السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ألبير كامي...خطاب الهوية وإخفاقات النقد السياقي
قلولي بن ساعد
ألبير كامي...خطاب الهوية وإخفاقات النقد السياقي
البير كامي


رغم الكم الهائل من المقالات التي نشرت مؤخرا حول الروائي ألبير كامي نادرة هي المسهامات التي تمكن كاتبوها من ترك مساحة فاصلة بين الأسئلة الإبداعية و الفلسفية التي تحيل اليها نصوصه ومواقفه و بين ما أردناه نحن كإلزام وجب فرضه على روائي لم يكن بمقدوره فعل ذلك بل إن هناك من أراد الدفع بالنقاش بأتجاه نوع من التوجيه المدرسي الإيديولوجي كما لو أن الأمر يتعلق بوثوق لامجال معه للمساءلةو التعدد و الإختلاف حد الهيمنة حد الإحتواء و الإلزام في نسق من الأفكار الساكنة المتشابهة لايجوز لنا الخروج عنها أو التغريد خارج ملخصات الرؤية الإطلاقية ( لمعطف الهوية )من منظور سياسي دعائي تهدمت مختلف وثوقاته و بدأ يستعد أو هو على أهبة الإستعدادلإستنفاذ شروط بقاءه كخطاب مقنع يتأسس عليه وجودنا الحضاري ولكن مع ذالك فهذه الهبة الحوارية حاولت بعض الأقلام المساهمة فيها بفعالية– نعم أؤكد على أنها كانت فاعلة ومنتجة سياقيا لانصيا مع إستثناءات جزئية ومحدودة إذ جاز لنا أن نتحدث هنا عن (إنتاجبة نصية) بتعبير جوليا كريستيفا تمكنت من الدفع بالنقاش إلى حدوده القصوى من حيث تداول الرؤى والتصورات حتى ولوأن بعضها حاولت حصرأسئلة الكتابة الابداعية من الوجهة السياقية البحتة عند هذا الروائي داخل سياج محدد بشكل تأطيري فأختصرت بناءا على ذلك قراءة محمول هذه الأسئلة و ما يحيل إليه المنجز الروائي لهذا الكاتب المبدع على صعيد الذات و الوجود و المخيال و التاريخ و الجنس و النوع والشكل و الإبداعي و الفلسفي في ظلال من التجريد الهوياتي الدوغمائي العاطفي إنطلاقا فقط من مقولته الشهيرة و التي فضل فيها أمه على العدالة و هي مقولة يراد بها تجزئة وتجريد المتن الإبداعي لهذا الروائي من سياقاته التاريخية ووقائعه و بالتالي تحويلها إلى قضية من قضايا الساعة في تناغم مع الخطاب الإيديولوجي الرسمي السائد في فرض مزيد من الوصاية على النخب الثقافية و إلزامهم بالأمتثال للتقاليد والمقاييس و الأطر المقبولة بما يعني من وضع حد لأية محاولة تجديدفي الفكر و الإبداع لتكريس مزيد من الإنصياع للموروث والنمطي دون أي تمحيص نقدي أو مساءلة جذرية وبالتالي الحجر على أية محاولة للإنحراف عن السائد و المكرورو خلخلة المعهود حيث لايبقى عند تراكم الأسئلة و الأجوبة الجاهزة و صعوبة الإمكان إلآ ثقافة الحسم في ما لايقبل الحسم ومنطق الرؤية الإطلاقية في سياق (الولع بالأصل ) بتعبير أدموند جابيس نتوهم أننا ندافع به عن هوية هي على مرمى حجر من الذوبان في الآخر.و الإنحلال فيه وعندئذ يتعطل التفكير و الإشتغال خارج مدار الأنا وخارج ما يقال مرات ومرات و بأشكال مختلفة و في كل مرة نصاب بالإنتكاس .. صحيح أن ألبيركامي لم يتخذ الموقف المناسب من النضال الجزائري المحموم آنذاك وأكتفى على صعيد الموضوع بالإشارة إلى بعض الرموز و الإحالات تحقيقا لشرطه الوجودي و إرضاءا لمخياله الثقافي الكولونيالي ولما توفر لديه آنداك من رؤى وقناعات نابعة من تكوينه الذاتي وشعوره بالتمزق إزاء إنتمائين الأول لأرض المنشأ ( الجزائر ) و الثاني لأمه (فرنسا) بالسعي إلى ما تفرضه لحظة الكتابة الروائية كلحظة مشروطة بجملة من العناصر المثالية والرمزية بما هي معرفة سابقة ومسبقة على النص الإبداعي برؤية وجودية إبداعية تدفع بالذات القارئة إلى قراءة هذا المنجز بعين إبداعية جمالية وبنائية تأخذ في الحسبان الوضع الذي هم عليه شخوصه الروائية ولماذا حولهم الروائي الى مجرد كائنات تجريدية دون أن تبقى القراءة حبيسة المعنى الهوياتي وحده دون سواه كصدى منفلت من معناه ثم مقاربة تخوم النص الإبداعي لألبير كامي مقاربة تعمل على حث القارئ- أعني هنا القارئ الناقد الذي يقرأ من أجل المتابعة وأستكمال ملف الكتابة الإبداعية على ما يسميه أمبيرتو أيكو ( النشاط التعاضدي التأويلي) أي أن يستخرج من النص المضمر فيه والضمني والمغيب من أجل ملء البياض الذي نسيه الروائي أو تجاهله في تناص مع مواقفه الشخصية وليكن هنا مثلا منه ما يحيل لتفضيل الروائي للعدالة على أمه بوصفه شئنا أم أبينا ينتمي إلى فضاءنا الثقافي في لقاءه المتوتر والتاريخي مع الثقافة الغازية ممثلة في اللغة الفرنسية ومحمولها الأدبي والفلسفي بإستملاكاتها الجمالية والبنائية والسردية و الشعرية ( كغنيمة حرب) بالإصطلاح الذي أشار إليه كاتب ياسين في مسرحيته ( الجثة المطوقة )كالآن تماما يسكن تجاويف المحكي الروائي الذي تسعى الرواية الجزائرية في راهنيتها إلى بلورة أساليبه و أنساقه المختلفة بكتابة تبتعد بنا عن تكلس الأبنية الذهنية والشعورية( وتشيؤ) تاريخ و أطوارالكائن بالمعنى (الغولدماني( - نسبة الى الناقد السوسيولوجي لوسيان غولدمان - لكن لماذا أيضا التوقف عند ألبير كامي ومطالبته أن يكون على الطريقة التي نريدها نحن وهو السؤال الذي كانت قد تفطنت إليه الأستاذة رتيبة بودلال في مقالها ( أيها الجزائريون أيها الفرنسيون أرفعوا أيديكم عن ألبير كامي ) فها هو روائي جزائري أخر مولدا و نشأة و أنتماءاهو مولود معمري عندما نشر راويته ( الربوة المنسية) سنوات المد الثوري الجزائري أثار جدلا واسع النطاق بين المثقفين الجزائريين في تلك الفترة و قد أدان المؤرخ محفوظ قداش مثلما أشار إلى ذالك عبد الكبير الخطيبي في كتابه (في الكتابة والتجربة) هذه الرواية وقال بالحرف واحد ( مادامت هذه الرواية قد حضيت بالقبول و الإستحسان لدىالإعلام الفرنسي – و كان يعني بذالك الإعلام المحسوب على تيار اليمين لأن لليسار الفرنسي رأي آخر يمثله جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وجيل روا إتخذوا من مجلة (( الأزمنة الحديثة)) التي أسسها سارتر فضاءا للترويج لفلسفته الوجودية و لدعم الثورة الجزائرية - فيما أسبغ عليها أي الرواية المفكر مصطفى الأشرف ما أسماه (بالوعي المتخلف عن العصر) قائلا( هاهي صور بلادي قد شوهت في هذه الرواية وتلاشت وراء عالمها المغرق في الإقليمية فبدل أن يبرزمولود معمري الجزائر في حالة صيرورة صور مجتمعا مغلقا مشلولا تتآكله النزاعات الداخلية) (1) والحق أن مولود معمري في هذه الرواية رؤيته بقيت رؤية إقليمية محدودة مما سبب له متاعب جمة الأمر الذي دفعه إلى نشر رواية أخرى هي (سبات العادل) أدان فيها الظلم المسلط على الجزائريين كنوع من التكفير عن الذنب وعليه ودفعا لأي ألتباس أوسوء طوية أشير هنا أننا حين ندعوا إلى هذا المنحى في النظر الى ألبير كامي نظرا أبعد ما يكون عن التصور الدوغمائي العاطفي لروائي يصف مجتمعا هو مجتمع الأهالي أو (الأنديجان) من منظور( الوجودية المحايدة ) إن صح التعبير الناجمة عن أرتباك وتمزق نفسي وقلق وجودي لصاحب رواية(الطاعون) أسفرعن أرتباك في النسيج النصي لمنجزه الروائي وأفضى بالتالي إلى كتابة روائية ليست كغيرهامن حيث أنها بتعبير بختي بن عودة (تفاجيء البنيات القارئة أي الحدالأدنى من الفهم المفكك للرموز والشفرات والذي حين ينتج من جديد خطابا حول المقروء يضطر الى تأمل المرجع وأستدراج ملامح هويته وهي هوية ناقصة مهاجرة ومثقلة على الدوام)(2) لا يعني هذا أبدا أننا نقف موقفا في الطرف الآخر حيث الإستلاب والذوبان والإنسلاخ عن الذات وغيرها من الصفات والنعوت التي عادة ما نسمعها ضمن نسق إطرادي من الجاهزية في الفعل ورد الفعل طالما أن المسألة تتجاوز كل هذا (الشلل القرائي والتدجين المعرفي)...إنها تعني فيما تعني أن قلق المبدع وحيرته هو جزء لايتجزأ من بلاغةالكتابة الإبداعية ذاتها وهو الوجه الآخر لسؤال الكتابة الإبداعية عموما وأن نسعى أيضا قدر الإمكان الى الإبتعادعن الإستخدام الإيديولوجي والدعائي السائد للخطاب الهوياتي كما أشرنا آنفا وفي أكثر من مناسبة لايعني ذالك مطلقا أننا ندعوا الى الانسياق وراء المحاولات الرامية لعولمة وتدويل الهويات الثقافية للهوامش والأطراف فيما أصبح يسمى عولمة( الإئتلاف) تماشيا مع طروحات كل من فرانيسيس فوكوياما في (نهاية التاريخ والانسان الأخير) وصاموئيل هانتنغتون في (صدام الحضارات) بما يثيره من إشكاليات سياسية ومعرفية بروح من نزعة الكيليانية المهيمنة والتي تريد أن (يحل الرقم فيها محل الاسم و نهاية التاريخ على التاريخ والسلعة على القيمة والإئتلاف على الإختلاف بما يتعارض مع المفهوم الأنتروبولوجي الذي يؤكد على واحدية الحضارة وتعدد الثقافات ) (3)والتي تأتي كمشروع سياسي في سياق ما بعد الكولونيالية يرمي الى تفكيك وتشضية المجتمعات الأخرى وتحويلها الى ثقافات تحتية هامشية من نوع ثقافة العنف والكوكاكولا كما يوضح ذالك المستشرق والمفكر المستشرق دوميتروكيكان بل الغاية فقط هو أن نعيد النظر في مسلمات الإستخدام الإيديولوجي بعشوائية لخطاب الهوية بأتجاه جغرافيات الإستيعاب والتجاوز ونشدان المغايرة والإختلاف على أعتبار أن المعرفة التي لاتقر بالإختلاف تسكنها الميتا فيزيقا بمفهوهما الأنطولوجي المهيمن بدلا من أدلجة النقاش كما لو أنه شرط من شروط الولاء والقبول والإستقامة بموجود سائد ونمطي كفيل بتبرير ما لم يعد مبررا في التعامل مع النص الابداعي وقراءته وبالتالي تغييب المتعدد والمضمر والمغيب إرضاءا لوهم التأصيل والتجذير الذي يبقى مجرد شعارأما الفعل فشئ آخر

إحالات
1)آراء محفوظ قداش ومصطفى الأشرف ذكرها عبد الكبير الخطيبي في كتابه (في الكتابة والتجربة) ص29 –ترجمة محمد برادة –دار العودة بيروت-1980
2)رنين الحداثة –بختي بن عودة –ص239- منشورات الإختلاف 1999 الجزائر
3)عولمة الإختلاف أو الإمكان الصعب –نحن والعالم الجديد-مصطفى الكيلاني- مجلة المستقبل العربي-ص65 –عدد 337-بيروت


قلولي بن ساعد
ناقد من الجزائر
guellouli@yahoo.fr
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث