السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
نسكافيه/قراءة في رواية
د. وفاء كمالو
نسكافيه/قراءة في رواية
غلاف الرواية


سألوه..
هل قرأت تاريخ العشق؟؟
قال.. نعم .. فى عينيها.. وشربت كل كئوس الهوى من شفتيها؟ وطفت كل قارات العالم بين نهديها.
كان وحيد ولمى فى الكويت.. فى السرير لم يكن هناك الا الشهوة والحب، كأس من اللوعة وكأس من الهوى وكئوس من نبيذ أحمر.
لم يكن يدر أنه اللقاء الأخير، وأن أحلامه ستسقط فجأة..
وشاية مصرية فلسطينية وقرار من رئيس التحرير بإنهاء عمله بالمؤسسة ومغادرة البلاد فوراً..
فى المطار وقف وحيد أمامه "لـمى" .. يبحث فى عينيها عن حبه وموسيقى روحه.. عن سيمفونية كان قد عزفها على ظهرها ونهديها.. فتش فى جسدها وخصرها.. شفتيها فخذيها كتفيها.. ولم يجد بصماته.. دخل دمها يفتش الخلايا التى كتب فيها أحبك.. فلم يجد.. لم يجد..
نظر لشفتيها..
بحث عن رشفة نسكافيه.. عن رائحة عطره.. ولم يجد..
فهل كان حبه خطيئة..؟؟ هل هو ذنب من السماء..؟؟
أعطته ورده.. وقالت ستجد واحدة أفضل منى تحبها.. وتعشقها..
دخل وحيد الطائرة وقلبه ينزف والعالم أمامه نار.. وصل إلى القاهرة.. وجدها حزينة أو نائمة.. ذهب إلى البيت ونام..
استيقظ فى الصباح.. شرب النسكافيه.. أمسك بالقلم.. نظر حوله.. أمسك بالصحف الصباحية فوجدها كلها تتحدث بالعبرية.. رفع سماعة التليفون .. سمع شالوم.. اتجه إلى مكتبته فوجد كل الكتب عبرية.. فتح النافذة وصرخ.. أنا فين؟؟
قال .. سأكتب رسالة إلى الله.. فوجد نفسه يكتب بالعبرية..
قال يا إلهى.. أنا عربى.. نزل إلى الناس فوجد أشكالاً غريبة..
قالوا.. ربما نمت سنيناً عدداً.. العرب انتهوا من زمان..
قال.. كم نمت؟
قالوا.. ثلاث مائة وازدادوا تسعاً.. بكيت ..
نزلت دموعى على الأرض..
نزلت دموعى على الأرض تكتب..
كنت عربياً...
هكذا تكلم السيد حافظ...
هكذا كتب نهاية تجربته الإبداعية الكبرى، التى تثير الجدل والتساؤلات حول هذا الجمال الشرس الأخاذ، الذى يعانق دهشة البوح وبكارة العشق، وحرارة المعرفة.. تلك الدهشة التى تضعنا أمام لحظة فارقة فى تاريخ الإبداع، وفى حياة المؤلف الذى يعيش ميلاداً جديداً صاخباً لحالة روائية استثنائية، خرجت من أسر السائد والكائن، واتجهت إلى آفاق مغايرة لتعلن العصيان والتمرد على وجود وحشى.. غاب عنه المعنى والهدف والدلالات واستلب روح الإنسان، ليظل وحيداً أمام فراغ الكون الهائل.. وذاكرة الجسد، فى تاريخ الحب وفلسفة الصمت وعذابات الإنسان.. وكان المؤلف مؤرقاً بجمرات عشق نارى لليقين والحب والحرية.. فجاءت تساؤلاته كموجات النشوى وهمسات الجنون واندفاعات الرغبة ومجون السياسة وخلاعة الحقيقة.. تلك الحقيقة الصادمة الآثمة المريرة، التى اخترقت المستقبل، وقرأت المائى وعانقت الحاضر، لتضعنا أمام معادلات السقوط و إيقاعات الغياب.
تمتلك " نسكافيه" قدراً هائلاً من الوهج والمشاغبة.., الحركة البريق، الحزن والجمال والعذاب., فهى قطعة رفيعة المستوى تترك فى الأعماق أثراً عميقاً يظل باقياً.. لا يزول.. ورغم أن هذا الانجاز الإبداعى الضخم هو التجربة الروائية الأولى للمؤلف المثقف السيد حافظ.. إلا أن حالة الجمال الأثير. لم تأت من فراغ.. فهو قامة فنية شامخة، من كبار مؤلفى مصر الذين أثروا الواقع المسرحى عبر انتاج غزير وكتابة مختلفة، رشيقة ثائرة مدهشة متمردة مسكونة بعشق الوطن والحرية.. وباحثة عن مصر. وعن إنسانية الإنسان.. لذلك لم تكن الرواية هى كتابة على أوراق خجل التجربة الأولى، لكنها كتابة على أوتار الوعى والخبرة والاحتراف، اتخذت مسارها التلقائى نحو تيار الإبداع المدهش الذى يعزف على أعصاب عارية، ويشاغب الصمت، ويبوح بمعنى المعنى.
تشير إيقاعات الحضور والوهج إلى أن فعل الكتابة كان قراراً بامتلاك أقصى أشكال الحرية، حيث تجاوز المؤلف جمود التابوهات المغلقة، واشتبك بحرارة مع السياسة والجنس والاقتصاد والمجتمع، لنصبح أمام وجود حى يمتلك شرعية انتمائية للفن الإنسانى الجميل. وفى هذا السياق نجد أن مجتمعاتنا العربية لا تزال تتباعد عن جدل الحوار، ولغة العقل وحرية الكتاب،ـ وتنجذب بقوة إلى أحادية الصوت وتسلط التابوهات، لذلك تأتى الكتابة عقيمة مسكونة بهوس الخضوع والرضوخ، تغيب عنها قوة الصوت لتبقى الأصداء الشاحبة المتكررة، تلك الحالة التى تجاوزها السيد حافظ، عندما قبض على جمرات الفن النارية، واتجه إلى يقين عارم بأن فعل الكتابة الحر المتجدد يتمثل فى تحريره الجمالى من المؤسسى، وتأصيله باعتباره فعل احتجاج دائم ضد كل أشكال التسلط، الذى يهدد الفن والحرية.. فالإبداع هو حرية مواجهة العالم دون السقوط فى هوة المصنوع سلفاً.
هكذا كان النسكافيه قانونه الخاص، وإطاره المرجعى المتميز، حيث النضج والاختلاف، والتساؤلات التى تمزق أسرار المستقبل.
يقول المؤلف فى الصفحة الأولى من الرواية..
" أحب بلادى التى استطيع أن أضمها كل ليلة فى حضنى كوردة، او وسادة، أو جملة فى عبارة.. أحبها وهى على حافة المقبرة ..ملطخة بالدم والشقاء من آلاف السنين.. أنا الصامد للفساد وتردى المعرفة.. أنا القاهرة.. ومصر الخفية الطاهرة لا الظاهرة.. وأنا العروبة الخفية النادرة.. وليست العروبة الحالية..
أنا الإنسان الإبراهيمى اليهودى والمسيحى.. وأنا المسلم والبشرية الراقية.. أنا خلاصة الأديان.. وأنا الموحد بالله وبنور الأديان.. أنا الإنسان.."
فى أعماق هذا الإنسان الجميل، فنان ثائر مسكون بعشق غجرى مثير، معذ ب بالصمت فى بلاده التى يسكت فيها كل البشر.. حتى الحجر!!، بعد أن أصبحوا كمنجات بلا وتر، وأقمار بلا ضوء نضر.. لذلك كان العشق هو شرارة الوهج والكتابة والانجاز والرواية.., التى يهديها إلى القادم.. وهو يهديها أيضاً إلى ابنته الجميلة غيداء، والى المؤلف الكبير "بهيج اسماعيل"، الذى طلب منه أن يسجل يوميات عشقه لعصفورة الهجر والجمال، لتكون بذرة خصبة لرواية مبهرة.
تأتى تقنيات الكتابة فى نسكافيه السيد حافظ، لتشتبك مع فلسفة بيكاسو عندما أحسن أن رسم البروفيل أو صورة الوجه الكامل هو لون من الكذب والمراوغة، لذلك ظل مؤرقاً بالبحث عن تكنيك يتيح له امتلاك اكبر جزء من الحقيقة، وأخيراً رسم صوراً للوجوه تعددت فيها العيون والأفواه والأنوف.. فهل اقترب بالفعل من الحقيقة..؟؟
فى هذا السياق تعددت العيون والشفاه فى رواية نسكافيه.., وأصبح القارئ أمام حالة إبداع جرئ أعلن العصيان على الصمت والجمود والسكون، بحثاً عن عناق دافئ مع الإنسان والحرية، ومع الحقيقة الصادمة التى جاءت كالأحلام والكوابيس، تنساب.. تتقارب وتتباعد، تتقاطع وتتوازى.. لتبدو كلوحة سيريالية يختلط فيها الذاتى مع الموضوعى، والخاص مع العام، تنشطر فيها الشخصيات لتتحول إلى شظايا ونبضات وإيقاعات، وعبر سحر الأحلام والرؤى وغموضها المثير، وملامحها المشاغبة.. تأخذنا الحالة الروائية إلى اشتباط شديد التكثيف والدلالة مع وقائع حاضرنا العنيد حين تتضح أبعاده وأعماقه وترقص شياطينه، وتصبح اللحظات الفاصلة فى تاريخ وجود الإنسان، مثاراً للجدل الثائر بين الفلسفة والتاريخ والعشق والسياسية، خلال مسارات السقوط والصعود والردة والإنكسار..
لقد كتب السيد حافظ رواية حداثية متميزة، أسقط فيها أقنعة الزيف ورسم وجوهاً تعددت فيها الشفاه والعيون..، فنحن امام كتابة بلا مركز، يميزها التنوع والثراء والتعدد، وهى ترتبط نقدياً وجمالياً بفكرة إنهيار المركز وسقوط المرجعيات المعرفية والاجتماعية، حيث لم يعد للعمل الفنى بمفهومة الحداثى بؤرة مجددة ينطلق منها، لكنه يتشكل وينمو عبر اختلاف الرؤى، وتعدد الأنماط..، فالفن بشكل عام والرواية بشكل خاص تشهد تحولاً جذرياً ينتزعها بقوة من سلطة المطلق والمجرد والواقع والمحاكاة، وصورة العالم، ويأخذها إلى خصوصية بالذات والتفاصيل اليومية، وإيقاعات الحس والمشاعر، ونبضات الجسد، وذلك فى إطار تنكسر فيه مفاهيم التتابع الزمنى للحكاية والسرد والحوار والأحداث، حيث تغيب الأطر والمرجعيات والسياقات، وينتفى مبدأ الوحدة العضوية، والاتساق الهارمونى الناعم، لنصبح أمام جماليات شرسة مغايرة، يبعثها تفجير المعانى الأحادية، وتحويلها إلى موجات من التكوينات المختلفة، المشاغبة فكرياً ودلالياً..
اتخذت مشاغبات المؤلف مسارها عبر تقاطع السرد والحكى مع الأصوات والأحداث..، تيارات الوعى تموج بحرارة المشاعر واندفاعات الأعماق..، المفهوم التقليدى للزمن يغيب فى قلب الفلاشات والصعود والهبوط والارتداد والامتداد..، ويظل صوت المؤلف باعثاً لحالة من الجدل والثراء عبر الهمسات والتنهيدات، التى ارتبطت بالنسيج الروائى، رغم انفصالها الظاهرى وانتمائها لأحداث السياسة والفن والتاريخ ووقائع الثقافة والمجتمع وعذابات الناس. وفى هذا السياق تبعث التناقضات المدهشة حالة من الوعى الكاشف عن وجهات نظر نارية تتبلور عبر شراسة الجروتسك الساخر فى واقع تراجيدى.. مأساوى الملامح والإيقاعات، وعلى مستوى آخر تموج الكتابة الرشيقة بالعديد من التفاصيل الدقيقة التى تحرك أعماق الرجال والنساء، وتسكن فى الأفكار والرغبات والحجرات، ويأتى ذلك فى إطار من التصاعد والإيقاع الداخلى المدهش، الذى يبعث تيارات من الحركة الشعورية، ترتبط مع الانتقال المثير عبر المكان، وتظل الكتابة كاشفة عن حس جمالى رفيع المستوى,, يرسم ويقرأ ويكتب فى ذاكرة الوطن والجسد، والشخصيات التى رسم المؤلف ادعاها تجرفية شديدة البلاغة، تغيب معها الحدود الفاصلة بين الواقع والخيال، وتدفعنا حرارة الصدق إلى نوع من اليقين بأن بطل النسكافيه هو المؤلف "السيد حافظ" نفسه ، حين امتلك الضوء الكاشف وكتب عن تجربة شديد الوهج والثراء والعذاب، تضافرت فيها الإرادة والفكر والثقافة والعشق والسياسة، لتلون معنى اللحظة الوجودية بألوان العشق الوردى، والحس الرومانسى المسكون بإيقاعات صوفية عارمة..
يبدو أن الحب هو أبو الفنون فى الدنيا..، فهو يستوعب الفلسفة والحرب والسياسة، العشق والدم والثورة ، الفكر والأساطير والجسد والغموض، الاقتصاد والاجتماع والتسلط والرضوخ.. ويظل دائماً هو البدء والمنتهى، والسر والنبض والحياة.. وفى هذا الإطار تضعنا الرواية أمام تساؤلات مقلقة تدور فى فضاءات متداخلة.. فهل كان المؤلف مدفوعاً بالشوق العارم للتحقق؟؟ هل كان مفتوناً بسحر اللحظة؟؟ أم بصراعات وجود تسكنه الشهوة؟؟
من المؤكد أن ميلاد التساؤلات سيظل خصيباً وممتداً، وستكشف كل قراءة جديدة عن عن موجات من التفسيرات، التى تحملها رؤى "السيد حافظ" حين يقول .. "النساء وطن.. الله يصوغ بهاء النساء أحياناً بمزاج عال، فيخلق لنا نساء لآلئ للغرقى فى العشق والجمال"
كانت علاقة "وحيد سالم" ، و"لـمى القيسى" هى شرارة الميلاد الصاخب لرواية نسكافيه، التى صاغها المؤلف بأسلوب مغاير مسكون بالشعر والهمس والشوق..، وملاحم العذاب وفيض الخصب وإيقاعات الجنون.. فمن هى "لـمى القيسى".؟؟
فى البدء كان الجمال ولـمى.. عصفورة العشق والهجر والجمال، أسمها يعنى الشفاه الجميل.. العسل يعنى "لـمى".. ألق العشق هو "لـمى" وهو أيضاً دم ومن ووهج نور..
فى الثامنة من عمرها تفتح فى صدرها ربيع الحياة.. نهدان صغيران شقيان.. شعرها كان عطراً يداعب خيال الرجال، جسدها يشاغب الطريق بأحلى الخطوات.. كأنه موسيقى الخفاء.. كانت تحب جمع الزهور، تغازلها كرمة العنب والشجر ينتصب لها ببهاء.. كانت منحة من السماء، قطعة من الجنة، ابنة فينوس الهاربة من السماء، الوسطى فى أسرتها أخوين أكبر وأخوين أصغر.. كانت منتصف الأرض والسماء، تخبئ فى مستقبلها اجتياحاً للمألوف، فى عيونها أنثى مكتملة، يراها البعض ويردد.. استغفر الله العظيم..
ولدت "لـمى" فى جنوب لبنان.. والجبل فى لبنان هو سر أسرار التناقض يحمل تاريخ حب ونضال.. يحمل الدروز والعلويين والسنيين والشيعة والمسيحيين، "لـمى" مثل لبنان سحابة غمامة وتاريخ عشق اجمل النساء، تحلم أن تطير.. الدم النافر يبحث عن مكان فى عالم الأنوثة.. كانت تعذب الرجال.. من يطفئ لهيب الرجال أمام جمال أثنى..؟؟
تأخذنا لغة السرد وجماليات الوصف إلى انطلاقات البداية الناعمة نحو الأنثى وتفاصيل الجسد، جغرافيا الجنوب وتناقضات لبنان وايقاعات السياسة العربية، حيث تكشف التقاطعات الباعثة للحركة وحرارة الإدراك عن تقنيات مغايرة تدخل بالرواية إلى حيز التجريب والمغامرة، فإذا كانت البدايات تأخذنا إلى طفولة "لـمى" ، فإن المشاهد التالية ستشهد اختراقاً عنيداً للزمن لنتعرف على الأنثى الناضجة فى إطار موجات السياسة والتاريخ والجنس والمجتمع، اما التنهيدة التالية فهى تأتى كاشتباك مع أعماق المؤلف وعزف جميل على أوتار روحه.. حيث يقول :
( بلا خوف سأدق عليك الباب، بلا خوف أحضرى حقائب أفراحك وذكرياتك المتشردة والنبية والصوفية والماجنة ودقى على الباب فأنا الناسك والفقير والمتجرد وأنا جوهر المقامات والفعل واللب والوجد والسعى وذات العاشق والمعشوق وبى مسحة بهاء، وأنا عندما أعشق، أعشق حتى الفناء وأظل ظمأن الروح والجسد وبى لوعة الشفيف وأمضى شوطاً نحو المناجاة وأنا أيقونة القهر، لا أحظى بعصمة مجلس الشعب ولا منحة الانتماء ولا عصمة الأنبياء)
فى سياق روائى متصل تأتى الهمة لتشير إلى زمن النكسة حيث :
"قال هيكل فى قناة الجزيرة : آخر فنجان قهوة شربه عبد الناصر قبل وفاته بدقائق قام أنور السادات بعمله بنفسه.. ومات بعدها الرئيس"
يمتد السرد المنسوج من الشعر والعشق والجنس، ويخترق الزمن والسنوات، ومفاهيم التتابع التقليدية، ونتعرف على "لـمى" بعد أن اصبحت غزالاً أربعينياً، دغدغ خيال أربعين رجلاً من الفرسان، مارسوا العادة السرية عليها، وحاولوا معها بأصواتهم الرخيمة، وهداياهم الجميلة لعلهم يأخذون قطرة من عسلها.. فقد أصبحت تمتلك لؤلؤة فى فمها وموج غواية.. ووردة فى كل فصل.. ونار فى حقول الرجال، كل مرحلة من عمرها كانت محطة للعشق، كلما مر عليها شخص منحته.، بعد أن أصبح وجودها رحلة لسموات العشق السبع.
تأتى ملامح شخصية الصحفى "وحيد سالم" لتضعنا أمام قراءة ثرية فى أعماق جبل امتلك الحلم والمعنى وطموحات المشروع القومى ـ حيث تأخذنا جماليات الإطار التاريخى والفكرى إلى حالة شديدة الخصوصية من السرد الذى يروى عن الفتى الصغير حين عرف أن أحد عمال أبيه كان يُحمى زوجته بالماء الساخن فى الطشت ويتحسس جسدها كله، وسمع خاله وهو يتحدث ليلاً ونهاراً عن النساء والحشيش، وأدرك أن الاثنين حلموا به رئيس جمهورية، أو وزير أو محافظ اسكندرية، لذلك عشق الصغير عالم النساء وكان يذوب عشقاً فى عيون ليلى مراد وسعاد حسنى، رغم أن طفولته البريئة لم تمنحه معرفة بالفرق بين النهد والتفاح والبرتقال.
تظل الهمسات والتنهيدات تقطع حالة السرد، تأخذنا من الماضى إلى قلب الحاضر، أو إلى عمق التاريخ والتراث، وتدفعنا حرارة الكلمات إلى موجات عشق مثير، حين يؤكد "وحيد سالم" أن سحر "لـمى" لا يزال فى دمه، وأن كلماتها شهوة الشهوة.. فهل هى الاشتهاء؟ أم مسك النساء؟ هل هى أرض عشق بريئة أم الواقع والظنون..؟ أم الوجع الذى يحاصره كل مساء؟؟ وفى نفس الإطار تتفتح مسارات الوعى والادراك، وينفصل القارئ عن التوحد مع رومانسية الإيقاعات حين نقرأ فى كتاب "الجبرتى" : أن زينب ابنة شيخ الأزهر، أحبت نابليون أثناء الحملة الفرنسية، وكانت تقابله، ومن أجلها لبس القفطان، لكنه سافر وأخذ قلبها معه" وعبر إيقاعات الزمن اللاهث تمتد القرون ومتوقف أمام قضية سوزان تميم، وهشام طلعت مصطفى، وكذلك زواج هيفاء من رجل الأعمال المصرى احمد أبو هشيمة فى حفل اسطورى الملايين، وياتى التعليق المرير حين يشير المقريزى إلى الجوع عند المصريين أيام الخليفة المستنصر.. حين تبادل الناس أولادهم ليأكلوهم..
كان الطفل "وحيد سالم" يتأمل أباه بدهشة حين يؤذن وهو نائم..، كان أبوه دائم البكاء على احزان الفقراء، واعتاد أن يتصدق بكل ماله لهم..،.
وكان يشعر أن فقراء مكة والحجاز مسئولية كل حاج، وبعد أن مضت السنوات عاش "وحيد سالم" حرب 1956 ، ونكسة 1967، ونصر 1973 وأدرك أن أعمارنا محطات حرب، لكن عشقه للبحر، وأسراره مع الموجع ظلت باقية.
قرأ "وحيد سالم" الفلسفة والأدب والفن والتاريخ، فزرعوا فى روحه عشقاً من كلمات، وفى جامعة القاهرة كان يشعر بالتاريخ يفوح منها فى دمع، ويرسل له إشارات ميلاد وعى مغايرة، يتدفق بوحاً وكشفاً ومعرفة.. وحين مات عبد الناصر، انهار الزهو والمعنى وحلم اليقين، وخلعت القاهرة ملابس الحداد، وكشفت برقع الحياء، وجاء الفاسدون وضاجعوا عقلها وسرقوا أموالها، وانطلقت سياسات الانفتاح لتفتح كل الأبواب للأمريكان واسرائيل، وظل الفتى مسكون بحب امرأة استثناء، تجمع قلبه الأشلاء لكنه وكما يشير – عاش عذابات المصير بعشقه للقاهرة.. رغم كونها هى الزانية المذنبة.
تمتد تداعيات اعماق الروح، ويتقاطع الحب والزمن والشعر، مع الأدب والصحافة والسياسة، ويلمس القارئ شراسة المشاعر المتناقضة، وتيارات الجموع، واندفاعات الوعى وانفجارات اللاوعى.. حين نعود إلى أحزان وطن مثقوب الذاكرة، لا يحب الذكريات، ويتوقف أمام علاقة وحيد بالآنسة "سلوى فتحى" و"نجوى" بنت صاحبة الشقة التى نامت فى فراشه، وبفريق البالية المائى فى الجامعة مغامراته الساخنة مع اختيار الجميلات ليراهن بالمايوه.
وحين يقفز الماضى إلى قلب الحاضر وتتجاوز الأزمنة حدودها نقرأ تنهيدته الجارية حين يقول ... :
(تعال انثرك ضوءا على قلبى المعتم... أُخرج من نهديك كتاب العشق ولبن التوبة.. فأنا رجل ليحبس أنفاس أنثاه عشقاً، لكنى لا أصدق القمر ولا النساء فى المساء..، أصدق الله، والمعرى والمتنبى وجمال عبد الناصر والحلاج.. أصدق الروح قبل الجسد.. أثق فى بعض النساء ولا أصدق أحد من الأصدقاء)
فى سنوات نضجة الأولى نظر "وحيد سالم" إلى وجوده فرآه.. امرأة بخيلة، ووطن مبعثر، ورجل خصى، ودين بلا مؤمنين، وبعد موت عبد الناصر كان يحلم أن يكون سياسياً من المدنيين، فالقائد مات وليس من العسكر رئيساً للجمهورية.. لكنه عرف أن الأحلام تموت فى وطنه بلا ثمن.. تموت على الأرصفة.. وحين سافر وابتعد والتقى بعد سنوات بـ "لـمى" أهداها محارة العشق ولؤلؤة التنهيد وشعر بدفء سريره بالقاهرة، فعرف لأول مرة أن الله قد اصطفاه فى العشق، ورغم ذلك ظلت همساته تؤكد أن العرب أجمعين من المحيط إلى الخليج سيقفون على أبواب جهنم دون حساب أو رحمة.. فهم قتلة الخلفاء الراشدين، وأحفاد الرسول، وهم خونة قبل الإسلام وبعده، وفى سياق متصل عرف أن السياسة عاهرة وفاجرة تمارس كل ألوان الضلال على الناس باسم الوطن والأمن القومى، كذلك اخبرته "لـمى" أنها ليست مومس ولا عاهرة.. وأن هناك رجال مومس، يمارسون الدعارة، وهناك أوطان مومس، وشعوب مومس..
والآن.. لا يزال "وحيد سالم" يتحدث مع النيل ومع نفسه.. قائلاً: وحدك يا قلبى تحمل أوجاعك وحزنك.. الكل خائن.. الكل خانك.. والأكثر خيانة وطنك، الأصدقاء القدامى خانوك.. والأسئلة تحاصرنى..
رغم أنه لا توجد امرأة تجرؤ على الاعتراف.. إلا أن "لـمى" تعترف فالجنس فى حياتها أزرق اللون.. وأحياناً أحمر أو أخضر.. هى امرأة لا تستطيع الحياة دون الحب واللذة.. تعيش سباقاً مع الوجود ، وتبحث دائماً عن رجل يسمع صراخ جسدها للشهوة.. يصفها "وحيد سالم" بأنها شبق العشق لحظة الشفق، وبريق الشهوة لحظة الجنون، وظنون فان جوخ حين رسم لوحة الزهور..
فى سن الخامسة عشر أحبت همام ابن خالتها.. حين لامسها كان جسدها ينز عسلاً، وفى التكعيبة شعرت برائحة شهوتها، فهو أول رعشة حب، وقبلاته لا تنساها أبداً.
وفى ذلك السياق يأخذنا المؤلف إلى اشتباكات ثائرة بين الماضى والحاضر والحلم والواقع، وتظل صياغاته الشاعرية الدافئة تكشف عن أعماق مسكونة بالفن والخصب والوهج، ونعرف كيف تزوجت "لـمى" ابنة السادسة عشر من "عامر" المحاسب القادم من الكويت.. إلى جنوب لبنان ليرى الأنثى التى سيقطف وردات حلماتها.. هو فى الثانية والثلاثين.. سياسى احمق، صوت عال، أعجبته الصغيرة، التى تعشق الجبل والزهور والنسكافيه، فخطبها وامتثلت هى لأمر أهلها، وتزوجته بعيون طفلة.
فى ذلك الزمن بالتحديد كان "وحيد سالم" يعمل بالكويت وكان صديقا لعامر.. لكنه كان معذباً بوطنه عذاباً مريراً يتضح فى همسته حين يقول :
" الوطن يضاجع الفقراء.. ويقدمهم ضحايا وشهداء فى سيناء، عندما انتصروا فى اكتوبر ترك لهم سرواله الداخلى ليصنعوا منه أوسمة وشهادات وأعلام.. أما الأغنياء فقد جلسوا على عرش مصر وباعوها لكل الغرباء باسم الانفتاح والانفشاخ والخصخصة، ونشروا للشباب حبوب الهلوسة.. وطنى لا يحب الفقراء.. نذل مع الشهداء والشرفاء.. وأنا نادم لأنى كنت من الفقراء.. وكم قررت أن أضاجع وطنى بدلاً من أن يضاجعه الغرباء من الحكام سبعة آلاف عام"
عاد عامر إلى الكويت والتقى بـ "وحيد سالم" وفى سيارته أظهر له صورة خطيبته "لـمى" .. فكانت البداية والبعث والوعد الذى تأخر عشرين عاماً.. فهل كانت "لـمى" حلماً يراوده، ونهداها لحن شجى على شرفة الشهوة المعطلة؟؟ وحين عاد إلى منزله وجلس أمام زوجته يتناول العشاء، وجد صورة "لـمى" بحجم النافذة... عينيها.. ابتسامتها طفولتها.. وظلت تطارده فهبط فى أحضانها وصعد وماج.. ونظرت له "تهانى" وهى متعجبة..
كانت الكويت جميلة لحظة سكونها.. لكن ليلها السرى أغرب من الخيال.. هذه الليالى التى يخترقها المؤلف ويصوع منها عشق وأحلاماً وجنساً وشهوة ورغبة، وأسرار حياة ستدخلها الصغيرة الجميلة، التى غادرت لبنان ليظل الوطن نغماً خفياً يسرى فى الروح، حيث دموع الماضى الجميل، والقبلات المسروقة.. وفى ليلة الدخلة بالكويت قال لها عامر.. نامى على ظهرك.. نامت.. فتح قدميها بعنف.. وكانت أصعب ثلاث دقائق فى حياتها.. كأنها ثلاث طعنات.. ثلاثة خناجر اغتصبت بكارتها وصرخ فرحاً.. وفى ثانى أيام زواجهما طارحها الغرام دقائق ثم ذهب إلى الحمام وتركها مشتعلة برغة لا تستطيع أن تطفئ جذوتها، فقد كان عامر يشبه قادة حرب 1967.. يخدعون أنفسهم أن كل شئ تمام، لا يعرف من أين يبدأ الغرام فى السرير.. وأصبحت "لـمى" تكره الليلة التى يقرر فيها زوجها الجنس معها.. كان يظن أنه يفترس بكارتها، وكانت تصرخ ندماً على أنه لن يكمل ويتركها لحريق الشهوة..
اتخذت الحياة مساراً رمادياً غائماً بارداً.. وطلبت "لـمى" من زوجها ان تكمل دراستها، والتحقت بكلية الآداب جامعة اللاذقية بسوريا، وهناك قررت أن تذهب إلى المجهول وعرفت طارق الذى فتح أمامها أبواب الجنس والرغبة ومنحها ارتواء فجر فى داخلها كل موجات الشهوة وحين انتهت سنوات الدراسة عادت إلى الكويت لتعمل فى المدرسة الأمريكية، ورأيناها عبر السرد الروائى وردة جورى يشم عطرها الجميع الا زوجها، فكان الرجال فى المدرسة الأمريكية الكويتية يبهرهم جمالها فعاشت معارك غرام وحروب نزوات، وكان "وحيد سالم" صديق زوجها هو المصرى الوحيد الذى تخافه، فهو طويل عملاق، وهى أمامه قصيرة، صوت فيه مهابة، وظلت تسأل عنه بعد أن غادرت الكويت عام 1986 واحتفظت بالعنوان الذى تركه لزوجها، فقد كان يسكن عينيها وقلبها وأدرك هو أنها له.. وهو لها.. لكنه لم يفعل شيئاً.
بعد سنوات وسنوات انفتح الباب السرى للعشق وامتدت رسائل الهوتميل وأحاديث الفيس بوك، وفى القاهرة كان اللقاء العاصف عام 2002 وفى هذا السياق نتوقف أمام موجات الحساسية البليغة التى تميز صياغاتها المؤلف لأدق تفاصيل الحب والجنس والتى أثار من خلالها قضايا رجال ونساء وكشف برشاقة عن أسرار الليالى وأسباب الخيانة والطلاق والاكتئاب والعذاب، ورغم حرارة الاشتباك واقترابه من التابوهات والمحرمات.. إلا أن الكتابة تظل دائماً مرتبطة بلغة الفن وشاعرية الجمال وقدسية العلاقة، وجدل الرغبة مع اندفاعات الجسد وايقاعات الحياة.
قال لها .. أراك مهرة النور والحياة والهمس والليل.. أنت كئوس للخمر عشرون عاماً مضت كنت أحاول أن ألقاك..
وعندما تمددت على الفراش لترى الليل والنيل من فندق هيلتون رمسيس كان العرق ينتفض من جسدها وأدركت أن "وحيد سالم" رجل اسطورى التكوين فتوحدت به وبالقاهرة.. أغمضت عينيها وسبحت فى سحبه ورجال وآهات وهمسات، رجال عبروا على جسدها لحظة قلق.. زوج وبنتين وولد، وجسد عذراء مسكون بالرحيق والجنون والوهج.
أحضر الشمبانيا .. وعقود الفل والياسمين ليكتب الغرام سطوراً عن الحب والمجهول والنساء الاستثناء، والعشق الذى ياتى منحة من الكون.. فالقدر يمنع ويمنح..
يقول "وحيد سالم" .. بدأت أدخل فى جسدها على رقرقة كف الأمواج..، هسيس أصداف البحر..، خرجت وأخرجت كل أحزانها.. أوراق شجر قد ذبلت فى حديقة عشقها.. بين فخذيها أدخل وأخرج، أمحو آثار شهوات رجال.. زرعت نخيلاً للود بشهوته الطازجة..، فتحت لها دلتا جديدة.. الجسد والبحر والخليج.. آه يا مئذنات الروح حين تذوب فى الجسد.. وضعت فى فمها لؤلؤ القبلات، والله زلزلت بين يدى وترنحت.. وهبها الله لى.. تلك الخائنة للعشق.. تعاملت مع النهدين كأنهما جواهر مطموسة فى عجين الشهوة.. تود أن أحررهما من القيد، فأخرجتهما بالحلميتن.. غنى لى كل منهما عشقاً صوفياً حانياً..
تأخذنا الرؤى والإيقاعات إلى أساطير الماضى البعيد، ونقرأ عن عبد الرحمن الشرقاوى عندما قال.. المصريين هبة النيل.. وأيزيس وأوزوريس أسطورة الناس.. وعبر دلالات التوازى كان بطل الرواية يشعر أنه ممزق مثل أوزوريس.. ولكن تجمعه "لـمى" أليست إيزيس جمعت أربعين جزءاً من أربعين مكان لتلملم أوزوريس، ثم تنام على قطعة الذكورة الخاصة به..؟
فهل تحمل "لـمى" طفلاً من وحيد ويأتى حورس منقذ مصر؟؟ فى سياق متوتر بالدهشة والغموض والمراوغة والجنون، تمتد التفاصيل بين القاهرة والكويت ودبى ولبنان، وتؤكد "لـمى" انها تشبه الحياة.. لكن الفارس العاشق لم يدرك المغزى والمعنى، وظل يعلمها متى تكون قصيدة.. متى تكون لبؤة.. متى تكون سفينة يركبها ويطوف.. متى يرسم على نهديها، ومتى يقضم خديها، متى تكون أمواجاً فى عاصفة عشقه ، ومتى تكون كهفه وأفقه وحنان أمه.. ومتى تصير مسرحه وروايته وقصيدته.
أصبحت شوارع القاهرة باهتة خالية فى عيون الفارس بعد عودة "لـمى" إلى الكويت، وظل محاصراً بالرغبة فى أن يغزوها ويبهرها ويمتعها، ويشرب معها النسكافيه، وظلت الحالة الروائية مشحونة بتقاطعات السرد، وتداعيات الوعى وانفاجارات الأزمنة، ودلالات نقد الواقع المسكون بهواجس الجنون، ورغم كل الوقائع والحقائق والظروف كان وحيد يرفض فكرة أن تكون ابنة الجبل.. فاجرة، مفصحة عن عشقها لمن تهواه.. تتوحد بالحب اللحظى وتنتزع لحظة عشق شرعية فى الحرام.. الحب فى دستورها له بداية ونهاية. العشق والهوى يغوى جسدها، وشوقها الدائم للرجال شوقاً منقوشاًَ على صدرها كالموت والحياة.
نجحت "لـمى" فى احضار "وحيد سالم" إلى الكويت.. وفى المطار قال لها أنت مكتوبة فى دمى.. لن نخون ولن نفترق أبداً.. وكتباً بالدم الأحمر وثيقة عشق.. وفى السيارة خلعت ملابسها وأصبحت عارية تماماً وشعر الرجل أنه آدم وأنها حواء.. التى خرجت من ضلعه ليعطيها اسمه وميلاده ...، وفى اليوم التالى سافرت "لـمى" إلى بيروت لتزوج ابنتها من ابن عشيقها السابق، وانتابتها شراسة مخيفة، وأغلقت التليفون فى وجهه..
تقودنا همسات المؤلف إلى دوائر القهر والغياب والاستلاب حين نقرأ أن المتنبى عبقرى الأمة العربية، قتله التخلف العربى ولم تلد الأمة مثله حتى الآن.. وأن "أبو حيان التوحيدى قتله الغباء العربى ومات معدماً" لأن السلطان يريد منافقين، أما طارق بن زياد.. فقد مات متسولاً فقيراً، بعد أن فتح الأندلس وانتصر.. وفى العصر العباسى الثانى كانت الجوارى والمومسات يتحكمن فى الخلفاء..
يذكر أن الهمسات التى تتقاطع مع السرد الروائى، وتعلق عليه ببراعة، تأتى كنص سياسى اجتماعى تاريخى وتراثى.. وهو نص شديد الدلالة والبلاغة، يكشف عن ثقافة عارمة وعن وعى بأبعاد المأزق والأزمة، وكشف لمسارات الجهر والردة والتخلف العربى.
ارتبط "وحيد سالم" بالعمل فى احدى المؤسسات الاعلامية ، وعادت "لـمى" من بيروت.. طلقها زوجها "عامر" حين عرف علاقتها بالصحفى المصرى لكنها عادت له بعد فترة، بشرط أن ينفصل كل منهما بحياته الخاصة، وظلت تعيش مغامرات الجسد الظمآن.. وعرفت غيره كثيرين.. وقال لها عاشقها النبيل.. أنت عذراء رغم كل الرجال الذين عبروا فخذيك، أنت لبؤة.. بين نهديك سأضع علامة لأنهى فى حياتك زمن البكارة حتى تصلين إلى نشوة ورعشة لا تحظى بها نساء الكون.. أنت حبيبتى وأنت عهر نساء الأرض.
هكذا يظل كل شئ فى "لـمى" مبهج مختلف منحرف.. عشقها تطرف، وحبها تطرف.. ويظل "وحيد سالم" يشعر أن كل شئ باطل.. فلا عدل ولا سلام ولا حرية.. العالم ينقسم إلى عبيد وأحرار.. إلى وجود وعدم، قوى وضعيف، غنى وفقير.. والكل سينتهى ويموت.. ولكن طقوس الجنس وجنون الرغبة ونهد الشهوة والعشق.. دفعوه إلى امتلاك المعنى والفرح وكل الأحلام..
تقترب النهايات.. وتشهد الرواية انكسارات وجود ينهار، حين تقول "لـمى" فى حدة.. أن الحب انتهى.. فكل شئ يتغير.. وعليه أن يذهب .. لكنه لم يفهم وذهب إلى شاطئ الخليج يبكى فى صمت، مثل طفل فقد أمه.. فالأنثى الأربعينية فهمت الحب العصرى.. الرومانسية ماتت المشاعر كما قال "أحمد" ابن "وحيد سالم" كله بيخلص على نفسه فى ساعة. وعبر ايقاعات الدهشة والمفاجأة تتبلور العذابات فى الكويت ، فى ذلك المشهد المخيف الذى تناولناه فى البداية.
أخيراً.. نحن أمام تجربة روائية شديدة الثراء.. تملك قدراً هائلاً من الفكر والدهشة والجاذبية، تعانق العقل والمشاعر وتترك فى الأعماق موجات من الوعى والأشواق والحنين، وهى تكشف عن جماليا وتقنيات الفنان المثقف "السيد حافظ" الذى يقول ...
تسألونى من أنا ؟
أنا القلم والألم والحب، الصفر والسفر، الحاضر والماضى.. جسد العروبة وروح الأمة.. انا وطن كل الغرباء.. الجمهور الجائع للخبر والعطش للماء.. أنا الانتماء .. السلام والكلام والصمت والقهر..
لكننا نضيف.. أن الرواية هى ثورة ابداعية ساخنة فجرها "السيد حافظ" الذى أعلن العصيان على القهر والتسلط والاستلاب وانطلق إلى آفاق رحبة ليبحث عن الحرية المغتالة فى أعماق الذات.. وتابوهات الجسد، ومراوغات السياسية وجمود الفكر واختناق الأحلام.

د. وفاء كمالو
ناقدة من مصر
justhappy_man2000@yahoo.com


مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث