الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
سليم مطر.. مثيولوجيات المحنة العراقية في رواية امرأة القارورة
علي حسن الفواز
سليم مطر.. مثيولوجيات المحنة العراقية في رواية امرأة القارورة
سليم مطر




تقترح رواية امرأة القارورة للروائي العراقي سليم مطر مستويات قرائية لسردية مركبة يتزاوج فيها التخيل مع الواقع، وهذه المزاوجة تضع اجراءاتها ايضا امام فنطازية الفكرة التي تقوم عليها الرواية، مقابل ماتستدعيه هذه الفكرة من واقعيات تتمثلها العلاقات التي يعيشها ابطال هذه الرواية، وسرائر عوالمهم كشخصيات قلقة، مضطربة، لكنها اكثر قدرة على ابتكار مستوى حكائي محتشد بالاحداث الاستعادية والتخيلات، خاصة شخصية المرأة بكل اختزانها الدلالي والرمزي والاسطوري، وكذلك شخصية ادم الذي تتلبسه عقد الواقع العراقي ومتاهة الحروب العبثية التي عاشها هذا البطل عبر شخصية الجندي الذي يساق الى الحرب عنوة، ويعيش سلسلة من الهجرات المتخيلة والواقعية.
فنطازية الفكرة الروائية في هذه الرواية تفترض الكثير من التناص الحكائي، فهي اذ تتجوهر في بنية متخيلة لسحرية القارورة التي تخرج منها امرأة اكثر سحرا، امرأة تعيش في سلالات مثيولوجية وجنسية في وجودها وفي معاشراتها، مثلما تتماهى في مستواها السردي مع البنية المتخيلة لحكاية المارد في مصباح علاء الدين، لكن الروائي لايضعها في السياق الحكائي التقليدي بقدر ما يضعها في سياق اخر، فيه الكثير من الغرائبية، لكنه مفتوح على استكناه الواقع من خلال تعدد مستويات السرد المفتوح على مستويات مقابلة للواقع، ومن خلال اقتراح مستوى قرائي يستغور من خلاله البطل تاريخه الشخصي، هروباته السبعة من الخدمة العسكرية، يومياته في الامكنة وفي المنفى، استعاداته الطفولية، غقدة هويته المضطربة في الامكنة المتعددة التي يعيشها.
حكاية امرأة القارورة هي الحكاية خارجية في سياقها السردي، لكنها مولدة لانساق داخلية في الرواية، انساق تتحول فيها علاقات البطل(ادم) الذي هو الشخصية المحايثة لشخصية الراوي ذاتها (اسم ادم اطلقه عليه الراهب عمو توما اثناء عثوره عليه فاقدا للوعي في جبال كوردستان) الى علاقات مركبة تستدعي نوعا من التقطيع السردي الذي يبدو من التوصيف المباشر مقترحا لكشف علاقة البطل ادم مع الراوي(فاتني ان اخبركم اني كنت اعرف ادم منذ ان بدأنا معا ندرك لعبة الحياة، سافرنا معا، ومعا خضنا تجربة اغتراب وتفتيش عن حلم، كنا كعنصرين سالب وموجب، باندماجنا كنا نصنع كهرباء وجودنا)ص26، اذ تبدو هذه العلاقة/المحايثة التي يلتقي فيها ادم مع الراوي رغم تماثلهما، وكأنها واحدة من الاجراءات السردية او مستوياتها التي تنبجس من خلال مزاوجة الواقع بالسرد، عبر شفرة الحكاية السحرية لامرأة القارورة، والتي يوظفها الروائي كتقنية سردية لتفجير النمط الحكائي التقليدي لحيوات البطل واسفاره ، كما ان هذه المرأة ذاتها وبهذا الحضور السردي الطاغي ليست هي ايضا الشخصية الشبحية المجردة التي تعادل الشخصية الماردة في الف ليلة وليلة، بل نموذج للشخصية الاشباعية، التي يضع حضورها البطل امام عوالم ايهامية للتعويض الوجودي والحسي (سيدي لاتخف اني لك ولاجلك جسدي لجسدك وروحي لروحك .. ملذات عشرات القرون والاسلاف امنحها لك..)(ص33). فهذه المرأة هي تاريخ للذات الانثوية التي يعيشها الواقع مثلما تعيشها المثيولوجيا، اذ هي المرأة هاجر، وهي الاسيرة الارمنية، وهي ابنة احد امراء قرطاجنة، وهي المرأة العاشقة الشبقة.
انكشاف الشخصيات الروائية، يمثل انكشاف الذوات الصراعية للبطلة المرأة/الشفرة، والبطل/الروائي، وانفتاحهما على الزمن السردي من خلال مايحمله من(زمانات ثانوية) الذي يضع لعبتها التخيلية امام ايهامات مثيولوجية، تلك التي يبتكر لها الروائي تاريخا موغلا في لسطوريته وسحره. مثلما يبتكر لها سردا داخليا(سردا داخل السرد) او مايسمى في التقنيات المعاصرة ب(ماوراء السرد) الذي تمثله المخطوطة، تلك التي تسلمها له(امرأة الحانة)مدعية بانه صاحب هذه المخطوطة، وانه تركها في الحانة منذ عدة ايام، وانها تعرفه كأحد الذين يرتادون الحانة منذ سبع سنوات.. ومن جهة اخرى نجد البطل يمارس من خلال هذه الثيمة انكشافه على الزمن الواقعي لاستبصار يومياته، وعوالمه، وصراعاته، اذ يتحول مركب هذه الثيمة الى مركب توليدي يبدأ من سياقه السحري وينتهي سياق نفسي وتاريخي، تنكشف من خلاله كل العوالم السرية للبطل، عبر ازمات وعيه، وقلقه الوجودي، وازمات حيواته التي عاشها هاربا ومنفيا وجريحا ومستلبا بشفرات موته الوجودي والفلسفي، واغتراباته في متاهات هروباته من العسكرية، ومن الجبل الى الامكنة البعيدة.
ولعل توظيف تقنية التقابل السحري والتاريخي بين نص الف ليلة وليلة ونص امرأة القارورة، يضعنا امام استيهامات ماتقترحه لعبة التخيل السردي، اذ يبتكر لهذه المرأة تاريخا موغلا في الاسطوريات العراقية القديمة، مثلما يبتكر لها بالمقابل متنا سرديا يحتمل الكثير من الشفرات والمعاني الغائرة في ثيمات المكان/الجبل/المنفى، وثيمة الجسد، والتي تتبدى من خلالها انبعاث قدرتها الاستثنائية في تفجير بنية هذا الزمن في التاريخ، وفي الاسطورة، وصولا الى تفجير الواقع العياني بكل مايحتمله من دلالات وارهاصات، وبكل ما يختزنه من كينونات صراعية، يستعير لها المؤلف فضاء اشكالي من التناص المثيولوجي/حكاية امرأة القارورة ومرجعيتها الغرائبية القرينة بالفكرة العراقية الاسطورية في البحث عن الخلود، والتي تحتمل الكثير من الاشارات المثيولوجية التعويضية في الحياة وفي وفي الهروب من سطوة رعبها السياسي والقمعي، وكذلك في المنفى(هكذا ظلت سيدة القارورة لألاف الأعوام تنتقل مـــــن أرض ألــى أخرى خلال أكثر مـــــن خمسة الآف عام .. حتى ورثها أدم عن أبيه " ( ص50 ـــ 51 )
ترحيل القارورة الخشبية(قارورة المرأة) من صندوق ذكريات ابيه الجندي الى بيته في جنيف، هو استمرار لتواصل الخيط النفسي الاستعادي الذي يقابل في بعض وجوهه استعادة شفرات المقدس في الموروث الشيعي المثيولوجي، حيث تتحول هذه القارورة/العشبة/الوصية الى علاقة سرية/باطنية تتكشف من خلالها ازمة البطل امام اغترابه الداخلي والخارجي، وازمة وحدته الحسية والانسانية.
زمن هذه الرواية ليس زمنا سياقيا يقوم على البداية والنهاية، بل هو زمن ايهامي ينكسر فيه هذا السياق عبر تداخل مجموعة من الازمنة الثانوية التي يعيش فصولها المرعبة البطل، حيث ايام الحرب، وايام الانصار في كوردستان، وايام الهروب من الجبل الذي يقرأ على صخوره علامات ايقونية لامرأة القارورة، وكذلك ايام المنفى التي جعلته امام استعادة كلية لهذه الازمنة عبر استعادات سردية، يقطع من خلالها الراوي استيهامات تخيلاته، باتجاه نوع من المواجهة الواقعية التي تتقوض فيها ازماته القديمة، عبر تقويض البنية العميقة لهذه الازمات، والتي تتمثلها محمولاتها الشفروية واوهامه الباعثة على اغتراباته، واذ حاول الراوي/البطل ادم بتحرير امرأة القارورة من سجنها واعطائها حرية الوجود، مقابل انسنتها في الحياة ونفي خلودها، فانه اصطدم برعبه من المصير الذي يمكن ان تواجهه هذه المرأة المطرودة من خلودها وهي تواجه محنتها العراقية. وبضربة فيها الكثير من تعالي حكايات(الاكشن)يستعيد البطل ادم وقرينه الراوي خلود امرأة القارورة من خلال رحلة متخيلة الى احدى مغارات جبال سيناء، وعبر ابتكاره التخيلي لجنين يطفو مع القارورة فوق الماء يرمز الى استعادة امرأة القارورة قامتها الخلابة ص148
رواية سليم مطر(سيدة القارورة) هي محاولة لنبش الواقع من خلال المثيولوجيا، واعادة قراءة الجسد والهوية والمكان من خلال ما تقترحه هذه القراءة من استيهامات يتلمس من خلالها الروائي محنة الانسان العراقي وهو يوجه سلسلة طويلة من الاغترابات التي تركته نهبا للحروب والمنافي والموت العلني.

علي حسن الفواز
ناقد من العراق
ali_fwaaz@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث