الثلاثاء, 22 آب 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
مكاوي سعيد في”مقتنيات وسط البلد“/هندسة سردية مختلفة
د. مزوار الإدريسي
مكاوي سعيد في”مقتنيات وسط البلد“/هندسة سردية مختلفة
غلاف الرواية




في طبعة أنيقة جدا، صدر عن دار الشروق بمصر، في أبريل 2010 كتاب سردي جديد للروائي مكاوي سعيد موسوم بـ ”مقتنيات وسط البلد: وجوه وحكايات من وسط القاهرة“، وكان الكاتب نفسه قد أصدر قبله المجموعات القصصية الآتية: الركض وراء الضوء، حالة رومانسية، راكبة المقعد الخلفي، وسري الصغير. بالإضافة إلى روايتيْن هما: فئران السفينة، وتغريدة البجعة.
وتستوقفُ قارئَ هذا الكتابِ الجديد المُرفق برسوم أنيقة للفنان عمرو الكفراوي، صُوى عديدة يمكن اتخاذُها مداخل إلى مقاربة العمل، لعلَّ أهمها البورتريه الأدبي أو ما يُعرف بالرسم بالكلمات لملامح شخصيات معيَّنة، والتواشج بين الجغرافي والأدبي، والتضافر بين التذكر والتخييل، والاحتفاء بالهامشي والمهمَّش.
يوهم الكتاب بأنه يقتصر على رسم بورتريهات لشخصيات حقيقية، ارتادت أمكنة قاهرية حقيقية، في زمان حقيقي من معيش الكاتب/السارد الذي يمتد بين السبعينيات والثمانينيات، شخصيات حرّكتها طموحات فنية وأدبية كبيرة في الغالب، لكنَّ نهايتَها كانت فاجعة أو غريبة أو منسحبة من الحياة. لذلك لن نستغرب وجودَ مقاربات متسرعة للكتاب، تصنِّفه لا محالة ضمن أدب البورتريهات، خصوصا وأن الكاتب قد نشر بعضا من نصوصه تحت عنوان «بورتريهات وسط البلد» في جريدة البديل. وسيكون الحق كل الحق مع أصحابها، ففي المتن من المؤشِّرات ما يوجِّه متلقّيه هذه الوجهة، بل لا شيء يمنع من النظر إلى نصوصه باعتبارها قصصا قصيرة، لأن كل مواصفات هذا النوع الأدبي متوافرة في ”مقتنيات وسط البلد: وجوه وحكايات من وسط القاهرة“؛ ذلك أن الأسماء منتقاة ومرسومة سرديا بعناية ودقة فائقتيْن، ليتِمَّ تمثُّلُها جماليا وإنسانيا، فطبيبُ الأسنان جلال:”تحس أن وجهه وجسده من منحوتات المثال العظيم "هنري مور".. بلون وجهه البرونزي الكالح إلا من بعض البقع التي تقترب من السواد أسفل عينيه وعند حدود ذقنه.. وسكوته الدائم مع ثبات بؤبؤ العينين بقربه أكثر إلى حالة الجماد“ (ص 71) مثلا، توصَف ملامحُه وهيأته استهلالا لسرد بعض مواقفه وتجاربه، التي على أساسها ترتسم في ذهن المتلقي صورةٌ كليَّة عنه تجمع بين النفسي والسلوكي، وما آلتْ إليها حالُه، في بعض الأحيان. ويبدو أن التقليد في التلقي النقدي للكتابة الإبداعية قد كرَّس هذا النوع من المقاربة على اعتبار أن الأهمية في السرد تستأثر بها الشخصيات.
لكنَّ الشيء الأكيد، الذي يصعب التغاضي عنه، حين قراءة ”مقتنيات وسط البلد“ هو الحضور المهيمن للفضاء القاهري، باعتباره قيمة جمالية؛ لا يحصر ذاته في تأثيث المكان، بل يسعى إلى لفت الانتباه إليه وإلى الشخصيات والأحداث والحياة والأشياء التي يحتويها بقوة، على أساس أنها شغلتْ وتشغل حيزا أساسيا ضمن هذا المتن الحكائي، ويتيح لنا فرصة الدُّنو منها.
يتنوع الفضاء في ”مقتنيات وسط البلد“ ويتوزع على صفحات الكتاب، ويأخذ تجليات فاعلةً يفصح بها عن ذاته، حتى إنه يغدو مكوِّنا بطلا، لا يقل شأنا عن بطولة الشخصيات نفسها، التي قد يوحي الشِّق الأول من الكتاب ”كتاب البشر“ بأنه مُفْرد لها وحدها، خصوصا وأن عصب الحكايات أو البورتريهات مخصَّص لشخصية بعينها. ومع ذلك، فإن عنوان الكتاب بمحموله الفضائي ”وسط البلد“ يؤيِّد ذاك الزعم، بما يستند إليه في انبنائه من أفضية تنتمي إلى وسط القاهرة بالأساس، أي إلى جغرافية محلية واقعية، أفضيةٍ غابت عنها شخصياتها وظلَّتْ هي حاضرة ولوْ أن بعضها تحوَّلت معالمها، لأن الأصل في الفضاء ألا يختفي، وإنما أن تطرأ عليه تغييرات طالما أنه مادة.
لا يتردد المؤلف في نزع اللمحة الواقعية عن فضاءات ”مقتنيات وسط البلد“، بالميل الفني الصريح إلى أسطرتها، خالقا منها فضاءات جديدة، إذ الكتابة في الأصل خلق لفضاء ليس هو بالضرورة الفضاء الحقيقي، وهكذا تتخلى تلك الأفضية عن كونها مجرَّد أمكنة ذات وجود زماني معيَّن، تؤطِّر الأحداث وتحتضن الوقائع، لتصير عنصرا فاعلا في صياغتها، وإنْ كان يوهم في فصل ”كتاب المكان“عبر التوثيق لها بأنها أفضية حقيقية، عِلْما بأنها هي الأخرى ليست المكوِّن الوحيد الذي يُكسب النص جمالياته.
لقد توسّل الكاتب بأسلوب ساحر مطبوع بالتلوين الإيقاعي، وبإحكام صنعة السرد، إلى المؤالفة بين الأفضية والأزمنة ضمن ما يُصطلح عليه بالكرونوتوب، حيث تحوَّلت الأفضية في تداخلها مع الأزمنة إلى عوالم خارقة. إنها مسارح لأحداث طريفة تسترعي الانتباه، فقد احتوتْ وقائع عادية وارتقت بها إلى مستوى أدبي رفيع، بأنْ شدَّتْ إليها شخوصا غدتْ شخصيات سردية بامتياز.
ويكفي أن نشير إلى نص ”سيدة الممر“ مثلا، كي ندرك أهمِّية العين الساردة؛ فهي تجوب الأفضية، وتعيد تشكيلها مكسِبَة إيَّاها امتدادا عجائبيا، فـ”ذلك الممر العبقري الذي سمَّاه أمل دنقل "العمق الاستراتيجي لمقهى ريش"، والذي كان يجلس فيه نجيب سرور ومحمد مستجاب ويحيى الطاهر عبد الله، وكوكبة من مثقفيناالكبار... وأثراه الشباب بغنائهم، وألحانهم، ومناقشاتهم، وصخبهم وبوستراتهم التي تملأ كل الجدران..“(ص274) كان مَمرًّا فريدا، يحتضن حالات بشرية تُنوِّع مظهره، فالبرغم من هيمنة السيدة الإيطالية العجوز على بعض جوانب الحياة فيه؛ عبر الاحترام الذي كانت تفرضه على بعض رواده، أو الدعابة التي تتلقاها من صبيان المقهى، أو امتعاضها من بعض تصرفات الفتيات اللواتي يتعاطين الشيشة، أو خدمتها لبعضهن حين «كانت تمدهن بزجاجات المياه المثلجة لو عطب كولدير المقهى... وأحيانا تقذف إليهن بأصابع الموز وحبات البرتقال..» (ص 274)، وبالرغم من سيطرتها من فوق؛ أي من شرفتها، على الممر لدرجة أنها كانت «تبدو كالحاكم بأمر سلطة سماوية...» (ص 274)، فإن العجائبي في ذلك الفضاء أنّه يتيح تجاوز شرب القهوة والشيشة والاجتماع، ليغدو مكانا للترصّد، لأنه حصَل تارة أنِ «استقبل عائلات ملثمة تأتي إليه بعيون حذرة مترقبة، تنزوي في أركانه في انتظار الفريسة... »(ص275)، وتارة أنْ تخلَّى عن وظيفته كمقهى، إذ يُعمَل فيه سرادق لاستقبال عزاء، كما حدث مع المفكِّر مصطفى عبد العزيز، و«عندما توفي الكاتب النوبي الموهوب "إبراهيم فهمي" قُبيل الليلة التي سيعرض فيها فيلمه التليفزيوني الأول " في العشق والسفر"، بطولة حنان ترك ومحمود سعيد... أقمنا له سرادقا بالمكان نفسه في الليلة نفسها التي سيعرض فيها فيلمه الذي لم يره، وكان يترقب عرضه، ويحدثنا طويلا عنه.» (ص275)
إذن، يُعالَج هذا الفضاء بإبداعية تمنحُه امتدادا غرائبيا يَسِمُ كل ما فيه، بما في ذلك بيت سيدَّة الممر بعد رحيلها، الذي أُجِّر لأشخاص آخرين، و«الآن في الليل يهرب بعض الضوء من داخل الشقة، ويتخلل شيش البلكونات[...] لو أخذك الخيال بعيدا فستظن أن الشقة لم تؤجر وأن السيدة بعد تخلصها من أعبائها الدنيوية، عادت شابة ودبت في قدميها الحيوية وتصطحب صديقاتها في جولة ليلية بشقة العمر. وأحيانا تطير طيرا داخل شقتها التي صاحبتها 80 سنة، وستظن أنها افتقدت الممر كثيرا، وستهم بفتح البلكونات وتفقد الناس... لكنك ستنتظر طويلا..» (ص 277)، الشيء الذي يسمح بالحديث عن هندسة سردية مختلفة، تأخذ بعين الاعتبار عامل الفضاء كمكوّن لا يرتهن إلى المواضعات السردية المطروقة، بل يقوم بأدوار تتجاوز ما دأب عليه الاشتغال السردي التقليدي، وتقترح بديلا نُسغه بطولة المكان.
تُراوح الكتابة في ”مقتنيات وسط البلد“ بين التذكُّر والتخييل، فإذا كان النّص في أصله مقاومة للنسيان، بحكم أنه يسترد من شبه العدم وجوها كثيرة وأمكنة مختلفة تعاقب عليها الحدثان حتى كادت تختفي بتاتا، فيحضر التذكُّر عبر الكتابة لينفض عنها الغبار، فتُرى ماثلةً تتحرك في أفضية زحف عليها الاندثار هي الأخرى، فإن اللافت هو أن التذكُّر لا يكتسب قوَّته وحدَه لولا التعاضد مع التخييل، باعتباره قوة مبدعة تعيد بناء المكان ورسم الشخصيات، وحبك الأحداث.
إن ”مقتنيات وسط البلد“ كتاب سردي طريفٌ، غنيّ بنصوص ومواقف ساخرة ومسليَّة، محورُها الأساس الاحتفاء بفضاء القاهرة. لكنه في الوقت نفسه يكشف عن وجود ميل لدى المؤلِّف إلى التجديد في الكتابة، لذلك يطرح مقترحات جمالية جديدة في صياغة النصوص السردية، ويؤكِّد على أن المختبر السردي لمكاوي سعيد- مؤلِّفِ تحفة «تغريدة البجعة»- يحبل بمشاريع تختزن من المتعة الجمالية قدر ما تفصح عنه من إرادة مضادة للتقليد.

د. مزوار الإدريسي
اكاديمي وناقد من المغرب
mezouare@hotmail.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث