الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
الرواية الجديدة في مصر/ المصطلح والحالة
شوقي عبد الحميد يحيي
الرواية الجديدة في مصر/ المصطلح والحالة
ابراهيم عبد المجيد




" الرواية الجديدة " مصطلح تم استخدامه كثيرا ، رغم ما يشوبه من عوار . فكلمة الجديدة ، كلمة لا محدودة ، وصالحة لكل عصر وآوان . فعندما كتب جيل الستينيات روايته ، بعد نكسة 1967 . كانت روايتهم جديدة إذا ما قورنت برواية الأساتذة ، حتي إذا قيست بروايات رائد الرواية العربية " نجيب محفوظ " فيما كتبه قبل الستينيات . ثم جاءت رواية السبعينيات وحاولت التمرد علي استحياء ، إلا أنها لم تخرج من عباءة رواية الستينيات ، ثم جاءت رواية الثمانينيات التي ابتعدت أكثر عن رواية الستينيات ، تلتها رواية التسعينيات وكانت رواية جديدة تماما إذا ما قيست برواية الستينيات أو ما قبلها ، حيث نحت منحي جديد تماما ، استمرت فيما بعدها في رواية التسعينيات .
وعلي الرغم من أن العملية لا تقاس بمقدار السنوات العشر – والتي قد تكون غير كافية لتشكيل جيل جديد ، أو رؤية جديدة ورواية جديدة . إلا أن تسارع الأحداث المجتمعية في تلك الحقبة ، في مصر ، والعالم العربي عامة ، هو الذي ساعد علي تحديد ملامح محددة لهذه العقود من الزمن . بل ربما لا نغالي إذا قلنا أن القرن الجديد – القرن الواحد والعشرين – وعلي الرغم أنه لم يمر منه الكثير من السنوات – غذا ما قيس بعمر البشرية - إلا أنننا نشهد تحولا روائيا في سنتها الأخيرة ، عن بداياتها . كل ذلك إذا ما سلمنا بأن الرواية هي المؤرخ الحقيقي لحركة الشعوب ، وللتغيرات المجتمعية ، والروائي – مثل كل كائن حي – يتحور بما يتلاءم من حركة وطبيعة المجتمع في كل حقبة زمنية . وأن ما يحدث من تغير في طبيعة الموضوعات ، مرتبط كليا وجزئيا بالشكل الذي يحمل المضمون ، حتي بات كلاهما – الشكل والمضمون – كلا لا يتجزأ ، وكلاهما قطب من أقطاب الدائرة الكهربائية ، بهما معا يتصل التيار ، ويحدث فعله . فتتم الإنارة ، ويدور المحرك .
فإذا ما استبدلنا العنوان من " الرواية الجديدة " إلي " الرواية الآن " كان الأمر أكثر تحديدا ، وكنا أقدر علي تحديد ما إذا كانت هناك سمات وملامح تميزها أم لا ؟
غير أننا أيضا ولنصل إلي ذلك ، فإنه لابد من تحديد الملامح الأساسية لتلك الفترات التي ذكرناها سابقا ، ولو بالمرور السريع وصولا إلي الرواية الآن .
بعد ما حدث في مصر في يوليو 1952 ، وما استتبعه من تحولات مجتمعية صورت ما ظهر علي السطح من تصور لاستقرار مجتمعي ، حتي أصبحت هذه الرؤية هي السائدة في أغلب أوساط المجتمع . ركنت الرواية إلي تصاعد الحدث وتطوره الزمني التصاعدي الذي يصل في النهاية إلي ما كان يسمي في القصة القصيرة بلحظة التنوير ، وهي اللحظة التي يركن ويهدأ القارئ بعدها ، وصلا إلي يمكن تسميته حد الإشباع ، مستسلما لذات طبيعة العصر الاستسلامية والاتكانية التواكلية . فإذا كانت الدولة تخطط له حياته و تصنع له كل شئ ، وما عليه إلا الاستسلام لها . كذلك في الرواية . لم يكن علي القارئ إلا الاسترخاء والاستسلام والاستنامة للأحداث الرواية تسير به السير الطبيعي ، لتصل به في النهاية إلي بر الأمان ، ولم تكن تدع له فرصة المشاركة في صنع أحداثها – مثلما تم فيما بعد .
وبعد نكسة يونيو 1967 ، وما أحدثته من هزة زلزلت أركان المجتمع ، وأفقدت الشباب – الذي كان متحمسا ومستسلما ومصدقا لوعود حكوماته وأبواق دعاياتها – أفقدته الثقة ، لا في حكوماته فحسب ، بل في كل ما ومن حوله ، وكسرت الثوابت . تضخم التساؤل في الأعماق . كيف استنمنا واستسلمنا وصدقنا ، دون أن نعمل عقولنا . فظهر ما يمكن تسميته بجلد الذات ، وتفتت اللحظة ، فتفتت الحدث ، وتشظي الزمن . فلم يعد الحدث يتطور وينمو تصاعديا مع الزمن . بل اعتمدت الرواية علي وحدة سردية تدور في الماضي ، يليها وحدة تدور في المستقبل ، يليها وحدة تدور في الحاضر ، وهكذا تداخلت الأزمنة وتفتت الحدث إلي وحدات متناثرة ، غير أننا في النهاية نستطيع جمع شملها وإعادة تركيبها ، إذا ما توصلنا إلي شفراتها ، وفهم رموزها التي باتت الوسيلة لقول ما يريد الروائي قوله دون أن يتعرض لبطش الحاكم ، أو خوف الناشر 1 . مثل " الزيني بركات " لجمال الغيطاني ،" خالتي صفية والدير " " شرق النخيل " لبهاء طاهر ، " خديجة و سوسن " لرضوي عاشور ، " في الصيف السابع والستين " لإبراهيم عبد المجيد ، فضلا عن روايات نجيب محفوظ العديدة التي استشعرت النكسة قبل وقوعها ، وبعدها راحت تحلل أسبابها والتي تميزت بالتجريد المناسب لتوضيح الأسباب وعرض النتائج ، وحيث لم يكن الظرف يسمح بالهدوء والاستمتاع أو الاستفاضة والوصف . أي أن السلوب كان أقرب إلي الإسلوب الخبري منه إلي الإسلوب الأدبي .
استمرت الروايات الصادرة في سبعينيات القرن العشرين في جلد الذات موضوعيا وتفتيت الحدث وتشظي الزمن ، شكلا ، إلي أن بدأت عمليات الصلح مع إسرائيل وزيارة السادات للقدس ، في سباق مع الزمن بعد أن كانت حرب السادس من أكتوبر قد غيرت الكثير من موازين القوي ، إلا أن الجيل الذي نبت مع أبواق الدعاية الستينية ، كان قد تشيع بتلك الشعارات المزعومة ، والبطولات الورقية ، الأمر الذي وقف بهم عند ذاك الزمن . فرفض البعض منهم ، روائيا وفكريا ، أن يتحقق نصر علي يد أحد غير الزعيم الأوحد الذي وعدهم بالنصر علي العدو الإسرائيلي ، من جانب ، ومن جانب آخر ، وتحت تأثير تراث وتراكم إعلامي صنع جدارا عاليا بين الإنسان العربي عامة والمصري خاصة ، جعل من أعمال السادات ومساعيه لتخليص البلاد من ويلات الحرب والجوع ، أمر غير يسير القبول ، فانصبت روايات السبعينيات والثمانينيات علي كشف مثالب سياسة الانفتاح الاقتصادي الذي أعلنه السادات ، متخطين تلك الحرب وكأنها لم تكن ، فقفزت الأحداث في الرواية من الستينيات إلي الثمانينيات مباشرة . " إنكسار الروح " لـ محمد المنسي قنديل ، " هكذا يعبثون " لـ أمينة زيدان ، " شرف " لصنع الله إبراهيم ، وغيرها وغيرها . وقد عادت الرواية فيها إلي خلق الشخصية من جديد ، إلا أنها تختلف عن رواية الخمسينيات بأن الأخيرة كانت تصنع الشخصية البطل ، لتجسيد صورة البطل المخلص ، المتمثل في زعيم تلك الفترة . أما الشخصية في الفترة الجديدة – المشار إليها – فكانت شخصية التائه ، المنهزم ، المكسور ، للتعبير عن بقايا الشعور المسيطر علي الإنسان العربي عامة والمصري خاصة بعد 67 ، والتيه بين طيقة جديدة بدأت في الظهور بعد إعلان سياسة الانفتاح ، وطبقة تزداد – أمامها – تهميشا وفقرا ، وضياعا .
ثم تجذر هذا الضياع وزادت سطوته أمام انسداد آذان السلطة عن سماع شكوي تلك الطبقة التي أصبحت تزداد كل يوم فقرا وقهرا ، وتاه صوتها في المناداة بالحرية الحقيقية والديمقراطية الحقيقية ، ولم يعد أمامها ما تخشي عليه ، فضاع ما كانت تظنه مكاسب في فترات سابقة ، وضاع الأمل في الحصول علي نصيب من كعكة الوطن . فظهرت المواجهات المباشرة في نهايات القرن العشرين وبدايات القرن الواحد والعشرين . فساد الرواية اللغة الخشنة الكاشفة عن فضائح المجتمع التي لم تعد خافية أو مستترة ، فظهرت المواجهات بالفساد المباشر " عمارة يعقوبيان " لعلاء الأسواني ، وبرزت علي السطح مشكلة أولاد الشوارع " تغريدة البجعة " لـ مكاوي سعيد ، وتفشي الهروب إلي الجنس " السحر الأسود " لحمدي الجزار ، " كائن العزلة " لمحمود الغيطاني ، وغيرها وغيرها2 . وقد ركزت رواية هذه الفترة علي منطقة وسط البلد ، كتعبير شبه مباشر عن المواجهة مع سكني هذه المنطقة ، والمراد بها منطقة الوزارات – خاصة وزراة الداخلية – وكناية عن تواجد الحكومة عامة . وقد تخففت رواية هذه الفترة كثيرا – وتلاشت تماما في الكثير منها – فكرة الحدث المركزي والتصاعد ، واعتمدت الرواية علي مجموعة المشاهد الأفقية – المتجاورة – التي تصنع تكثيفا لرؤية ما ، فتعطي رؤية كلية في النهاية . بما يمكن القول معه أن الرواية اصبحت تعتمد التنامي الأفقي ، فضلا عن إزدياد تشظي الزمن وبداية اختفائه ، والذي اختفي كليا فيما جاء بعد ذلك والذي هو آخذ في التشكل الآن من خلال ما يمكن أن نراه في الرواية الآن
فبعدما انتشرت عمليات الاعتصام وزادت المظاهرات والاحتجاجات في الشارع المصري ، رأي الروائي أنها لم تؤت ثمارها ، حتي باتت غير ذي تأثير لدي السلطات الحاكمة ، فشعر الروائي بلا جدوي المقاومة والاحتجاج . فعاد الروائي إلي ذاته من جديد ، وإلي همومه الشخصية – وإن لم يخبو تماما الهم الجمعي ، إلا أنه تواري وأصبح ينظر من خلال العمل علي استحياء - ، وغاب فيها الحبكة كاملة ، فأصبحت الرواية شذرات من هنا وهناك ، معلنة عن حالة التفكك المجتمعي الذي ربما وصل أوجه ، وهو ما نراه في رواية " ملاك الفرصة الأخيرة " لسعيد نوح ، " عشق البنات " لهويدا صالح .
وحتي تلك التي حافظت بشكل ما علي قدر من الحبكة ، نراها خرجت عن ليس وسط البلد فحسب ، وإنما عن المدينة والقرية معا . فذهبت روايتان صدرتا في تواريخ متقاربة من عام 2008 ، هما " دموع الإبل " لـ محمد إبراهيم طه ، " خور الجمال " لأحمد أبو خنيجر ، خرجتا إلي منطقة الصحراء ، متطية صهوة سفينتها ، الجمل " بحثا عن جوهر الإنسان الفرد من جديد ، ومن خلال الرسالات السماوية الهادية إلي طريق العودة ، وطريق الآخرة ، بعد أن فقد القدرة علي العيش والتعايش في الدنيا .
ولا يفوتنا في معرض رصد حركة – الجديد – في الرواية ، تحول العديد من الشاعرات والشعراء إلي كتابة الرواية ، حتي بات الأمر من الظواهر اللافتة ، والتي يأتي من أبرز رموزها الشاعرة سهير المصادفة ، والتي تحولت بالرواية من خلال روايتين اثنتين فقط بما يؤكد ما تم من تحول في الرواية وصولا إلي الرواية الآن . فبعد أن سعت في روايتها الأولي " لهو البالسة " إلي كشف سوءات المجتمع ، وفضح ما تواري منه تحت السطح ، تلجأ في روايتها الثانية " ميس إيجبت " إلي البحث عن جوهر الإنسان المصري من خلال ظواهر تصرفاته المجتمعية ، واضعة إياه أمام التساؤل الوجودي الكبير .
ثم هذه أيضا الشاعرة التونسية آسية السخيري ، تذهب إلي الرواية بشروطها هي كشاعرة ، فتصدر روايتها " جناحها الريح وغيمة ماطرة " والتي تعتبر ظاهرة جديدة أيضا علي الرواية العربية ، وما يمكن أن نسميه : الرواية القصيدة ، أو القصيدة الروائية . والتي يحتاج تحليلها إلي دراسة منفصلة .
وربما هذه هي الرواية التي لا أقول عنها الجديدة ، فربما لا تلبث ان يظهر أجدد منها ، ولكن أقول .... الرواية الآن .


هوامش

1 - انظر كتابنا " يونيو 67 وأثره في الروايةالعربية " سلسلة أدب الحرب – الهيئة المصرية العامة للكتاب – عام 2000 .
2 - انظر كتابنا " بواكير الرواية العربية في القرن الجديد – دراسات تطبيقية – مركز الحضارة العربية – نوفمبر 2008.


شوقي عبد الحميد يحيي
ناقد من مصر
shyehia@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث