الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
قراءة أولى في رواية : خط النار ممتد
د. زهير ياسين شليبة
قراءة أولى في رواية : خط النار ممتد
غلاف الرواية


عن مركز الحضارة العربية بالقاهرة، صدرت مع مطلع هذا العام رواية(خط النار ممتد) للروائي: محمد محمد السنباطي، في 272 صفحة من القطع المتوسط. وعنوان الرواية يفصح عن كونها من أدب الحرب، المستمرة او الممتدة، فخط النار هذا متوغل في العمقين، المكاني والزماني. إنه هرونوتوب الزمكان الخاص الذي تعودنا على لمسه في أعمال السنباطي وبالذات في روايته السابقة " عشيقة عرابي" حيث يربط الموتيف المعاصر بالتاريخ وتختلط عنده الأزمنة والشخصيات القديمة وأحفادها المعاصرون بالأمكنة التاريخية والحديثة وكأنها شاهدة على كل العصور وأحداثها الجسام.
وكمعظم الروايات الجيدة التي تناولت الحروب عبر التاريخ مارس عنصر الحب حضوره في هذه الرواية، حيث توهجت نار العشق في قلب كل من عبد المنصف ومجاهد تجاه زينات زميلتهما في الجامعة وقد انتهت أعوام الدراسة بحلوها ومرها لتبدأ بعد ذلك الحياة العملية وأنواع أخرى من المعاناة. قد يكون لهذا الحب مغزى أليغوري يبتعد عن التعليميةوالوعظية ويقترب من الرمزية لكن هذا الأمر متروك للقارىء ليتفاعل معه.
ويحاول الروائي أن يحقق نوعا من البوليفوني أو تعدد الأصوات من خلال تقديم شخصيات عديدة ومتباينة كل التباين، فبينما نتعرف على مجندين يحملون على عاتقهم مسئولية تحرير الوطن، فإننا نمرُّ في طريقنا بغيرهم من الذين لا يبالون بأي شيء: "إحدى الطالبات مددت للشمس ساقين عاريتين" "قال للشاب الذي تتدلى من عنقه سلسلة ذهبية، ويصل شعر رأسه إلى كتفيه"(ص5)
"كان الحوذي ممددًا ساقيه النحيلتين، الخاليتين من الشعر في الشمس، بينما رأسه في ظل حائط"
"استلقى بعيدًا يلوك رغيفًا لواه على بضع طعميات باردة وأعواد فجل غير مغسولة وهو مغمض العينين في استرخاء وبلادة وعته"(ص11)
وتنتقل المشاهد إلى قرية القاضي التي قد يعتبرها القاريء رمزًا أليغوريا للوطن كله...
لكنها ملبدة بالخرافات والجهل وسخافات اللا منطق.
"وأهل القرية يوقنون أن أبطالهم دجالون"(ص17) وكما قلت إن الرواية تتنفس بكرونوتوب الماضي فإننا نقرا فيها وصفا واضحا يشير اليها.
"البيوت القديمة هذه لها رائحة الزمن المتخمر يتعرف عليه من يعود إليها بعد غيبة" (ص22)
وبمناسبة الحديث عن مكبر الصوت الذي تبرع أحدهم به للمسجد نقرأ: "وهل يوجد صوت أحلى من الذي يخرج من القلب، إنه أحلى ألف مرة من الأصوات التي تثقب الأذن" (ص22)
"هل أنت متحجرة يا قريتنا، راضية بتحجرك؟ أم تنتظرين من يرفع الغطاء عن عينيك ويرفع وجهك إلى السماء لتحط على تقاطيعه طيور الشمس؟ (ص35)
وهنا يتتبع الكاتب مسيرة الوقوع في شرك الخزعبلات، وقبل ذلك-وبعد ذلك أيضا- يطلعنا على الظلم المتفشي في المجتمع مثلما نقرأ تحت عنوان"مفاتيح على صينية شاي" (ص25) و"لقيط جنب السور" (ص37) و"منافسة غير شريفة" (ص50) و"ألاعيب رأفت القاتم" (ص30)
وفي الحقيقة أن القارىء يتصور أو يشعر أن هذا العمل يقترب من الوثائقية إذ إن الكاتب على امتداد هذه الرواية الطويلة يعرض علينا الشخصيات موهمًا أنها جميعًا حقيقية؛ فهو يذكر الأسماء كاملة، والعمل الذي كان يقوم به المجند قبل تجنيده، والشهادات المدنية الحاصل عليها، وتاريخها، بل إنه أحيانا يذكر أرقامًا وتواريخ محددة تجعلك توقن أن هذا الأمر قد حدث فعلا وليس له من الخيال ظل ولا طيف. وأنا لا أكاد أشك أن العديد من الشخصيات هي كذلك بالفعل، لكني واثق أن ثمة شخصيات عديدة في الرواية قد ابتدعها الكاتب ابتداعًا. وقد ذكر لي الكاتب في حوار شخصي معه "لا بد له من فعل ذلك لأجعل منها رابطًا يصل الروافد بالمنبع الذي تتدفق منه الأحداث، كما أنه لا يعقل أن أذكر شخصية حقيقية مسماة ثم أحكي عن جوانب النقص فيها بكل صراحة، أو أزج بها في بحار الغرام هكذا بكل جرأة دون أن أحتسب لذلك ألف حساب.
إذن فالشخصيات بعضها حقيقي تمامًا بينما أحاول أن أوهم القارىء أن كل الشخصيات الواردة في الرواية حقيقية، وهذا الأمر يجعله يعيش الأحداث كما عاشها أصحابها، وكأنه يشارك معهم ما قاموا به وما أنجزوه. إن الكاتب هنا لا يختار أبطاله أعمدة مقصودة ليشيد عليها البناء الدرامي، ولكنهم من منطقة معينة جاءوا، وفي منطقة معينة عاشوا حسبما اتفق؛ فهم إذن ليسوا أفضل رجالات الحرب ولا هم بالأبطال الخارقين، لكنهم رغم كونهم أبطالا عاديين قاموا بدور عظيم قد تشوبه شوائب وهنات لكنه إنساني بكل معنى الكلمة، ليس فيه تكلف ولا ادعاء".
وفي "كلام في السياسة" حيث يتناول الكاتب موضوعة المسخ السياسي والتملق والاذعان بسبب الخوف فيصورالجو العام، الذي ينوء بالخوف من التعبير عن الرأي مما يجعل العقم السياسي يستشري في النفوس، وجعل الآراء تتحجر.
ويحاول الروائي هنا استخدام الرمز الأليغوري الخوف من الصنم، حيث يصور خشية مدير المدرسة من إزاحة تمثال رئيس راحل في عهد رئيس حالي من أمام مكتبه رغم كونه يعيق الحركة، فما بالك لو كان التمثال للرئيس الحالي نفسه؟!، فطلب من جميع العاملين بالمدرسة التوقيع على ورقة يقولون فيها إنهم دخلوا المدرسة ومعهم مديرها بطبيعة الحال فوجدوا التمثال ملقى على الأرض. سأله أحدهم: وما الذي يوقع تمثالا ضخمًا كهذا يا حضرة الناظر بين عشية وضحاها؟ فكانت الإجابة: "وما أدراني؟ لقد حدث هذا ليلا. ربما قفز قط فوق كتفيه أو أي شيء...(ص80)
وليس صدفة أن يختار الكاتب ناظر المدرسة كونه رمز تعليم الأمة والأجيال الجديدة، فكبف يمكن أن يقوم بوظيفته الانسنية هذه اذا كانتتنقصه شجاعة التفكير بحرية. إنها أليغوريا داخل أخرى وكأننا أمام أجيال من عبدة الأصنام.
ربما جاء الكاتب بهذه الواقعة ليدلل على أن اتخاذ قرار حرب مصيرية هائلة كهذه كان شيئا جبارًا وهائلا. لا شك أن الإرادة المصرية لم تنتصر إلا بعد أن تخلت عن المعوقات رغم أن رواسب الجهل والخزعبلات تتفشى في المجتمع وتنهش عظامه، والدليل على ذلك ما قام به ناظر آخر في "نقش على خصية" عندما استدعى عبد المنصف وصارحه: منذ أربعة أشهر وأنا لا أستطيع "النوم" مع زوجتي. وطلب منه الذهاب معه إلى أحد هؤلاء. وكان ما كان: "سأكتب لك بعض الكلمات على خصيتك وستدهش لسرعة تحسنك!" (ص106- 107)
اعتقد أنها صورة صارخة لنقد الواقع المعاش، الذي يبدو ان الكاتب وُفّق في اختيار نماذج فضيعة منه.
ربما يرمي الكاتب من وراء ذلك أن يبرز الوجه الآخر للقيادة، ذلك الذي أفضى إلى نتائج ناصعة، وأعني بذلك ما كان من الملازم ثان عبد الستار حجازي الذي ما كاد يصل إلى موقعه الجديد أيام حرب الاستنزاف ، ويتعرف على الأفراد حتى سأل الشاويش حسن سليمان:
"- هل اشتبكتم مع العدو يا حسن في الفترة الأخيرة ؟
- لا يا أفندم .. نحن لا نريد كشف مواقعنا كي لا يرصدنا العدو ويضربنا بالطائرات ..
- نحن موجودون هنا لكي نموت .. احفظ عني هذه الجملة.. وأرفض الجبن بأية صورة من الصور ..
وفي الفجر .. بعد ساعات من هذه الأمسية .. أمرت أفراد المدفعية باحتلال أماكنهم وكشف المدافع ووقفت أنا في نقطة قيادة وأصدرت أمرا بتدمير الأهداف المرصودة والتي لم تدمر من قبل..
وكانت تلك مفاجأة كاملة ..." (ص166- 167)
وانظر إلى الضباط وكيف كانوا يوافقون على إعطاء إجازات للجنود الذين يقومون بعمل دراسات عليا في الجامعات وكيف كانوا يساندونهم ويشجعونهم.
كانوا يعطون القدوة والمثل.
ولم يكن ذلك يحدث من جانب الضباط الصغار فقط، بل على مستوى القادة الكبار أمثال الفريق عبد المنعم رياض، وقد عبر الكاتب عن ذلك أبلغ تعبير حيث عرض الأمر على هيئة مسرحية قام بها طلبة المدرسة التي كان يعمل بها عبد المنصف وزينات.
انظر إلى هذا القائد وما يقول عنه أحد جنوده بعد استشهاده: "جاءت طائراتنا لتتصدى. تقدمنا وليس بيننا وبين ممر متلا سوى مسافة بسيطة. تبادلنا القصف الشديد. وعلى مقربة نصف كيلو متر من الممر حصرنا قواتنا لنعرف عددنا بالضبط .. وإذا بقائد اللواء بروحه الطاهرة مع الشهداء .. أما جسده فمتفحم في الدبابة ..
كنا ننظر لهذا الرجل وكأنه من جيل الصحابة أو من القادة الإسلاميين الأوائل .. لم يكن من الذين يرهبون الأهوال بل كان يقتحمها وفي أيام انتظارنا للعبور كان متوترا جدا لأنه لم يعبر .. كان يتمنى أن يكون أول الفاتحين أو أول الشهداء .. لهذا كانت دبابته في المقدمة دائما ..
بكيته كثيرا ... لا يمكن أن أنساه أبدا ...
كنت قد تقدمت إليه بطلب للحصول على إجازة لمدة شهر لدخول امتحان الدراسات العليا في شهر يوليو 73 وذلك عن طريق قائد السرية وقد طلبني بالتليفون وأخبرني أنه صدق على إعطائي هذا الشهر لأنه لا يستطيع أن يقف في طريق العلم .. وشجعني ..
بكيته كثيرا وترحمت عليه أكثر".
***
لعبت الحكايات المميزة دورها الهرونوتوبي في بناء معمار روائي خاص بها يتنفس الحاضر والماضي بطابع تشويقي، فإنني كلما حاولت استدعاء خيط القصة الأولى التي أعتقد أن الكاتب ربما اتكأ عليها لينهض ببنية روايته، اشرأبت عشرات القصص تحاول فرض نفسها على ذاكرتي، ولكن ربما كانت لقيط جنب السور (ص37) أكثرها أحقية:
"عوج فمه في ابتسامة بلهاء، وهرش قفاه ثم تمتم:
- طفل مولود يا جناب العمدة يقول: واء واء
- ماذا يقول يا ولد؟
- واء واء
- أسمعت يا شيخ عبد الفتاح؟ أنا معك إنَّ غضب الله آتٍ لا محالة و أنت تتحمل جانبا من المسئولية لأنك تخطب الجمعة والناس ينعسون أمامك حتى تكاد أدمغتهم تتخبط في الأرض وهم مقرفصون على حصير المسجد. لماذا لا تشد انتباههم بغير الجعير؟ لماذا تتركهم ينعسون؟
- ولماذا لا تسهر أنت على الأمن؟ هه؟ لماذا تسكت على الدجالين؟
- الخطوط موصولة إلى بعضها يا حضرة العمدة. هل عرفتم أهل الطفل؟ حسبنا الله و نعم الوكيل."
عثر أحد الخفراء على هذا اللقيط وأبلغ العمدة بالواقعة فدار حوار بين الشيخ عبد الفتاح الطاهر وبين العمدة، هذا الحوار سينقطع أكثر من مئتين من الصفحات حتى تنتهي الحرب ويعود من يعود من الغائبين، لكن ابن بسام البشراوي لم يعد حتى الآن.
يقلق عليه أبوه ولا يفلح سحره في إرجاعه فيسيطر عليه الشعور بالذنب لأن ابنه تنكر للمولود الذي يعيش الآن في ملجأ بعيد. شيئا فشيئا نعرف أن أم الطفل هي ابنة عبد المعين العربجي، يحاول بسام استرضاءهم ويعد بلم الشمل المبعثر متى عاد ابنه من الحرب سالما معافى. لقد وعدهم بذلك. (ص261):
"ولم يكد الحاج بسام يخطو بضع خطوات حتى سمع صوتا يناديه .. صوت صابر الفلاح الطيب المرح يكرر النداء وهو يسرع الخطى ليلحق به :
- عندي لك خبر بمليون جنيه
- عن إلهام ؟
- عن إلهام!..
لا يمكن أن تتساوى اللحظات ولا الأماكن ولا حتى الأشخاص .. في هذه اللحظة صار صابر غير ذلك الشخص الذي يعرفه أهل القرية .. بل أصبح ذا قيمة كبرى .. في إمكانه أن يأتي بالسعادة في كلمات ينطقها فإذا ببسام هو الأسعد.. رأيته؟
- وسلمت عليه!
قلبه يدق بعنف وهو يرمح ويكلم نفسه بصوت مسموع :
- أحمدك يار ب .. أحمدك يار ب.. لعنة الله عليك ياعبد المعين يا تمثال القذارة! أيمكن أن تصبح صهري في يوم من الأيام ؟ إذن ستقوم القيامة قريبا!"

اخيرا فإننا على الرغم من اختلاف المضمون وتفصيلاته بين هذه الرواية و"عشيقة عرابي" إلا أننا نشعر بأن هناك جوا عاما واحدًا او متشابها الى درجة عالية متجسدا في الأحداث التاريخية والتجارب المعاصرة واختلاط الحكايا وتطورات الشخصيات والأجيال ووصف الأمكنة العتيقة وروائحها. هذا التشابه جعل هذه الرواية تتسم باهم ميزة اتسمت بها الرواية السابقة مثل الحنين الى الماضي والعودة الى الجذور القديمة، فالماضي هنا جليل وعزيز وتتحقق فيه فكرة الكاتب او مغزى الرواية: نضج البطل الروائي ورجولته وفروسيته الشامخة.





د. زهير ياسين شليبه
ناقد وأستاذ جامعي عراقي مقيم في الدنمرك
shlaiba@hotmail.com

مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. ظل الحجر على البشر.!
على عبد الباقى ـ صحفى وروائى | 12/2/2011 الساعة 20:25
تأمل معى تلك الحالة التي يتناهى فيها الحجر مع البشر مثلما تناهت فيها الحالة النفسية لجحا عندما غضب من البعض الذين لم يصبهم الهلع لسقوط ‘حدى قطع ملابسه فقال لهم هب أني كنت فيها الناظر هنا يوحد بين التمثال الحجر لحاكم الدولة فيظن أنه هو هو ويرى الحجر ظلا للبشر يخيم على مجتمع المدرسة بطغيانه واستبداده. العجيب أنه لا يجد في نفسه أدنى استعداد لمقاومة الاستبداد وإن كان يصدر عن حجر. قما بال الاستبداد ينجح دوما في فرض سطوته على بني البشر وإن كان من حجر أو بقر.!
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث