الكتابي مستقل، وليس هناك أحداً يقول لي أين عليّ أن أذهب وأين لا، إنتهى الزمن الذي كان يُدمغ فيه على جوازتنا في العراق، "مسموح السفر لكل البلدان عدا إسرائيل"، الدعوة التي جاءتني لزيارة معرض الكتاب في القدس أولاً كانت أجمل هدية في حينه قُدمت لي في عيد ميلادي الخمسين. كنت أكتب "ملائكة الجنوب" وكان نعيم عباس أحد شخصيات روايتي ذهب في زمن هجرة أو طرد اليهود من العراق إلى إسرائيل عن طريق الخطأ، كان يجب أن يكتب رسالة من حيفا إلى صديقه نور في عماريا، قرابة اسبوع وأنا أجلس يومياً لطاولة الكتابة، أحاول كتابة الرسالة تلك، أكتب جملة وأغيرها أو أسمحها، لا أعرف ماذا أكتب، ثم افتح إيميلاتي ذات صباح، أنا الذي يتشاءم من معاينة الإيميل في الصباح، لأجد إيميل الدعوة، فكيف لا أذهب؟ هناك التقيت باليهود العراقيين، شيوخ رائعين، يتحدثون عن العراق بنوستالجيا وفخر، مازالوا محافظين على لهجاتهم العراقية المتنوعة، على الأغاني العراقية والأكلات، أنهم متحف العراق المتنقل، المتحف الذي غادر إلى منفاه. يكفي الجلوس مع الشيخ الحكيم ساسون سوميخ وروائينا الكبير سامي ميخائيل لكي تشعر بكل الراق يحط على يديك. بدون زيارتي تلك ما كانت روايتي الأخيرة "ملائكة الجنوب" جاءت بهذا الصدق. بيرغاس يوسا، أوسطة رواية آخر، ذهب إلى جزر هايتي من أجل كتابة روايته "الإبنة الشريرة" بعدها ذهب إلى الكونغو لكتابة روايته الأخيرة "حلم السلتي"، نجم والي سيذهب طلباً للعلم حتى إلى الصين.

*طيب هل كانت الرواية العراقية بمستوى الحدث السياسي في التاسع من نيسان؟
* في كل تاريخ الأدب الإنساني ليست هناك رواية أو عمل أدبي بمستوى الحدث، طالما أن الذين عاشوا الحدث مازالوا على قيد الحياة. الشهادات التي رويت عما جرى من مجازر في الحرب العالمية الأولى لم تستطع رواية عظيمة مثل "كل شيء هاديء في الميدان الغربي" مقارنة نفسها بها، الشيء ذاته يمكن أن يُقال عن فظائع الحرب العالمية الثانية وحروب العراق التي لا تقل مجازرها عالمية. مَنْ عاش حدثاً مروعاً لا تستطيع رواية ما منحه العزاء أو تخفيف المصاب الذي جرى له، ليست هناك رواية تستطيع وضع نفسها في مصاف المصيبة أو الكارثة المعاشة. لقد خبرت ذلك بنفسي، فأنا مهما كتبت عن السجن والتعذيب، عن الرعب والخوف من الموت، كلما شعرت بعجزي من وصف اللحظات التي عُصبت بها عيناني وأُلقى بي في سجن الإستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع في بغداد، ما عشته طوال أيام إعتقالي في شباط 1980 بقيت عاجزاً عن وصفه سنوات طويلة حتى بالكلمات. تخيل حتى ذلك اليوم كنت أمر بالمكان قادماً من كلية الآداب من باب المعظم بإتجاه مقهى البرلمان في شارع الرشيد، ويومياً كنت أرى الجامع الصغير يتقدم البناية، لم أعرف أنني سأُسجن ذات يوم عندما سأصبح جندياً هناك، في بناية ملحقة بالجامع وبقاعة الشعب؟ من أمكنه تخيل ذلك؟ مرات عديدة كلما حاولت الكتابة عن ذلك، كلما شعرت بأن ما عشته يفوق ما اصفه بالكلمات. ولكن هل هي مهمة الأدب أن يكون بمستوى الحدث؟ ثم ماذا يعني ذلك؟ أنها مسألة نسبية وفي حالة العراق يمكن أن يبتزك بها كل من هب ودب تارة بإسم النقد وتارة أخرى بإسم سوء النيات لأنه يريد أن يرفع العمل هذا ويُسقط ذاك. شخصياً لا أشغل نفسي كروائي بهذا السؤال، بقدر ما يهمني الطريقة التي عاش فيها الناس بمواجهة الحدث ذلك. أعطيك مثل بسيط، رواية "للحب وقت..للموت وقت" للألماني أريش ريمارك، التي تدور أحداثها في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الثانية قبل سقوط برلين بأيام. كانت الناس مشغولة بقصف الروس لبرلين والإذاعة الألمانية تبثّ المارشات وهتلر يرسل فتيانه للقتال، وحده الجندي بطل الرواية القادم من الجبهة بإجازة مشغول بأمر واحد: قضية زواجه من حبيبته، لم يهمه لا سقوط برلين ولا هزمية ألمانيا، كان يهمه أمر واحد: الزواج من حبيبته والإحتفال بتلك الليلة حتى إذا تهدم البيت. فهل هناك قضية أكبر من قضية القلب وشؤونه؟ وهل يمكننا أن نقول أن الرواية هذه لم تكن بمستوى حدث مثل هزيمة ألمانيا وسقوط برلين؟ لا أظن. ملايين المقالات وآلاف الكتب كُتبت عن تحرير ألمانيا من القبضة النازية، من يتذكرها؟ لكن هل هناك أحداً قرأ تلك الرواية ونسي بطل ريمارك؟ أو هل هناك أحداً لا يتذكره إلا وشعر بقوة الحياة؟ أعتقد لهذا السبب عرف النازيون مبكراً قوة روايات أريش ريمارك. أول رواية حرقها النازيون في جريمة حرقهم للكتب في 10 مايس 1933 كانت الرواية الأولى له "كل شيء هاديء في الميدان الغربي"، رواية مضادة للحرب. على فكرة، أيريش ريمارك كان أول كاتب ألماني غادر ألمانيا إلى المنفى، مباشرة بعد تسلم هتلر للسلطة عام 1933.
* هناك من يقول ان الرواية العراقية في المنفى اكثر نضوجا، الى ماذا تعزي ذلك؟
* ربما يُعزى ذلك إلى مجال الحرية الذي تمتعت به كتابة الرواية في المنفى، إلى المسافة التي يملكها الكاتب لكي ينظر إلى البلاد التي تركها وراءه، ولا أقصد هنا الحرية السياسية والإنعتاق من قيود السلطة، بقدر ما أقصد الحرية من وطأة الأوطان والمجتمعات علينا، من الرقابة الداخلية أيضاً، يمكن ملاحظة ذلك بشكل جيد في كتابات روائياتنا اللواتي خرجن من العراق بعد 2003، أنظر كيف أن كتابتاهن بدأت تتنوع وتشمل مواضيع ما كنّ فكرن بها لو بقين هناك، حتى أعمدتهن اختلفت، لغتها بدأت تتنفس هواء نقياً، بل هناك ميل للكوميديا السوداء..كم أشعر بالمتعة عندما أقرأ عموداً للروائية ميسلون هادي أو الروائية لطفية الدليمي. لا تنسى أيضاً كيف أن المنفى منح للبعض فرصة تعلم لغة أو لغات عديدة سهلت للكاتب الإطلاع على الآداب الأجنبية، الإستفادة من تطور الرواية في العالم. يومياً تنزل عشرات الروايات للسوق، ولا تستطيع الترجمات المحلية اللحاق بها. قبل أن أزور بغداد بأيام كنت في زيارة لمدريد. غنيمتي كانت روايات عديدة صدرت للتو بلغتها الأصلية: "حلم السلتي" لصاحب النوبل بيرغاس يوسا أو "ملكة القطط" للأسباني أدوارد ميندوزا، أو "2666" للتشيلي روبيرتو بولانيو..أما في ألمانيا فقبل أيام وصلتني بالبريد من صاحب النوبل غونتر غراس روايته الجديدة "كلمات غريم"، وشكراً لمعرفتي اللغتين الألمانية والأسبانية التي تمنحني متعة أن أقرأ الروايات هذه بلغاتها الأصلية مباشرة بعد صدورها، أنني مثل يأكل خبزاً حاراً خرج من التنور للتو. أية متعة!

* نجم والي اول مكان زرته في زيارتك الاخيرة واخر مكان ستزوره؟ وماذا؟
* في بغداد كان أول مكان زرته هو كنيسة النجاة، وآخر مكان سأزوره هو الإمام الكاظم ثم محلة قنبر علي وسوق حنون. وفي العمارة كان أول مكان زرته هو المقبرة الإنكليزية والمندى الصابئي لأنهما بجانب بعض، وآخر مكان كان حي التوراة وكنيسة أم الأحزان.الآن وأنا أتحدث لك أنتبه أنني زرت أربعة أماكن رمز، للمسيحيين وللمسلمين وللصابئة ولليهود، لقد فعلت ذلك بدون تخطيط، كأنني مثل ملائكة لا أقوم بشيء غير تلبية نداء الحواس.

* هل انت مثير للجدل والاشكال ولماذا؟
* الحكم أتركه لك وللقراء. أما جوابي على سؤالك لماذا؟ أعتقد، لأنني لم أعرف أن أقول لسلطة ما نعم، لأنني لا أسكت على ظلم أو حيف. بكلمة واحدة: لأني ألبي نداء القلب لا غير.


حسين رشيد
كاتب من العراق
hasan_rr2002@yahoo.com
تعليقاتكم
1. تناقض غريب
ايناس عبدالله | 10/3/2011 الساعة 10:29
غريب امر هذا الرجل يقول مبررا زيارته لاسرائيل بأن المثقفين العرب لا ينتقدون موقف حكوماتهم من اسرائيل سواء اكان موقفا تفاوضيا ام تطبيعيا، طيب وهل برر لك المثقفون الاسرائيليون وقوفهم الكامل وراء جرائم حكومتهم النازية العنصرية بحق الشعب الفلسطيني،لم لم يعترضوا امامك على قصف عائلات باكملها في غزة وعلى تكسير عظام الشبان الصغار في الضفة!وعلى المنتجعات التي يلمكونها على الاراضي المصادرة من اصحابها الاصليين لا اظن انكم خضتم في مواضيع غير مهمة كهذه اليس كذلك؟ الروائي الحقيقي لا يمكن ان يملك كل هذا التناقض الغريب في الضمير الفردي والجمعي على حد سواء
2. تحية لمن لم يقل نعم لأي سلطة
ناهدة | 14/4/2011 الساعة 13:37
أجمل مافي الأنسان وخصوصا الفنان هو ان ينصت لقلبه ويعلن بمايشعر به للملا سواء بكلمات كما سطرها الروائي المبدع نجم او بفرشاة ترسم عذابات الروح التي احيانا لايمكن ان تخط بحروف....كل شئ مباح في الفن مادام يفوح برائحة العطاء والكشف
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث