الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
أنْ نأسر المكان داخل النص/ قراءة في "خرائط منتصف الليل"
سعد محمد رحيم
أنْ نأسر المكان داخل النص/ قراءة في "خرائط منتصف الليل"
غلاف الكتاب




ربما قضت على ما يُعرف بأدب الرحلات ( التقليدي ) السينما ووسائط الإعلام، لاسيما الفضائيات، مع سيل الصور الصحافية المتدفقة عن كل شيء، في كل يوم وفي كل ساعة ودقيقة. فضلاً عن أجهزة الاتصال الفائقة السرعة وسهولة السفر من مكان إلى آخر بفضل وسائل النقل الحديثة. فلم تعد هناك أمكنة مجهولة لم يجرِ اكتشافها وبات الناس يعرفون كثيراً عن المدن التي لم يزوروها من طريق البرامج الوثائقية التلفزيونية والتحقيقات الصحافية والتقارير الإخبارية ناهيك عن الأقراص المدمجة التي تعرّفك بالصوت والصور الفيديوية على المدن والجبال والسهول والبحار والبحيرات، على الشوارع والأسواق والمتاحف والأزقة القديمة والبنايات العصرية. فماذا بقي، إذن، للذين يكتبون عن أسفارهم، ويدبجون ما يعتقدون أنه ينتمي لأدب الرحلات؟ ما عاد السفر، في الغالب، مغامرة محفوفة بالمخاطر كما كان الأمر قبل مئة سنة أو أكثر. وليس المسافر بحاجة إلى شهور وأعوام طويلة ليعبر من قارة إلى أخرى، فبإمكانه اليوم أن يفطر في بغداد ويتناول غداءه في اسطنبول وعشاءه في باريس. وإذن، مرة أخرى، ماذا على المسافر المتنقل، على عجل، من مدينة إلى مدينة، ومن بلاد إلى أخرى أن يخبرنا عن دقائق سفره وانطباعاته عمّا رأى. وقبل هذا؛ هل علينا أن نطلق على مثل هذه الكتابات ( أدب رحلات ) أم هو أدب ( أسفار ) لا غير، ذي صبغة سياحية؟.
راودتني هذه الأفكار وأنا أقرأ كتاب علي بدر ( خرائط منتصف الليل: رحلات ـ دار المدى 2009 ) وهو الكتاب الفائز بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي/ 2006. ولنا أن نتساءل أيضاً؛ لو استعنا بالمعايير المستخلصة من كتاب ابن بطوطة ت 779هـ ؛ ( تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) ، وكذلك من كتب ابن فضلان وابن جبير والإدريسي وغيرهم إلى جانب كتب الرحالة الغربيين إلى بلدان الشرق في القرون الثلاثة التي سبقت الحرب العالمية الثانية، كونها تمثل أدب رحلات. أقول؛ بالاستعانة بتلك المعايير هل نستطيع وضع كتاب علي بدر في خانة هذا الجنس من الأدب؟ أعتقد؛ لا.
وإذن مرة ثالثة، أمن قيمة أدبية أو فكرية أو وثائقية لمثل هذا الكتاب ( خرائط منتصف الليل ) والجواب هو برأيي؛ لا شك، نعم. فأول ما تمنحنا قراءته هو المتعة، ولهذا لاذ الكاتب بالشعر.. أنجز سفره في فضاء اللغة بالتناظر مع أسفاره عبر الأمكنة. كان يرغب أن نشاركه متعته وإنْ بالتحليق على أجنحة الخيال الذي تلهبه الكلمات. ما قاله بوساطة اللغة لا تُطابق بأية حال ما شاهده على الأرض، والنص الذي أعطانا إياه غير المشهد الواقعي الذي خبره. وعلى الرغم من هذا وفّر لنا فرصة أن نحقق سفرنا الخاص، رحلتنا المُرمنسة بعونٍ من كلماته/ نصوصه. وأن تكون لنا حصتنا من الشغف والدهشة وغبطة الاستكشاف.
ما الذي يبحث عنه مسافر سائح، الآن، كعلي بدر، طالما أنه "منذ العام 1754 لم يعد العالم مجهولاً... منذ زمن بعيد ونحن لم نسمع عن اكتشاف جديد يُدهشنا" ص11ـ12 مثلما يقول ويتساءل؛ "أين المجهول بعد الوفرة الفنية والجمالية لعصرنا؟" ص 12. أتراه يرغب بإعادة اكتشاف ما تم اكتشافه، أم هو يحلم بالظفر بوجه آخر من وجوه ما صار معلوماً ومشاعاً ومبتذلاً، وجه ما يزال مجهولاً حتى هذه اللحظة، وسيبقى؟ أو لأن الهوَس بصورة استثنائية ( متخيلة ) للحياة تقع في مكان آخر، على تخوم المستحيل هو الذي يدفعه للرحيل إلى المكان الآخر؟ أو، ببساطة، لأن الاكتشاف الحق لا يكون للمكان الجغرافي المجهول بل لموضع ما مفقود، رائع وحميمي، يتوقعه كل امرئ غائراً في دخيلته، موضع على خريطة سرّية هي خريطة روحه ليس إلاّ، لن يصل إليه، أخيراً، إلاّ بعربة الشعر الفخمة المزركشة التي تتخطى الحدود؟
يطغي على أغلب فصول الكتاب الرؤية السياحية، إنْ صح التعبير. يمر الراوي ( إنْ حق لنا استخدام هذا المفهوم السردي ) من غير مخطط مسبق، من غير هدف واضح يرومه.. إنه الباحث عن المفاجئ، المدهش.. إن ما يعبر باتجاهه مجهول له على الرغم من أنه يكون قد قرأ عن المكان، لكنه في كل مرّة يُباغت بمكان مختلف.. إن الواقع، ها هنا، يناكد الخيال الذي استعار مفردات التاريخ وإرثه، أو رؤية عابرين آخرين. سيجد بليدة/ الجزائر، مثلاً، مكاناً غامضاً ووقوراً وأزلياً، وشعبياً جداً "بقذارة شوارعه وضجيج أسواقه، وربما ما زال البائع الذي التقاه مارميه نائماً حتى اليوم بعينيه الجامدتين المنتشيتين وغليونه في فمه، وربما ما زالت إحدى قدميه حتى الآن منتعلة والأخرى حافية!" ص136.
لغته، أحياناً، غير مشذبة، مبعثرة.. انعدام تماسك نسيجها ( أحياناً ) يشبه فوضى الأسفار نفسها وعبثها.. الدخول إلى عوالم الأشياء بلا خرائط حقيقية، بلا اصطحاب أدلاّء مملّين.. بحثاً عن الضياع، ابتغاء مسرّات الضياع. "أدركت أن أثينا لا يمكننا أن نكتشفها إلاّ من خلال الضياع في شوارعها ومع نسائها وفي قصائد شعرائها" ص70، كما لو أنه سفر محض في هوام اللغة لا على مسرح الواقع والجغرافية. يكتب، وهو في أثينا؛
"كل ما تركتيه في شقتي بقي كما هو.
بعد رحيلك سلّة الغسيل في الحمام كما هي. الجوارير ملأى بأشيائك. مشدّات صدرك، كالسونك الأبيض، بنطلونك الجينز الذي اشتريناه مستعملاً، جواربك، وقميص به عرق امرأة، كل شيء في حجرتي الصغيرة يحمل بقايا عطرك، حتى جسدي يحمل وسم امرأة من أثينا مثل ندبة. هل أقول أحبك.. ها أنا أدير وجهي إلى الحائط وأحملق في تشكيلات ورق الجدار كي أتفادى كل ما يذكِّرني بك" ص104 ـ 105. ولأنه لا يخبرنا شيئاً عن المرأة في هذا المقطع فلنا أن نقرأ وأفق توقعنا مفعم بقوة الشعر وروحه، أي أن نطلق سراح المخيلة.. صحيح أن الكاتب لا يلجأ إلى الصور والاستعارات البلاغية، مكتفياً بالحديث عن تفصيلات صغيرة موحية. لكنه يبقينا في منطقة مشبعة بالشعر.
في أدب الرحلات ( الأسفار ) تهيمن حاسة البصر.. السلطة تكون بصرية، يجري افتراس العالم بالعينين.. ولهذا تتواتر كلمة ( أرى ) ومرادفاتها بدرجاتها المتباينة ( أنظر، أبصر، أشاهد، أعاين، ألمح.. الخ ) .
"من ساحل البسفور كنت أنظر إلى الكوى التي تغور في النهار الساطع، إلى البيارق التي ترفرف فوق الأبراج الحجرية، إلى الأزهار التي تتسلق جدران القصور البعيدة أو تحتضن البيوت الحجرية المطلّة. إلى الأشجار التي تحيط بكنائس اسطنبول القديمة، أديرتها الضخمة. إلى نافوراتها في المساجد، وإيقوناتها في الكنائس، إلى قبابها المذهّبة، إلى فسيفسائها، إلى أعمدتها المرمرية، وزجاج نوافذها التي تلمع في الضياء الذي يتخلل الظلال" ص26.
يبني علي بدر هذا المشهد بعبارات رشيقة هادئة. لكنني أحسب أن ثمة خللاً في المنظور، على الرغم من جمال ما يرينا إياه. فالراوي/ الشاهد/ الكاتب يقف على ساحل البسفور ينظر إلى كتل الأبراج والقصور والمساجد والكنائس الكبيرة فكيف له أن يرى في الوقت ذاته نافورات المساجد وإيقونات الكنائس. وإذا كان زجاج النوافذ العالية يلمع في الضياء فلم استطع، أنا القارئ، أن أتخيل أيَّ ظلال يتخلل ذلك الضياء.
تختلف علاقة الكاتب مع المدن التي يزورها.. بعضها مُثقل، ما يزال، بعقابيل التاريخ، وبعضها متخفف منها.. بعضها يعرفها جيداً وبعضها لا. يذهب إلى اسطنبول وذهنه مترع بصور الكتّاب والرحّالة عنها.. وهناك يبحث عمّا بقي من الوليمة، تلك التي أعدّها الكتّاب والرسّامون المستشرقون بتواطؤ مع مخيلة جامحة عن المدينة.. لا أدري لِمَ أحسست بان اسطنبول علي بدر أقرب إلى اسطنبول فيكتور هيجو ونيرفال منه إلى اسطنبول أورهان باموق ونديم غورسيل ( هؤلاء، وغيرهم، الذين يستشهد بهم أو يشير إليهم ). يبدأ الكتابة عن المدينة العظيمة بالقول؛ "حين وطئت قدماي اسطنبول أول مرة كنت أعرف جيداً أي أرض وطئت.. لا أتحدث هنا عن التاريخ..." ص19 ولن يقول لنا عمّ يتحدث، سوى ما سيكتب في وصف المدينة ومشاهداته لمعالمها، وهو وصف لن ينجو أبداً من عبء التاريخ وتداعياته. "وهكذا كنت أبحث عن وصول آخر... الوصول إلى مدينة الأحلام والأساطير.. الوصول إلى مدينة المياه الشفافة، القديمة، شبه جزيرة العثمانيين، الأكربول القديم والأبنية الرسمية في المدينة اليونانية القديمة.." ص27ـ28. فلكلمة اسطنبول ثقلها المعنوي التاريخي الخارق.. هي "الكلمة الذي عذّبت سيفيرس طويلاً.. الكلمة ـ المفتاح.. الكلمة التي تحرّك المشهد البسيط الذي يحيط بي: الرصيف المغسول برذاذ البحر.." ص28. هكذا يلج الحاضر من باب التاريخ العريض.. ظل التاريخ الكثيف ينعكس على الأشياء: البشر والأمكنة والتضاريس، فيلوِّنها.. يلج الحاضر كمن يبحث عن سر خفي، عن كنز دفين. ولماذا لا نقول عمّا هو شهي ومرغوب بضراوة. ولا نعدم تلك الشهوة وتلك الرغبة الملتهبة، المقموعة ذات المحتوى الجنسي الصريح حيناً والموارب حيناً في نصوص الكتاب. ومع تحوير فرويدي، لعلّه متعسف قليلاً، نقول أنه يبحث عن المرأة في المكان، عن المكان المرأة، أو المرأة المجسِّدة للمكان.. يريد إعادة فتح المدينة المتروبولية ( العثمانية ) بسطوة الفحولة.. الفحولة بمحمولها الرمزي، وجوعها الواقعي.
اسطنبول أورهان باموق ليست هي الواجهة السياحية البراقة للمدينة فقط، بل هي، أكثر وأبعد من ذلك، الأحياء والشوارع الخلفية، الجزء الهامشي المهمل والمحجوب. وهي في نظره مدينة ريفية كبيرة فقيرة وحزينة.. ضائعة بين ماضٍ إمبراطوري حافل وحاضر ( مغربن ) كل شيء فيه ناقص وغير كافٍ وغير مكتمل. ليشعر، من ثم، أنه في مكانه وليس في مكانه في الوقت نفسه. أما الوجه الآخر لاسطنبول الثرية عند علي بدر فهي "بيوت الدعارة والمواخير الشقية.." ص33 ليس إلاّ. ومن هناك سيسمع صوت الفقراء ولن يراهم.. إن نظّارة الرحّالة الغربيين من القرن التاسع عشر على عينيه، توقهم للعجيب وشبقهم الحارق الذي يحرِّف ضالته ويُشبعها رمزياً بتأنيثه للمدينة.
"اسطنبول هذه الكلمة ـ السحر، الكلمة ـ المفتاح التي تثير خيالي نحو الناس، والديكورات المزخرفة والوقائع الغريبة المُرمنسة، تثير خيالي نحو أحداث عظيمة تتفجر بين يدي كلما أقلب كتاباً للتاريخ، تتفجر بين يدي صورها العارية البراقة، لأنها ممتعة وشهية مثل محظية في حرملك السلاطين" ص33.
ملاحظة عابرة: يشير علي بدر إلى روايات أغاثا كريستي، حيث جرت وقائع وأحداث بعضها على أرض تركيا والعراق أو بينهما، أشهرها ( جريمة في قطار الشرق السريع ). ويقول أن الكاتبة البريطانية جاءت بصحبة زوجها الآثاري ماكس مالوان إلى بغداد في الخمسينيات. وبعد بضعة أسطر يقول؛ "في بغداد، في أواخر الأربعينيات، قطنت أغاثا وزوجها مالوان في حي الوزيرية" ص62. متى على وجه التحديد يا علي؟. أعتقد أن الانتباه لمثل هذه التناقضات أو الاختلافات ضروري في أثناء الكتابة.
* * *
سيختصم علي بدر مع موجِّهات مرجعيته الثقافية، وهي واسعة وذات طاقة استحواذية، وهو يطأ أرض الجزائر، لكن مياهاً كثيرة تكون قد عبرت تحت جسور التاريخ، منذ ذلك الزمن الذي رسم فيه الرحّالة والمستشرقون والكتّاب الغربيون صورة الجزائر بعدِّها ( مَعْجَبَة شرقية ). ولن يصادف أشياء كثيرة عن تلك ( الجزائر الأخرى ) التي قرأ عنها فهذه "جزائر الجزائريين والتي لم تعد تشبه الجزائر الموجودة في روايات مغالي بوازنار، أو روايات أرواندو، أو برترون الذي كتب عن الماضي الحي الذي رقد طويلاً في تلمسان أو قسنطينة.. هذه بليدة التي كتب عنها ألفونس دوديه... وهذه تيباز التي أحبها ألبير كامو" ص123. وسيحكي عمّا لم يجده بقدر ما سيحكي عمّا وجده، وستحضر الجزائر/ التاريخ بقوة كما حضرت نتف من رؤى الرحّالة عن جزائر أخرى لم تعد موجودة، أو لعلّها لم توجد قط. سيحاول دخول قلب الجزائر المعاصرة، وتحسس نبضها. يرى سطحها ويروم النفاذ إلى روحها، إلى المجال الإنساني الحي والواقع المعيش. تشكيلة غريبة من الماضي والحاضر؛ "كل شيء يرتبط بمجدك يا مدينة البحر: قمار وحشيشة، خمرة ومناضلون، شهداء ومجرمون، شعراء وفلاسفة عظماء، صحراويون وفقراء، محظيات وقراصنة، نساء وجنود استعماريون، وعاهرة ترتبط إلى حد ما ببحرك.." ص116. تستحيل الجزائر، هي الأخرى، إلى امرأة، يسعى لامتلاكها. ستكون موضوعة رغبة مترسبة في قاع اللاوعي حيث ترك أدب الرحلات الغربي فُضلة منها.
" لستِ لأحد على الأرض لأنك مثل البحر والسماء والهواء لا أحد يقوى على امتلاكك... وحين سرت في شوارعك... وصعدت السلّم العالي المظلل بالأشجار شعرت بأني ساكن متجذر فيك، لمستك... لمست جسدك كما لو كنت أتحسس جسد امرأة جميلة... أنت الكهلة ما زلت صبية.... صبية سمراء شبه عارية... أنت الآلهة المستلقية على البحر... وقدماك سابحتان في اللازورد الأبدي" ص116.
أما الفصل الخاص المعنون ( كامو والجزائر ) فإنه يلقي ضوءاً على علاقة ذات طبيعة إشكالية ملتبسة بين كاتب غربي كبير وبلاد عانت من سيطرة كولونيالية طويلة مارستها دولة ينتمي إليها ذلك الكاتب. فأولاً ولد كامو في الجزائر، وعاش طفولته وشطراً من شبابه في تلك البلاد كونه مستوطناً فرنسياً، في الجزائر التي تعدّها فرنسا جزءاً منها. وثانياً سيتورط في السجال الساخن الذي دار بين المثقفين الفرنسيين إبّان مرحلة حرب التحرير الجزائرية. وكان موقف كامو غير الحاسم حول ضرورة وشرعية وإمكانية استقلال الجزائر أحد الأسباب في القطيعة بينه وبين جان بول سارتر. ولذا فجزائر ألبير كامو، ( يقول علي بدر ) غير جزائر الجزائريين.. ويوضِّح: "جزائر ألبير كامو تأتي من تقاليد مصادرة فرنسا للجزائر لا من الجزائر، من الإنشاء الأكثر فصاحة والذي يطلق في الطاعون أو الغريب معاينة تقليصية للجزائريين الأصلانيين إلى أبعد حد ممكن، دون استحضار حقيقي للعنف الذي مارسه الفرنسيون هناك" ص142.
سيختلف الحال نوعاً ما في إيران.. سيدخل علي بدر، منذ البدء، هذه البلاد، المثقلة هي الأخرى بعبء التاريخ من بوابة الشعر.. من بوابات شعرائها الأقدمين العظام، وشعرائها المحدثين المثيرين للجدل. كما لو أن إيران هي فردوس الشعر الذي لا يُبارى؛
"لا أتحدث عن رحلة النبي دانيال الشاقة، ولا عن مغامرة لصيد كبير، إنما عن رحلة إلى طهران، إلى كلاسيكية الأدب الفارسي، إلى خان شاه نامة العظيم" ص151. ومع التسكع في الأسواق والساحات الواسعة والشوارع الفسيحة والحدائق الخلاّبة وأمام البيوت والعمارات الفارهة ( لن يطّلع الكاتب على إيران الأرياف والفقراء ) وفي المقاهي والمطاعم ستكون أغلب الثرثرات عن الشعر. فطهران التي هي "مدينة التركواز واللازورد المبهج في تكاثفه، والمشرق في صفائه" ص156 يهيّج الذاكرة والمخيلة الشعريتين على الرغم من أسوار المحافظين الخانقة. إن الطبيعة الباهرة بسمائها وجبالها وأشجارها وشمسها وضبابها، والأسواق الضاجة بروائح التوابل والجلود والفاكهة والعطور وعذوبة نسائمها ومناظر مدنها وقبور شعرائها هي التي تحرِّض على ولوج وادي الغواية الشعرية؛ "يقولون: لا يمكن لأحد أن يصبح شاعراً إلاّ أن يلامس مياهها العذبة، وهواءها البارد، ويداعب قبابها ومآذنها وأبراجها. لا يمكن لأحد أن يصبح شاعراً عظيماً إلاّ أن يجلس في مقاهي أرصفتها، ويمسح وجهه بجدران قبر شاعرها، وبصخرتها الكبيرة، وبأسوارها المهدّمة، وأن يتسلق تلالها وأبراجها، وان يستريح تحت أفياء أشجارها..." ص169. وأظن أن هذا الكلام الذي لا يخلو من المبالغة ( الشعرية ) ينطبق على مدن وأماكن كثيرة في العالم، تلك التي أهدتنا هذا العدد الوفير من الشعراء في كل زمان ومكان.
يقول لنا علي بدر أن طهران تقدم له مشهداً غريباً لم يتعود عليه في الربيع ص158. ومن ثم تصبح الحياة، في طهران غافية ومترنحة في هدوء الصيف ص160. فهل كانت رحلته، هذه، في فجوة فصلية/ مناخية ملتبسة بين الربيع والصيف؟!.
ومن جديد ستحضر رؤية الرحّالة والكتّاب الغربيين، وإنْ في مشهد فريد؛ "وفي البازار أكلنا الساهون... وقد نام الرجال في الظل كما لو كانوا في كتاب من كتب غوبينو أو شاردان قبل مئة عام" ص168.
بنشوة دافقة يتشرب الكاتب روعة المشهد الإيراني ( البشري والمديني والطبيعي ) وهو مترع بما قرأ من تاريخ إيران وأدبها القديم والحديث وكتب الرحّالة. ويرى، كما في أية مدينة شرقية إسلامية في راهننا، كيف تتأرجح طهران بين المحافظة والعصرنة. بين ما يريده رجال الدين، وبين ما تحلم به الشريحة المثقفة. وكيف تتخبط المرأة الإيرانية بين عالمي السياسة والمجتمع، وكيف تعيش صراعها الضاري بين التقاليد والانحراف عنها، فطهران "عالمان متناقضان... عالم من الخرافات والاختلاقات والأساطير، وشعب يعذِّبه عالم قديم بعفاريته الخبيثة وأعاصيره، عالم يدير ظهره للحاضر ضائعاً في زمن قديم، وعالم معاصر.. منذور للحياة وللمتع الكبيرة، وللملذات الحسية ومنذور للجنس والحب والجمال، وكلا العالمين غير المتصالحين يؤمن بطرق غير مرئية، وحياة روحية قرمزية لا يناوئها، ويعرف أمام الشدائد كيف يبتسم" ص 178.
أما مروره بمرسيليا وقبرص فسيكون سريعاً، ولن يكتب عنهما بتلك الحميمية التي كتب بها عن اسطنبول والجزائر وأثينا وطهران، حتى أن الفصل القصير عن قبرص يبدو وكأنه كُتب في ضوء قراءة كتاب دليل سياحي، وليس عبر معاينة ومعايشة حقيقية للمكان. أما المقاطع المختارة من قصيدته النثرية الطويلة ( كتاب الحشاشين ) فلا أدري لماذا حشرها في متن كتابه هذا سوى أنها كُتبت في الأماكن التي زارها، وفي بعضها ينقل انطباعاته عنها. على الرغم ممّا فيها من رؤى وصور شعرية لا تفتقر إلى العمق والجمال. وبعض تلك الرؤى والصور ذات صبغة سوريالية تبدو أحياناً وكأنها رُصفت من غير أن تكون وراءها أي معنى ظاهر أو مباشر. صور مفككة يوحِّدها إيقاع خفي؛ جرس الكلمات وتعاقب الجمل. في سبيل المثال: "قالوا لا مناص من الموت ومن الركض على البحر، قالوا لا مناص من الطيران في الهواء. وهذه الفكرة الشيطانية لا تأتي من طرق مرئية ولا تعرف قياس الزمن، هذه الفكرة تأتي بفضل جسارة قرمزية، وشهوة خضراء" ص 185.
وأيضاً، لا أدري لِمَ لا يعتني علي بدر، أحياناً، بلغته. كأنه يكتب مرة واحدة ولا يراجع ما كتب.. فإلى جانب النصوص المسبوكة بأسلوب رصين والمعجونة بقوة الشعر، بجزالة العبارات وسلاسة انسيابها وجمال المفردات التي ينتقيها، نفاجأ بمقاطع مفككة، مملوءة بمشكلات تتعلق بقواعد اللغة وبناء النص. لاسيما في نص ( من مرسيليا إلى إكس بروفنس ). هذا المقطع مثال على ما نقول؛
"واحتلت المرأة الارستقراطية كل شيء في ثقافة القرن السادس عشر الأميرات الارستقراطيات لسن كل النساء، ولكنهم احتلن كل شيء في ثقافة القرن السادس عشر من كل الإنسانية اختيرن ليكن مذبحاً مؤقتاً لفضائل الأنوثة، كما لو إنها ضامن الفضائل النسوية العظيمة، على مدى العصور كانت تحصل على عناية واهتمام غير محدودين، لقد حصلن على تعليم راق جدا، وحصلن على معارف جمة، واحتل قدرها أرواح أكثر الناس شهرة في ذلك العصر" ص206. كما أن الكاتب لا يهتم كثيراً بالمواقع الصحيحة للنقاط والفوارز والتي تضبط توزيع الجمل وتتابعها وايقاعها في النص.
يُرجع علي بدر هاجس السفر والرحيل إلى الروح البدوية.. إلى رؤى "وعرة تنزلق نحو الدخول الحذر إلى مناطق محظورة" ص167. أعتقد أن حمّى عشق السفر والرحيل تتعدى مدى توجهات الروح البدوية. فالرحلة البدوية الدائمة لها فلسفتها ومسوغاتها الطبيعية ( بالمعنى الجغرافي والاقتصادي والبيولوجي للكلمة ) ونطاقها المحدود. أما الرحلة الأخرى تحت تأثير الهوس المرضي بالسفر إلى كل مكان، إلى المجهول فلها فلسفتها المختلفة، ومسوغاتها المختلفة ونطاقها الذي لا يحدّه حد. هذا الوازع العنيد المتطلب هو الذي يجعلنا مسكونين بروح التلصص "على عالم آخر، لنصبح شهوداً آخرين على عالم جديد" ص167. إنها روح المغامرة أن يعبر المرء نطاقه ويستكشف ما وراء ذلك ( أقصد؛ آخره ) وهو الشرط التاريخي كما أكد إدوارد سعيد في كتاب ( الثقافة والإمبريالية ) لولادة فن الرواية، وربما إبداعات العصر الحديث كلها.
نختتم مقالنا بما اختتم به علي بدر كتابه؛ "الرحلة هي غريزة أن نأسر المكان داخل النص، وأن نأسر الفضاء داخل الكتابة، ونستحوذ على العالم عن طريق الشعر... فعبر نص الرحلة نقترب من خرائط منتصف الليل لنصل إلى العالم، وربما نصل دون أن نعلم إلى السحر الذي يعلّمه أورفيوس في نشيده" ص212.


سعد محمد رحيم
روائي وناقد من العراق
saadrhm@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث