الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
موسم الظهور، ونجاح الهجرة "من الجنوب إلي الشمال"
شوقي عبد الحميد يحيي
موسم الظهور، ونجاح الهجرة "من الجنوب إلي الشمال"
الطيب صالح



لاشك أن " موسم الهجرة إلي الشمال " تعد إحدي علامات الرواية العربية ، حين تعتبر رابع رواية عربية تتناول شأن العلاقة بين الشرق والغرب ، مختلفة عن سابقاتها في الرؤية ، وفي التناول . فضلا عن استحقاق كاتبها " الطيب صالح " ما لقب به " عبقري الرواية العربية " علي الرغم من قلة إنتاجه الذي تعتبر هذه الرواية إحدي إثنتين ، مع " عرس الزين " ، ومجموعة قصصية وحيدة " دومة ود حامد " ، بخلاف عملين آخرين لم يكتب لهما الانتشار " مريود " و " نخلة علي الجدول " . الأمر الذي يجعل من نجاح " موسم الهجرة " منذ صدورها في سبتمبر 1966 وحتي الآن ، ظاهرة أدبية تستدعي الدراسة وتستحق التأمل . ولابد للدراسة أن تدرس الظاهرة في ظل الظروف المحيطة ، لمعرفة أسباب تفردها حين الصدور ، وأسباب بقائها بذات الحيوية التي ظهرت بها منذ أن ظهرت وحتي الآن .
من علامات الرواية العربية التي تناولت علاقة الشرق بالغرب وسبقت ظهور " موسم الهجرة إلي الشمال "
1 - رائعة توفيق الحكيم " عصفور من الشرق " ( 1938 ) والتي عقد فيها المقارنات " فنيا " بين الشرق الممثل في مصر، بلد بطل الرواية " محسن " ، والغرب الممثل في فرنسا التي ذهب محسن إليها للدراسة والتعلم ، أي أن الشرقي وقف منبهرا أمام التقدم الغربي ، حتي لو فند هذا التقدم فيما تلا من أحداث الرواية .
2 – رائعة يحيي حقي " قنديل أم هاشم " ( كتبت 1939 وطبعت في 1944 ) والتي عاد فيها " إسماعيل " من الخارج " ألمانيا " محاولا استخدام العلم الذي تعلمه في علاج العيون ، إلا أن العادات الموروثة في مصر تغلبت عليه ليستسلم ويجمع بين ما تعلمه وما توارثه ليسيرا جنبا إلي جنب لتستقيم الحياة .
3 – " الحي اللاتيني " لسهيل إدريس ( 1953 ) والتي تتفق مع " عصفور من الشرق في كون الرحلة إلي باريس ، وأيضا الاتكاء علي العلاقة الأنثوية بين البطل الآتي من الشرق ، و الفتاة الباريسية التي انبهر بها ، لعقد المقارنات بين الحياة الشرقية والحياة الغربية .
( ومن أشهر ما ظهر بعد " موسم الهجرة إلي الشمال " متناولا ذات الموضوع رواية بهاء طاهر " الحب في المنفي " ورواية سهير المصادفة " لهو الأبالسة " ) و"جنية في قارورة " لأبراهيم فرغلي .
وفيما سبق " موسم الهجرة " نلاحظ التفاعل بين الجانبين وصولا للرسالة المبتغاه ، بينما توقفت موسم الهجرة عند الاحتكاك الخارجي ، دون التفاعل الحقيقي ، وصولا إلي الرسالة المبتغاه – في نظرنا – والتي تصنع التفرد عما سبقها من إبداعات ، وتحقيقا وتأكيدا لحيثيات الصمود في وجه الزمن .
فإذا كان من بين الحيثيات التي منح نجيب محفوظ من أجلها أرفع الجوائز العالمية " نوبل " هي تأصيله لقاع وحقيقة المجتمع المصري ، فإن ما يمنح موسم الهجرة شرف البقاء والشيوع هو الوصول لجوهر وطبيعة التكوين البشري في السودان الجنوبي العربي الإفريقي .
فإذا كان " مصطفي سعيد " الشخصية المحورية في " موسم الهجرة إلي الشمال " قد اعتبر مغامراته النسائية المتعددة في الغرب إحتلالا وغزوا مضادا لاحتلال بلاده ، واعتبره غاية المراد من رب العباد { .. "..وأنا فوق كل شئ مستعمر، إنني الدخيل الذي يجب ان يبت في أمره. إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة، وقعقعة سنابك خيل اللنبي وهي تطأ أرض القدس. إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوروبي الكبير الذي لم يشهد العالم مثيله من قبل، نعم يا سادتي، إنني جئتكم غازيا في عقر داركم. قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ". } .
فإنه بهذا التفكير ليس إلا ابن البيئة السودانية التي يعيشها الجد المعمر " حاج أحمد " و " ود الريس " " المحجوب " و " بنت مجذوب " الذين يتفاخرون بفحولتهم وغزواتهم النسائية ، وتعدد زوجاتهم . وما كانت فعلة " ود الريس " من إصراره علي الزواج من " حسنة بنت محمود " زوجة مصطفي سعيد ، والذي يكبرها بأعوام كثيرة ، ورغم رفضها المتكرر له ، ويصر والدها علي تزويجها منه ، فما كان له أن يقبل أن يقال عنه أن ابنته لم تطع أمره ، ويتم الزواج الإجباري ، لينتهي النهاية التي وعدت بها " بنت محمود " إذا ما تم الزواج رغما عنها . فبعد أن يئس من الدخول بها ، حاول أخذها عنوة ، فقتلته وقتلت نفسها ، ليصبح ذالك عار ما بعده عار ، يخزي الجميع منه ، ويتحرجون حتي من ذكر ما حدث ، إعتبارا بأنها أول حالة ترفض فيها المرأة الزواج من رجل ، الذي له أن يفعل مايشاء .
هذا و رغم تميزه في الدراسة وتفوقه علي كل أقرانه ، للحد الذي يشخص القاضي شخصيته في عبارة موجزة مكثفة أراها – في تصوري بؤرة الرواية كلها - لا تصف مصطفي سعيد وحده ، وإنما تصم الشرق الإفريقي كله :
{ .. إنك يا مستر مصطفي سعيد ، رغم تفوقك العلمي ، رجل غبي ، إن في تكوينك الروحي بقعة مظلمة ، لذلك فإنك قد بددت أنبل طاقة يمنحها الله للناس : طاقة الحب .. } .
فقد ذهب مصطفي سعيد إلي الغرب محملا بأحقاده ، وكذلك عاد الراوي من الغرب ، وما هما معا ، إلا شخص واحد ، أيضا محمل بأحقاده التي دخل بها علي ما حمله مصطفي سعيد من الغرب ، لكنه لم يحملها إلا " كالحمار يحمل أسفارا " ، علي حجرته المليئة بالكتب والمعارف ، والتي اختزنها مصطفي سعيد وحجبها عن أهل بلده واعتبرها من أسراره الدفينة التي لم يبح بها إلا للراوي الذي ما فكر – هو أيضا – في إخراجها لأهل بلده للاستفادة منها ، وإنما ما فكر إلا في حرقها بدافع من الحقد الذي يحصر العالم في بؤرة ضيقة ، مخبئا ذلك العالم الواسع المليئ بـ : { .. عالمي كان عريضا في الخارج ، الآن قد تقلص وارتد علي أعقابه حتي صرتُ العالم أنا ولا عالم غيري . أين إذن الجذور الضاربة في القدم ؟ أين راحت زغاريد عشرات الأعراس وفيضانات النيل وهبوب الريح صيفا وشتاء ، من الشمال والجنوب ؟ الحب ؟ الحب لا يفعل هذا . إنه الحقد .} .
لقد ذهب مصطفي سعيد ، وعاد في صورة الراوي ، ذهب وعاد كما ذهب ، لم يعرف الحب الحقيقي طريقا لقلبه ، فظل واقفا علي عتبات العلم والاستنارة والإستفادة ، لأنه – الإنسان الشرقي والإفريقي - لاينظر للأشياء إلا نظرة أحادية ، فكتب في بداية كراسة قصة حياته :
{ إلي الذين يرون الحياة بعين واحدة ويتكلمون بلسان واحد ويرون الأشياء إما سوداء أو بيضاء ، إما شرقية , وإماغربية } .
عاش الطيب صالح ( 1929 – 2009 ) فترات طويلة من حياته في العاصمة البريطانية ، التي توفي بها . وقد ساعده ذلك في أن ينهل من الأدب الإنجليزي أكثر من أي أدب آخر . ولاشك أن فرجيينا وولف والتي تميزت كتابتها باستخدام إسلوب " تيار الوعي " كانت أحد أهم منابعه . وقد ظهر هذا واضحا في استخدام هذا الإسلوب في " موسم الهجرة " فكانت أحد مميزات الرواية والتي تعددت وساهمت في استمرارية حيوتها ، والتي نراها في :
1 - إتساع فضاء الزمن الروائي . فالرواية وعلي الرغم من ذكر بعض التواريخ بها ، إلا أن أحدا لا يستطيع تحديد الزمن الفعلي الذي تدور فيه أحداثها ، الأمر الذي يتضافر مع بعض ما جاء بها في الشعور بأن الراوي إنما يتحدث عن الوقت الراهن . فما أظن الوضع قد تغير عن ما قاله " محجوب " صديق الراوي عند عودة الراوي من مؤتمر للتعليم :
{ .. فليبنوا المدارس أولا ثم يناقشوا توحيد التعليم .....
أولادنا يسافرون كذا ميل للمدرسة ، ألسنا بشر ؟ ألسنا ندفع الضرائب ؟ أليس لنا حق في هذا البلد ، كل شئ في الخرطوم . ميزانية الدولة كلها تصرف في الخرطوم ، مستشفي واحد في مروي نسافر له ثلاثة أيام ، النساء يمتن أثناء الوضع ، لا توجد داية واحدة متعلمة في هذا البلد .. } .
ولا أظن أن التناقض الذي حدث الراوي به نفسه ، وسكت عن ذكره لصديقه ، وما يحمله من تفاوت في المستويات - معبرا لا عن وضع السودان فقط ، وإنما عن كل إفريقيا والشرق عامة - قد بَعُد عما هو قائم الآن :
{ .. لن يصدق أن سادة إفريقيا الجدد ، ملس الوجوه ، أفواههم كأفواه الذئاب ، تلمع في أيديهم ختم من الحجارة الثمينة ، وتفوح نواصيهم برائحة العطر ، في أزياء بيضاء وزرقاء وسوداء وخضراء من الموهير الفاخر والحرير الغالي تنزلق علي أكتافهم كجلود القطط السيامية ، والأحذية تعكس أضواء الشمعدانات ، تصر صريرا علي الرخام ...} .
وما أظن أننا – في إفريقيا – قد تجاوزنا القشرة الخارجية للحضارة – كما عبر عنها ذات الصديق :
{ الدنيا لم تتغير بالقدر الذي تظنه ، تغيرت أشياء ، طلمبات الماء بدل السواقي ، محاريث حديد بدل محاريث الخشب ، أصبحنا نرسل بناتنا للمدارس . راديوهات . أتومبيلات . تعلمنا شرب الويسكي والبيرة بدل العرقي والمريسة . لكن كل شئ كما كان ..} .

2 – تعدد مستويات الشخصية الروائية
علي الرغم من اعتماد الرواية علي شخصية واحدة رئيسية ، الأمر الذي قد يبدو معه الأمر هينا ، إلا أن تعمق الشخوص مجتمعة ، يتبين أنها ليست سوي أوجه لشخصية واحدة مركبة تترجم ، لا مجرد الشخصية السودانية ، وإنما الشخصية الشرقية الإفريقية عموما .
فليس الراوي ومصطفي سعيد سوي وجهين لعملة واحدة ، شخص واحد في جسدين ، أحدهما ذاهب والآخر آت . كلاهما يحمل الحقد ذاته ، ويحمل الرؤية الآحادية ذاتها ، والسلبية ذاتها ، وكل أمراض الشخصية الإفريقية ذاتها . وقد عبر الراوي عن ذلك التوحد عندما دخل حجرة مصطفي سعيد العامرة بالكتب والمؤلفات المخزنة ، دون أن يراها أحد ، بنظرة حاقدة ، ورغبة في حرقها :
{ .. وقع الضوء علي عيني كوقع الانفجار و خرج من الظلام وجه عابس زاما شفتيه ، أعرفه ولكني لم أعد أذكره . وخطوت نحوه في حقد ، إنه غريمي ، مصطفي سعيد . صار للوجه رقبة ، وللرقبة كتفان وصدر ثم قامة وساقان . ووجدتني أقف أمام نفسي وجها لوجه . هذا ليس مصطفي سعيد . إنها صورتي تعبس في وجهي من مرآة } .
بل قد لا أبالغ إن رأيت في " محجوب " وجه آخر من وجوه الراوي ، انقطع عن استكمال التعليم ، وامتهن الزراعة ، إلا أنه الضمير الداعي للحركة في داخل الراوي . فهو الذي يطالب الراوي بالحركة وعمل شئ من أجل البلدة ، لكنه – الراوي – يتعلل بأن موظفي الحكومة لا يفعلون غير ما يؤمرون به . ويطالبه بالتقدم لـ " حسنة بنت محمود " غير أن سلبية الراوي – الممثل للشخصية الإفريقية – تركن إلي سلبيتها ، حتي تضيع حسنة من الحياة كلها . كما أستطيع القول أن باقي الشخوص الواردة في الرواية ، ليست إلا طين الأرض التي انغرس فيها نبت الراوي ، فأنبت مصطفي سعيد . ليتشابك الكل في واحد ، لكنه الواحد المركب ، علي غير ما يبدو علي السطح . علي الرغم من عدم ظهور دور – في نظرنا – لإبني مصطفي سعيد ، فبدوا كما لو كانا زائدين عن المنظومة .
3 – تعدد مستويات السرد
عند صدور " موسم الهجرة في 1966 ، لم يكن ما عرف فيما بعد بجيل الستينيات ، قد بدأ النشر بصفة لافتة ، بما اتسم به من تجديدات علي إسلوب الرواية ، والذي كان تيار الوعي أحد علاماته ، تعبيرا عن الانشطار والتفكك والتفتت الذي عاناه مع نكسة يونيو 1967 . بينما تواجد علي الساحة الروائية رواد تلك الفترة ممن غلب علي كتابتهم صيغة الكتابة الحكائية المتصاعدة زمنيا ، والمستقيمة إسلوبيا ، مثل نجيب محفوظ – وكانت الثلاثية بضخامتها وتتابعها وتصاعدها قد خرجت للنور – وفتحي غانم ، ويوسف إدريس ، وعبد الرحمن منيف و حنا مينا . إلا أن الطيب صالح خرج علي ذلك التصاعد السلس في الحدث ، فبدأ تفتيت الزمن بين أبعاده الثلاث في تداخل مقصود ، وتداخل السرد بين الحكي التقليدي ، و الغوص داخل النفس واستخراج مخبوئها لعين القارئ ، واستعمال تيار الوعي الذي كانت فرجينيا وولف قد بدأته – مثلما ذكرنا – مستفيدا من أدب الغرب . الأمر الذي دب الحيوية في جسد النص ، وجعله في حراك دائم ، والقارئ معه صعودا وهبوطا ، يمينا وشمالا ، وكأنه محمول علي بساط الريح يتماوج به ، فلا يمل ولا يكل حتي يصل نهاية السطور دون أن يصل نهاية الحدث ، وهو العنصر الرابع في موسم الهجرة .
4 – انفتاح النهايات
أنهي الطيب صالح حياة مصطفي سعيد ، دون أن نعلم كيف كانت النهاية ، ولنظل في تساؤل عما حدث . هل انتحر مصطفي سعيد ؟ هل قتل ؟ هل إختطف ؟ هل .. هل . . الإجابة هي ألا إجابة . ثم هل كان مصطفي سعيد عميلا وجاسوسا للبريطانيين مثلما ذكر أحدهم ، وكان رجلهم الأول والمدلل ، أم كان سودانيا إفريقيا منتقما من غاصبي بلده ؟ أيضا لا إجابة .
وانتهت الرواية بدخول الراوي حجرة مصطفي سعيد برغبة إحراق كل ما تحتويه من علوم وفنون وثقافات . ، وبدأ بالفعل في حرق جزء من سجادة الأرض . فهل استكمل ما بدأه بالفعل ، وأحرق تلك الكنوز المخبأة ، أم أنه تراجع وصنع لها دورا في تحريك سواكن الوطن ؟
كل تلك الأشئلة جعلت قراءة الرواية علي الأزمنة المختلفة متجددة باستمرار ، وصالحة للقراءة ، وصالحة لأن يحرز صاحبها جائزة الإبداع الأدبي في ملتقي الرواية بالقاهرة في فبراير 2008 علي الرغم من قلة إبداعه ، ليثبت أن العبرة بالكيف وليست بالكم ، وأن موسم الإبداع عندما يأتي ، فإنه يهاجر بصاحبه إلي حيث التفوق والبقاء .

شوقي عبد الحميد يحيي
ناقد من مصر
Em: shyehia@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث