الأربعاء, 20 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
نقوش حسين البرغوثي على حجر الورد
أماني أبو رحمة
نقوش حسين البرغوثي على حجر الورد
حسين البرغوثي




مقدمة :
وظف كتابٌ وفنانون ما بعد الحداثية بوصفها حركة أدبية جمالية في مناطق وبيئات ثقافية لم تختبر الحداثة على الطريقة الغربية المتمثلة بالتحديث الصناعي والرأسمالية والتمدن. ولم تتوفر في تلك المناطق والثقافات , ومنها العالم العربي بطبيعة الحال, ظروف واشتراطات ما بعد الحداثة. ومن هذه الظروف التمايز الجمالي بين الثقافة العالية والثقافة المتدنية, وتطوير مؤسسات ثقافية منفصلة ، وظهور رواد مبتكرين يأخذون على عاتقهم مغامرة التجريب والابتكار الأصيل وغير المسبوق ، والتطور الاجتماعي والاقتصادي للرأسمالية المتأخرة والمجتمع الاستهلاكي . وبسبب ذلك عدً كثير من المراقبين أن ما بعد الحداثة الأدبية أو الجمالية ليست أكثر من بدعة ستزول حتماً عندما لا تجد من يستهلكها بسبب انفصالها عن الواقع الاجتماعي للأمة العربية . ولكن علينا أن نتذكر أن العالم بأسره , وحتى في مرحلة ما قبل العولمة و قد تناقل جماليات الحداثة دون شروطها وظروفها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، بل أن الرواد في مناطق مختلفة من العالم قد خلقوا عوالم ثقافية وإيديولوجية وفي نهاية المطاف مؤسسات ثقافية قادت التحديث الأدبي المحلي . واليوم نجد أن ما بعد الحداثة الجمالية نفسها تخوض منافسة مع هذه المؤسسات التي قادت التحديث الجمالي يوما ما. وتحديدأً فإن القصص الكبرى أو ما وراء السرديات التي أسس لها رواد التحديث هي التي كانت نقطة المغادرة والمغايرة لدى الأجيال اللاحقة : التاريخ و اللغة ومفهوم الهوية الوطنية.
لقد شكلت ما بعد الحداثة الأدبية أو الجمالية حضوراً لفت الأنظار الى رواده الذين وظفوا الأساليب الكتابية الما بعد حداثية شكلا أو مضمونا . فمن الناحية التجريبية ذهب الرواد بالتجريب الشكلي الى أقصاه في إطار ما بعد الحداثة دون قيد أو شرط . أما من ناحية المحتوى فقد تناول الكتاب ثيمات ما بعد حداثية كالتاريخ واللغة والعقلانية والميتافيزيقيا واستجواب السرديات الكبرى ، ولكنهم وازنوا بين هذه الثيمات وبين المحتوى التقليدي بدلاً من التحدي الصاخب أو المعارضة الجذرية . بمعنى أن ما بعد الحداثية الأدبية بوصفها ظاهرة جمالية قد تفاعلت مع الثقافات المحلية لتخلق شكلاً أدبياً محلي الطابع على الرغم من توحده مع كثير من الاهتمامات الثيمية والشكلية التي مارستها الما بعد حداثية الأدبية الأوروبية والأمريكية وبالتالي احتفظت بملامحها الخاصة والمميزة . ففي كتابهما ( ما بعد الحداثية الجمالية : النظرية والتطبيقات الأدبية , 1997 ) (1) يرى هانس بارتنس ودوفي فوكيما أن ما بعد الحداثية بوصفها تطبيقاً جمالياً قد ازدهرت في كل مكان من العالم تقريباً. ويقولان بأن كل ثقافة محلية قد تأقلمت وتكيفت مع ما بعد الحداثية بطريقتها الخاصة بقطع النظر عن اختلاف الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية . ويرى الكاتبان أن العامل المشرك هو المتاحية الشفافة لما بعد الحداثية عبر تقنيات الإعلام الجماهيري العالمي. ولذا فإن ما بعد الحداثة هي تغيير جوهري في إدراك ، وتلقي ، وتمثيل ، وإنتاج الفن ، بقطع النظر عن الخصائص الشكلية التي يمكن أن يحملها ذلك الفن .
ويمكننا أن نُعطي أمثلة عن كتاب وشعراء وروائيين عرب وظفوا ملامح الكتابة الما بعد حداثية ليتناولوا أفكار وثيمات محلية خاصة ، أو محلية بأبعاد كونية توافق أو تتعارض مع الثيمات والفلسفات الما بعد حداثية , مما منح هؤلاء المجربين صفة الانتقائية والخصوصية بعيداً عن التقليد الأعمى أو المحاكاة الفارغة المضمون . نذكر على سبيل المثال لا الحصر أسماء مثل : محمود جنداري , وجمعة اللامي ، والياس خوري ، وبشار عبد الله ، وأحلام مستغانمي وحسين البرغوثي* .
في حجر الورد لا يوظف البرغوثي التقانات الما بعد حداثية بوصفها غاية بحد ذاتها . كما أنه لا يُمشّْكل فعل الكتابة فحسب، بل يوظفها بوصفها بداية مناقشات فلسفية عميقة في خلق المعنى , والواقع , ومفهوم الوطن , والهوية الوطنية والفردية , وتاريخ المنطقة العميق بما لا يقارن . ففي إطار شكلي ما بعد حداثي يوظف البرغوثي بعضاً من تقانات ما وراء القص لا سيما التناص , وتخريب الاتفاقيات السردية , وانتهاك الحدود بين الأجناس الأدبية ,والانعكاسية الذاتية . أما من الناحية الثيمية فقد كان استجواب التاريخ ودور اللغة في خلق المعنى, وقضية الهوية الوطنية الثيمة الأساسية في النص ، فضلاً عن تثييم عملتي القراءة والكتابة . وهي ثيمات ما بعد حداثية . إلا أنني أزعم أن معالجة البرغوثي لها كانت أقرب الى الطريقة الصوفية , فاحتفظت بنكهة عربية وإسلامية خاصة ميزتها عن كتابات ما بعد حداثية تهدف الى التقليد فقط .
في هذه الدراسة سأحاول مقاربة نص (حجر الورد) للأديب الراحل حسين البرغوثي الذي بدأ مشروعاً ريادياً في الكتابة الأدبية الما بعد حداثية ، إلا أن المرض العضال لم يمهله ، فمات في ريعان شبابه ومشروعة الأدبي مازال في بواكيره الأولى . ويخبرنا البرغوثي أن حجر الورد هو أكثر النصوص التي كتبها صعوبة يقول :
((هذا (الحجر) الذي تم اكتشافه في مصر عام 1799. وبحل شفرات النقوش التي كانت عليه تم اكتشاف الهيروغليفية. لقد كان قصدي من الديوان أن أكتب نصاً حول هيروغليفيا الذات الإنسانية)) .


حجر الورد : نص صوفي طويل بنكهة ما بعد حداثية :
صرح البرغوثي بتأثير نص الجواشن للشاعر البحريني قاسم حداد عليه عند كتابة حجر الورد . ويوضح البرغوثي أن اللغة في كل من نصه ونص الجواشن لم يُرَد لها أن تحمل رسالة ما أو أن تكون جسراً بين الذات والواقع . بل كانت وسيلة لتفكيكهما وتحويلهما معاً إلى نص تشكيلي سريالي قادر على استحثاث القارئ-الناظر على استيلاد فكرة جديدة ، إحساس مغاير، معنى ما لهذا النص-اللوحة:
( توحَّدْ عندما تفكَّكُ الأشياءُ، يا عبدُ، قالْ فضحك "لا يوجدُ عمقٌ فيكَ ولا فيها، الإنسانُ كتلة"، قال. هذا مجرَّدُ تعبير أنقِذْها !) ,
( وعما قريبٍ سنرى مجلداتٍ عن اليقظةِ، مجلداتٍ متفككةٍ عن تجربةٍ مفككةٍ، وفعلاً في تلك السنة..) .
(والكلماتِ كتلُ جليدٍ أو حجر. وهكذا نامت معي لوحدِها، إنفصَلَتْ عنّي ولم تتَّحِدْ بِهِ، وحَمَّلَتْهُ الانهيار).
يحيلنا هذا التصريح للكاتب الى البحث عن التفكيكية . ولا شك بأن دريدا فيلسوف التفكيكية سيكون حاضراً وجاهزاً للحوار مع النص مع علمنا بصعوبة مقاربة أفكاره . وإن أيً محاولة لتلخيص أفكاره الأساسية ستكون بلا جدوى . ففي مناسبات عديدة رفض دريدا نفسه أن يمنحنا تعريفا دقيقا للتفكيكية التي بشر بها . وعلى الرغم من ذلك فإن أبسط الطرق لمقاربتها هو البحث عن الافتراضات التي تقوم عليها . إذ خلافا لما يعتقده البعض , فإن التفكيكية ليست وسيلة أو تقنية أخرى لقراءة النص كما أنها ليست أدآة مفاهيمية تمكننا من فك مغاليقه . تقوم التفكيكية على عدة فرضيات حول اللغة والواقع وما الذي يمكن ان يحدث حال تقاطعهما . أما المعطى الحقيقي للتفكيكية فهو أنها مكنتنا من فهم كيف تراوغ اللغة أيَّ صيغ أو تشكيلات سهلة , وتأثير ذلك على البشرية وعلى معتقداتها . وبهذا المعنى فإن التفكيكية ليست فلسفة ، ولكنها حدس أو تبصر بحقيقة ما تم تركيبه باللغة في صورة نصوص سواء كانت شعراً ، أو روايات، أو فلسفات ، أو خطب ، أو تصريحات سياسية ، أو تاريخ .....الخ . وعلينا أن نتذكر أن دريدا قد صاغ تفكيكيته في إطار ما بعد البنيوية وتبعا لذلك فإن العلامات لا تمتلك معنى وظيفياً إلا ضمن شبكة من العلاقات الثنائية مع علامات أخرى . أي أن العلامات لا تمتلك معنى لأنها تطابق شيئا واقعياً أو جوهرياً ، ولكن لأنها تنشأ ضمن شبكة من الثنائيات المتقابلة ، والمتضادة والمختلفة التي تشكل في النهاية اللغة . والأهم من ذلك هو أن مبدأ الثنائيات المتضادة هذا لا يقتصر على الكلمات في اللغة ، ولكنه ينسحب الى مفاهيم مركزية في فكر الإنسان مثل الحقيقة ، والضلال ، والخير، والشر ، والجمال ، والقبح.....الخ . إن أهم مخرجات هذا التحليل هو ما أطلق عليه دريدا التمركز العقليlogo-centrism أو التمركز حول اللوغوس. بمعنى أن كل المعرفة الحقيقية متجذرة في دال متعال موجود في الاساس خارج /وما وراء الثنائيات المتعارضة التي تتضمن هذه العلامات. هذا الدال المتعال يمكن أن يكون الله ,أو فكرة ,أو الذات , أو الروح , أو الكينونة . إنه أساس كل فكر ، وثقافة، و لغة ، وأساس كل الأحكام القيمية في العالم بلا منازع . كما أنه أيضا أساس الثنائيات المتضادة التي تتركب من خلالها الحقيقة ، وبمعنى أوسع فإن هذه الثنائيات تضم متضادات رئيسية من مثل الخير/ الشر ، الروحية / المادية ، الإلوهية / البشرية ، المعقول / اللامعقول وهلم جرا. كما أن لكل هذه المتقابلات نظام هيكلي يقذف بكل الدونيات نحو الهامش بحيث لا تعرض إلا بوصفها ملاحق أو تكملات غير أساسية . هذا الهامش وتلك الزوائد هي اهتمامات التفكيكيين :
(أخرجناهُ إلى الهامشِ، كان "التطرُّفَ" كنا لسنا "التطرُّفَ" أعني احتجناهُ لكي نُعَرِّفَ من نَحنُ، وسَامَ، خرجَ من الصفحةِ والهامشِ إلى شيءٍ أبيضٍ، وعيٍ أبيضٍ ربما، وسمِعنا بأنه غادر...)
نتوقف هنا لنعود قليلا الى حجر الورد فإذا كان السارد هو البرغوثي فمن البطل الذي يحاوره السارد يا ترى ؟ . إنه يمتلك سلطة جعلته ينادي السارد بـ ( يا عبد) . فهل يمكن لدريدا ورفيقه ابن عربي الأندلسي أن يجيبا على هذا السؤال؟ . هل هو الدال السامي المتعالي ، أو اللوغو سينتريزم ، المتمركز الكلامي أو العقلي ، أو المعنى ، أو سر البشرية الأول منقوشا على حجر الورد . أو لعله الفلسطيني الذي غدا تائها بعد تشريده من أرضه . إذ في أواخر السبعينيات نشر جبرا إبراهيم جبرا مقالة بعنوان (المنفي الفلسطيني كاتبا) (2) تحدث فيها عن لقائه بالمؤرخ البريطاني ارنولد توينبي, في بغداد في العام 1949. ونقل عنه قوله: إن محنة المنفى للفلسطينيين يمكن أن تقارن بطرد الأتراك للمفكرين اليونانيين من بيزنطة عام 1453 . واضطر هؤلاء الى الانتشار في أوروبا ، وكانوا عاملاً أساسياً في إنهاء عصور الظلام الأوروبية ، وبداية عصر النهضة . ولكن جبرا رسم مقارنة مشابهة بين اليهود الذين كانوا على غرار الفلسطينيين في المنفى جوالة المعرفة الذين يرتحلون في كل الدنيا ولا يحملون معهم سوى ذاكرة الوطن والتزاماً باستعادة ما فقدوه . فهل أن بطل البرغوثي في حجر الورد هو الفلسطيني التائه . دعونا نقرأ إذا :
• (أتى كنبيٍّ ومضى كنبيٍّ من عالمٍ آخر ومن حُلُمٍ مختلفٍ، علامةً بُعِثت من قِوىً أعلىً "حتى هو لم يكن واعياً بها".بيننا مرَّ، بعيداً، بعيداً جدّاً، كنجمٍ حزينْ، ولمحْ: كنّا نفعيينَ، وما كانَ قِدِّيساً، ولكنهُ كانَ يرمي وجههُ في يديهِ كبرتقالةٍ في الثلوجِ، ويبدو، في لحظاتٍ كتلكَ بلا حلمٍ، مثلَنا كُلَّنا.....).
• (لم أرَهْ. كان غامضاً كحدسْ......)
• (حاولتُ أفلقَهُ كحبّةِ جَوْزٍ كي أفضحَ داخِلَهُ، لا داخلَ فيهِ، أو هكذا شعرتُ. وكان واضحاً، ووضوحُهُ يُخيفُنا، فنلتفُّ بعباءةِ السرِّ وننفضحُ نحنُ، وكنا نحبُّ الغموضَ، وكان واضحاً، وهذا ما كان غامضاً فيه. ......).
• (كان يبدو تحتَ السطحِ، كامناً، حتى لحظةِ النظرِ إلى الداخلِ، حين يسري في الروح كأفعى النهـرِ، وما كان فظاً، كنتُ أحتاجُهُ مولاي، ما كان فظاً،......).
• (... الآنَ أكملتُ الرسالةَ فيكَ حتى يبدأَ اللفظُ الأقدسُ، يا عبدُ" قال "وتلك بدايةُ لذبذبة...).
• (قال بأن الوحيَ بدأ بالنزولِ عليهِ في بدايةِ السنةِ الأربعين بعد الطوفانِ، وقبل سنةِ الثلجِ، حسبَ تقويمِ فلاحي فينيقيا. .... الخ).
• (وقال "لستُ نبيّاً ولا إلهاً ولا فيلسوفاً ولا شاعراً ولا صاحبَ الناقةِ " وهذا ما بدا لي بالضبطِ كفلسفةٍ، قالَ " النادِرُ للنادرِ".....) .
إن التفكيكية هي برنامج نقدي إن جاز التعبير لتفكيك الطبقات الخفية من المعاني في النص (وبالنسبة لدريدا فإن كل شيء هو نص : القصة نص، القصيدة نص، الكتاب الفلسفي نص ، اللوحة نص، المبنى المعماري نص ...) ، وإظهار احتماليتها المطلقة واعتباطيتها . كما أنه يهدف الى هدم تحيزات التمركز الكلامي في النص من خلال حل المعارضات الثنائية التي يقوم عليها . وفي النهاية ، فإن كل نص يقوض افتراضاته الخاصة ، ويعترف بعدم قدرته على إنتاج مصداقيته الذاتية . يرفض التفكيك أي منظور يزعم أننا نستطيع فهم وتمثيل الحقيقة والنتيجة هي الاعتقاد بأن اللغة تحدد أو تعرّف الحقيقة ولكنها لا تمثلها . وأن خبرتنا عن الحقيقة هي نتيجة اللغة (لا مانعَ من استخدامِ لغةٍ توحي بما لا تقصُدُه..), وأن أي محاولة لتحديد معنى النص تُقوض بوساطة منطقه الذاتي , وتناقضاته , وميوعته, وتشظي المعنى والاختلاف :
(الاختلاف، ربما، هو طريقةُ الآلهةِ في صياغةِ الهويةِ. أمن أجل التوضيح، اختلقْتَ وجودَ لوحةِ النارِ في فارسَ؟ قلتُ، فقالَ الروحُ التي تجهلُ الفرقَ بين الخلقِ والإختلاقِ، منافقةٌ، أنت منافقٌ، يا عبدُ) .
( بيني وبين ما أعرفُهُ، بين ما أعرفُهُ وما أفهمُهُ، وبينَ ما أفهمُهُ وما أشعرُ به، والعالمُ لوحةٌ باهتةٌ معلّقةٌ على جدرانِ الوعيِ، ارفعيني نحو أمومةٍ أخرى!) . و (وقال الأشياءُ فَشِلَتْ في العيشِ حسب مفهومِها، مفهوم الأشياءِ ما يقصدُ، فَشِلَتْ، وقال الظلُّ لا يكفي للقاءِ الأصلِ. وعندما يعودُ الحصانُ الأصفرُ إلى سفح الجبلِ يبدو منتشياً بالعودةِ من الخارج).
إنها فلسفة المثالية اللغوية linguistic idealism, التي تقول أننا نخلق العالم الذي نعيش فيه بتوظيف لغة تابعة للعقل وللتصنيفات الاجتماعية. وتكمن الصعوبة في كيف يمكن أن نُعطي شكلاً حرفياً لهذه الرؤية بحيث لا تتعارض مع حقيقة أننا ( نحنُ الذينَ علينا لا تصحُّ قواعدُ اللغةْ... ) , اللغة التي أصبحت في فكر ما بعد الحداثة نظام غير مستقر للمرجعيات , بدلا من كونها نموذجاً مضبوطاً للمعنى :
(كان الشاطئ حروفاً مكتوبةً للتجارةِ بها، ولم أكن أملكُ لغةً أخرى، "فإن الأرض توَرَّثُ كاللُّغة!"وأحزنني السّمَكْ، كان القمرُ أميلَ للازرقاق الكالحِ الذي يقتربُ بعد غسلهِ من الفضّةِ الباهتةِ، ولا صوتَ هناك، سوى صوتُ ريحٍ ذهنيةٍ، ولا موسيقىً ولا نحتْ، وكان الشاطئ يشبهُ أرضاً من الأرابسك، ساجيةً كمرآةِ رخامٍ، مزينةٍ بكتاباتٍ عربيةٍ كوفيةٍ وغيرِها، وعندما كنتُ واثقاً من نفسي بالضبطِ بدوتُ كطوطمٍ آخر فقط، حتى أنني كنتُ الطوطمَ الوحيدَ في هذه الشواطئ الخاليةِ من المعنى.....).
وباختصار، فإن ما يقوله حجر الورد هو أن النص يراوغنا . ونحن لا نستطيع حتى تطويق ما نعتبره حقيقة واقعة بالنسبة لنا. إن تركيب النص يعني أن هناك دائماً شيء ما بقي خارجاً لم يُذكر ، يُقاوم الوضوح ، ويدفعنا للبحث عن ما يبدو أنه مجرد ملحق , أو حاشية على هامش النص الرئيسي . وبمعنى آخر، يمكننا أن نتحدث فقط بمصطلحات النفي والغياب:
(وتجنب، وكان فناناً في التجنب، واعتقدنا بأنه صار عادياً، وكذا صارَ، ولكن هذه من أغربِ خطواتِهِ: أعني عاديّتهُ....).
(عن منطقةٍ كهذه، بمعاييرها، فتجنَّبْ، وكان فناناً في التجنب، قال عن زوجتي "وعيُها طبقة"، وقال، لاحقاً، بأنه تجوَّلَ حول ضواحي الجنونِ، وعاشرَ سكانَ هذي البلد، وتوقفَ بين المألوفِ والجنون زَمَنَاً، لا يرجع من حيث جاءَ، ولا يوغِلُ في حيثُ يتجهُ، سأَلَتْهُ إن كان هناك لم يـزلْ، قال التردُّدُ بين المألوفِ والجنونِ طبقة....).
(وقالْ: هنا أتعبَّدْ، والصمتُ كلامي فانظرْ فيهْ، أغناءُ الروحِ حاجتُكَ الجوهرةُ المنقوشةُ على شكلِ فارسٍ من البرونزِ والتأمُّلْ، لما يتعمَّقُ وعيُكَ ويحتاجُ الفيضانُ هذه المدنَ لن يبقى من هذهِ المدنِ إلا الريحُ التي عَبَرَتْها الخيانةُ في الروحِ نفضٌ لغبارِ المللِ،...).
وفي اللحظة التي نعتقد فيها أننا قد ارتطمنا بمعنى النص ، فإننا ملزمين بمواجهة نتيجة ما قمنا به , لأن حصيلة تفكيكنا تحمل دائماً خطر بناء النص من جديد . ولا سبيل للخروج من هذا (التفاعل اللانهائي بين الدلالات ) . كل ما علينا هو الاعتراف بها وربما أن نتعلم بصبر وتواضع إعادة القراءة ، والتفكيك والتركيب من جديد .
لم تكن المسحة الصوفية الطاغية على النص من قبيل المصادفة فالعلاقة بين تفكيكية دريدا والفلسفة الصوفية الإسلامية , فلسفة العارف الشيخ محيي الدين ابن عربي ابن مرسيه الأندلسي , والراقد في دمشق , .. وثيقة جدا ( 3) .لذلك كان ابن عربي حاضراً في النص , غائباًعنه :
(قالْ: قالَ الشيخُ بن عربي "كلُّ سفينةٍ لا تجيئُها ريحُها منها فهي فقيرة"، نفخ اللهُ من روحِهِ فيكَ فروحُكَ من ريْحِهِ، أنفخ من روحِكَ في روحِكَ يا عبدُ، قالْ. "خَرْقُ العادةِ إن لم يصبحْ عادةً لا يعوَّلُ عليه"، قالَ، قالَ الشيخُ بن عربي. يا عبد أنت أسيرُ ما اعتدتَ عليه، أخرقْ ! قال، يا عبدُ تتكرّرُ في فمِ الزبدِ البحريِّ كلازمَةِ الأغنيةِ، قالْ، تكرارُك يا عبدُ لزومُ ما لا يلزمُ، غَنِّ، كُنْ عصفوراً من اللؤلؤِ، من يرث الصوتَ لا يحصدْ به عِنَباً ومن يرث الشوكَ لا يغتني يا عبدُ قالْ، إن لم تكن صدىً لا تُكرِّرْ ما قالَهُ غيرُك، يا عبدُ،..... )
(قال "قال الشيخ بن عربيّْ السفرُ ثلاثةٌ، سفرٌ منهُ، وسفرٌ إليهِ، وسفرٌ فيهِ، وهذا السفرُ فيه سفرُ الحيرةِ والتيهِ، وسفرُ الحيرةِ والتيهِ لا غايةَ له. فافهمْ: السَّفَرُ غايةُ السَّفَرْ".....) .
يشارك دريدا ابن عربي الوعي بحجم الانحرافات والضلالات التي يمكن أن تكون عليها التمثيلات. فليس من المستغرب ، إذن ، أن كلا المفكرين يتحدثان عن الميتافيزيقيا في سياق السلاسل و 'العقد' ومحاولاتهما فك تلك العقد . وليس مستغرباً أيضاً أن يرى الاثنان في حالة الحيرة إمكانية لمعرفة أصدق وأكثر حقيقية . كما أنهما يعتقدان بأن النصوص تحمل عدد لا نهائي من المعاني ، ويشتركان أيضاً في مفهومهما عن الذات (أو في الحقيقة كل الهويات الذاتية المستقلة ) باعتبارها متجذرة في هاوية... هذا المخزون المشترك من الأفكار والاستعارات أبعد ما يكون عن التشابه السطحي بين الفيلسوفين اللذين تفصلهما سبعة قرون أو يزيد ، ولكنها ببساطة تبعات تشكيك في العلاقة بين الفكر العقلاني والميتافيزيقي . .
وحدثته عن جمالِ اللغةِ في القرآنِ، قال "ربما بنفس المعنى الذي يتحدثُ الله لكم فيه بالعربية، هل اللهُ عربيّْ؟".
إن قراءة متفحصة لكتابات ابن عربي تؤكد أن نظامه لم يكن وصف التمركز العقلي أو الكلامي للماهيات والطبقات المنقوشة على الحجر ، ولكنها سلسلة مدارج تقود السالكين الى منزلة اللا منزلة . إنه نظام يقودنا الى تجاوز الميتافيزيقيات حيث منزلة لا صبح فيها, ولا مساء , ولا ملامح ،ولا صفات ، ولا أسماء .
أما النقطة الثانية التي تربط الشيخ العارف بالفيلسوف الفرنسي فهي أنه عند بناء نظام افتراضي قادر في النهاية على الحديث عما هو غير معروف أو بلا تعريف من خلال توظيف الأسماء والكيانات وضع ابن عربي " الله " أو اللاهوت " خلف هذا النظام , في حين أن دريدا أطلق عليه «سو راتير sous rature» الفرنسية (بالإنجليزية: أندر إريشر under erasure) «تحت الممحاة» : الكلمة التي نظن أنها مُحيت وزالت تترك وراءها أثراً لا يزول ويمارس وظيفته أو آثاراً من وظيفته.
يقلقنا دريدا ,وابن عربي , و البرغوثي حين يجعلوننا نفكر مرتين في كل الأمور التي كانت بالنسبة لنا مسلمات ، بل أنهم ينبهوننا الى أن الثقة المفرطة التي نخدع بها أنفسنا حين نتحدث عن (الحقائق) التي لم نستجوبها قط . كما أنهم يثيرون في أعماقنا احتمالات أن كل ما شعرنا بصدقه يوما عن الحقيقة ، أو الأدب ، أو التاريخ ، أو الدين ربما كان في غير سياقاته الحقيقية أو أنها تشكلت من معتقداتنا وخبراتنا بدلا من كونها تجسد الأشياء نفسها .
ترى ما بعد الحداثة أن الذات مكونة من علامات لا معنى لها إلا بنسبتها الى علامات أخرى. وتشكل العلامات التي هي بدورها تراكيب اجتماعية . وعلى الرغم من أن الذاتية تتكون من خلال إنتاج العلامات , إلا أن الذات ليست حرة حتى تُكوِّن من هذه العلامات ما ترغبه أو تريده , بمعنى انه لا يوجد ذات موحدة ثابتة ومستقرة تتحكم في تدفق الدلالات حسب ما تريد , ولكنها تجد نفسها في شرك شبكة من المعاني لم تخلقها . وفي النهاية فإن المجتمع من يفرض علينا هويتنا ، التي لا تتمتع بأي استقلالية أو اختيار . وعليه فإن اختلاف المجتمع قد يفرض هوية مختلفة . بل و ربما جنسا مختلقاً.
أما مسألة الأنوثة عند ابن عربي فإنها تتخذ طابعا معرفيًّا بشكلٍ واضحٍ وصريح ؛ فيخترق الأزواج المفاهيمية على المستوى الأنطولوجي والأنتربولوجي ، والمعرفي واللغوي… فـ " الأنثى " كمفهوم هي نقطة محرقيه لاستقطاب التجليات الإلهية كونها تمثل البعد المنفعل في تلقي الأنوار الإلهية .
لا يكف خطاب ابن عربي عن الاحتفال بالأنوثة le féminin (4) بحضوره الباذخ و بهائه اللامع ، وبحشمته المضيئة وعتمته الواعدة ، وسريته الكاشفة، من داخل صونها المحير، ماهيته الأسرار كلها.والاعتراف "بالأنوثة والذكورة " كقطبية تميز الوجود، هو في ذاته إعادة النظر في مبادئ الفكر " العقلاني " ( مبدأ الهوية ، الخلق ….) لذلك عمد ابن عربي لاعتماد مبادئ منها (التثليث ، الحب ، الرؤية …) الأمر الذي سمح له بمرونة تقبل القضية ونقيضها ، فتتعدد الدلالات المتعلقة بنفس الموجود و تتقابل لتثير حيرة الفكر ، هذه الحيرة التي يعتبرها عين الصواب وهي الطريق لمعرفة الكون نظرًا للطابع الخيالي الذي يتسم بها .
فالهوية عنده في تفتّح مستمر ومتواصل فالذات حركة دائمة في تجاه الآخر. ولكي تبلغ الذات الآخر لابد من أن تتجاوز نفسها، أو لنقل : لا تسافر الذات في اتجاه كينونتها العميقة، إلا بقدر ما تسافر في اتجاه الآخر وكينونته العميقة. "ففي الآخر تجد الذات حضورها الأكمل. الأنا هي، على نحو مفارق اللا أنا. والهوية، في هذا المنظور، هي كمثل الحب - تخلق باستمرار (5):
(ما حيَّرَنا فيهِ أنّه لم يكن امرأةً، ولا رجلاً. كلُّنا نعرفُ، كان رجلاً، بمعاييرِنا،وحَسَبَ عرافةِ طنجة كان أنثىً، بمعاييرها، وسألناهُ، قال الأُنوثةُ والرجولةُ ضفّتانِ لنهرٍ واحدٍ وهوَ اختفاءُ النهرْ عندَ لقاءِ الضفتين، بِلُغَتِنَا. لكنه كان أبعدَ مما يجبُ، لا ذاكَ ولا هذا، غامضاً، وراءَ اللغةِ، ورَمَتْهُ سكارلت بإناءِ زهورٍ عندما تحدَّثَ).
(أنت سجينُ كونِكَ رجُلاً أو ذكراً، صِرْ قطةً وليسَ قطاً، وضحِكَ، وغمزَنِي).
( يا عبدُ، لا تَغرَقَنَّ في الحياةِ بحثاً عن أنثى، وأغرقْ في الأنثى بحثاً عن الحيــاة، وكل روحٍ ذكرٌ وأنثىً، فلا تنكر الأنثى التي فيكَ أو الذكرَ الذي فيك، وكلُّ حبيبٍ إشارةٌ لســـواهُ، نظرياتكَ يا عبدُ سحرٌ أسودٌ، وآراؤك حجارةُ شطرنجٍ، افتح اللهَ ككتابٍ من المرايا وانظر نفسكَ كما تتجلى فيها).
إن نص حجر الورد لوحة معارف كونية بألوان شتى مثقل بالعلامات والإشارات يغوص فيه المعنى فلا نكاد نعثر عليه إلا ليزداد قلقنا وتحتار تأويلاتنا و ينفلت من بين أصابعنا كلما حاولنا إحكام السيطرة عليه . إنه نص لصوفي ما بعد حداثي من تلك النصوص التي لا تنتهي بقول واحد ووحيد، وهو يأبى أن يقال بصيغة واحدة، فهو نص مثمر لقراءات عديدة، وقابل لمقاربات مختلفة لا تصمد كلها إلا بإرادته. وكأن لنص سلطة خفية (علامةً بُعِثت من قِوىً أعلىً "حتى هو لم يكن واعياً بها). يقبل بها أو يرفض ما يقال عنه أو فيه، وشاهده في ذلك هو التاريخ . والتاريخ هو المغامرة التأويلية الخاصة ، ذلك أن المؤرخين لا يشيرون الى ما حدث في الماضي فحسب ، بل يهتمون بعملية كتابة الماضي ذاتها . التي تشكلها الافتراضات الأيديولوجية .
تؤكد ما بعد الحداثة (6) أن التاريخ الرسمي ليس إلا تمثيلا لايدولوجيا الطبقات الحاكمة والمهيمنة، ويتهمه بمحاباة الأمر الواقع أو الوضع الراهن دون أي رغبة في تغيير الحاضر أو التطلع الى المستقبل . التاريخ كما تقول ما بعد الحداثة محض تراكيب وهياكل بشرية جاءت إلينا مكتوبة ومنصصة ، إنها نص عند التفكيكيين وعند الصوفيين أيضا : كلمات ومخطوطات (وجهُهُ كان مصنوعاً من كلماتٍ ومخطوطاتٍ قديمةٍ، ويتحرَّكُ كقطةْ. ويستمعُ، فقط، يستمعُ لنا، كطفلٍ، ثم يدفنُ وجههُ في يديهِ كما في عشِّ موسيقىً عن مدينةٍ تجذبُهُ للأسفـلِ). التاريخ الرسمي المنصص المكتوب ، إذا ليس أكثر من رواية وحديث ملفق وأكاذيب (جاءَ من الشرقِ ليلاً، ووقفَ تحتَ شُبَّاكِها، لم تَكُنْ تعرفُهْ، في قدميهِ غبارُ سفرٍ من أتيكا، وفي شعرِهِ ورقُ صنوبرٍ من بلادٍ غامضةْ، بيتُها كان كَذِباً يمتدُّ ثلاثةَ آلاف سنةٍ للوراءِ، قبلَ بناءِ الهكسـوسِ للخليلِ، وقبل مقتلِ الإله بَعْلٍ في غابـــاتِ الأرزِ في لبنانَ كي يبزغَ من دمِهِ قطيعُ الأقحوانِ، كان بيتُها كذباً، والشريطُ الأصفرُ الذي يضمُّ شعرَها المجدَّلَ ذيلَ فرسٍ كان حديثاً مُلَفَّقاً عثرَتْ عليهِ على الدرجِ ملفوفاً على ضمَّةِ وردْ، ولما وقفَ في شارعٍ خفتتْ الإضاءةُ فيهِ عَرَفَتْ بأنه هو، وحتى كلبَها الأبيضَ الكبيرَ) . لقد تطرف الشيخ الجليل ابن عربي مرة وزعم قبل ما بعد الحداثة بسبعة قرون أو يزيد في (فصوص الحكمة) بأن "العالم كله خيال في خيال".
تحدى استجواب الحداثة وما بعد الحداثة سلطة التاريخ باعترافها بأن الحقائق المعروضة هي تأويل المؤلف الذاتي. ومن ثم فإن نصوص ما بعد الحداثة تعيد تقديم السياق التاريخي بطريقة ما وراء قص و وتُمشكل , تبعا لذلك, قضية المعرفة التاريخية بأكملها (زاغروسُ، تلك الجبالُ الجرداءُ التي شهِدَتْ ولادةَ الزمنِ واكتشافَ الزراعةِ، لم تزل نفقاً في الوعيِ وأسئلةْ. والتاريخُ كذلكْ: نفقٌ في الوعيِ وأسئلةْ).
أبعد من إعادة ربط التاريخ والرواية ، تشير ليندا هتشيون إلى أن (( نصوص ما بعد الحداثة تقترح إعادة كتابة وإعادة تمثيل الماضي في الرواية وفي التاريخ , لأجل كشفه أمام الحاضر , ومنعه من أن يكون حاسما نهائيا, وغائياً)) (وبدأتُ أحسُّ أن العالمَ وهمٌ، حالةُ روحِنا تقْلِبْهُ وتتقلّبُ معهُ، حرباءً تخفي نفسَها عن صياديها).
ولتحقيق هذا التمثيل للماضي, فإن كتابات ما وراء القص التاريخي (( تتلاعب بالحقيقة و تكذب السجل التاريخي. تفصيلات تاريخية معينة معروفة جرى دحضها وتزييفها عن عمد بهدف إظهار الإخفاقات الممكنة للتاريخ المسجل والاحتمال المفترض للخطأ المقصود وغير المقصود)) وتستجوب بوساطة التلاعب بـ(الحقيقة المعروفة) (قدرة المعرفة المطلقة) عن الماضي ، مخصصة التضمينات الإيديولوجية للعروض التاريخية (فقالَ يا عبدُ، جُزْ هذه المنطقةَ، أحياناً نعمى حين نرى....) ,( لما فَتَحَتْ لهُ البوابةَ الحديدَ التي بقيَتْ وَرَقَةٌ منها مغلقةً بينما الأخرى مُنسَرِحةْ. وقفَ متردِّداً.....), (قالَ عبورُ الحدِّ بين العوالمِ صعبٌ بدونِ طقوسٍ، الأقنعةُ من طقوسِ العبورِ) الطقوس أم الإجازة من الحكام والطغاة.
لا يعرض المؤرخون سوى إيديولوجيا عصرهم ولا يمكن أن يكونوا موضوعيين بحيث يرون أبعد من طبقتهم أو أخلاقياتهم أو انتماءاتهم أو خلفياتهم الثقافية ؛ لذلك يسعى التفكيكيون الى تحرير المؤرخين من هيمنة السلطات والايدولوجيا وحثهم على عرض وجهات نظر متعددة حول الحدث وجهات نظر تأخذ بعين الاعتبار المقموعين والمقهورين والمهزومين ( وبدا كعالَمٍ ينهضُ من أنقاضِ عالَمٍ، كان كشعرةٍ تصلُ بين العبقريةِ والجنونِ، وكأنّهُ يتمرّنُ على التفكيرِ بشكلٍ مختلفْ، قال بأن أهرامَ خوفو، مثلاً، محضُ خيالٍ، ولما سألتُ عن لماذا اختارَ الفراعنةُ خيالاً حجرياً ضخماً، قال "حُبّاً في الثباتِ، أو إرادةً لتصوُّرِ الوجودِ، أو تحضيراً) ,(مرةً قالَ سورُ الصينِ وعيُ الإمبراطوريةِ بمحدوديّتِها، كان السورُ حجارةً تحتاجُ إلى خيالٍ مستديـــرٍ، كانقفالِ الأساور على الزندِ، قبلَ أن تصيرَ سوراً، أي فصلاً حجرياً بين الداخلِ والخارجِ بين المنغلقِ على ذاتِهِ والمنفتحِ على سواه،.......).
ليست الحيرة عند ابن عربي هدفاً بحد ذاتها (وهذا السفرُ فيه سفرُ الحيرةِ والتيهِ، وسفرُ الحيرةِ والتيهِ لا غايةَ له. فافهمْ: السَّفَرُ غايةُ السَّفَرْ") . السكينة هي ما يحتاجه المرء وما تحتاجه الأوطان وهي ما أفسدته الحروب والغزوات والاستعمار والاستعباد . وعند الشيخ العارف محي الدين ابن عربي فإن بدء السكينة هو مطالعة الأمر بطريق الإحاطة من كل وجه ، وما لم يكن ذلك فالسكينة لا تصح ، فجعل الطمأنينة بدء السكينة لما اختلفت عليه وجوه الأحياء ، وهي غاية الأمر ومنتهاه . فماذا يقول البرغوثي في حجر الورد :
("هذه السكينةُ هي كلُّ ما تحتاجه في الغابةِ" قالَ، "قالَ جدّي وقالَ بها أستطيعُ بناءَ كوخٍ من فروعِ الشجرِ والقصبِ للعزلةِ، وبحدِّها أستطيعُ أن أرسمَ دائرةً من طباشيرٍ سحريةٍ تحرسُ من يجلسُ في داخِلِها، وبها أقدرُ أن أقتلَ أيضاً، وأما حضارةُ الرجلِ الأبيضِ فزائدةٌ عن الحاجةِ") .
يبلور النص مفهوما إنسانيا عالميا راقيا للوطن ، يخالف مفهوم الوطن الجيوسياسي أو الأرض ضمن حدود دولةTerritory الذي أشعل الحروب وفرق البشر وقسمهم الى أوطان وبلدان متصارعة متنافسة لا تتورع عن توظيف أسلحة إبادة ودمار شامل لحرب أعداءها في الأوطان الأخرى أو لتوسيع رقعتها ومساحتها الجيوسياسية . انه ذلك المكان من الأرض حيث يتقاطع خطا الحياة: الخط العمودي الذي يصل سماء المرء بباطن أرضه التي تحتضن رفات أجداده وآبائه وتشعره بالأمان الفطري ، والخط الأفقي الذي يمثل حركة سير العالم . هنا حيث يتقاطع الخطان يكون الوطن (7) .
( كوخٍ من فروعِ الشجرِ والقصبِ للعزلةِ) ذلك الكوخ فقط هو وطنه ، وفيه تدور خطوط الحياة. لقد أُنتزع الوطن الحميم حين كان يمنح السكينة والأمان ، وانخرط أهله في حياة المنافي التي لا تفضي الى أي مآل. وبسبب هذا الفقد تتحول خطوط العرض الى مسطح من المساحة التي تخلو من أي شيء سوى التطاحن والحروب ومحاولات السيطرة على اكبر مساحة من الأرض (كإمبراطوريةٍ عبرَ الفِتَنِ والثوراتِ والتوسُّعِ والجريمةِ والعنصريةِ والغزواتِ العسكريةِ والسيطرةِ على مساحات ليست لك والله أعلمُ ماذا أيضاً. الحكمةُ والمأساةُ في وطنِكَ توأمان" وأنتْ؟) ولهذا السبب بالتحديد كانت ( حضارةُ الرجلِ الأبيضِ فزائدةٌ عن الحاجةِ) . لذلك عدً البرغوثي هذا الوطن بالمفهوم السياسي القائم على أساس تقسيم الأرض الواسعة بين البشر سبباً في خنق الروح وتفريق البشر (يا عبدُ" قال "العائلةُ سحرٌ أسودٌ، والأبُ والطائفةُ سحرٌ أسود، كذلك الطبقةُ والوطن، وكل سحرٍ أسودٍ يستهدفُ تشريطَ روحِكَ والسيطرةَ عليها كي تصيرَ وادٍ غيرَ ذي زرعٍ، يا عبدُ، الجسدُ أساسٌ، والوعيُ شهابٌ عابرٌ في أفقِهِ). يوضح البرغوثي مفهومه للوطن / أرض الولادة والجذور / الموج / الطمي (يا عبدُ ما وطنكَ من وطنْ، هناك مساحاتٌ من الأرضِ هي مخطوطةٌ كتبَها اللهُ بحبرٍ سريٍّ والشمسُ والعشبُ والماءُ حبرٌ فاقرأ ! ولا تقلْ لي ما أنا بقاريءْ ! يا عبدُ ميِّزْ بين الموجِ والطميِ، بين الأفعى والأقحوان..) و (" أرواحُ البحيراتِ هاجرتْ من عيني وعيناي مطاردتانِ من قِبَلِ جغرافيينَ في خدمةِ إمبراطورياتِ عصرِ الجليد...) .
إن رؤية غالبية المثقفين للتاريخ تتقاطع مع رؤية ما بعد الحداثة .وتحديدا , من حيث كونه تاريخ الأيديولوجيات المسيطرة وتاريخ المنتصرين والغزاة الذين يهملون كل رواية عدا رواياتهم كما أن كاتب التاريخ لا يتمتع بحصانة تجعل من روايته نصاً مقدسا فهو أسير واقعه وثقافته وأيديولوجيته والقوى المسيطرة عليه فلا بأس إذا من إعادة تقديم السياق التاريخي ومشكلة قضية المعرفة التاريخية بأكملها .
أما في قضية الوطن والهوية الوطنية فإن ما بعد الحداثة ترى الوطن مكان لا أكثر ، يكون الوجود فيه عابراًولا باس بتقاسمه مع الآخرين ، ولا معنى إذا للهوية الوطنية من حيث أنها انتماء الى المكان فحسب . ولكن كاتب نص حجر الورد لا يمشكل قضية اللغة ويستجوب التاريخ إلا ليعلن مفهوماً مغايراً للوطن على نحو ما ذكرنا , وتاريخاً آخر خلاف التاريخ الرسمي القابل للتزوير . إنه رواية الشهود وذاكرة المكان التي تحافظ على المكان والتاريخ. ونحن القاطنون في المكان شهود على التاريخ وعلى المكان ومن هذه الاقانيم ( المكان والتاريخ والذاكرة والشهود ) يتكون وطن ويتبلور الانتماء هوية وطنية لا تماثلها هوية أخرى. إن الرواية التي تتناقلها الأجيال هي الذاكرة الحقيقية حارسة المكان والتاريخ وليست كتب التاريخ التي تنسى ويفرض عليها التجاهل والحذف والإغفال . لذا تنصل نص البرغوثي من التاريخ المكتوب والكتب والمخطوطات التي تحدثت عنه وكتبته نصاً وأولته تزويراً ، واحتفى بالرواية الحقيقية وذاكرة الشهود على مكان وهوية خاصة ينتسب إليها ولا يرغب في تقاسمها مع أي كان بل أنه حين ضاعت ركض خلفها ليعيدها واستحضر التاريخ واللغة وكل المقدسات لأجلها . هي المعنى / زوجته الضائعة التي ذهبت مع الريح (حتى أن زوجتي “سكارلت” بطلة “ذَهَبَ مع الريح“، حاولت مرّةً إغراءهُ، فحدَّثتْهُ عن الملَلِ، وعن لوحةٍ فيها رجلٌ يصوِّبُ بندقيتهُ إلى رأسِ ظلهِ الساقطِ على الحائطِ في ساحةِ الظهيرة، ولم يفهمْ. ) , ريح الغزاة والمستعمرين ثم ريح الإخوة الفرقاء والفصائل المتنازعة . ضاعت سكارلت ولكنها زوجته ,والزوجة في تراث المنطقة, تمثل رمزية عالية القدسية من حيث التفرد وخصوصية التملك الامتلاك واستحالة التقاسم مع أي كان . لقد طرد الشعب الفلسطيني الى أماكن لن تتحول الى وطن ، ولن يحاول الفلسطينيون تحويلها الى أوطان . هنا بالتحديد تظهر النسخة المحلية الخاصة بتقانات ما بعد حداثية شكلية ، خالفت الثيمات الما بعد حداثية عن الوطن والهوية الوطنية (أدورنو أنموذجا) .
إن ذاكرة بطل حجر الورد طازجة حية عنيدة وشموس تناضل من أجل إعادة تأليف صور الماضي ومنحها شرعية في الحاضر ، إلا أن محاولة إعادة موضعة الماضي في الحاضر ـ على أساس أن الماضي مرتبط بالزمن ـ تصطدم بعبء الفراغ الثقيل الذي يفصل الحدث عن ذاكرته . وبالرغم من ذلك فإن ما نعرفه بالذاكرة يمكن فهمه بوضوح في الفصل بين مفهوم زمن الحدث و وزمن إعادة حكيه (ذاكرته) . إن مقياس الإبعاد أو الإقصاء هذا بين هاتين النقطتين يؤكد عدم انتهاء صلاحية الحدث , وبقائه حياُ طازجاً لا ينتهي ، و لذلك فإنه يطل برأسه بين الفينة والأخرى في سياقات غير متوقعة أو مألوفة . وتبعا لذلك فإن تتابع الأحداث لا يعني إقصاء الأول أو الأقدم منها , إنها الذاكرة , الصمود الوجودي الذي يشير الى الغياب الذي لا زال مستمرا في الوجود :
( وأدركتُ لاحقاً بأنهُ يرى العالمَ بطريقةٍ مختلفةْ، فيرى العالمَ متزامناً، ما حدثَ قبلَ عشرِ آلافِ سنةْ، ربما في زاغروسَ، موجودٌ في ذاكرتِهِ كغُرْزَةِ تطريزٍ بقُربِ غُرزةِ تطريزٍ أخرى هي ما يحدثُ عندنا الآنَ في أصفهانْ، فالأزمنةُ متجاورةٌ وليست متتابعةْ. التاريخُ تطريزٌ ومفهومُ الزمنِ نافعٌ، قالْ، الماضي مساحةٌ كالغابةِ، قالْ، والآنَ مساحةْ، قالْ، وأنا مسَّاحٌ، أردفَ، ولا يهُمُّني الزمنُ المتتابعُ، بل انفتاحُ المساحاتِ كتطريزٍ متجاورٍ لا أسبقيةَ فيهِ لغرزةٍ على أخرى، ولا تَتَابُعَ. وبالتالي كان يرى الجرةَ كصفحةِ نهرِ الفراتِ، مستقيــمة، ممدَّدة، مطرَّزةً بالموجِ الأحمر، ربما من الدَّمِ الذي سَفَكَهُ المغولُ في احتلالِ بغدادْ، ومن الحبرِ المتحلِّلِ، والجريمةُ مساحةٌ، قالْ، وصَعَدَ الدَّرَجْ).
في هذا المقطع من النص تتجلى اللوحة الفنية التي أراد البرغوثي رسمها . ومن الملفت للنظر إن البرغوثي يخالف بوضوح النظرة الحداثية وما بعد الحداثية للتاريخ على السواء . فالتاريخ الحداثي خطي يسير باطراد نحو المستقبل أما التاريخ ما بعد الحداثي فقد مات عندما عجزنا عن تحديد مساره بعدما منيت الحداثة بفشلها الذريع في حسابات ما بعد الحداثة. ولكن بطل حجر الورد فنان :إنسان سائر 'homo viator' ، النموذج البدائي للمسافر المعاصر الذي يشير مروره عبر العلامات والصيغ الى الأشكال المعاصرة لخبرة التنقل والسفر والتداخل .
وتبعا لذلك فإن نص حجر الورد يمكن ان يقرأ بوصفه نصاً تشعبيا مدمجا يوضح مهمة الفنانين الذين يترجمون ويحولون المعلومات والرموز من شكل الى آخر ، ويهيمون على وجوههم في الجغرافيا و التاريخ. لقد غدا الكون في حجر الورد أرضا يمكن اجتياز أبعادها في الزمان والمكان معا. يجمع النص ثلاثة أنواع من التسكع أو التشرد أو البداوة (كناية عن الترحال وعدم الاستقرار) Nomadism : ترحال في المكان وفي الزمن وبين العلامات . ويمنحنا تبعا لذلك خبرة ايجابية عن التوهان عبر صيغة فنية تكشف كل أبعاد الحاضر، وتتبع خيوط الزمان والمكان في كل الاتجاهات بحيث يتحول الفنان الى متجول متشرد مستكشف ويصبح كل ما تبقى من النموذج البودليري الحداثي هو هذا التسكع flânerie الذي سيتحول الى تقانة لتوليد إبداع خلاق واشتقاق المعرفة (7).
إن أبرز ميزات المرحلة الثانية لما بعد الحداثة هي أسطرة الأصول . فقد اصطبحت معاني العمل الفني مرتبطة بالخلفية الثقافية التي أنتجته . وأصبحت الجوهرية أو الأساسية Essentialism هي النموذج النقدي لتلك المرحلة . وأصبح التماهي مع النوع الأدبي والإثنية والتوجه الجنسي أو الأمة هي وقود عجلة التعددية الثقافية. وتحول المنهج النقدي الى نظام يوزع المعاني , ويمنح الأفراد مكانتهم الاجتماعية , مختزلاً كامل كينونتهم في هوية , ومرجعاً أهميتهم وتأثيرهم الى أصولهم . وتبعا لذلك فقد انتقلت ما بعد الحداثة من كآبة الحرب لباردة الى الاشتغالات العصابية بالأصول التي وصمت العولمة . هذا النموذج من التفكير هو الذي وجد نفسه الآن في مأزق وهذه النسخة المتعددة الثقافات من التنوع الثقافي لا بد ان تخضع للمساءلة والاستجواب :
(يا عبدُ" قال "العائلةُ سحرٌ أسودٌ، والأبُ والطائفةُ سحرٌ أسود، كذلك الطبقةُ والوطن، وكل سحرٍ أسودٍ يستهدفُ تشريطَ روحِكَ والسيطرةَ عليها كي تصيرَ وادٍ غيرَ ذي زرعٍ، يا عبدُ، الجسدُ أساسٌ، والوعيُ شهابٌ عابرٌ في أفقِهِ) .
ترى هل كان البرغوثي يجهز لحداثة بديلة تستشرف المرحلة القادمة وتنطلق من قناعاته بأن ما بعد الحداثة الطاغية كانت تحتضر ؟ . علينا فقط أن نزور معرض الحداثة المغايرة Altermodernity الذي أقامه الناقد الفرنسي الشاب نيكولاس بوريو في تيت بريطانيا في عام 2009 والذي أعلن فيه عن مصطلحه الجديد الحداثة المختلفة أو الحداثة المغايرة لنرى أن نص حجر الورد الذي سبق الإعلان بسنوات كان حاضرا وان البدوي المتجول المتسكع التائه بطل حجر الورد كان بطل المعرض بلا منازع ... (8).
إن الاستيلاء على المكان ومحو هوية سكانه ثقافيا وماديا ، هي سمة استعمارية مارسها غزاة جنوب أفريقيا وغزاة الجزائر وغزاة الأمريكيتين ـ لذلك لا نعجب من حشرهم أو الإشارة إليهم أو الى الشعوب التي أبادوها ضمن النص ـ وليست أمراً فريداً من نوعه ولا تختلف عن محاولات المستعمرين في فلسطين إلا من ناحية وعي هؤلاء بأهمية الرواية من أجل امتلاك الأرض . فاختلقوا روايتهم وأسندوها الى " التاريخ والنص المقدس " لينافسوا بها رواية السكان الأصليين . بل وعملوا على محاربة رواية هؤلاء قصد الوصول الى نفيهم خارج المكان والتاريخ معا(.....، بيتُها كان كَذِباً يمتدُّ ثلاثةَ آلاف سنةٍ للوراءِ، قبلَ بناءِ الهكسـوسِ للخليلِ، وقبل مقتلِ الإله بَعْلٍ في غابـــاتِ الأرزِ في لبنانَ كي يبزغَ من دمِهِ قطيعُ الأقحوانِ......) . ويبدو أن البرغوثي في نصه مهتما بالعلاقة بين التاريخ الرسمي بكل مكوناته (الذي يسهل تركيبه والتلاعب به ) ورواية الشهود القاطنين ( حكايته وزوجته سكارلت ) في المكان منذ الأزل ودور هذه العلاقة في تشكيل وفهم هوية الأمة .
يحاول المؤرخون ترويض الذاكرة حين يعيدون خلق الماضي من خلال فكرة كتابة التاريخ الرسمي ، ولكن البرغوثي يحاول في نصه فضح الطبيعة المتشظية لتلك المحاولة حين يعرض علاقة العام بالخاص من خلال حكي قصته الخاصة التخيلية ضمن قصص تاريخ المنطقة الرسمية دون مفاضلة أو تحيز فتختلط رواية الذاكرة الفردية بالروايات التاريخية الرسمية ليشير الى التباس وتعقيد الوضع الإنساني والأخلاقي والسياسي والتاريخي والعام والخاص في هذه البقعة من العالم : البراري التي (التي هجَرَتْها الآلهة والتي ندعوها بوطننا) .
وعلى الرغم من أن فكرة النص الأساسية فيما يتعلق بالوطن والهوية الوطنية هي الوطن الانتماء والمكان الذي لا يقبل التقاسم والهوية الملتصقة بالفرد حد الاندماج والتوحد . الأمر الذي يعني مواجهة الآخر العدو أو المعتدي الذي يحاول احتلال الأرض وسلب الهوية , إلا أن البرغوثي يتحدث صراحة عن الحاضر و عن أخطار أخرى على الوطن والهوية ربما لا تقل عن خطر العدو الغازي المستعمر وخطر رواياته المختلقة وخطر التاريخ الرسمي بل ربما كانت أسباب وجوده وعوامل نجاحه واستمراره : (وحيّرني التحولُ فيها فاستفسرتُ منها ولكن عبثاً، فلم تعد تجترُّ الماضي ولا معنيةً بتفسيرِ ما حدث، عندما صارتْ ترى ما سيصيرُ وأما ما صارَ فدائماً خطرٌ، قالت. لم تكُ هي هي، وكنتُ أبدو غريباً عليها، حتى أنها نسيَتْ كيف تعرّفتُ عليها و أين) . ومن ثنايا النص نلتقط بعض هذه الأخطار :
1. الفساد السياسي أولاً (حيث الرؤيا لا تجدي في وطنٍ فيه الجريمةُ أفضلُ الخياراتِ، وأفضلُ الخياراتِ جريمةٌ، والموهبةُ لا تجدي بين الامتيازات، وطنِ المجاعةِ والفراغِ، حين المعرفةُ فارَقَتْها دفقةُ الحياةِ،أنا الذي سيحدِّثُكَ عنه !). (عرِفَتْ معدَنَهُ جيّداً جيداً عرفت معدنه ,بقي الخونةْ !بقي التافهونَ المبتذلونَ الخونةْ ! اللاقطونَ لبعضِ فتاتِ الموائدِ حتى يجيء السلامْ).
2. ثم الطبقية والطائفية والنظام البطريركي أو العشائري والحكم الدكتاتوري والقبلية: ( "يا عبدُ إن تذكرتَ نجومَ الوادي الميّتِ صارت ذاكرتكَ وادٍ غيرَ ذي زرعٍ، وخطاكَ حبالٌ تشــدّكَ، أحياناً، نحو ماضيكَ، واسمك خطرٌ على جسمكَ، غيّرْهُ، يا عبدُ" قال "العائلةُ سحرٌ أسودٌ، والأبُ والطائفةُ سحرٌ أسود، كذلك الطبقةُ والوطن، وكل سحرٍ أسودٍ يستهدفُ تشريطَ روحِكَ والسيطرةَ عليها كي تصيرَ وادٍ غيرَ ذي زرعٍ، يا عبدُ، الجسدُ أساسٌ، والوعيُ شهابٌ عابرٌ في أفقِهِ،) و (واعتبرتُ هذا إلحاداً، فنفى أن يكون مؤمناً، أو ملحداً، أو مثقفاً أو إلهاً، لكنه علّقَ بأن تجارتنا نحن العرب، قديمة، وسألني من أيةِ قبيلةٍ كنتُ، قلتُ من بني تميمٍ، فضحكَ، ربما عليّْ. وسجد على الرمل وقبَّلهُ. "الرملُ كَوْن"، قال......).
3. الخضوع المطلق للسلطة وللتاريخ الرسمي بلا فهم أو تمحيص (وقالَ: أسمع ! إن أردتَ الوصولَ إلى وطني صِرْ قطّةً. سألتُ كيفَ؟ فقال: تقنَّعْ وانظر إليكَ بعينيها، ولا تنسَ، قدِّم البخورَ لهُبَلْ، الإلهِ القمريِّ القديمْ، وماذا إ ذا لم يكن الإنسانُ معيارَ أيِّ شــيءْ؟ القططُ رفاقٌ لنا في البلادِ الغريبةِ، قلتُ وما تلكَ الأرضُ الغريبةُ، قالَ: "الحياة").
في النص أيضا شذرات وتلميحات لطيفة فهو يشير الى التسامح الذي كان سائدا في المنطقة بل أنه من مقومات الهوية الوطنية الراقية التي لم تعتمد عرقا أو دينا أو طبقة ولم تكن عنصرية بحال :(وكانت سكارلت تتعرّى، وتلتفُّ بثوبٍ بأربعةِ ألوانٍ، الأحمرُ يدلُّ على المجوسِ، والأصفرُ على اليهودِ، والأسودُ على حجرٍ، والأبيضُ على الملهِمِ، وتخرجُ بحثاً عنهُ كما يبحثُ المُسْلمُ عن كعبتِهِ، وكانت هذه بدايةُ الإشراقِ والمتاهة).
ثم يعرج على الاستعمار وزيفه وكذبه ورواياته المختلقة:
(كانت الإشارات عن قدومِهِ تكذبُ حيناً وتصدقُ حيناً، والقمرُ بأربعةِ ألوانْ.وفجأةً من الأفقِ رأيتُ رجوع الأساطيلِ القديمةِ، ونساءً بصنادلِ جلدٍ لها أحزمةٌ كالحةٌ تلتفُّ على أفخاذهنَّ، يلبسنَ بياضاً يُظهرُ أكثرَ مما يخفي، محارباتٍ ربما، بأقواسٍ وجُعَبِ سهامٍ ومشاعلٍ وسعفِ نخلٍ، ورأيتُ خلفهنَّ رجالاً مفتوليْ العضلاتِ، لفحتهُمُ شمسُ الذكريات المختفيةِ، نزلوا يتنادونَ كإمبراطورية واسعةِ الأرجاءِ تخفي مطامعها بحبِّ الاستطلاع) .
ومفهوم حضاري للهوية الوطنية التي تقبل التعددية والاختلاف والتنوع:
("كلُّ مدينةٍ مركبةٍ من مدنٍ عدةٍ، وكلُّ لوحةٍ بألوانٍ عدةٍ، هل تصرُّ على العيشِ في بغدادَ واحدة؟" قلتُ نعم. قال "هذا سببُ غربتِكَ عن سكارلت، إنها تحيـــا في بغدادَ أخرى"، وسألني عن أحوالِها، لم أدرِ أيَّةَ أحوالٍ سألَ عن.. أأحوالِ سكارلت أم بغداد؟), (ولا أدري حتى إذا ما كانت لوحةٌ كهذه موجودةً أصلاً، الإختلافُ، ربما، هو طريقةُ الآلهةِ في صياغةِ الهويةِ. أمن أجل التوضيح، اختلقْتَ وجودَ لوحةِ النارِ في فارسَ؟ قلتُ، فقالَ الروحُ التي تجهلُ الفرقَ بين الخلقِ والإختلاقِ، منافقةٌ، أنت منافقٌ، يا عبدُ،)
ودور الغربة والمنفى في تحديد الهوية الوطن ومفهوم الوطن :
(في حياتيَ الحاضرةِ أحيا لأعرفَ، وفي حياتيَ المستقبليةِ سوف أمشي على الأرضِ طفلاً نبياً" من أينَ جئتَ؟ "من وطني". وأين هو؟ "لن تعرفيهِ إلا أذا غادرتِ وطنكِ". تبدو لي أحياناً، كبابٍ، وكمرآةٍ أحياناً، وكرجلٍ، من أنتْ؟ ) ,( سوفَ تتركُ وطنكَ إلى وطنٍ أجنبيّْ، ستغيبُ طويلاً، طويلاً جداً، تَنسى وتُنسى، وتَنفي وتُنفى، ولما ترجعُ رجعةَ أساطيلٍ قديمةٍ من بحرٍ قديمٍ جداً إلى بحرٍ أقدم منه، عندها سوف يبدو لك ماضيكَ أقدمَ من العملةِ التي بين يديكْ.)
التجريب الشكلي في حجر الورد: ما بعد الحداثة وفصوص الحكمة وألف ليلة وليلة:
ينتهك الكاتب في نص حجر الورد الأجناس الأدبية المعروفة كلها . ولا يجد حرجا في مزج الشعر, بالحكاية الشعبية , والقصص الأسطورية, والاقتباسات التراثية ,أو الآيات القرآنية, والأغاني الشعبية , والسرد القصصي والملحمي في نصه الذي بدا شبكة تتداخل فيها الأنواع الأدبية كافة . و تحتفي الكتابة الما بعد حداثية بهذا الانتهاك لأنه يُوَّلِد بناءءً مشوشاً وغير متماسك (اللا- تماسك البنيوي) فتشير بذلك إلى العلاقة بين الرواية والواقع ، وبين تركيب عمل ليصبح رواية وتركيب الواقع. إذ يمكن هذا البناء المشوش نصوص ما بعد الحداثة من تحدي التوقعات العادية التي يوفرها الالتزام بالنوع الأدبي. وقد شخصت هتشيون في توظيف البناء غير المتماسك تحدياً للحدود التي تقبّلنا وجودها بين الأدب والخطابات السردية فوق الأدبية التي تحيط به مثل: التاريخ , السيرة الذاتية , السيرة الذاتية التاريخية التي تجعل القارئ يستجوب الحدود بين التخييلي واللا تخييلي .
أما التقانة الشكلية الأخرى التي وظفها البرغوثي في نصه فهي التناص ، وقد وضحت ليندا هتشيون أن أهم ما يميز الكتابة الما بعد حداثية هو افتتانها بالماضي والتجريب في اتفاقيات الكتابة التاريخية التي مكنت ما بعد الحداثة من مواجهة موضوعات من مثل الطرق التي عرفنا بها الماضي ، وإعادة كتابة التاريخ ، والعلاقة بين التخييل والواقع ، والذاتية ، والعلاقة بين التخييل والتاريخ . ولهذا كان التناص حاضراً بقوة في تلك الكتابات الما بعد حداثية التي تتناول الماضي والتي أطلقت عليها ليندا هتشيون ما وراء القص التاريخي .
يسمح التناص للنص الما بعد حداثي بالاندماج وحشر نفسه داخل النص القديم والتعليق عليه فضلا عن أن ـ والكلام لهتشيون ـ ما بعد الحداثة بتوظيفها للتناص تشير الى تبعيتها للماضي ولكنها تعود وتعلن تمردها من خلال الاستغلال الساخر للتناصات التي توظفها . وبالتالي فإنها تقدم لنا ما أطلقت عليه هتشيون :النقد القسري “complicitous critique” للماضي الأدبي والتاريخي على السواء ، بمعنى أنها تعترف بأهمية الماضي بالنسبة للحاضر ولكنها تحاول تخريب أو تدمير قيم الماضي من الداخل . أما الوجه الأخر للتناص الما بعد حداثي فهو الوجه التفكيكي الانتقادي للخطابات المتجانسة وللسرديات الكبرى . إذ أن النص والشخصيات المتضمنة فيه تشير دائما إلى نصوص أخرى لمؤلفين آخرين. وبذلك يحقق النص الما بعد حداثي النظرية التي تؤكد على عدم استقلالية ، واكتفاء النص بذاته عن النصوص الأخرى ، فخبرة القارئ والكاتب تقرر في النهاية شكل النص وتفسيراته.
يعرض حجر الورد سخافة وهم التماسك من أجل إظهار عبثية أساليب النظام في خلق الأوهام . ولأن البرغوثي يكتب نصه في سياق وثيقة تاريخية فإنه يوحي لنا أن التاريخ أيضا يدور حول أوهام . وبتوضيح كيف أن الوسائط البنائية للقصة والأسطورة تشجع الأسس الوهمية للإيمان بالأنظمة ، فإن كل النص يسترسل في شرعية الأجندة التفكيكيفة . وعلى الرغم من أن هذا الغرض يمكن أن يكون عدمياًا (وفي النهايةِ كلُّ شيءٍ باطلْ) ، إلا انه يرفع الوعي بالمأزق الأخلاقي والمظالم المتأصلة في النظام الذي يهيكل المجتمع. وعليه فلا عجب من أن كتابات ما بعد الحداثة تشكل تحديا لتكامل النظام وتهديدا للسلطات بأشكالها . وفي الواقع فإن البرغوثي يحيك نصوصا متنافرة في ظاهرها ـ أساطير , ورموز ثقافية , وخرافات , وحكايا شعبية , وسيرة ذاتية , و حكايات قرآنية, ونصوصا معاصرة لكتاب معاصرين , وأحاديث نبوية وقصص من الكتاب المقدس ـ ليمنحنا نص حجر الورد الذي يستجوب وينتقد ويخرب ويعيد ترتيب المعطيات التي تؤكدها تلك النصوص .
يقودنا ذلك الى استجواب النص الما بعد حداثي لسياسة التمثيل سواء على المستوى التخيلي والتاريخي والواقعي , فمن خلال نزع التطبيع de-naturalizing او تحيد de-Doxifying تمثيلات الواقع , يجعل ما وراء القص التاريخي القارئ على وعي بالطبيعة الأيديولوجية لكل تمثيل , أو على الأقل بالأجندة الخفية سياسة كانت , أو اجتماعية وراء كل تمثيل ومن اجل عرض الطريقة التي يُركب بها موضوع ما بوصفه حقيقة غير قابلة للنقاش. تضيف باتريشيا واف " ان ما وراء القص يُمشكل صراحة الطرق التي توظفها الرموز السردية سواء كانت أدبية أو اجتماعية من اجل تركيب زائف ومتكلف لعوالم الواقع والخيال من خلال أيديولوجيات خاصة في حين أنها تعرضها كما لو أنها طبيعية خالدة " .تتنوع الرموز السردية في حجر الورد فمن استحضار لشخوص تاريخية أو حداثية (( النفري ، ابن عربي ، قاسم حداد ، سكارلت بطلة ذهب مع الريح ، ديونيسيوس ، ابن عربي ، تايريزياس ، مهيار الدمشقي ، نفرتيتي ، جيمس جويس ، جلال الدين الرومي .....)) وحشو لأمكنة تاريخية أو أسطورية أو معاصرة (( قصر أصفهان , الخليل , جبال زاغروس ، جُزُرِ التروبْرِييانْدَرْزْ, هونكونغ , قم , طنجة ......)) , الى اقتباسات لأمثال أو حكم أو أقول من التراث أو أحاديث نبوية ((ومن كُتبتْ عليهِ خُطىً مشاها، ,( "كلما اتّسعت الرؤيا ضاقت العبارةُ "، الأعمال بالنيات , "من ليس جديراً بالسرِّ وافِهِ بالتفسيرْ"،"كلُّ سفينةٍ لا تجيئُها ريحُها منها فهي فقيرة"..)).
نجد أن كل اسم ( لشخصية أو مكان أو اقتباس لحكمة أو مثل دارج ) ورد في النص بوصفه علامة تتعالق خطاباتها بشكل مدهش , ويمكننا القول ان كل ما كتب حول شخصية أو مكان ما في النص شكل فضاءً استطراديا discursiv space ، فمثلا مثلت سكارلت ( والأمر ينطبق على كل الشخصيات والأماكن الواردة في النص ) مركزا مبهما لتمثيلات متنافسة : الوطن ، الحرب الأهلية ، الأنوثة ، الحب اليائس ، التضحية ، المرح ، التمرد .......الخ.
ما نحتاجه هنا ليس علاقة 1:1 بين العلامة والشيء ، تلك العلاقة الاستبدادية الاعتباطية. ان نظرية التمثيل الموحدة هي التي سادت في مرحلة الحداثة وهي بالتحديد ما قامت ما بعد الحداثة باستجوابها والتشكيك فيها. هناك أمر مشترك بين ما بعد الحداثة وما بعد البنيوية على حد سواء وهي أن العلاقة التي تحكم العلامات والعالم الواقعي قد عُكست . ان أهم اشتغالات النص هي مَشْكَلة معرفة الماضي من منظور معاصر . و خلفية هذه المَشْكَلة هو نقد التمثيل. فإذا انطلقنا من فرضية ان السذاجة التمثيلية( علاقة 1:1 بين العلامة والشيء ) لم تعد خيارنا فإن أي تمثيل أو تأويل لا يعكس بالضرورة الوضع الذاتي للقضايا المطروحة , فحسب وإنما يتناول التفضيلات والميول وحتى الأهواء والنزعات الشخصية لأولئك الذين ورطهم النص . وهذا يعني ان المؤلف الذي عرض علينا رموزه السردية وحرضنا على تشكيل فرضيات تأويلية ، لم يتمكن من تنحية تأثير اهتماماته الخاصة على ما يطرحه.
من الناحية الشكلية أيضا يستجوب النص بصورة واضحة الفرضيات والاتفاقيات السردية كما أنه ينبذ الحبكة التقليدية بهدف تحويل الحقيقة الى مفهوم مشتبه فيه بدرجة عالية , كما ويمارس المؤلف تقانتي الانعكاسية الذاتية والمرجعية الذاتية . فبالنسبة للأولى يشير الكاتب صراحة الى نصه بوصفه نصاً ما بعد حداثياً ليعكس الوعي بعملية بنائه ((، ويسيلُ شعاعُها على جدرانِهِ كالعرقِ فيبدو كرحمٍ من ورقٍ في نصٍّ ما بعد حداثيّْ، يفضي إلى قاعةٍ فارغةٍ فيها لوحةٌ لأُنثى ذاتِ شفاهٍ شهوانيةٍ حمراء مسيطرةٍ على الوجهِ، غليظةٍ، ومغلقةٍ بقفلٍ من جديةٍ قديمةٍ، كرنينِ جرسٍ على شاطئ بحرٍ ليليٍّ من لذّاتِ أُميّةٍ ممنوعةٍ أن تَقرأ أو تُقرأ...النص )), ( ماذا تقرأ؟ قال "كتابي نفسي". فعثرت على حجر الورد ).
أما المرجعية الذاتية في ما بعد الحداثية الأدبية فإنها تختلف عن المرجعية الذاتية الحداثية التي كانت تعني الأصالة والجدة والفخر بالعمل الفني, لتصبح في ما بعد الحداثة إبرازا للأدوات الفنية والأساليب والتقانات بوصفها حيلا وتراكيب زائفة , لتصل في النهاية الى تأكيد ان كل شيء زائف ولكن لا مفر .
لقد كان البرغوثي مأخوذاً بألف ليلة وليلة لأنه نص يحيل الى مرجعيات ذاتية داخل النص . و يملك سلطةَ احتيازِ قارئه ، والسيطرةِ عليه دون أن يحيله تماماً إلى مرجعيات الواقع الخارجي ، كما كان مفتونا بالصوفية الإسلامية ، وبكتابات ابن عربي التي تشبه دغلاً من الأدغال الكثيفة لكثرة ما يحتوي من الموضوعات والأفكار والأخيلة والصور والمفاهيم. يقول ابن عربي في مقدمة كتابه (الفتوحات ) "فمن رَزَقَه الله الفهمَ فيها، يعرف أمرها، ويميِّزها من غيرها؛ فإنها العلم الحق والقول الصدق، وليس وراءها مرمى، ويستوي فيها البصير والأعمى. تُلحِقُ الأباعد بالأداني، وتلحم الأسفل بالأعالي".
تتضمن فكرة المرجعية الذاتية الما بعد حداثية جملة تقانات منها :
1. التوظيف الوجودي للمنظورية السردية Narrative Perspectivism أي أن المعرفة لا تكون إلا في إطار سياق معين ومن منظور معين .
2. تعدد النهايات والبدايات والأفعال السردية .
ذلك أن النص يعرض قصصا وحكايات متداخلة ومتقاطعة ومتشعبة لا علاقة ظاهرية بينها ولكل قصة أو حكاية بدايتها ونهايتها الجادة أو الساخرة أو الحاسمة أو المفتوحة فبدا النص وبتعبير النص ذاته مساحة ( بين الصبحِ والحلمِ، بعباءةٍ مطرزةٍ بزهورِ النرجسِ، قالْ: يا عبدُ، هناكَ مرايا تستطيع أن تلفَّها على عنقِكَ كمنديلٍ أزرقْ.وأنهارٌ تستطيعُ أن تحمِلَها في كفّيكَ كقلائِدٍ من خَزَفْ، هناك من إن التقطوا حصاةً صارت فراشةً من خشبْ، ومن إن التقطوا خشبةً صارتْ أغنيةْ، ).
3. وضع الحقيقة والخيال على نفس الدرجة من المصداقية .
يمسرح النص الأحداث المعروفة وينزع الألفة عن المألوف ويتآلف مع الخيال الجامح باعتماد تقانة التجاور : تجاور الخيال والمألوف فلا يصبح لأحدهما ميزة على الآخر . نقرأ مثلا ـوالنص كله على هذه الشاكلة ـ : (تركتُها في شباكنا البحريِّ عند الغروبِ، تحلمُ بأن يدخلَها ممثّلونَ إغريقيونَ قدماءُ لهم أقنعةٌ ذاتُ تعبيرٍ واحدٍ وأحذيةٌ ذاتُ كعوبٍ عاليةٍ كي نراهُمُ عن بعدِ قرونٍ، وهم ينتظرونَ بدءَ احتفالاتِ ديونيسيوس. ضحكَ وقال، "أذن هكذا يطفو سريرُك ليلاً على بحرِ الزمنِ، وأما هي فانْجَرَفَتْ نحو عصرٍ آخر؟" قلت أُخَمِّنُ ذلك. "أعتقد بأنني رأيتُها في جزيرةِ ليسبوس، أو كريتْ، قبل أيامٍ، وهي تنوي الذهابَ إلى مصرَ، حتى تحاورَ كبيرَ الكهنةِ هناك عن الخصوبةِ، وتشاهدَ مسرحيّةَ حورس بن إيزيس).
4. توظيف تراكيب افتراضية تبرز استحالة ( وجود واقع سواها ) .
يتمتع البرغوثي بخيال سريالي فذ جعله يتوافق مع ابن عربي على أن العالم يتألف من الصور وحدها. يقول في الجزء الثاني من الفتوحات المكية: ((ما في العالم إلا صور)) . ومع ودريدا الذي فضّل الصورة والصوت على الكلمة . وقد أخبرنا البرغوثي في واحدة من مقابلاته أن حجر الورد أصلاً كان من المفترض أن يكون مشروعاً مشتركاً مع صديقه الفنان التشكيلي إبراهيم المزين من غز ة، الفنان الذي كان مفترضاً أن يقوم بتزويد رسومات موازية للكتابة الشعرية تقوم بأداء وظيفة النص البصري الذي يمكّن اللغةَ من التسامي أو الارتقاء إلى مستوى النص التشكيلي الخالص.وبذا،يغدو بالإمكان أن تُرى اللغة بأكثر مما تُقرأ....ويذهب البرغوثي إلى أبعد من ذلك بالقول ، إنه كان يتمنى أن يجد موسيقاراً قادراً على تأليف نوتةٍ ما تصاحب النصين اللغوي والبصري بنص إيقاعي خالص من خارج اللغة. لذلك جاء النص لوحات سريالية متتالية مع إيقاع موسيقي رفيع للكلمة الشعرية ويذكر أيضا أن الشاعر حاول في مشروعه الشعري أن يُكامل أنواع فنون أخرى مع اللغة ، فدمج الفنون التشكيلية والنحت والموسيقى والمسرح والسينما في إطار مشروعه الشعري العام (الكولاج) .
وأخيرا فإن جائزة الغوص في نص حجر الورد هي تذوق لذة النص على طريقة ابن عربي وما بعد الحداثة أيضاً, حيث اللغة الحقيقية هي صيحات اللذة أو صيحات الألم ذات المقطع الواحد حين يلتصق الدال بالمدلول ويصبح الدال مدلولاً . يقول ابن العربي في نص الفتوحات: ((فالمتكلم أب والسامع أم والتكلم نكاح ، والموجود من ذلك في فهم السامع ابن...ومن هنا يفهم قول المتكلم لمن يريد قيامه(قم) فيقوم المراد بالقيام عن أثر لفظة (قم)، فإن لم يقم السامع وهو أم بلا شك فهو عقيم، وإذا كان عقيما فليس بأم في تلك الحالة)) .
ويقول حسين في حجر الورد :
(فأُعْجِبَــــتْ بجســــدِهِ سكارلتْ، زوجتي، بطلـةُ "ذَهَبَ مع الريح"، قالت تتمنّى الخضوعَ لقوّتِهِ، قال لا قوّةَ فيهِ على إخضاعِ أحدْ، وقال اللذَّةُ أعمقُ من الممنوعِ، وهي اللذّةُ تحتَ الممنوعِ كالماءِ تحتَ العشبِ، وكنا عُشباً ممنوعاً نتأرجحُ كمشنقةٍ في غروبِ الأشيـاءِ، قال خيرُ تعاليمي وجودي هنا) .
( وفي الطابقِ العُلويِّ، قبلَ الكشفِ، حيثُ لما أنّتْ تحتهُ قالت تُثيرُ، لهُ قالتْ، يا إلهي تُثيرُ، ورأسُها ذاتَ الشمالِ وذاتَ اليمينِ يروحُ كطيرٍ شدّتهُ اللذَّةُ للأرضِ، قالت ما يخرجُ منكَ جميلٌ، واللغةُ الممنوعةُ تطفحُ باللذاتِ المحزونةِ بعدما فرضَ الأمنُ المشبوهُ الكتمَ على الأحرفْ ). (تلك الخارجةُ من الرواياتِ لكي تَئِنَّ تحتَهُ وتتأوَّه،...)
(وأنا، تايريزياس، في الغرفةِ المجاورةِ،
أنا الذي يمزجُ الحزنَ باللصوصيةِ،
ويمنعُني الافتعال عن الانفعال، والكبرياءُ عن الشكوى،
أنا، من ينكرُ حين يرى،
حين كانت تئنُّ تحتهُ كذئبةِ اللَّذَّةِ، راميةً رأسها للخلفِ،
مع ذلكَ البرنزيّ الذي لفحتهُ شمسُ الصحراءِ الحمراءِ،
وقالت، بين التأوُّهِ والاستثارة، عني،
أنني آمنٌ مثل بيتِ اللهِ الحرامِ، ويوثقُ بي،
ومعي لا تشعرُ بعد فِعْلَتِها بالضياعِ،
ولكن اللذَّةَ معهُ،
ذلك الطفلُ القادمُ من الصحراءِ وقبيلةِ التوريغ، ........
مثيرةٌ بجنونٍ وبِدئية،
وكنتُ واقفاً، بحواجبٍ الشيبُ سرى فجأةً فيها،
في الغرفةِ الأخرى، بين القططِ، والكتبِ، والإضاءاتِ الخافتةِ، أرى كلَّ هذا......).


هوامش :
*حسين البرغوثي : شاعر وروائي , ومسرحي, ومفكر , وأكاديمي فلسطيني . ولد في رام الله عام 1954 . حصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الأدب المقارن بين الأعوام (1985-1992) من جامعة واشنطن في سياتل. عمل أستاذا للفلسفة والدراسات الثقافية في جامعة بيرزيت حتى العام (1997) وأستاذا للنقد الأدبي والمسرح في جامعة القدس حتى العام (2000). وأثناء هذه الفترة كان عضوا مؤسسا لبيت الشعر الفلسطيني وعضوا للهيئة الإدارية لاتحاد الكتاب الفلسطينيين ورئيسا لتحرير مجلة اوغاريت ومديرا لتحرير مجلة الشعراء حتى رحيله في الأول من أيار (2002) حيث توفي في مسقط رأسه كوبر اثر مرض بالسرطان استمر عدة سنوات . له العديد من الدواوين الشعرية والمسرحيات والروايات والدراسات الفكرية والأكاديمية . وتتميز كتاباته بالتجريب والمغايرة والتأسيس لمشرع فكري عربي ممايز لم يمهله القدر لانجازه . ويمكن تحميل نسخة من نصه حجر الورد على الرابط التالي .
http://www.4shared.com/file/136832137/9bb01aeb/__online.html

1. Bertens, Hans and Douwe Fokkema (eds.). International Postmodernism: Theory and Literary Practice. Amsterdam: John Benjamins, 1997.
2. Palestinian Exile as writer,1979 , Jabra Ibrahim Jabra
3. للمزيد حول العلاقة بين التفكيكية والصوفية ينظر كتاب :
Ian Almond, Sufism and Deconstruction: A Comparative Study of Derrida and Ibn Arabi. London: Routledge, 2004. كما يتوفر على الانترنت فصولا من الكتاب ومراجعات عديدة ومميزة له بالانجليزية
4. ينظر : مقال الأنوثة في فكر ابن عربي , مروة كريديه , مجلة نزوى , العدد خمسون , 18/7/ 2009
5. أدونيس : الصوفية والسوريالية، دار الساقي، بيروت، 1992،ص166.
6. للمزيد حول تقانات ما وراء القص وما وراء القص التاريخي ينظر كتاب : جماليات ما وراء القص : دراسات في رواية ما بعد الحداثة , ترجمة ساماني أبو رحمة , دار نينوى للنشر والتوزيع , دمشق , 2010
7. ينظر: جون برجر: اللانساني هو التباس المعنى، نص الهجرة، إعداد فواز طرابلسي، مجلة الكرمل عام 1984 :147.
8. لمزيد من المعلومات عن المعرض او عن مصطلح الحداثة المغايرة او عن سرديات نيكولاس بيريو أو الفنانين المشاركين في الإعداد والعرض ينظر : مقال نيكولاس بيريو والحداثة المغايرة , أماني أبو رحمة . و يمكن زيارة موقع المعرض على الرابطين التالين : http://www.tate.org.uk/britain/exhibitions/altermodern/explore.shtm .
9. المصدر السابق


أماني أبو رحمة
ناقدة من فلسطين
amani.khalaf3@gmail.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث