الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
محمَّد خضير ومدينة السُّطوح المكعَّبة
د. رسول محمد رسول
محمَّد خضير ومدينة السُّطوح المكعَّبة
غلاف الرواية




في عام 2009 كتب الناقد الدكتور عبد الجبار الحلفي قائلاً: "تبقى الأعمال الكبيرة مصدراً لتساؤلات ملحة وإجابات عالقة" (1). قال ذلك في معرض مقاربته القرائية لنص الروائي والقاص العراقي محمَّد خضير "كرّاسة كانون" الذي يعد أحد النُّصوص السَّردية العراقية الإشكالية كونه ينطلق من رؤية سردية مفكَّر فيها على أنها تنطلقُ من فضاء سردي جديد في ربطه بين الزمان والمكان ليس بعيداً عن محنة الإنسان في كل عصور آلامه مع الظلم والحروب والفتك اللاعقلاني بمقدّرات الحياة والوجود.
وفي قرأتنا السِّيميائية هذه لنص "كرّاسة كانون"، سنقف عند تمثيلات محمَّد خضير لجسديَّة المدينة الفنتازية التي ابتناها كبديل متخيَّل عن كل المدن والأوطان التي طال وجودها الخراب والدمار في الشرق والغرب، ومنها مدينته ووطنه الجريح "البصرة" التي لا تكاد تختلف فيما تعرَّضت له مدن وأوطان مبدعين آخرين في الغرب الأوروبي كما هي حال مدينة الرسام الإسباني فرانسيسكو دي غويا التي كانت الجيوش الفرنسية قد غزت وطنه مطلع القرن التاسع عشر.
لا يولد الجسد المتخيَّل في الإبداع السَّردي من فراغ، إنما هو نتيجة لسيرورة متآلفة من العلاقات المتشابكة والمتنافذة والمتعاضدة فيما بينها تلك التي تتطلَّبُ مُبدِعاً "مؤلِّف" يخوض غمار تمثيلها وبناءها سردياً وعلى نحو خلاق، ويصبُّها في "نصٍّ سردي" بحيث يكون، هذا النَّص/ الكائن، مهيئاً ومبذولاً للقارئ أو "المتلقِّي" الذي سيجد فيه جملة من المدارات Topics أو الثيمات Themes، ومنها الجسد المتخيَّل الذي يضمُّه أحد البرامج السَّردية Narrative programs في المتن الحكائي للنَّص.
المؤلِّف
المؤلِّف أو الكاتب؛ الروائي أو القاص، يوجد في العالم ضمن سياقات عيش واقعية متباينة ومختلفة في كل تفاصيلها، ويتلقَّى على الدوام معطيات هائلة تأتيه من كل حدب وصوب، والكثير من هذه المعطيات لا يعنيه إدراكه لها، لكن القليل منها يعنيه لدواع ذاتية ومزاجية وذوقية، وربما أيديولوجية وعقائدية وكونية.
ما هو مهم هنا أن المؤلِّف هو إنسان أو كائن يتلقَّى ويُدرك ويفهم، والأهم من ذلك يُعيد إنتاج فهمه لما حوله، ولما في ذاته ليس بعيداً عن حواسِّه وعقله وذهنه وحدْسه وبصيرته وذوقه، وبقية مداركه الممكنة، وليس بعيداً كذلك عن كل تلك الدواعي أو الموجِّهات والحوافز والاندفاعات التي تأسره في لحظة ما. ولذلك، يمكن أن نقول عن الإنسان إنه كائن متمثِّل لما وصل إليه عن العالم المحيط به ليس بدواع من الطاعة العمياء كما لو كان العالم الخارجي سيداً آمراً والمؤلِّف عبداً مطيعاً، بل بدواع من التلقِّي الحر لما يجود به العالم من معطيات مُدركة وممكنة القراءة، وبدواع من التذوُّق الجمالي الحر لتلك الممكنات المبذولة عن طيب خاطر أو مبذولة بتمنُّع يتطلَّب، ربما، إدراكها والتفكير فيها بعضاً من العناء الحيوي المُلذ لكنه المنتج إبداعياً.
المؤلِّف ككائن بشري أو كإنسان يتجوَّل في يوميات الحياة، يرى ويتلقَّى صوراً هائلة العدد لما حوله من أشياء هنَّ من بنات الطبيعة والصيرورة المجتمعية والوجودية والكونية، ويُدرك صورها ومعانيها، ويفكِّر فيها بحسب آليات فهمه أو فاهمته Understanding لتستحيل إلى مخياله وبصائره وقواه الإدراكية العليا، وبالتالي إلى ذاكرته حتى يستعيدها في لحظة إبداعية تالية ما كمنتج إبداعي.
هذا الكائن الإنساني الخلاق يلاقي البشر بمختلف طباعهم، وهيئاتهم، وأعراقهم، واعتقاداتهم، وأمزجتهم، وأذواقهم، وأهواءهم، ويتلقَّى منهم، وفق تواصل متعاضد، كل معطيات التواصل. إنه الكائن الذي يفكِّر في الوجود وفي المصير، في الماضي وفي الحاضر كما في المستقبل فتتكوَّن لديه قناعات ومواقف ورؤى وأهواء Passions. هذا الإنسان، وفي كل حالات تواصله مع مفردات العالم الخارجي المحيط به، يدخل في عمليات معقَّدة من التمثيل Representation، ولذلك يُعدُّ المؤلِّف مُتمثِّلاً لما حوله Representator، ولما استقرَّ في قدراته التفكيرية والذوقية والتخيُّلية من معطيات، أي أنه يمارس التمثيل المزدوج؛ تمثيل العالم الخارجي بكل معطياته، وتمثيل مخزونه المعرفي الذي تلقَّاه من قبْل عن العالم الخارجي أو الموضوعي واستقرَّ في دواخله كمخزون معرفي وذوقي وتخيُّلي مفكَّر فيه بغية إعادة خلقه وتقديمه Representation كنصٍّ إبداعي، وبذلك يتحوَّل المؤلِّف إلى ناص، والمؤلِّف/ الناص متمثِّل لمعطيات العالم الخارجي أو الموضوعي، ومتمثِّل لمعطيات عالمه الداخلي، والمؤلِّف يتحوَّل إلى ناصTextor عندما ينتج نصَّه الإبداعي المتخيَّل، ويكون العالم الخارجي أو الموضوعي مُرسِلاً Sender له، بينما المؤلِّف/ الناص مستقبِلاً Receiver، أما الرسالة أو الإرسالية Message التي يجود بها العالم الخارجي فهي معطيات هذا العالم الخارجي التي تنتقل منه إلى المؤلِّف.
أما العالم الذاتي أو الداخلي للمؤلَّف فهو مصنع الوظائف التمثيلية Representative functions، ففيه تتعاضد كل معطيات الإدراك الحسي والمعطيات المُدركة ذهنياً مع القوى الإدراكية العليا، بالإضافة إلى القوى التخيُّلية والمزاجية والانفعالية والأهوائية والحدْسية Intuitive التي تتم فيها عمليات الإرسال والاستقبال داخلياً وصولاً إلى لحظة الإنتاج الإبداعي، ومن ثمَّ اللحظة التي يتحوَّل فيها المؤلِّف إلى ناصٍّ منتج لنصِّه المتخيَّل، النَّص الماثل والمنظور أو النَّص وقد تحوَّل إلى كينونة قائمة الوجود؛ كينونة ذات حضور هوياتي مجنَّس الذات والكيان.
النَّص
لنضع المؤلِّف جانباً، ليس بقصد تغييبه أو الحط من موجوديته، بل من أجل التطلُّع إلى وليده الجديد "النَّص المتخيَّل" الذي سيصبح المؤلِّف فيه، وبحسب ما أسميته في دراسات سابقة لي، بـ "الناصTextor ".
النَّص المتخيَّل بنية مركَّبة من جانب مركِّبها أو ناصِّها، إنه كينونة متخيَّلة ومتمثَّلة من جانب المتمثِّل/ المؤلِّف أو المتمثِّل/ الناص الذي ضخَّ في هذه الكينونة ما وجده مناسباً لبناء كائن جديد اسمه "النَّص المتخيَّل" والذي، بدوره، يمتلك جاهزية التمثيل والتمثيل المُضاعف من جديد، ذلك التمثيل الذي يمارسه القارئ أو المتلقِّي الفطن للنَّص المُتمثَّل عندما يُعيد القارئ بناؤه وفق طرائقه المعرفية، وموجِّهاته الذاتية، وذائقته الاستقبالية، وربما نوازعه التفكيكية أو التدميرية بمعناها التحليلي إن شاء.
وكل ذلك يعني أن النَّص بقدر ما كان مُتمثَّلاً من جانب ناصِّه أو الناص فيه، فهو أيضاً مُتمثِّل لناصِّه، ومُتمثَّل من جانب قارئه ولكن على نحو مُضاعف. أي أن النَّص نتاجٌ لسيرورة من التمثيلات المعقدَّة التي يشارك فيها المؤلِّف والناص والنَّص والقارئ أو المتلقِّي، وبحكم الانتباه إلى سيرورة هذه التمثيلات المعقدَّة يمكن التعامل مع النَّص، أي نص، قرائياً؛ فالنَّص المتخيَّل هو مُتمثَّل من جانب الناص، كما أنه مُتمثِّل لما يريده الناص منه سوى ما خرج عن إرادة الناص، وهو مُتمثِّل لذاته وكيانه بوصفه وليداً مُبْدَعاً ينشد كينونة نصية جديدة، وإلى جانب ذلك نراه مُتمثَّلاً من جانب القارئ أو المتلقِّي على نحو حرٍّ ومشرع الأبواب، ناهيك عن كونه كينونة يشارك في بنائها بعض من الفاعلين متعدِّدي الحضور، وهم كل من المؤلِّف، وهو الكائن الذي يعيش هنا أو هناك، والمؤلِّف وقد تواصل مع العالم الخارجي ومع عالمه الذاتي أو الداخلي؛ المؤلِّف الذي تحوَّل إلى ناص، والناص الذي أنتج نصه، والنَّص الذي أصبح كينونة مفتوحة على العالم الخارجي عبر القارئ أو المتلقِّي؛ خصوصاً وأن وحدة "النَّص لا تكمن في مصدره إنما في مآله" كما يعتقد ذلك الناقد الفرنسي الكبير رولان بارت (1915 ـ 1980) (2).
مدارات النَّص
النَّص وقد ولد ككائن مبذول للقراءة؛ نص روائي أو قصصي أو مسرحي، نص وقد تحوَّل المؤلِّف فيه إلى ناص أنتج نصَّه الذي يحمل عنوانه وفق صنافة إجناسية Genres litteraires، صنافة يفضِّلها المؤلِّف أو الكاتب أو الناص على غيرها كحقل يحرث فيه إبداعه.
ولا ينحصر وجود النَّص في مجاله اللغوي، ولا التركيبي في أبنيته الصغرى Macro أو الكبرى Micro، ولا بالمجال الإشاري أو العلاماتي، ولا بالتداولي فقط؛ إنما في مجال آخر يقسم فيه إلى بنيتين هما: بنية سطحية Surface structure وأخرى عميقة Deep structure، بنيتان يمكن الفصل بينهما مؤقتاً لغرض التحليل، لكنهما معاً يمثِّلان وحدة النَّص ونسيجه المتعاضد التي لا يمكن الاستهانة بها لأنها الشَّرط الوجودي لذلك الكائن الذي نسميه "النَّص" والذي بدوره يمتلك مقومات عدَّة حتى يكتسب ما يسميه علماء النَّص بـ "النَّصية "La textualité هذه المقوِّمات هي بحسب دي جراند: الاتساق، والانسجام، والمقصدية، والمقبولية، والسياق، والتناص (3)؛ المقوِّمات التي يمكن جمعها في ثلاثة أصناف كما يذهب إلى ذلك الأستاذ سعد مصلوح هي: صنف يتصل بالنَّص ذاته، ويشتمل على معياري الاتساق والانسجام. وصنف يتصل بمنتج النَّص ومتلقِّيه، ويشمل معياري المقصدية والمقبولية. وصنف يتصل بظروف إنتاج النَّص وتلقِّيه، ويندرج ضمنه معيارا السياق والتناص (4).
إلى جانب ذلك، يضمُّ النَّص أبنية دلالية وقد دخلت في عمليات تلفُّظ إبداعي Enonciation ضمن سياق سردي معين في رواية ما أو قصة ما، عمليات تشتغل من خلال بناء موضوعات أو ثيمات Themes أو مدارات Topics؛ بعضها فرعي Sous وغيرها رئيسي أو مركزي أو كبير Macro تتعاضد معاً Cooperation، وعلى نحو متراكب، لبناء النَّص الروائي أو القصصي في خلاصات ما يريد قوله، ومن ذلك مدار الجسد Metabody topic الذي يظهر تمثيله في نص روائي ما، وعلى نحو مقصود لدى بعض الروائيين، بوصفه "كينونة رمزية وإيحائية وإشارية وعلاماتية وأيقونية تضاف إلى الأجسام من خلال تمثيل الإنسان لها" (5).
كينونة الجسد
لعل أحدنا يسأل: إذا كان الجسد هو "كينونة"، فكيف تولد هذه الكينونة في المتخيَّل الروائي؟ في الواقع، لا ينبغي الاعتقاد أن الجسد هنا يخص الجسد الأنثوي female بأشكال حضوره الإيروسي أو الانتعاضي أو البورنوغرافي فقط، وهذا يعني أننا لا ننظر إلى مفهوم الجسد في علاقته بعالم الأنوثة أو عالم الذكورة اللذَّوي أو الانتعاضي فقط، بل لا بد وأن نمنح هذا المفهوم وظيفية أشمل ليتسع إلى أكثر من ذلك؛ فكل ما في هذا العالم الذي نعيش فيه، بل وما ورائه أيضاً، لا يمكن أن يوجد من دون جسم Body، وكل أجسام العالم من حولنا نراها مبذولة كيكينونات قابلة للإدراك والفهم، لكن تمثيل الجسم كجسد As metabody يتطلَّب قدرة الإنسان الإبداعية على التمثيل Faculties of representation أو إعادة بناء ما هو مُدرك ومفهوم ومُفكَّر فيه، أي إدراك الأجسام المبذولة في العالم الموضوعي والذاتي بكل صفاتها الشَّكلية وخصائصها النوعيَّة، وإعادة فهمها وتخيُّلها من جديد وفق رؤية جديدة قوامها النزول إلى بنية الأشياء العميقة، والبحث عن الآليات الداخلية الكامنة فيها تلك التي من شأنها مساعدة الفهم والتأويل على إعادة تمثيل عناصر الأشياء الجسمية كعناصر لكينونة جسديَّة مأمولة أليست "العلامات تولد اعتماداً على آلياتها الداخلية" كما يقول ذلك أمبرتو إيكو؟ (6).
هذا يعني أن في قاع كل الأجسام الطبيعية والمتخيَّلة والافتراضية أصل جسدي ممكن التجلي كعلامة As sign إذا ما خضع، هذا الأصل، إلى عمليات تمثيل تخيُّلية معقَّدة غايتها الإبداع؛ علامة جسديَّة يكشف عنها السَّرد التخيُّلي في نصٍّ ما؛ نصٍّ روائي أو قصصي أو شعري، بإرادة الروائي أو القاص أو الشّاعر الذي ينذر كل طاقاته الإبداعية من أجل دفع حراك تلك العلامة إلى سطح النَّص أو إلى بنية النَّص المتخيَّل السَّطحية من دون قطع جذورها بذلك القاع أو ببنيته العميقة فلهويَّة الأصل الجسدي في الأشياء ذاكرتها التي لا يمكن اجتثاثها وإلاّ فقدت الهويَّة ميزتها الطبيعية والمصيرية والتاريخية والكينونية!
إنَّ هويَّة الأصل الجسدي هذه يمكن أن تتشكَّل بحسب إرادة ورؤية ووجهة النَّظر Focus التي ينطلق منها الناص Textor، وبحسب طبيعة النَّص وتشكُّلاته السَّردية، وآليات حضوره، وطرق قوله وتوصيل خطابه ليرتقي بتلك الجذور الكامنة في قاع الأجسام على نحو تعالقيٍّ وتناصيٍّ إلى مصاف العلامات الجسديَّة المتخيَّلة سرداً روائياً أو قصصياً.
السَّرد والجسد المتخيَّل
يتضح هنا أننا تحصَّلنا على مفهومين جماليين هما: السَّرد Narrative، والجسد المتخيَّل Imaginary Metabody. وكلاهما يرتبط بغيره ارتباطاً عضوياً متعالقاً؛ فالجسد المتخيَّل لا يولد من دون فعل سَّردي، ما يعني أن الجسد علامة مسرودة أو منظومة علاماتية مسرودة؛ منظومة خاضعة لكل ما يفترضه الفعل السَّردي من اشتراطات متنوِّعة ومختلفة بحسب إرادة الناص. كما أن السَّرد من دون توليد جسد أو أية كينونة أخرى يبتغي تسريدها واستحضارها تخيلياً لا معنى له، وهكذا...
تكمن وظيفة الفعل السَّردي في تحويل العناصر الجسمية المختلفة الأشكال والطبائع والمصادر؛ الأشكال المتناثرة الوجود في كل مكان إلى كينونة جسديَّة Metabody. على أن لا يتم ذلك إلا عبر التمثيل السَّردي الذي ينهض به الروائي أو القاص، وعبر اللغة العلاماتية التي يتوسَّلها للكشف عن الجسديَّة الثاوية في العناصر الجسمية المُتمثَّلة كجسد؛ فنرى هذا الروائي أو ذاك القاص يعمل، وعبر فعل التسريد، على:
1. تحويل عنصر جسمي ما أو أكثر، ومن خلال وحدة سردية في برنامج سردي مُتمثَّل، تحويله إلى علامة جسديَّة ذات دلالة ووظيفة رمزية.
2. تحويل عنصر جسمي ما أو أكثر، ومن خلال وحدة سردية في برنامج سردي مُتمثَّل، تحويله إلى علامة جسديَّة ذات دلالة ووظيفة إيحائية.
3. تحويل عنصر جسمي ما أو أكثر، ومن خلال وحدة سردية في برنامج سردي مُتمثَّل، تحويله إلى علامة جسديَّة ذات دلالة ووظيفة إشارية.
4. تحويل عنصر جسمي ما أو أكثر، ومن خلال وحدة سردية في برنامج سردي مُتمثَّل، تحويله إلى علامة جسديَّة ذات دلالة ووظيفة أيقونية.
5. تحويل عنصر أو عناصر جسمية عدَّة في سياق متراكب إلى علامة جسديَّة مُتمثَّلة ذات دلالات ووظائف تعبيرية رمزية وإيحائية وإشارية وأيقونية في آن واحد من خلال منجز تسريدي فائق التركيب.
إنَّ تحويل العناصر الجسمية الواقعية، الطبيعية والبشرية والاصطناعية، إلى جسديات مُتمثَّلة سردياً، لا يعني الإلغاء الكلي أو المطلق للعناصر الجسمية في هويتها الواقعية الأصل؛ فـ "التخييل في الأصل هو تخلُّص من محدودية التجربة الواقعية واستيعابها ضمن بنية سردية تُعيد صياغة كل شيء وفق ما تشتهيه العوالم الممكنة، وهي الصيغة المثلى للتعبير عن التمثيل التخييلي" كما يقول ذلك الأستاذ سعيد بنكراد، الذي يضيف قائلاً: "إنَّ الرواية تُسرِّب الواقع من خلال التخييل" (7). ومثلما لا يمكن تغييب أو فصم المؤلِّف أو الكاتب عن عمله الإبداعي أو نصِّه الإبداعي، وذلك لأن لكل كاتب "ظله الممتد في صوت السَّرد الخفي" (8)، كذلك لا يمكن تغييب الواقع عن عمله الإبداعي، ولا عن نصِّه الإبداعي، ومن ثم لا يوجد نص إبداعي يأتي من الفراغ أو العدم وإن كنّا نحتفل بمختلف تصوراتنا للتناص في صور حضوره السببية والتزامنية والتجاورية أو الظاهرة والخفية.
إنَّ تحويل الواقعي الملموس إلى واقع تخيُّلي جديد يفترض وجود قناة اتصال، وتلك القناة هي السَّرد بكل أشكاله وفنونه وقواعده وأنماط ظهوره وحضوره ومناورته. السَّرد يمارس حضوره عبر عمليات تسريدية معقَّدة، وشاقَّة، ومؤلمة، وخطيرة كونها لا تأتي عن طريق الصدفة الميكانيكية العمياء، ولا عن طريق إكراهات وضغوط قسرية، إنما عن طريق التعاضد المشترك والحر بين العناصر الأساسية الداخلة في بنيته المُنتجة له كنصٍّ روائيٍّ أو قصصيٍّ له كيانه الإبداعي الدال على هويته الحضورية المستقلة.
وهنا لا بدَّ من التأكيد على أن تسريد المعنى الواقعي، وتحويله إلى معنى متخيَّل أو تخييلي، لا ينشد التطابق بين الطرفين Congruence؛ فتسريب "معطيات الواقع" إلى "نسيج وفضاءات النَّص" من خلال عمليات التسريد Narrativivsation، خاضع لحزمة معقَّدة من الضغوط النَّفسية والأيديولوجية والجهويَّة بل والمرضية أحياناً تلك التي تغلِّف ذات الكاتب أو الناص أو تهيمن على واقعه الموضوعي والتاريخي الذي يعيشه، وعلى واقع قدراته وممكناته وهو يعيش لحظات التخيُّل الإبداعية، بل يذهب أمبرتو إيكو إلى أبعد من ذلك عندما يقول: "إنَّ تعدُّدية المعنى هي ظاهرة تتسلَّل إلى النَّص حتى لو لم يفكِّر في ذلك المؤلِّف" (9)، وكل ذلك يعني عدم وجود سيطرة مطلقة من جانب المؤلِّف على اندساس معان ما في سرير التسريد خفية أو خلسة وهي تفلت عن سلطة الذات الناصَّة لتتموضع في شرايين النَّص تالياً، وتمارس سلطتها في إنتاج العلامات الجسديَّة المسرودة في نهاية المطاف.
مهما تكن تلك الفراغات أو البياضات ذات شأن في منظومة عمليات التسريد، فإن الأهم في المسألة هو أن فعل التسريد يندفع شطر إنتاج علامات جسديَّة تتطلَّبها البرامج السَّردية متعدِّدة الاشتغال في عمل روائي ما؛ علامات من شأنها مواكبة متطلَّبات الحدث، والفاعلين فيه Actors، والعوامل Actants المساعِدة والداخلة في أوتاره، علامات يتشارك في صناعتها السّارد والمسرود بل المسرود له داخل النَّص أو أي من المشاركين الآخرين في بناء حدثية النَّص بالنيابة عن الناص أو المؤلِّف أو الكاتب كمساعدين ليصبح فعل السَّرد ليس مجرَّد التقاء ميكانيكي بين كل هذه العناصر، ولا "مجرَّد منتج، وإنما أيضاً سيرورة، وليس مجرَّد موضوع، وإنما أيضاً فعل يقع في موقف معين بسبب عوامل معينة لتحقيق وظائف معينة. ولا يكتفي السَّرد بأن يعكس ما يحدث، وإنما يكتشف ويقترح ما يمكن أن يحدث، ولا يقتصر على سرد تبدُّلات الحالة، وإنما يشكُّلها ويؤّولها بوصفها أجزاءً دالة لكل دال" (10).
ومن هنا، تحضر علامات الجسد المتخيَّل في برنامج سردي ما بعد مرورها بمراحل من السيرورات والأفعال المتعاقبة والمتصاعدة والمتراكبة والمتعاضدة شطر سطح النَّص لتقترح جسديَّة وقد تمَّ بناءها سردياً من جانب مؤِّولات داخلية Interpretant (11) تشتغل في نحو السرد بما يخدم المآل الخطابي الذي ينشده الناص متحققاً في عمله الروائي.
"كرّاسة كانون"
من الناحية التفسيرية، قد تكون مراحل ولادة الجسد المتخيَّل، كما بينا سابقاً، قد اتضحت معالمها بعض الشيء، لكن الاقتراب من نص روائي بعينه، وقراءته لغرض الكشف عن تمثيلات مؤلِّفه وناصِّه لجسديَّة متخيَّلة فيه، سيضعنا عند تخوم التحليل التطبيقي لما ابتنيناه نظرياً.
لذلك، سنستنجد بتجربة القاص والروائي العراقي الكبير محمَّد خضر في روايته "كرّاسة كانون" (12) التي بدت تمثيلات الجسد فيها ذات تجربة ثرية كونها مركَّبة على نحو إبداعي لافت وإن شربت من مياه فنتازية ذات مسالك دلالية جامحة في توليد جسديَّة مدينة متخيَّلة، لنقرأ النُّصوص/ المقاطع الآتية:
"شرعتُ في شهر كانون الثاني من عام 1991 بتخطيط عدد من الوجوه القابعة حول موقد الشتاء جسَّمها ضوء فانوسي القديم، كما هوَّلها حلم العقل الذي رآه الرسام الإسباني غويا في ليل مدريد العامر بالهواجس والأشباح قبل قرنين. وتحتوي كرّاسة كانون تخطيطات مرسومة في ليالي التعتيم التي أعقبت الهجوم الجوي، وقد حان الوقت كي تصرح أحلام الكرّاسة بحقائق نصوصي التي تتخطى اليوم عامها العاشر.
تنهض رسوم الكرّاسة عندما تدلهم الليالي، وتتقلَّب أمام فانوسي القديم الأجنحة القادمة من تلك الليالي الشتائية البعيدة، وتقترح أرواح كانون المجسمة جولة أخرى في ليل تموز الحار الرَّطب، فيلجُ حلم ليل شتاء في حلم ليلة صيف. تهبُّ من رسومي نسائم باردة تذكِّرُني بجولات حُلمي في ليالي كانون البعيد بين ساحة ذات الأثافي وتل الخفاش الذي تركتُ عليه جمجمة إنصات معدنية. كنتُ على الأرجح أتحرَّك على سطح مدينة أنتُسختْ صورتها من ذاكرة المدن السومرية، مركبة من خيال بيكاسو المكعب أو حلم غويا العقلي المتعدد السُّطوح؛ مكعب بانورامي لمدينة عراقية، انتقل من سطح إلى سطح من وجوهه برفقة شخصياتي التي تحمل الفوانيس، وتشاركني حلمي أو، على الأرجح، إني أشاركها الحياة على مكعب أحلامها المتقلب في تخطيطاتي. على الأرجح أني سأقف رسوم كراستي على نصٍّ سداسيِّ الوجوه.
أخذت من المدن القديمة أشكال بواباتها، أسوارها المخندقة، قلاعها المشرفة عليها من التلال. استعرتُ من رسم قديم لمنارة سور الغزل تحلق حول قمتها الطيور، شكلاً لبرج اتصالات، حوَّله حلم عقلي إلى جمجمة إنصات وإنذار تطلق نفيراً في فضاء المدينة التي بُنيت أسفل تلالها المحيطة كلما حلقت فوقها الطائرات المغيرة.
كانت الجمجمة لغزاً محيراً، تبدو في النهار برجاً حجرياً متآكلاً تبني فيه الطيور أعشاشها، لكن ضوء القمر ينحتها جمجمة صقيلة يتسرَّب من ثقوبها نفير الإنذار" (ص 13 ـ 14).
كما هو واضح، يبدأ هدير السَّرد بضمير المتكلِّم؛ فالراوي Narrateur/Narrators هو العالِم المحيط بكل التفاصيل في الرواية، وهو السّارد الموضوعي فيها Objective narrator، فضلاً عن كونه البطل والشاهد على كل شيء؛ والمشارك أيضاً كفاعل رئيس في كل أحداثها (13).
كل ما جرى يعود إلى عام 1991 عندما اجتاحت قوات التحالف العراق من البصرة إثر غزوة صدام حسين العسكرية للكويت، ولذلك يأتي سرد أحداث الرواية بطريقة الاستذكار Flashback، وهو الاستذكار الذي يأتي بعد عشرة أعوام جرت في خضمها الزمني تلك الأحداث؛ يكتب الراوي قائلاً: "حان الوقت كي تصرح أحلام الكرّاسة بحقائق نصوصي التي تتخطى اليوم عامها العاشر". وإن لم يأت تدوين السَّرد بعد هذه السنوات، فإن التصريح بها يجيء بعد السنوات العشر، لكننا سنواجه مشكلة لا بدَّ من تفسيرها تلك التي يشي بها ملفوظ "حان الوقت كي تصرح أحلام الكرّاسة بحقائق نصوصي". وهو الملفوظ الذي يضمُّ عدداً من العلامات الدالة على كيانات عدَّة هي:
1. الزمن/ "حان الوقت".
2. الكرّاسة/ "أحلام الكرّاسة".
3. النُّصوص/ "حقائق النُّصوص".
إنَّ ملفوظ "حان الوقت" ربما كان الأقل إشكالية كونه دالاً على بداية الرغبة في الشروع بالاعتراف المسرود لما جرى، لكن ملفوظ "أحلام الكرّاسة" يحيل على مُرسل أول First distinateur هو "أحلام/ الكرّاسة"، أما ملفوظ "حقائق النُّصوص" فهو يحيل على مُرسل ثان Second distinateur هو "حقائق/ النُّصوص".
وبذلك، يصبح السّارد المركزي في النَّص متلقٍّ أو مُرسَل إليه Distinataire ليقوم بتعضيد السَّرد ومواصلة خطوطه. وهذا يعني أن أحلام الكرّاسة وحقائق النُّصوص كانتا وسيطاً بين الواقع والسّارد، بل كانتا الوسيط العلاماتي المقروء من جانب السّارد في الرواية، ولأنه قارئ لها فهو مؤوِّل لما فيها حتى يمكن أن أقول إن علامتا "أحلام الكرّاسة" و"حقائق النُّصوص" هما علامتان أوَّلتا الواقع أصلاً، وصارتا نصاً مؤوِّلاً له، ليأتي السّارد ويتحفنا بتأويل مضاعف عبر قراءته ذلك النَّص المؤوَّل حتى نمسي بصدد سيرورة نصوص مؤوَّلة تبدأ بتأويل الواقع من جانب الكرّاسة، وتنتهي بتأويل قارئ الرواية، مروراً بتأويلات السّارد الذي هو الناص في الروية وكاتبها، وبالتالي مؤلّفها.
لنعود إلى هذه النُّصوص/ المقاطع، ولننظر في العناصر الواقعية بدلالاتها المخصوصة للعيان التي وظَّفها محمَّد خضير، وهو المؤلِّف والناص، في عملية تسريد روائي متخيَّل:
المبدعون:
1. فرانشيسكو دي غويا: رسام ونقاش إسباني (1746 ـ 1828) عاش حياة مليئة بالصعاب جرّاء ظلم الحكّام والتجّار لعامَّة الناس من الفقراء خلال الحرب الفرنسية على إسبانيا، تلك الحرب التي أشاعت الرُّعب وأراقت الدماء رخيصة في المجتمع الإسباني، وهو ما انعكس كثيراً في لوحات غويا التي تبدو سجلاً جمالياً لبشاعة تلك الحروب؛ فهنا "بيوت تحترق وتنهار على ساكنيها، وهناك نسوة يهرعن إلى المعركة بحجارة أو رماح أو بنادق، ونساء تُهتك أعراضهن، ورجال يُشدَّون إلى أعمدة، ويتعرَّضون للحرق بالنيران، ونساء ميتات ما زلن قابضات على أطفالهن الرُّضع، وأطفال يرقبون في هلع قتال آبائهم، وأكداس من الموتى يقذف بهم في الحفر، والنسور تستمتع بالتهام الموتى من الآدميين". وتلك هي تمثيلات غويا في أغلب أعماله التي دخل محمَّد خضر معها في علاقة تواصل خلاقة بوصفه متلقياً حاذقاً وفطناً يبتغي إعادة بنائها إبداعياً في عمله "كرّاسة كانون"، ومن خلال مسرحية "حلم العقل" للكاتب الإسباني بويرو باييخو (ولد عام 1916)، ومن خلال بعض لوحات غويا مثل "إذا غاب العقل حضرت الوحوش"، ولوحة "اسموديا" والجماجم المستريحة على "تل الخفاش" المتخيَّل في حلم غويا الممسرح من جانب باييخو، ناهيك عن حلم غويا نفسه في مسرحية "حلم العقل".
وما يجب ملاحظته هنا، وقدر تعلُّق الأمر بالعلاقة بين محمَّد خضير وتجربة غويا بعيداً عن مسرحية باييخو "حلم العقل"، أن صاحب "كرّاسة كانون" قد رأى وتواصل مع لوحات غويا نفسها، وكانت تمثيلاته البصرية لها قد انعكست في تمثيلاته الجسديَّة الموظفة في برامج الرواية السَّردية، حتى أنه، ولولعه بـ "غويا"، استعار عنوان لوحة غويا "إذا غاب العقل حضرت الوحوش" ليوظفه كعتبة من عتبات المتن الروائي في "كرّاسة كانون"، ولعل الناظر في الرواية والمتأمِّل في تمثيلاتها الجسديَّة سيكتشف حجم التأثير الذي تمارسه على حساسية أي كاتب يعاني وطنه من غياب العقل وحضور الوحوش الضارية التي دمَّرت مدينته كما هو حال مدينة "البصرة" التي عاشت في سنوات نهاية القرن العشرين دماراً مضاعفاً بسبب حربين طاحنتين وحصار اقتصادي عالمي جائر.
إنَّ تمثيل محمَّد خضير، وهو المؤلَّف والناص، لتجربة غويا الحقيقية من خلال لوحاته، وتجربة غويا المتخيَّلة من خلال مسرحية باييخو "حلم العقل"، تعدان التناص الأول في تجربة الرواية "كرّاسة كانون". على أن تجربتي غويا هنا، وتمثيل محمَّد خضير لهما، قصدتا الكشف عن الحس المأسوي الذي كان يعاني منه غويا ذاته في حياته العاصفة بالألم والقهر والحروب والمرض تالياً، وهو الحس المأسوي نفسه الذي سعى محمَّد خضير إلى استجلائه من حياته التي عصف بها الألم والقهر والحروب والجوع الموت.
2. بابلو بيكاسو: رسام إسباني (1881 ـ 1973)، وزعيم المدرسة التكعيبية في الرسم التي احتفلت بالبُعد الرابع في اللوحة الذي تظهر فيه متضمنة للقواعد الهندسية على نحو إبداعي وجمالي. ورغم أن التطلُّعات التكعيبية في الرسم كانت قد ظهرت بوادرها في نهاية القرن التاسع عشر بتأثير من الفنون البدائية الأفريقية، ومن ثم بتأثير من تجارب الفنان الفرنسي بول سيزان ( 1839ـ 1906)، رغم ذلك، بدا بيكاسو حريصاً على خوض المغامرة التكعيبية عندما رسم لوحة "آنسات افينيون" الشَّهيرة مطلع القرن العشرين. وما هو مهم لدى هذه المدرسة تحويل كل الأشكال الحلزونية والبيضاوية وغيرها إلى أجساد مكعَّبة عن طريق التلاعب الفني والجمالي بالظلال والحركة وتجاور السُّطوح والأضلاع وتوظيف الألوان الرمادية والخضراء القاتمة، فضلاً عن السوداء، بغية الخروج بجسديَّة لونية مركَّبة تنسجم مع البُعد التكعيبي في الأجساد المتخيَّلة.
ـ الأمكنة: مدريد/ عاصمة إسبانيا. تل الخفاش/ مكانية متخيَّلة. سوق الغزل/ سوق في بغداد، مكانية حقيقية. المدن السومرية/ مكانية حقيقية، متخيَّلة.
ـ الأزمنة: شهر كانون + شهر تموز.
ـ الأحداث: ليالي التعتيم جراء قصف طائرات قوى التحالف الغربي على مدينة البصرة. الطلعات الجوية على المدن والأهالي. الطائرات الحربية المغيرة على المدن والأهالي.
لقد دخلت كل هذه العناصر الواقعية المنظورة والمتخيَّلة إلى مخيال المؤلِّف "محمَّد خضير"، وتحوَّلت إلى فواعل وعوامل في متنه الحكائي "كرّاسة كانون"، وصارت جزءً من النسيج النَّصي لهذا المتن "نص كرّاسة كانون"، بل ومن مسارات البرامج الحكائية فيه بعد أن تحوَّلت إلى وحدات ملفوظة سردياً أو ملفوظات متساردة في سياق حدثية الفعل السَّردي بالنَّص. لقد تخلَّت عن مجرَّد وجودها المنظور لصالح الوجود المقروء والمؤوَّل من جانب محمَّد خضير المؤلِّف، وبالتالي من جانب محمَّد خضير الناص، فمحمَّد خضير السّارد، وصولاً إلى القارئ.
ولعل من اشتراطات السَّرد أنه يزيح المعنى المعتاد في الدوال الواقعية المنظورة، أيَّة دوال، ليخلق منها دوالاً جديدة، دوال ذات معان ودلالات جديدة ومتغايرة؛ ولهذا ألفينا محمَّد خضير، وهو الناص هنا، أنه يهمُّ ببناء جسديَّة مدينة مركَّبة، ولذلك يلجأ إلى التناص Intertextuality لخلق جسديَّة مدينة متناصَّة مع جسديَّات مدن أخرى متخيَّلة، جسديَّات وقد ألقيت عليها كما يقول السّارد: "نظرات الروح المحاصر، والجمال المُنتهك، والضمير الجريح" (ص 15).
وهنا، لا بدَّ من الإشارة إلى رؤية محمَّد خضير إلى السَّرد الإبداعي والتي بقدر ما تكشفها سردياته التي كتبها في حياته، تؤكِّدها أيضاً تنظيراته حول نصوصه السَّردية تلك. ولذلك يقول: "إن زمن السَّرد وزمن التشكيل يندمجان في زمن الأثر الخيالي الذي يحتويهما. إنها قصص تختزل أزمان الرؤيا التشكيلية في الأين والأوان، في الطبيعة والذاكرة، في الوقع والخيال" (14). وبهذا ينفتح محمَّد خضير على كل الممكنات التي تدخل في بناء الفضاء السَّردي الذي يتعاضد فيه الزمان والمكان (15) لأن محمَّد خضير "لا يثق بالشَّكل النهائي الذي يتكوَّن من شي صلد أو مائع، ومن ثم يسكن الفراغ على منصَّة ثابتة واجماً لا يتحرَّك" (16). لذا نرى رسومات السّارد في "كرّاسة كانون" تتحرَّك معه على سطوح متعدِّدة، فهو يفرغها من خاصيتها الجامدة صوب حيويتها الآدمية المتحرِّكة؛ فهي الآخرون في أزمنة العتمة والحرب التي حصدت أرواح البشر من حوله.
رغم قصف الطائرات الجوي في تلك الحرب اللعينة التي لا يصرِّح بها الناص بل يضمرها في بنية نصِّه العميقة، رغم ذلك، يحاول البطل أو "الرسام" كسر العزلة، وإماتة الخوف، وإشهار الحركة والحياة في لحظة الرُّعب التي كانت تريد الطائرات الفاتكة إشاعتها حينها، فنراه يبدأ فعل مواجهة كل ذلك بما أسماه "تخطيط عدد من الوجوه القابعة حول موقد الشتاء جسَّمها ضوء فانوسي القديم"، ما يدل على أن فعله ذاك توسَّل التجسيد البصري ليستحيل الرسم أو التخطيط إلى بديل عن "الكلام" في عصر الصمت المرعب، وتتحوَّل الخطوط إلى "ألسنة ناطقة" ومعبِّرة في عصر الخرس، وفي ظل سكون اللسان البشري وصمته الذي أخرسته العتمة وأصوات الطائرات المغيرة، ومشاهد الموت المجانية!
واضح أن فعل التخطيط في حدِّ ذاته هو فعل إنتاج بصري، إنتاج علاماتي يجسِّد أشكالاً. ومعروف نفسياً أن فعل العتمة ينتج الخوف، وإذا كان الخوف علامة دالة على انفعال، فإنه يظهر، أول ما يظهر، على وجوه الناس. ولذلك آثر بطل الرواية وساردها أن يرسم الوجوه القابعة خلف "موقد الشتاء" حيث البرد القارص في شهر كانون الثاني بالعراق موطن تلك الحرب اللعينة حينها.
الوجوه المرعوبة
إنَّ التمحور حول دفء الموقد لهو علامة دالة على برودة المناخ، وهو أيضاً علامة دالة على الحنين إلى النَّظير البشري الغائب أو متضائل الحضور في أيام المحن. لكن ما له دلالة أكثر في توليد جسديَّة المشهد هو "الضوء"؛ فالرسم أو التخطيط الرسمي في العتمة يحتاج إلى ضوء يجسِّد ملامح الأجسام، وفي ساعات العتمة الليلية استعان البطل بضوء "الفانوس" الذي يلقي بأنواره على الوجوه القابعة حول الموقد ليكشف عن بعض ملامحها التي سيتواصل معها البطل/ السّارد في علاقة تمثيلية متعاضدة، ويخلق منها جسديَّات متخيَّلة بدت الأولى في المسار التمثيلي البصري للناص في "كرّاسة كانون".
لقد افترضنا الخوفfear كعلامة بصرية دالة في جسديَّة الوجوه المرسومة أو المخطَّطة، واستعنا لتحديد تلك العلامة ببنية النَّص العميقة استناداً إلى بعض الإشارات الخاصة بالحرب أو بـ "الهجوم الجوي"، إلا أن بنية النَّص السَّطحية تجود علينا بعلامة دلالية ذات طاقة تعبيرية أكثر وضوحاً تنعكس على جسديَّة تلك الوجوه كعلامة ألا وهي الوجوه التي هوَّلها حلم العقل لـ "غويا"؛ فهذه الوجوه مفزوعة، وقلقة، وخائفة، ومضطربة، ومرتبكة، وكل تلك الصفات يكشف عنها فعل التهويل الذي تمارسه الغارات الجوية على الوجوه الملتفة حول فانوس البطل في "كرّاسة كانون"، والتي استعار لها نظيراً دلالياً دخل معه في فعل تناص هو أنموذج الهول الذي أصاب الناس في "حلم العقل" الذي رآه "الرسام الإسباني غويا في ليل مدريد العامر بالهواجس والأشباح قبل قرنين" من زمن الحرب على عراق الرواية.
إنها جسديَّات وجوه متخيَّلة وقد خيَّم عليها الخوف والقلق والاضطراب والفزع تلك التي رسمها السّارد/ البطل في "كرّاسة كانون". ورأينا أن محمَّد خضير كناص لهذه الكرّاسة أنه عمد إلى ممارسة فعلين لخلق جسديَّات الوجوه المتخيَّلة؛ فعل التجسيد المباشر للوجوه مستعيناً بضوء الفانوس، وهو فعل خلق كينونة هذه الجسديَّات، وفعل تجسيد الحالة من ناحية الطابع الأهوائي "الخوف والقلق والاضطراب والفزع" عبر الاستعانة بأنموذج غويا المتخيَّل أيضاً في مسرحية "حلم العقل" للكاتب المسرحي الإسباني أنطونيو بوييرو باييخو، لنخلص إلى القول إن جسديَّات الوجوه برمتها هي جسديَّات متخيَّلة على نحو مُضاعف وإن كانت الوجوه نفسها قابعة حول موقد الشتاء كما لو كانت من العيان الواقعي.
ليس هذا فحسب؛ فقد منح محمَّد خضير رسومه كناص أيضاً فعل الحركة المتخيَّلة مثل "فعل النُّهوض"، ومنحها القدرة المتخيَّلة على أن ترسِل Distinateur النسائم الباردة، وإلى جانب ذلك منحها درجة من "الوعي المتخيَّل" كونها تقترح على متلقِّيها "السّارد" أفكاراً مُرسلة Distinataire، وتشعر بالزمان معه؛ فعندما تدلهم الليالي تنهض من مستقرها الغفل.
وكل ذلك يعني أن الناص دفع بكينونة رسومه إلى أن تتصيَّر ككائنات مشاركة في أحداث المتن الحكائي للرواية وليس بوصفها مجرَّد كينونة جامدة إنما حيوية في توليدها للفعل، ونابضة بالحياة في توليدها لجسديتها التواصلية مع السّارد كأحد الفاعلين المركزيين في المتن الحكائي.
لقد بدت الرسوم مُرسِلة للنسائم، وتحوَّلت تلك النسائم، بدورها، إلى كينونة مُرسِلة Distinateur للتذكير بجولات الحلم، حلم البطل/ السّارد: "في ليالي كانون البعيد بين ساحة ذات الأثافي وتل الخفاش الذي تركتُ عليه جمجمة إنصات معدنية".
الجسد المكعَّب
عندها، ولدت تصورات البطل/ السّارد لجسديَّة المدينة المتخيَّلة التي يتجوَّل على سطوحها، لكنها جسديَّة متناصَّة، مخلوقة، متبنّاة كمنتج مستنسخ من مدن وأشكال فنية ذات بُعد أيقوني يكشف عنها السّارد بضمير المتكلِّم؛ فقد كان يتحرَّك على سطوح مدينة متكوِّنة من:
1. سطح مدينة أنتُسختْ صورتها من ذاكرة المدن السومرية.
2. صورة مدينة مركَّبة من خيال بيكاسو المكعَّب.
3. أو صورة مدينة مركَّبة من حلم غويا العقلي المتعدِّد السُّطوح.
4. صورة مدينة مكعَّبة بانورامياً كمدينة عراقية.
لعل السؤال المحيِّر هو: لماذا يلجأ الناص إلى بناء مدينة متخيَّلة بهذا الشَّكل المتناص والمتراكب، بل والمتباعد الأزمنة؟ وهنا يبدو لي أن انهيار المدينة تحت آلة الحروب المدمِّرة كالتي عاشها غويا إثر الحرب الفرنسية على إسبانيا مطلع القرن التاسع عشر، وكالتي عاشها محمَّد خضير إثر الحرب الكونية المدمرة على العراق مطلع تسعينيات القرن العشرين، كانت سبباً في ذلك، خصوصاً وأن كلا الحربين أحالت المدن إلى خراب، مدن مشوَّهة، مدن مغتصبة، مدن مفضوضة البكارة، محروقة بالنار ومدمَّرة بالحديد والقنابل، مدن فقدت هويتها الجمالية والعمرانية الأصل فاستحالت إلى هوية أطلال خربة تغمرها الدماء وأشلاء البشر، مدن ممسوسة باللعنات المتتالية. لهذا جاء حلم غويا بمدينة متخيَّلة غير مدينته التي انهارت بسبب الحرب، ولهذا أيضاً جاء حلم محمَّد خضير بمدينة متخيَّلة غير مدينته التي دمَّرتها الغارات الجوية وغمرتها بدماء الذين مزَّقت أشلاءهم الطلعات الجوية الفاتكة.
إنه الهروب من مدينة فقدت عذريتها إلى أخرى ترمِّم بكارتها كحلم متخيَّل، مدينة مكعَّبة، مدينة متعدِّدة السُّطوح بعد أن استحال سطح المدن المستباحة إلى هشيم معدوم، وهو ما آثره السّارد/ البطل عندما ابتنى مدينته المكعَّبة بسطوح سُداسية لكي يتمكَّن من التجوال برفقة رسومه على سطوحها، وليُمسي الخط السَّردي في الرواية ماضياً كنصٍّ سداسي الوجوه. وهنا تحوَّلت جسديَّة المدينة المتخيَّلة إلى جسديَّة نصيَّة تمنح كينونة السَّرد هويتها المكانيَّة. ولعل الناقد العراقي الأستاذ فاضل ثامر كان قد تنبَّه إلى ذلك عندما أشار في مقالة له عن "كرّاسة كانون" إلى قيام "مرويات نص محمَّد خضير بأنسنة المدينة Humanization وشخصنتها Personification، وبالتالي الارتقاء بها إلى مستوى الذات الفردية التي تبحث عن هويتها السَّردية" (17) استناداً إلى مقاربة الفيلسوف الفرنسي بول ريكور (1913 ـ 2005) في كتابه الموسوعي (الزمان والسَّرد) (18).
إنَّ اللجوء إلى جسد المدينة الفنتازي المتراكب في تناصِّه وكينونته يعدُّ خياراً لا مفرّ منه بإزاء ما جرى لمدن البشر ومنهم مدينة محمَّد خضير "البصرة" التي اجتاحها الشَّر من كل جانب حتى أعدم هويتها وأحالها إلى هشيم محاصر ومُنتهك وجريج الكينونة.




الهوامش
ـــــ
(1) د. عبد الجبار الحلفي: تجليات الهوية والتحديث في الرواية العراقية، "مقال إلكتروني"، موقع "الناقد العراقي" الإلكتروني.
(2) أورده دانيال تشاندلر في كتابه: "أسس السيميائية، ترجمة: د. طلال وهبه، ص 337، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، "2007. وانظر أيضاً:
"Barthes, Image, Music. Text. P. 148" -
(3) روبرت دي بوجراند: النَّص والخطاب والإجراء، ص 103، ترجمة: تمام حسان، عالم الكتب، القاهرة، 1998.
(4) أورده أحمد عفيفي في كتابه: "نحو النَّص، ص 76، مكتبة الزهراء، القاهرة، "2001.
(5) د. رسول محمَّد رسول: الجسد في الرواية الإماراتية، ص ، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، أبوظبي، 2010.
(6) بيير غيرو: سيميولوجية الأُنوثة، ترجمة: محمَّد الرضواني، ص 14، مجلة "علامات"، العدد (20)، الدار البيضاء، 2004.
(7) سعيد بنكراد: الثوب في كل حالاته، "مقال" منشور في موقع الأستاذ سعيد بنكراد الإلكتروني.
(8) سعيد بنكراد: المصدر السابق نفسه.
(9) أمبرتو إيكو: آليات الكتابة السَّردية، ترجمة وتقديم: سعيد بنكراد، ص 146، دار الحوار، اللاذقية، سوريا، 2009.
(10) يروق لي أن أذكر هنا التعريف الذي أورده الناقد والمترجم العراقي سعيد الغانمي لمصطلح المؤِّولة Interpretant الذي قال فيه: "في نظرية بيرس للإشارات تتسبب كل إشارة تُفهم في وجود إشارة أخرى في ذهن المؤِّول، وهذه الإشارة الثانية هي مؤِّولة الأولى، وعلى سبيل المثال حين تُعرض عليَّ "صورة موز" تقفز كلمة "موزة" إلى ذهني كمؤَّولة أو قد تعرض عليَّ كلمة فتقفز إلى ذهني صورة أو أيقونة. ونحن نؤِّول الأيقونات بالرموز، والرموز بالأيقونات". للمزيد اُنظر:
ـ روبرت شولز: السِّيمياء والتأويل، ص 250، ترجمة: سعيد الغانمي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1994.
(11) جيرالد برنس: قاموس السيميائيات، ترجمة: السيد إمام، ص 125 – 124، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، 2003.
(12) محمَّد خضير: كرّاسة كانون، رواية، أزمنة للنشر والتوزيع، عمَّان، الأردن، 2004.
(13) للمزيد حول "السَّرد الموضوعي" و"السَّرد الذاتي" اُنظر كتاب "نظرية المنهج الشَّكلي/ نصوص الشكلانيين الروس، ترجمة: إبراهيم الخطيب، ص 189، مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، 1982.
(14) محمَّد خضير: السَّرد والكتاب، ص 68، كتاب مجلة دبي الثقافية، دبي، 2010.
(15) حول مفهوم الفضاء وعلاقته بلغة السَّرد اُنظر كتاب صالح إبراهيم: "الفضاء ولغة السَّرد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء ـ بيروت، 2003".
(16) محمَّد خضير: كرّاسة كانون، ص 11.
(17) فاضل ثامر: الهويَّة السَّردية للمدينة عند محمَّد خضير، "مقال"، جريدة المدى، الأربعاء، 7 /4 /2010 . وفي هذا المقال يدافع فاضل ثامر عن انتماء "كراسة كانون" إلى عالم النصوص المتخيَّلة، ويقول في هذا الصدد: "بقدر ما يتعلَّق الأمر بنص محمَّد خضير يمكن القول إنه ينتمي إلى آلية صياغة النَّص السَّردي والتخيلي وليس إلى آلية تشكُّل النَّص التاريخي".
(18) بول ريكور: الزمان والسَّرد، ثلاثة أجزاء، ترجمة: جورج زيناتي وسعيد الغانمي وفلاح رحيم، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت، 2006.


د. رسول محمد رسول
كاتب وباحث اكاديمي عراقي مقيم في الامارات
rasmad8@hotmail.com
مقالات اخرى للكاتب
القائمة الرئيسة
البحث