الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
سيميائية الشَّخصيات في "ربيعٌ حارّ"لـسحر خليفة
بشير ضيف الله
سيميائية الشَّخصيات في "ربيعٌ حارّ"لـسحر خليفة
بشير ضيف الله




الكتابة الفلسطينية بكل تيماتها هامش فجائعي مفتوح على المحنة وإنْ اختلفت أجناسها الأدبية، غير أنَّ الرواية شرحت الجزء الأكبر من القضية، وعبرت عن محمولاتها بفضل مجموعة من الروائيين المشتغلين على النص بوصفه معبرا نوعيا في خطاب الآخر، ومن بين هؤلاء، تستوقفنا الروائية "سحر خليفة" من خلال روايتها "ربيع حار" التي شكلت مفصلا مهما في تجربتها الروائية المليئة بالتحولات و الانفتاحات كحالة إبداعية مميزة.
توصيف الرواية:
"ربيع حار .. رحلة الصبر والصبار" للروائية الفلسطينية المتميزة "سحر خليفة" صادرة عن دار الهلال، ضمن سلسلة روايات الهلال، سنة2004، بالقاهرة، يحمل غلافها تشكيلا لامرأة تسدل ظفيرتيها مع خلفية تتناسق مع طبيعة الصورة التي تحيلنا إلى أن المرأة في هذه الرواية فاعل سردي محوري، وهو ما يؤكده الإهداء الموضوع بدقة وتركيز، حيث خصت به " نساء حوش العطعوط في نابلس القديمة.. لنحفر التجربة في الذاكرة ووعي الأجيال"، في إشارة إلى طبقة معينة من المجتمع هي الطبقة المسحوقة، كما يحيلنا إلى الأماكن المحتملة لتفاعل الأحداث وتناميها، فالحوش و "نابلس" القديمة.. فضاءات المتخيل السردي المكانية، وهي في النهاية لا تخرج عن هذا المضمار، ويبقى الحوش مرتكزا أساسيا في الربط بين هذه الأحداث وتفريعاتها، لأنه يضم مجموعة من العائلات التي تشكل نموذجا مصغرا للمجتمع الفلسطيني، هذا الحوش تقول فيه "سحر خليفة" بأنَّه:
<< حوش الفقراء، حوش الثورة، حوش العتمة والفضاء والضوء، يضوي على كل الـمحرومين. بدّك تأكل؟ تعال عندنا. بدّك تشرب؟ تعال عندنا. وتشرب أرجيلة ومعسل؟ وقرفة وكمون وتمر هندي؟ عندنا الخيرات مثل الجامع، مثل الملجأ، مثل المطعم بطعم ببلاش، يللا تفضل..>>(1).

تضم الرواية سبعة وستين مقطعا قصيرا (من صفحة إلى أربع صفحات) على امتداد فصلين، وتتناول أحداثا مفصلية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الممتد لأكثر من نصف قرن، فتقدم من خلالها ثلاث عائلات كعينات فاعلة في سيرورة الأحداث ،وهي حسب الأهمية:
1- عائلة "القسام" :
تضم الوالد "فضل القسام" ، وابنيه "أحمد" و"مجيد" اللَّذين سيشكلان مرتكزا فاعلا في تجليات الرواية وتفاعلاتها.
2- عائلة "أم سعاد" :
تضم الأم المكافحة والمستقلة بذاتها بعد أن كادت توشك على الضياع لما اعتقل المحتلون زوجها، فقد استطاعت أن تحول ضعفها إلى قوة إنتاجية ساهمت بها في تحرير وتوجيه كثير من البنات اللواتي يشتغلن في مصنعها الصغير.
و"سعاد" ابنتها المُقـْدمة على التخرج من الجامعة، تساهم في تفعيل النشاط النضالي وتمتلك المبادرة التي اكتسبتها عن أمها.
تقع في حب النصراوي وتبقى مترددة في الزواج منه خوفا من تكرار تجربة أمها.
أما أبناؤها فقد تفرقوا:
"سعيد" يدرس في "الشام"، و"عزيز" ذهب إلى "المغرب"، و"مروان" هاجر إلى "أمريكا"، و"محمود" استشهد بعملية في غور "الأردن"، و"جميل" وعماد غادروا..
3- عائلة "الوشمي":
قدمت الرواية هذه الشخصية في شكل عميل متزلف للعدو يحضى بمكانة هامة، يقيم الحفلات والولائم في قصره طمعا في حضوة أكبر.

وليس وحده فقط من يمارس هذا الدور، فقد مارسه حتى الفقراء على غرار شخصية "عيسى" الذي يبحث عما يسد به رمقه.
ببداية الهجوم على "نابلس"، واقتحام العدو لعدة أماكن مثل "رام الله" تتفاعل الأحداث ويتصاعد المد السردي، فتبرز"أم سعيد" المرأة التي كادت تستسلم لضعفها، وهي لا تبالي اليوم بما يحدث بعد أن استطاعت تجاوز محنتها في زوجها وأولادها، فقد كانت تحث الفتيات على العمل، فلا يوجد داع للخوف :
<<..ابتدأ الضرب فنادوهم بالسماعات: يا أهل نابلس استعدوا، هجم اليهود.
فضحكت أم سعاد وقالت للبنات: يالله اشتغلوا، مالكم واقفين؟ كانت تريد تسليم الشغل وقبض الثمن قبل بدء الهجوم، فهي الـمسؤولة عن فتح البيت، وهي الـمسؤولة
عن الـمشغل وأجور البنات... ست الكل والنوارة..>>(2).
يمكن القول أنها رواية تسجيلية تنقل مآسي شعب لا يزال يعاني مغبات الترهيب الإسرائيلي من حصار إلى حصار، آخره حصار مقر القيادة المركزية، ورئيس الحركة الشهيد "أبو عمار"، وكيف أن الإسرائليين لا يتوانون عن ارتكاب مجازرهم وتحريك آلياتهم ومجنزراتهم للقيام بفعل التدمير والكسح الكامل، ويمارسوا لذة التقتيل، دون شفقة أو رحمة.
في هذه الأجواء يبرز "أحمد" كشخصية محورية تتميز بالضعف والخوف، والحب الصامت لليهودية "ميرا" التي يعتقد أنها أسمى مخلوق.
يتحول "أحمد" البليد، الخجول، المعوق في نظر الأب؛ إلى شاهد على جرائم بشعة ترصد تناثر أشلاء الأطفال، فهو مولع بتصوير الفراشات والورود يوم كان طفلا، وها هو اليوم يقول بفعل مناقض تماما، ويعمل رفقة والده على منع تقدم الجرافات والمجنزرات، ويقدم المساعدة للجرحى والمعطوبين، ويقود سيارة الإسعاف، ليستشهد في آخر الرواية رفقة الفتاة الأوروبية "راشيل" المتعاطفة مع القضية الفلسطينية.
وبالمقابل فإن شقيقه الأكبر "مجيد" المولع بالغناء والموسيقى في بداية حياته، أصبح نجما تلفزيونيا بعد دخوله المعترك السياسي وانتقاله إلى مقر الرئاسة، وانفتاحه على اللعبة السياسية، وإنْ كان مبحوثا عنه في السابق من قبل السلطات الإسرائيلية بتهمة اغتياله "الوشمي"، وكان اختباؤه رفقة "سعاد" في قصر عائلة "الوشمي" علامة فارقة تبين رفضها لما كان يقوم به الوالد، أو يؤكد فرضية براءة "مجيد" مما نسب إليه،مستغلا الرصيد النضالي ليصبح سياسيا انتهازيا ويتنكر لعلاقاته وأصدقائه، إلى أن وقع الحصار الذي لم أتى على أحلامه الوردية، ورغباته الجامحة في صورة فجائعية ألقت بظلالها على الوقع الفلسطيني المكبل بمجموعة من المتناقضات والمآسي التي تنخر كيانه، وتؤجل حلمه الأكبر والمشروع في الإحساس بأن له أرضا ووطنا وأحلاما وحياة ..



سيميائية الشخصيات الروائية في رواية "ربيع حار":
إن المتتبع للمسار الروائي للكاتبة الفلسطينية "سحر خليفة" يجزم بأن اختيار أسماء الشخصيات يخضع لميكانيزم خاص جعلت منه الروائية إجراء فنيا معمولا ومتقيدا به كخاصية فاعلة في بناء رواياتها، سواء كانت هذه الشخصيات أنثوية أو مذكرة، فلكل شخصية خصوصياتها وتميزها بما يكون في صالح التفاعل الأحداثي للمنجز السردي، فهي ممن ينجز مخططات أو تصورات قبلية تهييئية لشخصياتها، وهي ليست بالضرورة شخصيات واقعية معاينة، وإنما تمثل تخييلا سوسيولوجيا قد ينطبق على الواقع أو يعبر عنه:
<< ..فالناس والزمان والمكان في الرواية ليسوا نسخة عما في الواقع الموضوعي، ثمة درجة ما من الانزياح في الرواية بحكم طبيعتها كمتخيل، كفن، كآلية..>>(3)، وهو الملمح الذي نخرج به من خلال هذه الرواية.
كما أنها حريصة دائما على التنوع الطبقاتي فشخصياتها التي تتميز بالدينامية والحراك والتحول المستمر، دون التركيز على طبقة بعينها، وحتى ما تعلق بالمستويات الثقافية والسلوكاتية والعقائدية..كل ذلك يخدم النص في النهاية، ويحقق تفرده، وغايته التواصلية لدى الآخر/المتلقي، ويترك انطباعا أو أثرا، فتسمية شخصية ما في الرواية حسب " فيليب هامون":
<< بياض دلالي تسهم في بناه الذات المستقبلة للنص..>>(4)، ومن ثمة فإن الاختيار حاجة من صميم الخلق الروائي، ونقطة استقطاب محورية في علاقة المتن بالقارئ، ومدى تفاعله معه،وعليه يبرز الاسم كمؤشر موضوعي وإجرائي بالغ الأهمية، بل نراه فاعلا سرديا ومفتاحا عمليا مهما لولوج فضاء الرواية وتحسس مؤؤلاتها.


وما يلاحظ في أعمال الروائية بصفة عامة، ذلك الميل الملموس للعنصر النسائي الذي يحظى بعناية الكاتبة، وكثيرا ما كانت المرأة عاملا تخييليا بارقا، وشخصية مرجعية تقدم صورا مشرقة من النضال والكفاح وحتى التمرد، فيكفي في هذه الرواية أن تشدنا شخصية "أم سعاد" لتتأكد هذه الحقيقة، ولا يعني هذا الميل – تجاوزا- عاملا مخلا بالمستوى الراقي لكتاباتها، بقدر ما نراه رسالة مشفرة تحاول من خلالها إخراج المرأة الفلسطينية من حالة الجمود إلى حالة أخرى أكثر تميزا وحراكا ومساهمة في التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني.
ولئن كانت الشخصيات في الأعمال الأدبية القديمة تميل إلى محاكاة الوقع، بل هي امتداد له في حالات كثيرة، فإن الدرس السيميائي الحديث يقف في الجهة المقابلة تماما لهذا المفهوم الكلاسيكي الذي يعود بنا إلى نظرية المحاكاة لدى "إفلاطون"، ولعل أهم ما قـُدم كتاب (من أجل قانون سيمولوجي للشخصية) للسيميائي "فيليب هامون"، وموضوع مقاربتنا هاته، يتناول نوعين من الشخصيات في الرواية، الشخصيات البنائية، والشخصيات المرجعية، أي شخصيات الفئة الأولى من الفئات الثلاثة التي تناولها "هامون" بالدراسة، والتي تشمل الشخصيات التاريخية، والشخصيات الأسطورية والمجازية، والاجتماعية.
أوَّلا:الشخصيات البنائية:
الشخصيات البنائية في الرواية هي تلك المتنامية باستمرار، القائمة على ثنائية الحراك والدينامية كلما تواترت الأحداث،لتؤول إلى الاكتمال في النهاية، أيْ أنه لا يكتمل بناؤها وتشكلها الكامل إلا عند انتهاء النص، وهي حسب "هامون":
<< مورفيم غير ثابت ومتجل في دال لا متواصل، يحيل على مدلول
لامتواصل..>>(5).


أو هي كما يقول الدكتور "نور الدين محقق" تلك الشخصيات التي تنبني من خلال تشكلات النص، وتعالقاته المفضية إلى محدداته النهائية.
- أحمد:
شخصية محورية بنائية لا نمطية في الرواية، اشتقَّ اسمها من الحمد والإحماد، وأحمدَ، إذا فعل ما يحمد عليه، كما أن لهذا الاسم/ العلم مقاما رفيعا في المرجعية الدينية العربية والإسلامية ، وهو اسم الرسول المبشر به من قبل "عيسى" عليه السلام- في "القرآن الكريم" :
<< ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد>>(6).
تبدو شخصية "أحمد" مركبة بالغة التعقيد، حتى أن الوالد "فضل القسام" يحتار في تركيبة ابنه، فهو ذو طبع هاد ،خجول لا يكاد يخرج الكلمات إلا بعد تأتأة وعسر، تستوقفه مشاهد يصورها، ويقف عندها بإمعان مريب،حاولت الروائية أن ترصد لنا مراحل طفولته وحياته إلى غاية استشهاده.
والملمح الأولي لشخصية "أحمد" لا يوحي بمآله في النهاية إلى رجل طلائعي مستبسل يقف في وجه الحصار لمنع المجنزرات من التقدم، ببساطة لأنه مدلل والدته، ولأنه اعتُبر في مرحلة ما معوقا أو حالة خاصة، ضاعفت قلق الوالد، وشكلت لديه هاجسا يكبر يوما بعد يوم.
وما أرادت "سحر خليفة" أن تمرره من خلال السمات الداخلية والخارجية لتركيبة شخصية "أحمد"؛ هو أن الضغط بشتى أنواعه يولد الثورة في أضعف الشخصيات وأجبنها ويجعلها مشاريع أبطال مستبسلين،خاصة وأن جرم العدو الإسرائيلي في حق الفلسطينيين لا حدود له.
لقد كانت "ميرا" اليهودية حدثا أوليا في بروز ملامح التغير في شخصية بطل الرواية الذي أصبح عاشقا صار يعتني بشعره ويضع "الجال".. غير أن حادثة سجنه بتهمة الإرهاب نقلة نوعية صادمة لتركيبته الشخصية الصعبة، حولته من كائن ناعم خجول إلى إنسان آخر، إنَّ الإحالة البريئة الهادئة لاسم "أحمد" تفضي إلى اللاَّمتوقع السردي، إلى حالة فجائية تنقل القارئ من صورة الركود والسكينة إلى صورة مناقضة تماما في نهاية الرواية، حيث يصبح سائق سيارة إسعاف، وفدائي يقوم بالواجب أكثر من أي شخصية أخرى في الرواية، من ذلك صورة أخيه "مجيد" المتميز بالفطنة والحراك مثلا.
لقد قدمت لنا الروائية "أحمد" وخصته عن باقي الشخصيات برصد دقيق لحياته وتصرفاته وتوجساته المختلفة، ووقفت عند ردود أفعال والده اتجاهه، والذي لم يكن يتصور يوما مآل ولده المشرف في آخر الرواية، هذا الولد "ابن ميشلين" زوجته الثانية، لطالما أشفق عليه لخوفه وخجله وإعاقته!
-مجيد: الأخ الأكبر لأحمد ولكن من أم ثانية، هذا الاسم العلم الذي جاء على وزن "فعيل" مشتق من الفعل "مجُدَ"، فهو ماجد ومجيد، إذا كان صاحب مجد وعلو همة. يختلف في تركيبته عن أخيه الأصغر، فهو متفتح، يتميز بالحراك الدائم ،فنان لأنه اكتسب عشق الفن من أمه مغنية الأعراس، صاحب صوت جميل، عاش متنقلا بين جدته وأمه، إلا أن طموحاته لا حدود لها، فقد كان يأمل أن يصير نجما شهيرا، فهو كما تقول الروائية: "يريد البنت ولا يريد البنت، يريد الغرفة والمعاش ودخول الأجواء الجميلة، أجواء العز، وناس يصلون إلى أعلى، بل وصلوا هناك، صلوا، وصلوا، وصلوا، وهو أيضا سيصل روما عن طريق البنت" وهو ما استطاع تحقيقه بعد أن عاش فترة مطاردا بتهمة قتل "الوشمي" الرجل الواصل والقادر على ضمان حياته وحياة مريديه.

هذه التهمة الزائفة جعلت منه بطلا فعلا! وبالتالي دخوله المعترك السياسي والتحاقه بمقر الرئاسة الفلسطينية ليتجاهل أصدقاءه وأهله ولم يعلم حتى بتدمير منزلهم من قبل العدو.
أحبته "سعاد" وإن كان يبدو مجرد نوع من الاهتمام بشخصه لا أكثر، لكن وهم السلطة حجب عنه الكثير حبها ورغبتها كأنثى ترى فيه مخلصا لها من معاناة امتدت زمنا طويلا، بعد أن عاشا مختبئين بقصر "الوشمي" المتهم باغتياله، مما يبرز التناقض الصارخ والمتداخل والعبثي فيما يحدث، فأم الوشمي تعيش بالقصر، ومع ذلك يعيش التهم باغتياله معها، وهنا تتسع المفارقة!
إن شخصية من هذا النوع شخصية "كاريزماتية" تتحين الفرص وتستغلها بشكل رهيب، فكثير من الانتهازيين أصبحوا أبطالا وهميين، وشكلوا سلطة هلامية تتفاعل مع التحولات كلها، وحتى الاسم كشكل لغوي حمَّلته الروائية شائبة التخفي وراء ممارسات معينة لتحقيق الهدف وهو المنصب/السلطة بأي شكل وبأي ثمن!
هو نموذج آخر تقدمه الروائية، وتسقطه على واقع فلسطيني متهاو، تفككه التناقضات والهشاشة والتمثيل الزائف في كثير من الحالات، وقد ينطبق أيضا على الوقع العربي بمختلف بنياته و تعالقاته التي يصعب فك شفراتها، لأن النماذج الشخصية التي تبدو فاعلة ظاهريا، كثيرا ما تعرت وانفضحت تركيبتها الحقيقية بمجرد الوصول إلى السلطة، أو امتلاكها .
- سعاد:
فتاة تمتلك حسا نضاليا اكتسبته ربما عن أمها ،متعلمة،اشتق اسمها من "السعد والسعادة،أي ما يشبه الفرح، والملاحظة التي نقف عليها، تلك العناية المركزة التي تنوليها الروائية لأسماء الشخصيات النسوية وهو ما ينسحب على أغلب رواياتها، عادة ما تكون هذه الشخصيات متميزة إما بتعلمها، أو بقدرتها المثيرة على التجاوز

والمبادرة، لذلك لا يخلو عمل روائي واحد للروائية "سحر خليفة" دون أن يتضمن إشارات تثمِّن المرأة وجهودها المستمرة في الكفاح والنضال، بل أنها تقدمها كعنصر مرجعي في محاولة لتغيير صورة المرأة لدى المجتمع العربي الذي يتعامل مع ما تقدمه من تضحيات من منطلق ذكوري يكرس نقص المرأة ولا يعترف ببطولاتها إلا نادرا.
إننا من خلال شخصية "سعاد" يمكن أن نكون فكرة أخرى عن المرأة الفلسطينية الفاعلة، بل نحس أن "سحر خليفة" تبشر بميلاد جيل جديد من النساء اللواتي لا يكتفين بالبكاء ووضع اليد على الخد، وإنما الدور الآن على المرأة الممسكة بزمام المبادرة، المرأة التي لا تنهزم إذا أحبت،ولا تضعف،ببساطة لأن قضيتها أكبر، و"سعاد" واحدة منهن،فقد وقعت في حب "النصراوي" ذلك الشاب الذي شدها بنضاله، وكثيرا ما كانت أمها تدفعها للزواج منه، وهي تتردد خوف فشل تجربتها، رافقت "مجيد" لما أصيب،وهو بقصر "الوشمي"، غير أن طبيعة الأحداث وسيرورتها تبين اهتماما زائدا به يرقى إلى درجة الحب.. ومع ذلك بقيت تفكيرها منصبا على النضال.




ثانيا: الشخصيات المرجعية:
- "أم سعاد":
شخصية ذات مرجعية اجتماعية، والمقصود بهذا النوع من الشخصيات أنها تقدم صورة عن نماذج احتماعية سلبية كانت أم إيجابية، لا تصنف في النسيج الثقافي، وليست "انتلجنسيا" بالمفهوم المتعارف عليه، فهي بسيطة لكنها تمثل مرجعيتها على بساطتها، ولا تنطبق على الواقع برمته، بل تمثل سمة أو بعضا من سماته على اعتبار أن مرجعيتها الاجتماعية تفرض نوعا من العلائقية، وأعطى "فيليب هامون " أمثلة عنها:
<< ..العامل والفارس والمحتال..>>(7)، وهي نماذج كما نرى ذات صبغة اجتماعية وإنْ كانت غير مقصودة بذاتها.
تعتبر هذه الشخصية مرتكزا مهما في الرواية باعتبارها مرجعا قائما نظير التحولات الكبرى التي عرفتها، وجعلت منها نموذجا فلسطينيا يُحتذى، فبعد أن كانت امرأة ساذجة لا تقوى على المبادرة،وبعد أن اُختطف زوجها، وفرَّ أبناؤها، لم تضع يدها على خدها، وإنما هبت شامخة تتحدى واقعا مفروضا، فبادرت إلى إنشاء ورشة خياطة صغيرة لتتوسع فيما بعد، وتصير بمثابة مصنع تتقوت منه أسر فلسطينية عديدة.. هي امرأة مجاوزة، غير أن ما يجعلنا نعتبرها شخصية مرجعية، هبتها ووقوفها في وجه الحصار، لم تعره بالا،ولم تهتم لصراخات الرجال والنساء الخائفين من اقتحام العدو للحي، بل واصلت عملها وهي تحث الشغيلات على مواصلة مهامهنّ دون خوف.
تقدم الرواية تحولات "أم سعاد" في شكل "بورتريه" فيه كثير من السخرية حين تصف زوجها المحكوم عليه بالمؤبد "فقاس البيض"، وتبرز وقفتها المعلنة في وجه من يحاصرون "نابلس":

<<..ابتدأ الضرب فنادوهم بالسماعات: يا أهل نابلس استعدوا، هجم اليهود. فضحكت أم سعاد وقالت للبنات: يالله اشتغلوا، مالكم واقفين؟ كانت تريد تسليم الشغل وقبض الثمن قبل بدء الهجوم، فهي الـمسؤولة عن فتح البيت، وهي الـمسؤولة عن الـمشغل وأجور البنات. مذ فارقها وقبع في السجن، صارت امرأة قوية. في البداية، ككل النسوان، قبعت في البيت تطبخ وتنفخ وتحبل وتلد مثل القطط والأرانب. في كل سنة ولد في البطن وولد في الحضن وولد يلتصق بركبتها، حتى طفحت أركان الدار وما عادت تتسع لفقس جديد. فجاء اليهود ورحموها. أخذوا الـمحروس فقاس البيض، وتركوا الدجاجة والصيصان. صاحت ناحت وشدت الشعر. ثم انتفضت وبدأت تعمل. باعت أسورة مبرومة واشترت ماكينة لحبك الصوف. ثم أخرى. ثم أخرى. فامتلأت الدار بالـماكينات. وكبر الأولاد. وذهب سعيد ليدرس في الشام. وعزيز ذهب إلى الـمغرب. ومروان هاجر لأميركا. ومحمود استشهد بعملية في غور الأردن. وجميل راح، وعماد راح. وما بقي منهم إلا سعاد. فكيف إذن يقولون البنات لا نفع لهن؟ وكيف إذن لا ينادونها يا أم سعاد؟ سعاد إذن، ست الكل والنوارة..>>(8).
هي امرأة حديدية إذن، استفادت من تجربتها القاسية وتعلمت كيف تؤسس لوجودها وذاتها كامرأة لا تنحصر مهمتها في الإنجاب والبكاء، وإنما دورها يكبر ويتعاظم كلما أدركت حقيقة دورها الطلائعي في النضال والاستماتة في وجه العدو، لا، ذلك ليس دور الرجال وحده.ومما يؤكد فرضية ما ذهبنا إليه في ميل الكاتبة نحو تفعيل الدور النضالي للمرأة ومحاولة إخراجها من عباءة الرجل الشرقي الذي يضع لها محددات تعيقها عن أداء مهمتها، تسمية "أم سعاد" رغم كثرة الأبناء الذكور، فكان يمكن أن تسميها "أم سعيد" أو "أم محمود".. ولكنها ركزت علة "أم سعاد" في ردة فعل عنيفة تختلف عما هي علية تركيبة الإنسان الفلسطيني والعربي عموما الذي يميل إلى استعمال الأسماء الذكورية في مثل هذا النوع من التسميات، وتنقل لنا بذلك حالة من

النقمة أو الاحتقان الذي تعيشه المرأة الفلسطينية،وتبشر بدورها الريادي النضالي المتمثل في شخصية هذه المرأة، وهو ما يلخصه رد فعلها الشجاع لما حاصر العدو الإسرائيلي "نابلس"
- فضل القسَّام:
شخصية ذات مرجعية تاريخية نمن منطلق وقوفه على حقائق وتفاصيل تاريخ شعبه،واقتحام اليهود لفلسطين،وهو هنا بمثابة شاهد على أحداث معينة تجعل منه فيما بعد عاملا تحفيزيا للشباب لممارسة العمل الثوري، رغم أن الروائية تنشير إلى أنه لا يمتُّ بصلة إلى عائلة "القسام" المجاهدة، ونرى أن توظيف اسم "القسام" بمثابة "فلاش باك" للقارئ ليدرك مباشرة ودون مقدمات، أن هذه الشخصية تتمتع بحس نضالي،وهو ما كان فعلا،حيث برز كموجه لولديه من أجل العمل النضالي المستمر.
هو تربية المخيمات الفلسطينية، أدرك معنى الظلم طفلا،هجر مدينة "حيفا" إلى مخيم "عين المرجان" عقب أحداث "48".كان يبيع الجرائد ويكتسب قروشا قليلة، ولما كبر تزوج من ابنة "الجنكية" المشهورة، مما أغضب والده الذي رفض أن يعيش ابنه على فتات المغنية التي أنجب منها "مجيد"، ليتزوج مرة أخرى وينجب "أحمد". عمل في الصحافة كمراسل لجريدة "القدس" من مخيم "عين المرجان" .
هو شخصية مرجعية لقيامه بدور توجيه ولديه، وتعريفهم بالقضية الأكبر التي شغلته طفلا، ولا تزال تشغله وهو كهل، إضافة إلى كونه مثقفا مطلعا من منطلق عمله في الصحافة التي مارس من خلالها نقل الحقائق والتعبير عن الصوت الآخر لفلسطينني المخيمات..
- ياسر عرفات:
الشهيد "أبوعمار" شخصية واقعية ذات مرجعية سياسية ونضالية مفصلية في المقاومة الفلسطينية،استحضرته الكاتبة لحظة وقوع الحصار على مقر الرئاسة

الفلسطينية،وأسهبت في نقل تفاصيله،ونقلت موقف الرئيس الشهيد "أبوعمار" وصموده المتواصل،وسعيه للاستشهاد في سبيل الوطن، في حين كان بإمكانه الاستسلام والعيش بأمان، فهو رمز للكفاح الفلسطيني الخالد، وإن لم يكن مرتكزا محوريا في المنجز السردي كباقي الشخصيات الأخرى، فإنَّ "سحر خليفة" حققت استقطابا متناميا لكل المؤولات الشخصية وتوظيفا فنيا محترما يبرز القدرة على التشكيل والتفعيل والتحلايل الشخصياتي إذا ما اعتقدنا مع "هامون" بأن << تحليل الشخصية الروائية وحدة دلالية قابلة للتحليل والوصف. حيث هي دال ومدلول، وليس كمعطى قبلي وثابت >>(9).

وأما عن تركيبة الأسماء اللغوية، نجد أن زمرة الأسماء في الشخصيات البنائية جاءت كلها مفردة صرفة، أما في زمرة الأسماء المرجعية، فجاءت مركبة أو مكناة :
- أم السعد: تركيب إضافي، وهو كنية أيضا.
- فضل القسام: تركيب وصفي .
- ياسر عرفات المكنى "أبو عمار": تركيب وصفي + إضافي في الكنية.
مما يجعل الاختلاف اللغوي والدلالي واضحا، باستثناء شخصية الرئيس "أبوعمار" فهي شخصية حقيقية اقتضاها سياق الحدث السردي المصور لحيثيات الحصار الإسرائيلي المعروف على القيادة الفلسطينية، حيث وقفت الروائية عند تفاصيله مستحضرة شخصية "ياسر عرفات" وموقفه المعلن من الحصار.

ثالثا: الشخصيات الثانوية:
ظهرت في الرواية عدة شخصيات نعتبرها ثانوية وإن كان لها دور ولو عكسيا في حلة ما من مراحل السرد، مثقل شخصية "الوشمي، وسعيد وميرا راشيل ". إلا أننا تكتفي بالنموذجين الأوليين لأن لعلاقتهما بالشخصيات السابقة.
-الوشمي:
شخصية قريبة من العدو الإسرائيلي،تقوم بإعداد احتفاليات وولائم، يظهر "الوشمي" وكأنه عميل أو دليل في خدمة العدو وهو ما يبرز من التسمية التي اختارتها الكاتبة المنسوبة إلى الوشم، في إحالة إلى قدرة هذا الرجل على التمسح والتكسب !
هي إحالة جرية بالفعل، تقدم إثرها نموذجا آخر من الشخصيات التي تتلذذ بآلام الضعفاء، وتعيش من الوشي بهم، إلا أن هذا الرجل قتل، واتهم "مجيد" بقتله..
- سعيد:
أخ "سعاد" الذي غادر وترك أمه تكافح وحدها،درس بالشام، محام فاشل، يجري وراء نزواته، هو الوجه الآخر لكثير من القابعين خارج الألم، الذين يعيشون خارج مجال تغطية وطنهم وقضاياه، فمن النقيض إلى النقيض تضعنا الروائية أمام حالة "فلسطينية " بامتياز!
الأم مكافحة، والبنت تناضل بما أوتيت، و"سعيد" الرجل يتقوت من آلام شعبه هناك.. في "عمان" كنموذج لكثير من شباب فلسطين المشتت في أنحاء مختلفة من العالم.. هذا الرجل الذي أفردته الروائية بهامش سردي عند عودته وهوة يستحث الفلسطينيين للمقاومة والاستبسال، بل ويلقنهم أبجدياته، وينعتهم بالفشل والجبن والخنوع في مفارقة ساخرة تعمق الجرح الغائر.. وكأن الروائية تفتح سؤالا مشروعا :

- أين أنتم يا فلسطينيي الخارج..؟ تعلموننا كيف نقاوم وأنتم أجبن، وأبعد ،بل وغرباء أيضا؟!
لقد عاد سعيد لا ليقاوم، وإنما ليأخذ مالا من أمه للتمتع لا غير، ويعود أدراجه في صورة "كاريكاتورية" محزنة.
إن الجمع بين الشخصية ونقيضها هي حالة "سوسيولوجية" قائمة في المجتمع الفلسطيني الذي يكاد يتهالك، فمن التناقض الداخل/داخلي إلى التناقض الخارج/داخلي تتفتت التركيبة الاجتماعية خاصة في شقها المحوري المتمثل في الرجل كقرار وكسلطة وكقوة فاعلة ومؤثرة ومنتجة لفعل المقاومة الذي لا مهرب منه.

أخيرا:
يمكن القول أن الروائية اشتغلت على أصناف عديدة من الشخصيات، وقدمتها بطريقة تقريرية مباشرة، وأحيانا تصويرية؛ لتترك الأحداث تتفاعل فيما بعد، محركة وظائفها السردية المفترضة وفق أساليب فنية متداولة شكل الوصف فيها نسبة معتبرة للتأكيد على
مركزية الإنسان في الحكاية والتداول الدلالي ما بين الوصف والسرد كما يقول "هامون"(10). بما يحقق للرواية حركية مستمرة متنامية، ويفعّل أحداثها الناقلة لحالة الحصار بكل تناقضاتها وهواجسها وحيثياتها، وردود الأفعال اتجاهها من قبل الفئات الشخصياتية المذكورة باعتبارها فواعل نصية لا يمكن تجاوزها .


الهوامش:
(1):سحر خليفة،ربيع حار،مركز أوغاريت الثقافي للنشر والترجمة،ط1،2004 ص:142.
(2):المصدر نفسه،ص:140
(3): نبيل سليمان، الرواية العربية رسوم وقراءات،مركز الحضارة العربية،القاهرة،ط1، ص: 13
(4): شريبط أحمد شريبط، سيميائية الشخصية الروائية، أعمال ملتقى السيميائية والنص الأدبي، جامعة عنابة 1995، الجزائر،ص: 196.
(5):-فيليب هامون، سيميولوجية الشخصيات الروائية، ترجمة سعيد بنكراد، دار الكلام، الرباط 1990،ص: 26
(6):القرآن الكريم،سورة "الصف"،الآية :6
(7): Hamon Philippe, pour un statut sémiologique du personnage ,page122.,
EDIT Seuil1977
(8):سحر خليفة،ربيع حار، ص:140
(9): حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي،المركز الثقافي العربي، بيروت، ط1، 1990،الدارالبيضاء ص:213
(10): Hamon Philippe , pour un statut sémiologique de personnage , de la page 13 6 à 142



بشير ضيف الله
شاعر و أكاديمي جزائري
bichrhamam@yahoo.fr

مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث