الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
مدرسة الطبيعية في الأدب الروائي
هنريك ميخالسكي/ ترجمة : عدنان المبارك
مدرسة الطبيعية في الأدب الروائي
أميل زولا





كانت قد شخصت ولادة الطبيعية في أعمال فلوبير والأخوين غونكور. ولدى مؤلف( مدام بوفاري ) يكون الأدب قريبا من العلم ، وحياد رجل العلم أزاء الطبيعة هو نموذج لموقف الروائي من واقع الإنسان، وكان الإلهام الرومانسي شيئا ضارا ، فهو عقبة في الجهد المثابر والشاق عند المراقبة التي تزوّد الكاتب بمادة عمله. وبرأي فلوبير ليس على الكاتب أن يخدم أي فكرة ونظرية أو فرضية ، فنحن ( حين نكون مغمورين بالحياة نرى الأمور بصورة سيئة ) ، كذلك وجد الكتاب الذين يعبّرون في أعمالهم عن المعاناة والتجربة لايليقون بإسم الفنانين الحقيقيين القادرين على مراقبة الخصائص الداخلية التي لا تلحظها العين غير المدرّبة.
كان الأخوان غونكور على إقتناع بأنهما كانا قد إكتشفا الطبيعية ، ففي بعض مؤلفاتهما نلقى سمات لها : عناصر الريبورتاج ، الطموحات العلمية ، الزيارات في العيادات الطبية ، تمشيط الأوساط الشعبية ، نبذ المنحى البسيكولوجي ، الأحداث العنيفة. الا أن جوهر تاثيرهما على الأدب يكمن في خلقهما لذلك الأسلوب الإنطباعي. كذلك هناك من إعتبر بين السابقين المباشرين للطبيعية كإتجاه أدبي، ممثلي ما يسمى بالمدرسة الفوتوغرافية الذين تخصصوا في إستلال الحقيقة بمساعدة أسلوب أكثر شفافية ، وخبروا عالم المجتمع التحتي ، إلا أن الخالق الحقيقي للطبيعية كان اميل زولا الذي صاغ مبادئها الأساسية وجذب إليها جماعة الكتاب الميدينيين * وبينهم موباسان.
هناك من يجد أن الطبيعية نشأت في تربة فرنسا السياسة حين إنهارت الإمبراطورية الثانية نتيجة حرب عام 1870 ، كذلك هناك الطابع (التدهوري) لأستيتيكا الجماعة المذكورة . ويكتب ديلتي : ( تنشأ الطبيعية على الدوام حين ينتهي عصر ما في الأدب ). وكانت هناك أحكام مشابهة إعتبرت الطبيعية خاتمة لعملية معيّنة في تطور الأدب، وأخرى وجدت فيها تجسيدا دائما للمساعي الواقعية ، و في إبتكار زولا لهذا المصطلح شكلا متطرفا للواقعية التي كان يربط بها، عادة، مصطلح الطبيعية .

لم يعتبر زولا نفسه خالقا للمدرسة الطبيعية في الأدب ، كما لم يقل بأنها جدّة ما ، بل وجد أن رائد النظرية الداعية الى الأخذ بمناهج العلم التجريبية في حقل الأدب كان ديديرو . وكتب : ( مع ديريرو سلف ذرائعيينا ظهرت سبل المراقبة والتجربة المستخدمة في الأدب ). وكان غرض زولا معارضة الرومانسيين قبل غيرهم ، لذلك أراد التدليل على أن أعمال شاتوبريان ولامارتين وهيغو وجورج ساند تنحدر من روسو بينما الطبيعية من ديديرو وستندال وبلزاك وفلوبير. وبرأي زولا كان أمرا محتوما دخول الرومانسية لمأزقها ، فالقرن التاسع عشر هو قرن العلم أولا . وقال : ( إن الروح العلمية في جميع حقول المهارات هي القوة المحرّّكة للقرن التاسع عشر(...) والطبيعية هي الثمرة الطبيعية للمجتمع الديمقراطي الجديد الذي تتحقق فيه التطورات الأدبية أيضا ). ووجد في الطبيعية ثمرة هذه التطورات . وكان ما يميز النصف الثاني من ذلك القرن النمو الملحوظ لعلوم الطبيعة . وفي هذا الوضع يكون أمرا أكيدا ، كما برهن زولا، أن يشحن الكاتب في عمله معرفة هي أكثر من الأخرى في أعمال سابقيه، وبذلك يكون أكثر قربا من الواقع وصدقا ).
لقد تكوّن منهج زولا نتيجة تأثيرات الذرائعية والعلوم البحت كالكيمياء والطب والفيزيولوجيا والبسيكولوجيا بشكل خاص. والشعرية المصاغة في هذا المناخ كانت محاولة خلق أدب يوّظف ، في سعيه الى الحقيقة ، السبل والأدوات التعرفية التي يستخدمها الباحث في المختبر التجريبي ، ويكتب زولا : ( الطبيعية في العلم هي إنعطاف صوب الطبيعية وإعتماد على التجربة والتحليل ، كذلك هي في الأدب إنعطاف صوب الطبيعة والإنسان ومراقبة مباشرة وتشريح دقيق وتقبّل وتلوين كل ما هو كائن ).
وهكذا تكمن في أسس عمل الروائي إعادة الخلق الأمينة والدقيقة للوقائع المراقبة. ولحينها كانت المراقبة قد إستخدمت في الأدب عند بلزاك وستندال وفلوبير الذين بفضلهم ، كما قال زولا ، ( صار العمل الأدبي بروتوكولا لدرجة أكبر ، فهم من عمل على "سقوط المخيلة " ) . وقبلها كان يقال عن الروائي بأنه ذو مخيلة ، وأنا أطالب اليوم بأن يقال عنه : إنه ذو حسّ بالواقع . وهنا يكون المديح أكبر وأكثر صوابا. إن موهبة الإدراك هي أقل شيوعا من موهبة الخلق ). الا أن دور المؤلف لايقتصر على وضع البروتوكول ، إذ ينبغي أن يلحق بالمراقبة و التجريب والإستثارة الصائبة للحالات ( المختبرية )التي تسمح بالتحقق من العلاقات الناشئة بين عالم الإنسان وبقية الطبيعة ، مع الإفتراض بأن نظامي الظواهر هذين يخضعان للجبرية ذاتها. وهذا هو أساس طبيعية زولا الأدبية التي تبلورت تحت تأثير النظريات والفرضيات العلمية من تلك الحقبة والتي أعلنها دارون ( نظرية الكفاح من أجل البقاء ، الإنتقاء الطبيعي ) و تين ( الدور الحاسم للمحيط في تطور المجتمعات ) أو كلود برنار ( التجربة ، المراقبة التفصيلية ، تحليل الحقائق ).
وصار العلم ، هنا ، القيمة الوحيدة والمرجع الذي لاينقض . فلقد كانت موضع التشكيك الأيدولوجيات والعقائد وحتى البرغماتيةةكنزعة دوغمائية. أما الإنسان فقد إختبر بالبعد الفيزيولوجي حسب وأهمل سياقه الميتافيزيقي و( التشويهات المثالية ) . ويعلن زولا :( نحن الكتاب نقوم بذات العمل الذي يؤديه العلماء ). وكان على الطابع العلمي للرواية أن يجعل من صنفها ( الطبيعي ) كنوع خلقي ، عملا أخلاقيا . وكانت هذه نقطة مهمة في هذا البرنامج ، فنقاد مؤلف ( جرمينال ) إتهموه بالنزعة اللاأخلاقية والتهتك . وكان المفروض أن تكمن القيمة الأخلاقية للطبيعية في حيادها العلمي وإكتشاف قانون الحياة الإجتماعية وقبول ما هو كائن ومن ثم تقديمه ، وهنا يقول زولا :( إن الأخلاقية الحديثة تبحث عن الأسباب ولاتريد أن توضحها أو تؤثر فيها) أي أنها تريد أن تمهد الطريق للتقدم حسب . وكان هو قد لجأ الى حجج مشابهة كي يدرأ تهمة القدرية عن منهجه إلا أنه في الممارسة الأدبية كانت عواقب منهج الطبيعية غير واضحة تماما. فجبرية الطبيعة أضفت على الأعمال الأدبية طابع التشاؤم وأظهرت الإنسان نتاجا سلبيا للصفات الوراثية وتأثيرات الوسط في حين أن النزاعات البشرية قد صوّرت في هالة من الصراع الدرامي بين مخلوقات مجهولة الهوية تسعى الى تلبية حاجاتها البيولوجية بصورة شبه آلية.
وفي الواقع لاتخلو نظرية زولا من الإبهام وعدم الحسم ، و بعضهم يرجع الأسباب الى ميول هذا الكاتب الى الخلاف والدعاية الذاتية. ومعروفة هنا أقواله التي سجلتها ( يوميات ) الأخوين غونكور ، كذلك إستياء فلوبير من هذه السبل. وكان ردّ زولا والموّجه الى فلوبير كالتالي : ( رغم أن ثروتك ليست كبيرة الا أنها حررتك يا سيدي من عبء الكثير من الأمور. أما أنا فأعتاش على القلم وحده، وكنت مرغما على كتابة النصوص المخجلة وممارسة الصحافة ، ومن هنا ميلي الى الدعاية السوقية .. ومثلك أنا أسخر من كلمة الطبيعية الا انني سأكررها بدون كلل ، فالأشياء هي بحاجة الى إسم جديد لكي يؤمن الجمهور بجدتها...).
وكانت ممارسة الكتابة تعني الإيضاح اولا مما جعل الكتاب في وضع غير مريح . ونشأ السؤال عن تحديد موقع المراقبة الذي يصف فيه الكاتب ( الطبيعي ) المجتمع في حين أن كل نص هو ، في الواقع ، غير محايد. كذلك فالطبيعيون لم يرغبوا في الجهر من موقع محدد إذ طرحوا النزاعات التي كانوا عاجزين ، في الأساس ، أزاءها. وهكذا نشأت مشكلة ما يسمى بالغذاء الروحي / مشكلة أعلى القيم. وكان أن تصدعت الطبيعية في النتيجة عند تأكيدها على ولادة النزاع الإجتماعي . ويكتب تيبودي أ ن وهن الرواية صار حوالي عام 1885 في الرواية المحدّثة رواية عن الوهن .. الا أن تاريخ الطبيعية لم ينته في هذا الموقع. ففي الأساس لم تعتمد أهميتها على الأخذ بالسبل العلمية بل كونها قد وسّعت إمكانيات الأدب وأثرت بشكل حاسم على تقنيته.
إن كامل جهد الطبيعية التحليلي قد حصر في تسجيل الظواهر الوقتية والأحداث الجانبية في حياة البطل وليس بالمجرى الحكائي العام مما أدى الى التشكيك بمسألة إستمرارية السرد والتواقتية وغلبة التناولات المكانية على الزمنية ، وهذا إرتبط ، في أحوال معينة ، بمسألة إستغلال بعض التقنيات المميّزة لفن التصوير مثل مسك الإنطباعات للتعبير عن أحاسيس البطل . وهذا الميل إرتبط بتأثيرات الإنطباعية .
وكان لتوسيع موضوع الأدب علاقة بالتغيرات الطارئة على الأسلوب . فالطبيعيون توجهوا صوب اللغة الدارجة كما أنهم عملوا على صياغة المونولوج الداخلي وتوسيع بناء الحوار ، كذلك صاغوا بصورة متقنة ، الأجزاء الوصفية في العمل الأدبي واأقوا بالتأثير على الدراما التي تخلت ، بصيغتها ( الطبيعية ) ، عن التكوين الكلاسي لصالح المشاهد الحياتية ذات الصلات المتخلخلة نسبيا. كذلك كان معلوما بأنهم أثروا للغاية على المسرح وأساليب التقديم. ففي أعوام 1887 /1896 نشط في باريس مسرح أنتوان ، ( الطبيعي ) كما ألقت مفاهيم الطبيعية بتأثير معيّن على مسرح ستانسلافسكي أيضا.
وكان أمرا سهلا على الطبيعية أن تقيم الصلات بالإتجاهات الأدبية الأخرى ، كما كان الحديث يتكرر غالبما عن إرتباط الطبيعية بالإنطباعية ، ومن التركيب الرمزي / الطبيعي ولد أدب إبسن وسترنبرغ وجويس ، ومعروفة هنا روابطها بالإتجاهات المحدّثة والتعبيرية وقيامها بدور واضح في تطور السلوكية ونشوء أدب الوقائع والرواية الريبورتاجية. ولم يقتصر تأثيرها على الأدب الفرنسي بل الأوربي والأمريكي أيضا . فعناصر منها نلقاها في أدب هنري جيمس ودرايزر وكرين، كذلك أطلق إسم الطبيعية على أدب الجيل الأمريكي التالي : دوس باسوس ، فاريل، شتاينبيك، همنغوي، فولكنر.
ومما لاشك فيه أن في نظرية وممارسة الطبيعية والواقعية قد تراجعت فنية الأدب الى الموقع الثاني. وكان الطبيعيون ، وفي مقدمتهم زولا ، قد إقترحوا رؤيا تجريبية/ فيزيولوجية لعالم بالغ التطرف في عقلانيته وماديته ، ومحروم من التأريخ والقيم. الا أن العمل الفني لدى بعض كتابها رغم أنهم إعتبروا أنفسهم مجرد مراقبين ، قد أعاد الفن الى موقعه الأول . وفي الحقيقة كانت الطبيعية ذروة المساعي التي هدفت دفع الفنان صوب الحقيقة وليس الجمال.


* نسبة الى مدينة ميدين التي كان زولا يقطنها. (المترجم)


هنريك ميخالسكي
باحث بولندي

عدنان المبارك
روائي وناقد ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك
iraqstory2@gmail.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. تاريخ ظهور المدرسة الطبيعية
نجاة | 29/4/2011 الساعة 18:01
لماذا لا نجد تارخا مظباطا لتريخ الذي اسست منه هذه المدرسة وما هي مميزاتها والهدف الدي تطمح اليه امذا لا تعطنا مراحل تطورها بالنسبة للمسرح
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث