الخميس, 18 أيلول 2014
   
صدرت حديثاً عن منشورات "مومنت كتب رقمية" Moment Publications في بريطانيا               رواية جديدة بعنوان "سلاطين الرماد" للكاتب العراقي سعد هادي، بطبعتين، ورقية والكترونية              
الاختزال الذاتي/دراسة في عدد من الروايات الحديثة
ولفكانك ايزر - ترجمة: د. هناء خليف غني
الاختزال الذاتي/دراسة في عدد من الروايات الحديثة
وليم فوكنر
*



يُمنح البطل التقليدي في الرواية وظيفة محددة تماما: اذ يمثل نقطة الاحالة المحورية لجميع الاحداث في العالم الذي يمثله، ويعمل ايضا على توفير الفرصة للقارئ للمشاركة في هذه الاحداث. ينطبق هذا الامر حتى على رواية القرن التاسع عشر، اذ لم يعد ممكناً النظر الى مسألة سيادة البطل بوصفها امرا مسلما به، وذلك لبقاء المظاهر التمثيلية الرئيسة على حالها بدون تغيير. ومهما كانت التغييرات التاريخية التي خضع لها البطل، فإنه يحتفظ بهوية اكيدة خاصة به، فوعيه الذاتي غير مشكوك به وتبعا لتعقيدات العلاقات البشرية وتشابكها، ما زال الشرط المسبق الحتمي لافعاله يتمثل في انفتاحه للبيذاتية(1). "يشير مفهوم الاتساق الحديث للواقع الى حقيقة ان الذات تكتسب وتؤكد هويتها بوصفها وعيا ذاتيا من خلال التوافق الكامن بينها والعالم المحيط بها، وهذا يعني أيضاً ان قابلية الذات على الاحالة البيذاتية هي التي تجعل من الواقع المعني عالما موضوعيا". وبهذا المعنى، تعد الذاتية من الامور المسلم بها بالنسبة للرواية الكلاسية، فهي تمثل الشرط الذي يمكن بواسطته تصور الواقع الخارجي بوصفه المجال الذي تمارس فيه الشخصيات خبراتها وتؤدي افعالها.(2)ولم يكن ثمة شك في مصداقية هذه البنية في القرن التاسع عشر، إذ خدم ابطال الرواية غرض تسليط الضوء على الوسط الطبيعي والاقدار التي تنشأ بفعله، والافعال التي ارتبطت به على شكل محاولات متعددة الدوافع لتغييره. الا أن هذه البنية شهدت تحولاً في طبيعتها حالما أدركت أنها قد أتخذت ثيمةً للرواية. عندئذ، توقفت الذات عن ان تكون انعكاسا للعالم، بل أنها تفقد العالم برمته حال اختزالها الى العوامل المسلم بها حتى الان والتي حددت طبيعة الوظيفة التي تؤديها.
يمكن معرفة المدى الذي آثر به هذا الاختزال على المحتوى الذاتي للادب من الفكرة التي طرحها كتاب فقدان الذات في الادب الحديث(3)، التي تعد، على نحو عام، أحد الخصائص المميزة لكل من الرواية والمسرح الحديثين. وانطلاقاً من وجهة النظر هذه، ندرك حقيقة أنه لا يمكن مناقشة مسألة أتخاذ البنية الشكلية للذاتية بوصفها ثيمة للرواية الا بصيغ الفقدان والأنهيار. ولذا، يستهل جارلس أي غلكسبرغ كتابه الذات في الادب الحديث(1963) بهذه العبارة:"يواجه الكاتب الحديث اشكالية محيرة تتصل بتصوير ذات يبدو انها قد فقدت واقعها(4)". من الواضح ان الذات تحتاج الى واقع محدد لغرض اكتساب شكل عياني خاص بها، وعندما لا يتوفر واقع كهذا، تبدو منحنيات الذات وخطوطها متداخلة ومشوشة. قد يعني ذلك امكانية فهم الذات فقط من خلال الواقع الذي تمثله، كما يوضح غلكسبرغ في تحليلاته الفردية التي قام بها في متن الكتاب(5).
مع هذا، يمكن النظر الى هذه الاشكالية من وجهة نظر اخرى. فاذا "فقدت الذات واقعها"، واستمرت في الوجود رغم ذلك، فإذن لا يمكنها ان تكون متطابقة كليا مع الواقع الذي حولته الى شيء ملموس مادياً. ولذا، يمكن القول أن جميع تمظهراتها تخدم غرض تبيان الطريق المؤدية الى البنية الاساسية للذاتية. وعندما تُعامل هذه البنية بوصفها ثيمة الرواية، لا تظهر هذه الذاتية بوصفها شيئاً "مفقوداً"، بل دحضاً لمفهوم تاريخي حولها لم يعد مناسباً (هذا، في حالة كون المراد بالذاتية التوسط الكامل بين الذات والعالم(6)، وهو الاعتقاد الشائع في فكر وادب القرن التاسع عشر). ومن الضروري ان نضع نصب أعيننا هنا المفاهيم الذاتية التي تطورت في الادب خلال القرن التاسع عشر للدور الذي تلعبه في مساعدتنا على التعرف على طبيعة اسلافها المحدثين. وتبدأ التحليلات الاتية من افتراض ان الذاتية تعرف نفسها من خلال شكل تواصلها الذاتي وسندرس فيما بعد أنماط الذاتية تلك التي برز فيها تعريف كهذا على غيره.


1
التواصل الآلي للذاتية في رواية السيرة الذاتية.
دبليو.أم.ثاكري في رواية : هنري ازموند


تخللت الادب الانكليزي في نهاية القرن التاسع عشر الحاجة الى "الثقافة-الذاتية" التي اكد غوته وهيغل أهميتها(7). وفسر والتر بيتر هذه الحاجة في مقاله عن ونكلمان:" بالتأكيد، بالنسبة لنا في العالم الحديث بمتطلباته المتناقضة ومصالحه المتشابكة، المذهول باحزانه العديدة ومشاغله واهتماماته الكثيرة وتجاربه المحيرة، فإن اشكالية التوحد مع انفسنا، في السراء والهدوء، اصعب بكثير مما كان عليه الامر بالنسبة للاغريق، هذا أذا فكرنا بالامر من زاوية المفردات البسيطة للحياة القديمة، ولكن لا فرق يذكر بيننا وبينهم من حيث أن الفكر يتطلب الاكتمال والمركزية(8). وعندما يغدو هذا التوحد مع ذات الشخص بؤرة الاهتمام الرئيسة، يبرز "الفن العظيم"، الذي ميزه بيتر بشدة عن مجرد "الفن الجيد"(9). إذ يعني "الفن العظيم" لبيتر عرض الحقيقة الجديدة او القديمة حول انفسنا وعلاقتنا بالعالم بطريقة تسهم في تدعيم مدة اقامتنا هنا وجعلها أكثر نبلاً وتسامياً(10)". ومن امثلة الفن العظيم، يورد باتر ’الكتاب المقدس باللغة الانكليزية، دانتي، ملتون، رواية البؤساء لهوغو، وهنري ازموند لثاكري(11). أن السبب في تمتع هذه المجموعة المثيرة للدهشة نوعاً ما بأهمية أستثنائية يعود الى وضع بيتر السيرة الذاتية القصصية لثاكري في مصاف روائع النتاجات الادبية من مثل الكتاب المقدس، دانتي، وملتون التي ما زال ينظر اليها بقدسية بالغة حتى في القرن التاسع عشر.(12) يرى بيتر ان هنري ازموند، المنشورة في اواسط القرن التاسع عشر، هي أخر عمل ادبي تمكن من تلبية متطلبات القصد التمثيلي للفن العظيم. ويبرر هذا الحكم، الصادر عن احد أهم النقاد في اواخر القرن التاسع عشر، اختيارنا هنري ازموند مثالاً للتوسط البارادايمي بين الذات والعالم.
ان هنري أزموند لثاكري رواية تاريخية، رغم احتواء موضوعها على ما رثاه لوكاش بوصفه اختزالا للتاريخ الى ’مستوى الافعال وردود الافعال الخاصة‘(13)، والتاريخ هنا لا يؤول بوصفه تحقيقاً متواصلا لغرض ضمني، بل ينظر اليه بوصفه حالة تأمل تمنح البطل فرصة اعظم للتفحص الذاتي. في واقع الامر، توضح المقدمة اسباب ذلك، اذ يبدأ هنري ازموند سيرته الذاتية بهجوم على مفهوم التاريخ بوصفه سجلا لافعال الدول والقادة، ويبرر أزموند هجومه بالقول إن الشخصيات الفاعلة في التاريخ ليست افضل ولا اذكى "منك ومني….أفضل تاريخاً (بحرف كبيرHistory) مالوفاً لابطولياً(14). تتأثر هذه الرغبة في النظر الى التاريخ بوصفه سجلاً للخبرة الشخصية، قدر تعلق الأمر بأزموند، بخصوصيات الطبيعة البشرية التي يعي أثرها تماماً عندما يستذكر حياته متأملاً: " انظر داخل قلبي وافكر أني انسان صالح مثل سيدي العمدة، واعرف أني شخص سيئ مثل تايبيرن جاك. اعطني قيدا ورداءا احمر وحلوى توضع امامي وسيكون بمقدوري أداء دور الدرمان ببراعة، واحكم على جاك بعد العشاء. اجعلني جائعا، ابقني بعيدا عن الكتب والناس النزهاء، وعلمني حب النرد وشرب الجن واللذة وضعني في هونسلوهيث وضع محفظة امامي، وسآخذها"(15).
يجسد ازموند بأقتدار اشد التناقضات احتمالاً، ولهذا السبب بالذات، فهو في مسيس الحاجة الى درجة عالية من الوعي لفهم تلك الظروف التي جعلت منه الشخص الذي هو عليه الان. ولاعتقاده أمكانية تجسيد أدوار القاضي والمجرم على نحو متناوب، فإن ردود افعاله الفعلية أزاء عالمه الواقعي تأريخياً تمتاز بأهميتها القصوى، طالما انه لا يستطيع ان يجد نفسه الا من خلال ردود الافعال هذه.
وحتى عندما كان شابا سأل ازموند نفسه، :"من كان، وماذا كان؟(16). واذا كانت الاجوبة المبتغاة موجودة في سياق التاريخ، فانها ستتشكل من الجهد المبذول لجمع أجزاء صورة الذات من الانعكاسات الذاتية للواقع المُعد بوصفه موضوعياً. حيث تدفع السيرورات والشخصيات التاريخية بأزموند الى اتخاذ احكام فردية جداً، احكام تسلط الضوء على مواقفه الشخصية الخاصة طالما أن ردود افعاله تمثل تقويماً واحداً فقط بين عدة تقويمات محتملة للاحداث التاريخية. بناء على ذلك، فان التاريخ هو اول من يعطي شكلاً لأحد جوانب حياة ازموند(profile). ويعد هذا التركيز على الخبرة الشخصية للتاريخ السبب في نقد لوكاش لرواية ثاكري، إذ يعني ذلك بالنسبة له الغاء "الموضوعية التاريخية" والحط من قدر "جميع الشخصيات التاريخية التي تظهر في الرواية(17)…. من خلال الذاتية. وفي واقع الامر، إذا حاول شخص ما النظر الى هنري ازموند في ضوء التراث الادبي لسكوت، سيبدو هذا الحكم صحيحاً. الا ان ما قام به ثاكري في هذه الرواية يمثل رداً على أسلوب سكوت في الكتابة اكثر منه ادامةً له. وقد بين لوفبورو سلفاً هذا الجانب، اذ قال :"يعد هذا التناسج الخلاق بين التاريخ والرواية، المتمثل في سلسلة من الأنماط التعبيرية التي تصور التطور الثقافي والأحداث العامة التي تعكس الخبرة الخاصة فضلاً عن المنظور الثنائي الذي يربط الماضي بالحاضر، نقطة تحول مهمة عن التراث الايضاحي(18). فاختزال ثاكري المتعمد للجانب البطولي والفخم للتاريخ هو الذي مكنه من عرض الحاضر بوصفه أمراً ما يمكن تجربته بوسائل يتمكن من خلال سيرورتها من تصوير الاستنارة الذاتية للبطل. سنهتم في هذه الدراسة حصراً بهذا الجانب من الرواية لا بتغيرات التاريخ وتقلباته المعروضة بواسطة القصة.
لا يُعد التفاعل بين التاريخ والشخصية تحديداً احادي الجانب للشخصية خلال التاريخ، لأن ذلك سيعني ان السيرة الذاتية لازموند ستصور الأغراض المفترض ملازمتها للتاريخ فحسب. هذا هو السبب في استمرار ازموند في وصف طبيعة العلاقة بين التاريخ والاستبطان الذاتي وسجل ذلك الاستبطان: "الا ان الثروة، بخيرها وشرها، كما افهمها، لا تغير الرجال والنساء، بل تعمل فقط على تطوير شخصياتهم. هناك الف من الافكار الكامنة في ذهن الانسان لا يعرفها حتى يتناول قلمه ويدونها؛ لذا، تبقى مكنونات القلب سراً حتى على من يحمله في صدره. ومن لا تباغته الرغبة
بالانتقام، او القيام بأمر ما او بالشعور أو أتخاذ موقف ما تجاه الخير والشر حيث تقبع جذور الأشياء خفية وغير متوقعة في أنتظار الفرصة المناسبة للظهور؟"(19).
وهنا، فإن الوظيفة الوحيدة التي تؤديها البيئة المستقلة للانسان هي تحيين كمونية الشخصية، بحيث يتمكن الفرد من مواجهة فردانيته. وهذه الكمونية هي ملك مضمر للذات، وهي خاضعة للصدفة طالما استمرت حاجتها الى موقف خارج سيطرتها لتمكينها من اكتساب شكل عياني(20).
وهكذا، تغدو السيرة الذاتية سيرورة للمشاهدة-الذاتية التي تكشف كمونية الشخصية من خلال تلك الأوجه التي تسبغ البيئة التاريخية شكلاً عليها، إذ يُعد كل رد فعل يصدر عن ازموند تعبيراً محدوداً لا يمكنه ابداً فهم الذات كلها، ومع ذلك، يسهم، من خلال عملية التراكم، في بروز هذا الكل تدريجياً. لا يندفع ازموند بالاهداف العيانية او البعيدة المدى، بل تنشأ رغباته تبعاً للمواقف المختلفة التي يواجهها. واذا كان سلوكه منبنياً على رغبته في تحقيق مقاصد محددة ومعينة، فان التاريخ الذي يروي أحداثه ليس أمامه سوى ان يتخذ من نجاح هذه الخطط او فشلها موضوعاً له، ولذا، فان سيرته الذاتية لن تكون معنية بعد الان بوصف ذاته، بل وصف مصير واحدة من أفكاره الراسخة.
اذن، لا ينفصل البوح الذاتي لازموند عن المواقف التاريخية والامبريقية، إذ يؤيد بشدة، نتيجة لتنشئته الكاثوليكية، حق عائلة ستيوارت في الملك أثناء طفولته(21). وينهار هذا التماهي التام مع آراء مدرسه، الاب هولت، بفعل الأحداث السياسية(22)، ولذلك يضطر ازموند الى مسايرة السادة الجدد لمنزل كاسل وود، وهؤلاء يريدون منه أن يكون رجل دين.(23) يعلن أزموند أستعدادة قبول هذه الخطة البغيضة والمبرر الوحيد لذلك هو ولائه للسيدة كاسل وود. الا ان هذه الخطة، ونتيجة لضغط الظروف، لم تسفر عن شيء في نهاية الامر(24). تبين هذه الخبرات المبكرة سلفاً السمة الرئيسة
لحياة ازموند التي تتسم بالثبات في كل مرحلة، وتسهم، في واقع الأمر، في ظهور سجل السيرة الذاتية باكمله، إذ يجد ازموند نفسه، منذ البداية، مشتركا في مواقف تعود عليه بنتائج "مأساوية". وهذا الواقع يثير في نفسه رغبات لم يكن واعياً لها حتى ذلك الوقت، وعليه، ينشأ شكل من اشكال التوتر بين معرفته ما يجب القيام به ووعيه لتلك العواطف الجديدة. وبمرور الوقت، يشترك ازموند في مواقف جديدة تتناقض مع الرغبات الاشد عيانية التي شعر بها مسبقاً وأسهمت في تشتيت مقاصده في أتجاهات مفاجئة. ويسفر الصدام بين الرغبات القديمة والمواقف الجديدة عن ردود أفعال
غير متوقعة، وهذا ما جعل ازموند يبالغ في الأهتمام بنفسه(25). اذ ادرك ازموند فشل الافكار التي واصل تطويرها بشكل تدريجي حال دخولها حيز سيرورة الحياة الفعلية(26)، وأنه يجسد احتمالات السلوك غير المعروفة التي لم يكن لتظهر للعيان لو تحققت مقاصده الأصلية في الواقع.
في واقع الأمر، لا ينبغي النظر الى الظروف التاريخية التي يصفها ازموند بوصفها عوامل ميكانيكية تطلق الكمونية المؤداة فحسب. إذ تكتسب هذه الكمونية الشكل الخاص بها فقط من خلال الطبيعة المشروطة للمواقف التي تحققت فيها، وفي الحقيقة، فإن عنصر الصدفة الذي تتوافر عليه العديد من الظروف التاريخية هو الذي يدفع بالجوانب المضمرة من شخصية الفرد الى دائرة الضوء، وذلك لانه اذا كان بالامكان التنبؤ بهذه المواقف او أحداثها على نحو متعمد، فإن ردود افعال الشخصية ستكون جزءا من الكمونية المحققة. وعادة ما يهتم ازموند بتقليص درجة ومدى المجهول الى
الحد الأدنى، اذ يحاول في المقام الاول اكتشاف من يكون فعلا؟ وفي نهاية الكتاب الاول، يعرف ازموند موطن نشأته. إن الحقيقة ان هذا التوضيح يورد في الجزء الأول من الكتاب لا في نهايته يبين ان هوية الشخص ليس مرادفاً لاصوله. وحالما يعرف ازموند أنه الوريث الشرعي للقب، فانه يرى العالم من حوله بمنظار جديد تماماً. ولكنه، لما يكنه من حب واحترام لعائلة كاسل وود، ينبغي عليه التخلي عن الاستفادة من معرفته هذه(27). ومرة اخرى، وبينما تتعقد الظروف المحيطة به، تكتسب الظروف التي ينبغي له التفاعل معها دقة اكبر.
واذا كان اختزال المجهول سيرورة اكتشاف ذاتي، اذن يبرز سؤال مفاده هل ستكون هناك نهاية لسيرورة كهذه؟ فالبحث عن ذات المرء يعد حجر عثرة في طريق وضع أي هدف محدد يعني تحقيقه المعرفة التامة، وهذا يعني، بكلمات أخر، إن سيرورة اكتشاف الذات تعتمد على وجود مقادير مجهولة من الضروري اختزالها. ويحاول ازموند تخيل اهمية هذه الاحتمالات ذات الصلة بشخصيته والتي أطلع عليها، ويضطر في أثناء قيامه بذلك الى التفاعل مع اكتشافاته الخاصة بطريقة تحددها ذكرياته. ووظيفة هذه السيرورة هي ترسيخ علاقاته لا مع ماضيه فحسب، بل مع نفسه في الوقت الحاضر لان ذكرياته تكشف عن مقدار الاهمية التي اولاها ويوليها لاحداث وقعت في مراحل معينة من حياته.
تقوم السيرة الذاتية بتجميع ردود الافعال المستذكرة التي تتراكم في جشتالت للذاتية، ويتولى ازموند مهمة فلترة ردود الافعال هذه استرجاعيا في ذهنه بطريقة معينة يدرك من خلالها مساهمتها في توجيه سلوكه بشكل دائم. ويعد حكمه على مالبورو من الامثلة النموذجية على ذلك. ونظرا لعمله جندياً في الجيش الانكليزي اثناء حرب الخلافة الاسبانية، يتعرف ازموند على الدوق عن كثب. اللافت للنظر هنا إن السخرية اللاذعة تتخلل مشاهداته هذه:
كان هدوء الدوق عند وقوفه امام المدفع بقدر هدوئه عند الوقوف امام باب غرفة الأستقبال. ربما لم يكن ليكون الرجل العظيم الذي تعرفه لو كان له قلب يشعر به بالحب او الكره أو الشفقة أو الخوف أو الاسف أو الندم...وذلك لانه يستغل من حوله كبيرهم وصغيرهم على حد سواء، وكأنهم أدوات، وعادة ما ينتزع منهم شيئاً ما، ربما سمة شخصية أو شيء ما يمتلكونه. ولأنه بتصرفاته أشبه بآله، فهو يشاهد موت بطل أو سقوط عصفور بالمقدار نفسه من التعاطف. انه مستعد لتملق ماسح الاحذية، تماما كما يتملق وزيراً او ملكاً، وقد يتصرف بغرور او تواضع وقد يهدد، ويتوب ويبكي ويمسك بيدك (او يطعنك متى ما وجد الفرصة السانحة لذلك)-وعلى الرغم من ذلك، يكن له افراد الجيش، الذين يعرفونه حق المعرفة، وعانوا كثيرا من افعاله، اعجابا شديداً: فبينما يستعرض الصفوف قبيل توجههه الى المعركة او يعدو مسرعا الى كتيبة تتراجع امام كثافة نيران العدو، يكتسب الجند والضباط المرهقون القوة والشجاعة في اثناء مشاهدتهم لهذا الهدوء الرائع المرتسم على محياه، أنهم يشعرون ان ارادته هذه ستمنحهم النصر حتماً(28). وبعد انتهاء معركة بلينهايم، يكتب ازموند:"من يستطيع رفض نصيبه من الاعجاب بانتصار كهذا ومنتصرٍ كهذا؟ وليس أزموند من كتب: قد يدعي الشخص بأنه فيلسوف من الطراز الاول، الا ان الشخص الذي قاتل في ذلك اليوم سيشعر بالزهو والفخر عندما يتذكره(29). يكشف هذا التقويم لمارلبورو، على نحو غير مباشر، عن جوانب معينة من شخصية ازموند. وعلى نحو مماثل للجنود، ليس بمقدور أزموند سوى أبداء الاعجاب بهذا القائد المنتصر. الا انه يرى ما وراء الصورة السطحية للدوق المزركشة بهالة النجاح الصاخبة والبراقة المحيطة بها، إذ يعزو أزموند ذيوع صيت الدوق الى أنعدام ضميره. هكذا يحطم ازموند صورة البطل، كاشفاً بذلك العناصر البغيضة للشخصية التي تصنع التاريخ، الا انه يكشف، في الوقت نفسه، عن عدم أستحسانه الذي يكشف بدوره عن المقياس الضمني للقيم خاصته، فالتاريخ المستذكر تاريخ مصاغ بالاحكام الخاصة لازموند، ولكنه بتدوينه التاريخ من وجهة نظر شخصية بحتة، يسلط الضوء على جوانب معينة من نفسه. فضلا عن ذلك، يخضع هذا التنوير الذاتي للتمحيص من قبل ازموند، فهو يسأل نفسه، على الدوام عن السبب في انتقاده الدوق. قد يفترض المرء ان السبب في ذلك يعود الى أنزعاجه من أنعدام ضمير مارلبورو، ولكننا نعلم بعد ذلك امرا يثير الدهشة وهو ان سبب نفور ازموند من الدوق يعود الى شعوره بالانزعاج لتجاهل الدوق له في اثناء استقبال الصباح. "كان يمكن لكلمة عطف او عرفان بالجميل، او نظرة استحسان واحدة، ان تغير رأي ازموند حول الرجل العظيم، وعوضاً عن الأنتقادات التي لا يمكن له سوى توجيهها، يعمد الى مدحه، ولن يعرف أحد بذلك سوى المؤرخ المتواضع "(30)؟. وعلى الرغم من فشل اعتراف كهذا في استرجاع الصورة البطولية لمارلبورو، فهو يوضح المدى الذي اعتمد فيه النقد الاخلاقي ظاهرياً لازموند لا على أي احساس بالخطأ أو الصحة ، بل على الأهانة غير المتعمدة التي لحقت بكبريائه.
يوضح ازموند، في معرض تذكره للماضي، الظروف التي صاغت ردود افعاله الفردية. وبهذه الطريقة، تصبح الذاكرة شكلا من اشكال الوعي الذاتي الشديد، كما يبين ازموند في نهاية مذكراته: "لم ننس شيئا، الذاكرة تنام، الا انها تستيقظ مرة اخرى، غالباً ما افكر كيف ستكون عليه الذاكرة عندما، (وبعد أغفاءة الموت الأخيرة) توقظنا الصحوة بعد الممات الى الابد، ليتدفق الماضي في لقطة فلاش واحدة للوعي الذاتي، تماماً مثل انبعاث الروح"(31).
لو اراد المرء استحضار الماضي بأكمله في الحاضر، فإن الوعي الذاتي البشري سيكون كاملاً وتاماً بصورة مؤقتة. ولكن ولاستحالة حدوث ذلك في الحياة، تبقى فكرة كهذه مجرد استعارة لوصف الهدف الذي تسعى الذاكرة الى تحقيقه. إذ تحول الذاكرة الماضي هنا الى سجل تاريخي للوعي الذاتي المتزايد للذاتية. يقول جي.سي.باويز في حديثه عن سيرورة كتابة السيرة الذاتية إنَ الحقيقة المستذكرة فقط هي الحقيقة الفعلية، وأردف قائلاً:"يجب ان يكون التوهم الحياتي للشخص مقدسا بقداسة جلده"(32). تعين الذاكرة، التي تتخذ شكل ’الوهم الحياتي‘ هذا، الذات على تحقيق
التوحد مع نفسها ومع العالم من حولها.
ينبغي علينا ان لا ننسى هنا ان رواية هنري ازموند تمثل السيرة الذاتية لشخصية روائية وليس لثاكري. لو كانت هذه الرواية السيرة الذاتية لثاكري، لتمحور اهتمام القارئ حول الافكار العيانية التي طورها ثاكري في أثناء مواجهته نفسه (ويسود الأعتقاد أن هذا هو الدافع الرئيس وراء كتابة سيرته الذاتية). ولكن، لأن هنري ازموند رواية، اذن لا يمكن لنا الا الاستنتاج أن الهدف من كتابتها ليس نشر اراء ثاكري حول الحياة، بل بالاحرى اجراء دراسة لسيرورة السيرة الذاتية باكملها، وعلى نحو عام لتوضيح الطرق التي يتمكن بواسطتها الشخص أقامة علاقة مع نفسه. إذ لا يتأمل ازموند احداث حياته فحسب، وأنما الأحداث التي اسهمت في بروز فردانية خبراته، ومن ثم شخصيته.
لا تعمل التقنيات السردية للرواية على تصوير علاقة الشخص بنفسه فحسب، بل تعكسها ايضا. و عادة ما يتوقع القارئ سرد السيرة الذاتية بضمير الشخص الاول(33). الا ان ازموند يستعمل غالبا الشخص الثالث، ويبدو موقفه حيال الخبرات المستذكرة شبيهاً بموقف القاص المبدع نحو الاحداث التي يعرضها. إذ توصف الخبرات الشخصية كما لو انها خبرات شخص أخر. ويؤدي انزواء الذات عن الذات الى بروز امرين يتعلق اولهما بالطبيعة المؤقتة والنسبية لوجهات النظر التي أثرت في الاحداث والمواقف السابقة، وثانيهما بحقيقة ما تشهده قابلية التقويم الذاتي الواعي من تطور
كبير في أثناء ذلك، ويعود السبب في ذلك الى تمكنها من رؤية ماضيها من مسافة كهذه. أن الطريق الى الذات هو أجتياح متواصل لها، ويقاس نجاحها في ذلك بوعي الذات لمسألة أن تمظهرات الماضي كانت محدودة وطارئة.
الا ان هذا النأي السردي لا يخلق سوى أطار العمل الذي يضم مجموعة متنوعة من المواقف المتفاعلة التي يتخذها ازموند تجاه نفسه. جدير بالملاحظة هنا الفروق الواضحة ضمن شكل الشخص الثالث المفرد(34) في اثناء تأمل ازموند لماضيه عبر المنظورات المختلفة، فعندما ينادي نفسه ’السيد ازموند‘ او ’الكولونيل ازموند‘، فإنه يستذكر أحد تمظهراته التي اكتسبت منذ وقت طويل طابعاً تاريخياً بحتاً، وعندما يحيل على هاري او يوث، يلاحظ تعاطفاً متواصلاً يربطه مع الشخص الذي كانه في ذلك الوقت،أما عندما يتذكر نفسه كأزموند، فإنه يقبلها بدرجات متباينة من
الاستحسان، بوصفه الرجل الذي كان يوماً ما. وهكذا توجد العديد من التفرعات المنظورية ضمن المنظور الرئيس وهذه التفرعات تعني الحكم. اللافت للنظر لجوء ازموند المتكرر الى استعمال الشخص الاول(35)، وفي لحظات كهذه، فإنه ينسى تماما حالة النأي التي اظهرها في احيان اخرى تجاه حياته الخاصة. ويلاحظ هنا ايضا إن ثمة اسباب مختلفة للتغير في المنظور. اذ يساعد سرد الشخص الاول احيانا على اثبات ما يشعر به الكاتب بوصفه حقيقة غير قابلة للتغيير(36) حقيقة يرغب في التماهي معها على الرغم من مرور الوقت. وفي احيان اخرى، يعاد تقديم المواقف كما لو أنها تحدث في الحاضر، بحيث تحتفظ بطابع أنفتاحي متميز لم يحكم الزمن أغلاقه(37). وغالباً ما يتذكر ازموند محادثات معينة لأعادة تمثيل احكام الاشخاص الاخرين عنه بحصافة، مخففاً بذلك من وقع الاطراءات من خلال ربطها بظروف اللحظة التي صدرت فيها هذه الأحكام(38). وهكذا، يعرض منظور الشخص الاول احتمالات مختلفة للتقويم الذاتي التي تكون في بعض الاحيان اشد تلقائية من تلك الناتجة عن منظور النأي. الا ان ما يمنح الوعي الذاتي المتنامي بعده الحقيقي هو هذا التداخل بين هاتين النظرتين العامتين. جدير بالملاحظة إن الحكم الذاتي المتكامل للشخص الثالث الذي يحدد إلى حد بعيد بنية الاحداث المروية يعتمد على الخبرات التي ما زالت غير متكاملة والتي غالباً ما تلائم أحكام كهذه، خبرات لا يستطيع الكاتب فصل نفسه عنها بشكل تام للحصول على نظرة شاملة عنها. تبين حقيقة هيمنة شكل الشخص الثالث على الرواية المدى الذي عالج فيه الشخص خبرة الحياة والعالم اللذين يتولى مهمة وصفهما. وهناك ضمن هذين المنظورين الرئيسين -أيَ وجهات نظر الشخص الاول والثالث- تنويعات محددة بوضوح. ويشير أزموند بين الحين والأخر، في مسار عرضه لماضيه، الى صيغ الكتابة الفعلية. وتنشأ هذه الضرورة من الشكل الخاص للذاكرة، إذ يتوجب على ازموند منح خبراته الحياة ذاتها التي تمتعت بها في السابق لأستعادة عفوية رد فعله، ولكنه في الوقت نفسه، لا يستطيع تفادي رؤية هذه الخبرات من وجهة نظر معارفه التي أكتسبها بعد ذلك. لذا، فإن ما يجب عليه فعله هو أدراك انفتاحية المواقف جنبا الى جنب التقويم الواعي لها حالياً، لانه بهذه الطريقة فقط يصبح ارتباطه السابق بها موضوعا للتحليل الفكري. يكتسب حكم ازموند على ذاته السابقة شكلاً عيانياً يتناسب وأدراكه لمعرفته سبب التصرف بهذه الطريقة لا باخرى، ورغم تمكنه، عند استذكاره الاحداث، من التصرف بطريقة افضل مما قام به في الماضي(39). اذن، من المهم جداً ان لا يعرض ازموند ماضيه حصرياً من زاوية مزايا الادراك المتأخر، لانه ان قام بذلك فسيزيد من أبهام السيرورة التي يحاول الكشف عنها، أيَ كيف يتوصل الى إن يعي ذاته. وهذا هو سبب حديثه المستمر عن الكتابة في تلك اللحظات التي يوشك فيها ادراكه المتأخر على تولي مهمة وصف الموقف(40)، او ان الموقف ذاته يبدو شديد التعقيد بحيث يشعر أزموند انه ملزم باقحام تبصره حول الحاضر فيه(41). ولذلك، يشهد عرض الذكريات هذا تداخلاً متواصلاً بين العفوية والتنظيم، ويفهم الاخير بوصفه أحد أشكال التأويل الذي يضع مواقف الحياة المفتوحة والواقعية في سياق مترابط يشكل بدوره تاريخ الذات.
يعد استعمال ازموند الدوري لضمير جمع الشخص الاول احد التنويعات على تقنية ضمير الشخص الاول، إذ يتعامل ازموند، في أوقات كهذه، مع تجارب وخبرات جماعية يمكن لجميع البشر الاشتراك بها(42). وحتى عندما لا يذكر ذلك بشكل واضح، فإنه يستعمل ضمير جمع الشخص الاول ليوحي للقارئ بما تتمتع به وجهة نظر خاصة ما من مصداقية للحياة البشرية برمتها، لذا، ومن خلال أدخال القارئ في حيز حكمه، فإنه يحثه على تأكيد حقيقة مشاهدته(43). ثمة عدة اسباب تبرر حاجة ازموند الى هذا الاتصال مع خبرات القارئ، واهمها الدور الذي تلعبه هذه الخبرات في دعم مزاعمه المتعلقة بصدق مشاهدته الذاتية من خلال أمثلة لا يوثقها هو بل الأمثلة ذاتها.
يتألف التنويع الاخير ضمن المنظورات السردية من العديد من الاستعارات الادبية المتناثرة خلال الكتاب. ويمكن النظر الى الظهور المتكرر لصور مستعارة بشكل رئيس من التراث الملحمي بوصفه أحد سمات السرد البنيوية، وان كان السبب الوحيد لذلك مساهمتها على نحو عام في اختتام احداث او تأملات لم يعالجها ازموند، حتى هذه اللحظة، بطريقة مناسبة في ذاكرته. يسعى ازموند، بواسطة التضمينات والاقتباسات الادبية، الى أدخال أفكار مصاغة على نحو تام في سرده للاحداث عندما تبدو المواقف التي تستحضرها الذاكرة غير متناسقة او شديدة التعقيد. ويمكن لهذه
الاستعارات الادبية اداء وظائف متنوعة(44)، بيد انها غالباً ما تخلف وراءها خيط سخرية في السرد، وقد تعمل هذه الاستعارات، مثلاً على توفير حل للفوضى، حل يبدو متكاملاً، وهذا غير ممكن الا في الادب(45)، او قد تعمل على تأكيد الآم الخبرة، بدون تسكينها(46)، او قد توحي بالحيرة والارتباك الشخصي بدون الكشف عن خصوصيته، وذلك لانه لا يمكن حتى للنظرة الاسترجاعية للماضي ان تساعد الفرد على ادراك الطبيعة الخاصة للمشاعر السابقة.(47) وهذا الاستعمال المتنوع للصور الادبية يسهم في اضافة بعد مهم للمنظورات السردية التي ناقشناها آنفاً، اذ انها تسبغ على
المواقف معنىً مؤقتاً، مؤدية بذلك وظيفة التأويلات الافتراضية. وعلى نحو مغاير للمنظورات الأخرى، توضح هذه المنظورات الحد الذي يفصل معرفة معينة للذات عن الفهم المحتمل، ومن ثم الفهم الافتراضي لها. ويُبين ذلك المدى الذي تحقق فيه الوعي الذاتي هنا، بحيث يظهر التأويل الافتراضي للماضي على ما هو عليه فضلا عن تضمينه في الذاكرة.
إن هذه المنظورات المختلفة، التي قمنا بفصل احداها عن الأخرى لاغراض المناقشة هنا تواصل تفاعلها خلال سرد ازموند. ويسهم هذا التفاعل في حدوث التعاقب المشكالي لوجهات النظر المتحركة، التي تعزز التنوير الذاتي التدريجي للذاتية. إذ يبين تغير وجهات النظر إن الوعي هو السبيل الوحيد للتقويم الذاتي، وان تعددية وجهات النظر فقط هي التي تفضي الى ظهور صورة ملائمة للذاتية، فوجهة النظر المفردة تسهم في تحول الحياة المدونة هنا الى تصوير تمثيلي لرؤية واحدة متشكلة بصورة مستقلة عن الخبرة. بينما يظهر تعدد وجهات النظر ضرورة صدور احتمالات الحكم اولا
واخيرا من خبرة الذات، التي يجب ان تتوافق مع ذاتيتها. فالذات تفهم الواقع التاريخي من خلال المنظورات التي تبدأ بتشكيلها، وهي تدخل في علاقة مع نفسها بواسطة تعبئة وجهات نظرها، وتبرهن من خلال هذا التعبئة ايضا، على استمرارها في تأمل احكامها الذاتية. وازموند واعٍ جداً لهذه الضرورة ويعبر عنها فعلياً، "ما علينا سوى تغيير وجهة النظر، وآجل الاعمال وأعظمها تبدو وضيعة، عندما نقلب مرآة المنظور، عندئذ، يبدو العمالقة اقزاماً. قد تصف الاشياء، ولكن من يمكنه تحديد مدى وضوح رأيك، او دقة مصادر معلوماتك؟ (48)"
وهذا هو السبب في إن الهدف النهائي من التفحص الذاتي لازموند هو الحكم على قصة حياته من وجهة نظر المعرفة التي يتمتع بها في وقت الكتابة. عندئذ، يمكن تحديد الفجوات الناتجة عن الافتقار الى المعلومات، في اشكالها المحتملة، بدقة توازي دقة النتائج المتأتية من الادراك المتأخر. "وذلك لان كاتب السيرة الذاتية لا يروي الحقائق، بل الخبرات أي، الفعل الداخلي للانسان والحقائق او الاحداث. نعني بالخبرات أمراً ما ذا معنى، وهناك العديد من تنويعات المعنى وأمتدادته(49)". وهكذا، من هذه المنظورات المتغيرة تبرز صورة ازموند، التي تقدم نفسها، بالاعتماد على مصطلح جي.سي بويز، بوصفها "وهم حياة" الهوية التي اكُتسبت حالياً.
بينَ بيتر إن توحد النفس مع العالم، بالنسبة للقرن التاسع عشر، كان مقصد " الادب العظيم". ومثل جميع الاراء الجمالية المحددة، أظهر هذا التوحد هشاشةً كبيرة يؤدي الرد عليها الى أطلاق بنى ذاتية أخر، وسنحاول تفحص بعض هذه البنى أزاء خلفية مفهوم ثاكري الذي اوجزناه تواً. توضح هنري ازموند أنه في حالة رغبتنا تنسيق خبرات مختلفة، فيجب بالضرورة توفير مفاهيم مسبقة فاعلة التي تقود بدورها الى عيانية الذات. وكما اوضح روي باسكال: "على السيرة الذاتية دوما ان تتضمن، النوع الاخير بوصفه عنصراً حاسماً، إذ يكتسب الحدث معنىً عند النظر اليه في منظار الحياة
الشامل(50)" لان ذلك هو الطريق الوحيد الذي يتمكن بواسطته الشخص من انشاء علاقة بين الذات والعالم، ومن ثم اكتساب هوية.
يحتمل ان تبقى المفاهيم المسبقة الضرورية للتواصل الذاتي مختفية تماما، وقد تغدو اعتباطية، او قد تنحدر الى مستوى الافتراض المجرد. وفي حالات كهذه، تزداد صعوبة قياس مدى الذاتية وطبيعتها، وتصبح امكانية التواصل الذاتي طوباوية. ولا ينبغي النظر الى اختزال الذاتية الملاحظ في الروايات الحديثة بوصفه خسارةً لأمر ما كان يمكن الحصول عليه في الماضي، بل أنه، عوضاً عن ذلك، يسهم في أظهار الظروف المختلفة للذاتية التي بقيت مضمرة طالما استمرت في ادائها وظائف معينة في الرواية من مثل ايصال جوانب الحياة المختلفة. فـ"الاختزال" في هذا السياق يعني
العودة الى الاصل، وبذلك فهو لا ينطوي على "معنى سلبي اساساً"(51) .ونظرا لاهتمامنا هنا بالتأويل الطوبولوجي، فلا حاجة بنا الى تعقب التطور من ثاكري حتى الرواية الحديثة، لاسيما أذا علمنا ان مصطلح ’الاختزال‘ لا يدل على تقليص تاريخي لمفهوم الذاتية لدى ثاكري.
الاعمال موضوع النقاش في هذا الفصل هي: الصخب والعنف لفوكنر، تراث وتاريخه لايفي كومبتون بيرنت، واخيرا ثلاثية بيكت مولوي، أحتضار مالوني، واللامسمى. في واقع الأمر، ليس هناك ما يشترك به هؤلاء المؤلفون الثلاثة تاريخيا. ورغم توظيفهم اللغة الانكليزية في كتابة هذه الروايات -في حالة بيكت-ترجمت إلى الانكليزية، فإن كل واحد منهم ينتمي الى ادب قومي مختلف، وفي الحقيقة لو اهتم المرء بالتأثر، او البيئة، اوالسياق التاريخي، او التراث الادبي، فان الاختيار يبدو نوعاً ما اعتباطياً. مع ذلك، هناك رابطة وثيقة تجمع هؤلاء الكتاب من حيث قضايا الشكل وعلم نماذج الشخصية وهذه الرابطة هي الأهم والاكثر دلالة نظراً لأفتقارهم الى قاعدة مشتركة تجمعهم في مجمل النواحي الأخر. من الواضح، إنه في نقطة الارتباط المشار اليها آنفاً، هناك مشكلة ذا أهمية قصوى في الموقف المعاصر، نظرا لبروزها -على الرغم من اتخاذها اشكالاً مختلفة- في اعمال كتاب ذوي خلفيات فكرية شديدة الاختلاف والتنوع. وتتمحور هذه الروايات على انماط مختلفة من الذاتية المختزلة، وسنتخذ، في هذا النقاش، التقنيات السردية نقطة انطلاق لنا.
تروى رواية فوكنر اساسا من خلال ثلاث وجهات نظر متعاكسة بشدة بالشخص الاول للفعل، بينما تكشف رواية ايفي كومبتون بيرنت باستمرار عن ردود الافعال غير المتنبأ بها للشخصيات من خلال سلسة متواصلة من الحوارات ويتم الكشف عن ثلاثية بيكيت من خلال وصف الشخص الاول للقاص الذي لا يتوقف ابدا عن شعوره بالشك في مساهمة صيغته السردية، من خلال الافتراضات المسبقة المتأصلة فيها، بتقييد نظرته للواقع.

2
الادراك، الزمنية والفعل صيغاً للذاتية : الصخب والعنف لفوكنر

تعد رواية فوكنر الصخب والعنف (نشرت لاول مرة عام 1929)، وباستثناء رواية عوليس لجويس، من اهم التجارب الحديثة في استخدام التقنيات السردية لاضفاء شكل ما على البنى الفردانية للوعي. تتألف القصة، المقدمة من خلال وجهات نظر اربع مختلفة، من الاحداث والانطباعات ذات الصلة بالانهيار التدريجي لعائلة كومبسون في أقصى الجنوب. تنقسم هذه الثيمة المفردة، من خلال روايات الشخص الاول للاخوة كومبسون، على مجموعة متنوعة من الشظايا والاوجه، ولا يسهم حتى الجزء الاخير الخاص بالمؤلف، في دمجها في كُل منظم بوضوح. فضلا عن ذلك، لا تذكر الروايات المختلفة-جميعها مؤرخة بدقة- بترتيب زمني، لذلك يجبر كل قارئ على التحرك بأستمرار الى الأمام والى الخلف بصورة متناوبة موفراً بذلك خلفية لكل صورة مرسومة على نحو انفرادي. يتواصل حدوث ذلك حتى عندما تكتسب الاحداث درجة من الوضوح الذي أفتقرت له في البداية، كما في الجزأين الثالث والرابع اللذين يعرضان حلاً جزئياً للتعقيدات التي اسهم كل من بنجي وكوينتاين في احداثها. اللافت للنظر هنا التأثير الاستثنائي نوعاً ما والمتمثل في ان الوضوح المفاجئ الملاحظ في سرد جاسون وفي سرد المؤلف ربما أسهم في سلب الاحداث قوتها، وذلك لانه لو تكبد القارئ عناء التمعن في
الادراكات العشوائية لبنجي وفي وعي كوينتاين، فإن اتجاه جاسون المحدد بوضوح سيبدو، بسبب وضوحه، مبتذلاً تماما- علماً أن هذا لا يعد السبب الوحيد.
ونظرا لتباين أهمية المنظورات السردية الفردية ورجحان كفة بعضها على بعض، ينشأ بينها نوع من الارتباطات غير المصاغة المُحرمة، وهذه الارتباطات بالذات هي التي تضمن دخول القارئ بصورة مباشرة في عالم الرواية. وصف ريتشارد هوغز الأثر الذي يحدثه ذلك في القارئ كالاتي:
هنا تحديداً يجد هذا المنهج المثير للفضول مسوغاً له في نهاية الأمر: لان المرء سيجد، عند استرجاعه ذكريات الماضي، أنه يعرف كل شيء حولها، وأنه فهم صخب بنجي وعنفه بصورة أفضل مما ادركه في السابق، عندئذ، تصبح القصة برمتها حقيقية في لحظة واحدة. ويستحيل وصف التأثير الناتج عن ذلك، إذ لا نظير له، وينبغي للقارئ النبيه اكتشاف ذلك التأثير بنفسه. وسوف يرى ان قراءة المرء لهذا الكتاب لمرة ثانية في الأقل هي نتيجة طبيعية تماماً. ويبدو لي ان السمة الرئيسة للكتاب الممكن قراءته مراراً وتكراراً، تكمن في ظهوره مختلفاً عند كل قراءة-ويعني ذلك
باختصار- انه سيقرأ كتاباً جديداً(52). تسهم بنية النص التي سنناقشها ببعض التفصيل في أستثارة هذه الجوانب المختلفة التي يواجها "القارئ النبيه".
تبدأ الرواية بسلسلة من الانطباعات المتآرجحة عن السابع من نيسان،1928، التي يحاول بنجي الابله الأستمرار فيها. وبنجي يختلف عن غالبية الشخصيات البلهاء الاخر في الادب بشكل رئيس لاننا نراه من الداخل لا من الخارج. إذ يرى القارئ العالم من خلال عيون هذا الآبله ويعتمد عليه، بشكل كلي تقريبا، في تحديد توجيهاته. ونتيجة لذلك، يُجذب انتباه القارئ الى الطبيعة الخاصة لهذا الادراك، بحيث يبدو الموضوع وكأنه الخبرة الحياتية للابله لا تأثيره على العالم البيذاتي، وفي واقع الامر، يمكن لذلك فقط ان يصبح موضوعا، اذا حاولنا رؤيته في سياق الحالة السوية.
ومن الواضح ان هذا هو السبب في غياب الصورة المألوفة للابله حتى الجزء الرابع من الرواية الخاص بالمؤلف، "فتح الباب المتحرك ودخل لستر، يتبعه رجل ضخم يبدو انه تشكل من مادة ما لم تتماسك او لن تتماسك جزيئاتها بعضها مع بعض او مع الهيكل الذي تدعمه. كان جلده باهتاً يخلو من الشعر، واستسقائياً ايضا ويتحرك بتثاقل مثل دب مدرب. وكانت عيناه واضحتين، زرقاوين وباهتتين وجميلتين، لها لون القنطريون العنبري، وفمه الغليظ مفتوح دائما يسيل منه القليل من اللعاب"(53). تصف هذه الكلمات المظهر الخارجي لبنجي مسقطاً اياه ضمنيا على مظهر بشري سوي لغرض خلق صورة الابله من هذه الفروق بينهما. يعد التناقض بين الحالة السوية والبلاهة أهم جزء في هذا القسم من الرواية الذي يتناول قضية هل سيتمكن بنجي من مواصلة العيش مع العائلة او هل من الأفضل ارساله الى مصحة المجانين.
الا ان المحكات الضمنية للحالة السوية غير متوفرة عندما ننظر الى بنجي من الداخل، ما لم يقارن المرء حواره الداخلي مع سجلات الحالات المرضية النفسية التي لا تسفر سوى عن نتائج متواضعة تقتصر على تحديد اوجه الاختلاف والتشابه(54). ومثلما لا ينبغي أعتبار هذا المعتوه الابله القصصي عند النظر اليه من الخارج مجرد رمز للتشوه البشري، فلا ينبغي النظر الى الحوار الداخلي بوصفه سجلاً لحالة مرضية لا غير. في واقع الأمر، يعتمد كل شيء على الوظيفة التي يؤديها الابله ضمن سياق ما يتم تقديمه.
اولا دعنا نناقش المؤشرات التي يوفرها المؤلف للقارئ في سرد بنجي. إذ تروى الاحداث والحوارات والانطباعات والافكار بدقة وبلغة سليمة نحوياً. جدير بالملاحظة هنا أفتقار الجمل الفردية الى الأتساق وأمتناعها عن الأندماج لتشكيل وحدة معنى اشمل(55). ويبدو ان الجمل تسير في اتجاهات متعددة دون ان تحقق ابدا الفهم الذي تصبو الى تقديمه. تخلق هذه المؤشرات غير المتكاملة أنطباعاً مفاده ان ’الحبكة‘ هي في سيرورة التشكل، الا انها تعاني تفككاً متواصلاً. يمثل هذا الانطباع اساسا مساهمة القارئ، وذلك لان بنجي يعرض تشظيات حواره الداخلي كما لو كانت جزءا من سيرورة أظهار-ذاتي. وفي واقع الامر، ان سلبيته في هذا الجانب هي التي تحفز القارئ لرغبة الاخير في فهم سبب تداعي تلك السنوات الثلاثين من الحياة التي يستطلعها بنجي بهذه الطريقة في اللحظة التي يتصورها فيها.
يمد المؤلف يد العون مرة اخرى من خلال كتابة مقاطع معينة من الحوار الداخلي بحروف مائلة لاظهار الفروق في الزمن التي قد لا تكون واضحة في الحالات الأخر. الا ان الأيضاح يسهم، على نحو مفارقي، في ترسيخ حالة الفوضى هذه. يلاحظ في حوار بنجي أنقسام ثلاثة عشر مشهدا من ثلاث عشرة مدة زمنية مختلفة الى مئة وست جزء(56)، ويبين تجاور هذه الأجزاء عشوائياً بعضها الى جانب بعض، بالنسبة لبنجي، وجود كل شيء على مستوى زمني واحد. وكما تعمل الجمل المتكاملة على تأكيد أفتقارها لأي مضمون متكامل، فإن التقسيم الزمني يظهر بوضوح غياب أي مفهوم حول الزمن.
وهنا، يلاحظ مرة اخرى الأثر الذي يحدثه ذلك في القارئ، إذ يبدو ماضي بنجي حركة متواصلة ولكنها أعتباطية ناتجة عن سلسلة من الانطباعات ومرتبة زمنياً على نحو دقيق، وفي الوقت نفسه، خاطئ. اطلق بعض النقاد على ذلك تسمية حركة "تيار الوعي"(57)، الا ان مصطلحاً كهذا يبدو مضللاً لاشارته ضمنا الى اتجاه ما-تيار منساب من الماضي إلى المستقبل. في واقع الأمر، هذا لا يُمثل الطريقة التي تقدم بها الاحداث في الحوار الداخلي، بل على العكس من ذلك، علينا ان نعكس اتجاه هذا التيار، لان ما يؤثر في الادراك الاسترجاعي للشخصية هو حصرياً الاحداث التي تقع في
الحاضر او في المستقبل. وهذا بدوره يؤدي الى تعبئة الذكريات من جديد وأسباغ أهمية متباينة المستوى عليها.(58).
هذا حتماً ما يحدث لبنجي(59)، عندما يرى في بداية حواره الداخلي بعض لاعبي الغولف عبر سياج الحديقة(60). ويسهم الحاضر في تحريك عجلة الماضي ليمنحه مظهرا مختلفا عن ذي قبل، لأنه أستثير بأمر ما لم يكن موجودا في ذلك الوقت. وهذا هو السبب في إن الحوار الداخلي يعرض تغييراً متواصلاً لما يتم أستذكاره. الا ان الامر مختلف مع بنجي، اذ لا توجد صلة زمنية، ولذا، تمتد ذكرياته عن الثلاثين عاما الماضية من حياته وانطباعاته عن السابع من نيسان 1928 على مستوى واحد. وفي حالة أحجام المؤلف عن تزويدنا بأية اشارة تمكننا من التمييز بين هذه الذكريات، يستحيل غالبا معرفة ذلك من الحوار الداخلي وحده.
ونظرا لعدم قدرة ادراك بنجي على التمييز بين الماضي والحاضر، فلا يتشكل أي جانب من جوانب حياته، وتبعاً لذلك، لا يتأثر أحدها بالآخر. إن الافتقار الى أي تفاعل كهذا فضلاً عن اللاهدفية التي كُدست بواسطتها الاحداث يضفي على هذه الاحداث اكتفاءً ذاتياً استثنائياً. ويبدو الامر هنا وكأننا في مواجهة مع "مواد خام"(61) للواقع تنتظر تجميعها في شكل حيوي مميز. تضم هذه المواد الخام بالتأكيد الملامح الأولية للقصة التي تتطور على نحو متواصل في الرواية. يسفر هذا التطور عن اختزال تدريجي لثراء الحوار الداخلي لبنجي، بحيث تبدو القصة بعد الكشف عن
محتوياتها في الجزء الرابع تافهة تماماً.
يوحي الحوار الداخلي لبنجي للقارئ، بفضل الاشارات التي اقحمها المؤلف في النص، بأنطباع مفاده انه لا يستطيع أدراك واقعية هذا الحوار (ومن ثم الواقع بأكمله عند هذه المرحلة) الا بوصفه تشظياً متواصلاً ومتملصاً. يتحقق هذا التأثير بطرق عدة، اولها واهمها ما يتعلق بحقيقة إن هذا يمثل شكل من التصور خالٍ من أي وعي نشط. إذ يتمتع بنجي بقدرة حسية ضعيفة أساسا للتمييز بين الاشياء والناس في بيئته. وفي حالة افتقار افعال الادراك التنسيق المطلوب، فإن الظواهر المدركة ستتفكك باستمرار، وستنعدم المسافة بين المشاهد والاشياء المشاهدة، وهذه المسافة اساسية
اذا اراد الشخص التحلي بالقدرة على رؤية الاشياء من حوله. "الادراك هو تحديداً ذلك النوع من الفعل الذي لا يمكن معه التفكير بفصل الفعل ذاته عن الغاية التي يصبو لتحقيقها. وللادراك والمدرك الحسي بالضرورة الشكل الوجودي نفسه طالما ان الادراك الحسي، جزء لا يتجزأ من الوعي الذي يمتلكه او بالاحرى نيل الشيء ذاته. لا يمكن اختزال الرؤية الى افتراض مشاهدة مجرد الا من خلال تمثيله بوصفه تأملاً للأوجه المتغيرة والمفتقرة للثبات"(62).
يمكن تطبيق تحليل ميرلوبونتي مباشرة على بنجي، اذ انه يهتم حصراً بالادراك الحسي ويسجل فقط الملامح العابرة لأناس لا يستطيع تمييزهم الى شخصيات، رغم ثروة التفاصيل التي يوفرها عنهم. وفي الحقيقة، وعلى نحو مفارقي، تفتقر هذه الشخصيات الى ما يميزها بالضبط بسبب توفر كل هذه التفاصيل عنها، وذلك لاكتسابها واقعاً محدداً تداخل بشدة في حالة ضبابية تامة من خلال فوضى المعلومات المتملصة وغير لمترابطة(63). بوسع المرء ان يستنتج من ذلك ان مقدار الخبرات والتجارب التي اكتسبها بنجي اكبر مما يمكن لبنجي أدراكه. الا إن ما يختبره بنجي ينعكس في الوجود وخارجه، ويعود السبب في ذلك الى أفتقاره التام للوعي الذي يعد المتطلب الاساس بالنسبة لنطاق الأدراك الشامل من الادراك الحسي الذي سيضمن توفير نمط لهذه التجارب. وهذا هو السبب في إن إندماج مدركاته الحسية الواحد ضمن الاخر يُجسد بأعتباطية واضحة كهذه .
إن هذا الاختزال الى الادراك الحسي اللافكري يقود القارئ الى الشعور بوجود أشياء أخر في الاشكال والحالات المتشظية تفوق قدرة رؤية بنجي المحدودة على تصويرها. وهكذا، يجد القارئ إن هناك هاجساً خفياً ما يدفعه الى أكتشاف الطريقة التي تناسقت بها الاشياء لكي يحظى بنظرة اشمل، النظرة التي توفرها له عادة الروايات التي حرم منها من خلال سرد الشخص الاول لبنجي. وبهذه الطريقة، يضطر القارئ الى تنشيط عقله الواعي، ليحل محل تعويض الوعي الذي يفتقر اليه بنجي. يسهم ذلك في مساعدة القارئ على اختبار منظور بنجي لا من الداخل فحسب– عبر بنجي- بل من الخارج أيضا، في أثناء محاولته فهم بنجي. ويبدو الامر كما لو أن حياة بنجي، التي تزوغ باستمرار عن فهمه عبر تهويمات ادراكاتها الحسية، تكتسي لاواقعية السراب ،رغم جهل بنجي بذلك، وذلك لأن القارئ وحده سيحمل على كاهله عبء هذه الخبرة ،أما بنجي فيتمتع بحصانةٍ فطرية ازاء تبصرات كهذه.
يُسحب القارئ، عند تحيين الحالات التي لا يكون بنجي واعيا لها، الى داخل السيرورة السردية، ويحفز للتعبير عن مجموعة واسعة من ردود الافعال، ومهما تكن طبيعة ردود الافعال هذه ( يعتمد ذلك على مزاج القارئ الفرد)، يجد القارئ نفسه عنوةً في خضم تجربة غير مألؤفة له أطلاقا، والأثر المباشر الذي تخلفه هذه الخبرات يتمثل في خلق حالة من التوتر. إلا أن حالات التوتر هذه تحتاج الى ما يخفف عنها، ويبدو أن ذلك ما تعد به حوارات أخوة بنجي. ونظرا لافتقار ادراك الابله للوعي – الفعل الذي هو "بالتحديد الانتقال العنيف من ما أملكه الى ما أسعى لامتلاكه، مما أنا عليه الى ما أنوي أن أكون عليه"(64)- فمن الطبيعي أن يفترض المرء قدرة الوعي النشط على توفير جميع حلقات الوصل المفقودة .
في واقع الأمر، يقدم الحوار الداخلي التالي الشخصية الوحيدة في الرواية التي تحظى بوعي متطور وفعال. الا أن توقعاتنا بالنسبة لهذه الشخصية لا تتحقق– وحتى لو تحققت- لربما توجب علينا القول ان الصخب والعنف كانت رواية سيئة، وذلك لأنه عندما تخف حدة التوتر وتتأكد افتراضات القارئ، فانه حتما سيفقد الاهتمام بالرواية. يحدث ذلك في حالة أدراكنا إن الذاتية المختزلة الى مدرك حسي لا تعدو كونها فانطازيا مجردة من الواقع الخاص بها، ولكن بدلا عن ذلك، نجد أنفسنا في مواجهة ذاتية واعية تماما، ولكنها ما زالت، في تأملها لذاتها، غير قادرة على أثبات هويتها. نتيجة لذلك، ليس ثمة ما يخفف من وطأة التوتر الناتج من حوار بنجي، بل إنه يتفاقم.
يبدأ سرد كوينتاين بتأمل حول موضوع الزمن، الذي يعمل حلقة وصل غير مباشرة مع العالم المفكك، اللازمني لبنجي. وهنا يبدو أن الترتيب الزمني، عند النظر اليه للوهلة الاولى، يضمن تماماً امكانية صياغة تشكيلة مذهلة من هذه المدركات في خبرة متسقة لها القدرة على مراقبة الذات، ولكن السؤال المطروح هنا هو هل أن غياب علاقة زمنية كهذه يمنع الذات بالضرورة من موضعة نفسها؟. واذا كان الامر كذلك، فإن الزمن يتمتع بدلالة مستقلة عن الذاتية. ولهذا السبب، يُعنى حوار كوينتاين بالاتكال المتبادل بين الزمن والذاتية.
فعندما يستيقظ في صباح الثاني من حزيران 1910 وينظر الى الساعة، فانه يتذكر ما قاله له والده حينما أعطاه الساعة:
انها ساعة جدي لأبي وحينما أعطاني والدي إياها قال لي، ’كوينتاين أنا أعطيك معقد الأمل والرغبة؛ وأغلب الظن، وهذا بالطبع مؤلم تماماً، أنك ستستعملها للحصول على دليل غير مباشر عن مجمل الخبرة البشرية التي لن يكون مستوى تلبيتها لحاجاتك الفردية بأفضل من تلبيتها لحاجات جدك او لأبيه. لا أمنحك إياها لتذكر الوقت، بل ربما لتنساه بين الحين والأخر لبرهة من الوقت، ولكي لا تقضي حياتك في محاولة التغلب عليه، لانه ، كما قال، ليس هناك معركة رابحة. بل أن هذه المعارك لم تُخض أصلاً؛ وان ساحات الوغى لا تكشف للإنسان سوى عن حماقته ويأسه، اما الانتصار فهو وهم الفلاسفة والحمقى(65).
ينظر الى الزمن هنا من وجهات نظر مختلفة؛ فهو بوصفه معقداً للأمل يحبط تحقيق الرغبات، وبوصفه دليلاً غير مباشر لمجمل الخبرة البشرية إنما يكشف عبثيتها التي يمكن التغلب عليها مؤقتاً بمواصلة السعي لتحقيق الأهداف البراغماتية، وبوصفه فرصة للنسيان، فإنه يوفر متنفساً للحاجة الى التغلب عليه؛ وبوصفه ساحة قتال، انما يكشف عن عقابيل أحلام الإنسان ومُثله السامية. واذا كان للزمن هذا التنوع المذهل في المعنى، فإن السبب لا يكمن فيه (أي الزمن) بل في الاغراض المسقطة عليه. وكما قال الأب، فما زال للزمن طابع الكيان المستقل رغم العلاقات الوثيقة التي تربطه والمقاصد البشرية؛ وهذا يعني تحريضاً مستمراً على أستثارة اشكال لا حصر لها من ردود الفعل لدى أشخاص تأرقهم مشكلة الزمن.
تعد دقات الساعة المستمر تعبيراً حياً عن استقلالية الزمن التي تقاس بمصطلحات ميكانيكية لابشرية. ويوحي انتظام الدقات بالتعاقبية التي يرتبط بواسطتها الماضي والحاضر: انه يخلق في الذهن، على نحو متواصل، مسيرة الزمن المستمرة والمتوارية عن الأنظار(66). يعتقد الأب إنه لو عاد الزمن بالمرء الى الوراء لفترة كافية، فانه سيرى المسيح والقديس فرانسيس يتمشون ثانيةً(67). ولو عد الزمن بوصفه حارساً للـ ’خالد‘ أو لما لا يمكن فقدانه، فإن ذلك يعني أن الزمن ذاته غير ذي أهمية، بل المهم هو الاحداث المدونة فيه؛ وهذا يعني، بكلمات أخر، أن الزمن عامل خارجي تماماً. ربما تفتقر استنتاجات كهذه الى المصداقية بالنسبة للاب – لأن كوينتاين يتذكر عبارتين إضافيتين تشيران الى التقسيم بين الزمن وما يحدث فيه؟ قال الاب ان المسيح لم يصلب، لقد مزقته الطقطقات الدقيقة للعجلات الصغيرة(68). واذا كان الزمن كياناً مستقلاً قابلاً للقياس كسيرورة ميكانيكية فحسب، ويتسامى على كل شيء يحدث فيه، فأن وجهة النظر هذه حول صلب المسيح غير عبثية ولا مرفوضة تماماً؛ لأستحالة تبيان إستقلالية الزمن عن الحياة الا بأظهار لامبالاته بها. وأخيراً، يتذكر كوينتاين: قال الاب ان التأمل المتواصل لوضع الايدي الميكانيكية على قرص الهاتف الاعتباطي هو أعراض وظيفة الذهن. وقال الاب ان الغائط شبيه بالتعرق. وأنا أقول حسناً (69) فإذا كانت الايدي المنزلقة على قرص الهاتف تحدد نشاط الذهن –إذاً – سينشغل الانسان باستمرار بالمفاهيم التي يثيرها الزمن. فالزمن قوة ملازمة لحركة مماثلة في حتميتها لحتمية الوظائف التي تؤديها أعضاء جسم الانسان. ومع ذلك، فالزمن حاضر فقط بوصفه فكرة شخص ما حوله، وكثيرة هي افكار الاب حول الزمن، أفكار يتذكرها كوينتاين حينما يستيقظ في آخر صباح له من حياته.
ان الموقف بالنسبة لكوينتاين مختلف تماماً؛ من حيث العطب الذي أصاب عقارب الساعة، إذ يشعر أحياناً بالأنزعاج من دقاتها (70). واحياناً أخرى يقلب وجه الساعة الى الأرض، ويقرر في النهاية أصلاحها71. وأزاء خلفية أفكار الأب، ربما يُعد هذا القرار مجازاً اولياً، الا إن رغبته بتصليح الساعة ما زالت متماثلة من حيث طبيعتها المؤقته مع وجهة نظر الاب القائلة أن على المرء محاولة التغلب على فراغ الزمن من خلال تكوين تصورات عيانية براغماتية عنه.
تتزامن الرحلة الى مصلح الساعات مع الحوار الداخلي لكوينتاين الذي يُمحى فيه التقسيم بين الزمن بوصفه كياناً متسلسلاً مستقلاً والمفاهيم التي يثيرها. وكما في الحوار الداحلي لبنجي، فقد أقحم المؤلف عدداً من الإشارات الواضحة التي تكشف ثلاثة سيرورات متداخلة مختلفة. إذ يشير المكون النحوي الاعتيادي والمقاطع الفردية المكتوبة بالإيطالية وبالنمط الاعتيادي الخالي من أي تنقيط الى الطبقات المختلفة من الوعي الذي يتبين منه تحيين كوينتاين لماضيه وحاضره. تتناول المقاطع المكتوبة بالايطالية وتلك الخالية من التنقيط، على نحو رئيس، ذكريات كوينتاين حول الأحداث التي وقعت ضمن الأوساط العائلية. واستعملت صيغتي العرض المختلفة حسب نمط الاحداث الموصوفة وأهميتها، مثال على ذلك، أستعمال المقاطع بالحروف المائلة عموماً للحالات غير المعالجة والحوار الداخلي غير المنقط للاحداث الخارجية. ورغم الأختلاف البين بين هذه المقاطع بفعل أختلاف أسلوب الطباعة، فأنها عادةً ما تتداخل فيما بينها، قاطعةً بذلك تعاقبية الماضي والحاضر. وتعمل رحلة كوينتاين في القرية بوصفها محثاً عشوائياً لاستثارة المواقف الماضية التي تسهم بدورها في أطلاق العنان للتأملات التي تتخطى حدود مواقفه في الحاضر.
ويكشف هذا التفاعل بين المستويات المختلفة النمط البنيوي للحوار الداخلي الذي أتضحت ملامحه الأولى في القسم الخاص ببنجي. ويعمل الحاضر على تحيين دوافع سابقة معينة من الماضي، التي تبدو غريبة ومتشظية لانها لا تحتفظ بشكلها الأصلي حين عرضها، بل تخضع لتأثير الحاضر وتعمل في سياقه. ان انقطاع الماضي هو علامة التغير الحتمي الذي لا بد أن يخضع له أثناء اعادة تجسيده – نظرا لتلقيه أضافة جديدة لم تكن موجودة في ذلك الوقت، وهذا يؤدي الى فرض نظام يتجاهل الظروف ويقوض السياق الذي ساد في الأصل.
للزمن، في هذه السيرورة، جشتالت مختلف عن ذلك الذي منحه اياه والد كوينتاين، أذ لم يعد قوة ثابتة مستقلة تنساب من الماضي الى المستقبل وتجمع في طريقها كل الاجوبة عن كل المسائل التي يطرحها؛ بل يكتسب، عوضا عن ذلك، شكلاً من خلال ذات بحاضر يضحى ماضياً على نحو مستمر ويستبدل بحاضر جديد ذا طبيعة زائلة أيضاً. لذا، لا يمكن تصور الزمن، بشكله هذا، الا في ضوء الحاضر العامل على الماضي؛ إنه سيرورة تغير متواصلة وذا طابع مشكالي غالباً مع سلسلة لا تنتهي من الماضويات التي تكتسب شكلها من خلال كل حاضر فردي. فحالما يُتذكر شيئاً ما، فانه يتغير بناءً على الظروف التي تم تذكره بها، إلا أن التغير الناتج في الماضي يصبح ماضياً ذاته، ماضياً يمكن تذكره وتغييره مرة أخرى. تصوغ العلاقات الوثيقة بين الزمن والذاتية بنية الحوار الداخلي لكوينتاين. إن الخصيصة المميزة للزمن هي تشكيله لنفسه باستمرار في الوقت الذي تجرب به الذات الحاضر الذي يواصل أنسيابه والذي يمكن تحيينه من جديد. فالذات تخلق الارتباطات بين ما يكون وما كان وهذه الذات تظهر للوجود بواسطة هذه السيرورة تحديداً. ولكن، ولانكشاف مجمل الخبرة، على نحو متواصل، على حاضر او مستقبل جديد، فانها ستكون في حالة من التدفق المستمر، لذا لا يمكن أبداً فهم ما تمت تجربته تماماً، وما تم فهمه لا يتزامن على نحو كامل مع ما يشكل الذات.
يسهم افتقار الحوار الداخلي لكويناين الى الأتساق في أيضاح هذه الأمور. فضلاً عن ذلك، يسهم الشكل المتشظي للحوار في أيصال حقيقة أساسية ومهمة مفادها أستحالة تشكيل الماضي والحاضر على نحو متكامل. إذ يدحض الزمن كل تنظيم مبدئي، كما يكشف الزمن بوصفه حاضراً جديداً الطبيعة المؤقتة والسريعة الزوال لاي تركيب كهذا. وتعد الذاتية الطريقة الوحيدة التي يكتسب بواسطتها الزمن شكل الماضي والحاضر والمستقبل. والذات ليست متلقياً سلبياً لمثل هذه السيرورة، بل أنها، في واقع الأمر تؤطرها. اذن مع أي من حالاتها يمكن تمهية الذات؟ هل هي الذات التي نشأت في ظروف الماضي؟ أم هي الموجودة في هذه اللحظة من الحاضر؟ او انها، ببساطة، تلك القوة التي تبتكر ارتباطات جديدة وعلاقات زمنية باستمرار ولكنها، في الوقت نفسه، تقحم كل واحدة من تمظهراتها المرئية في دوامة التغير المتواصل؟ الذات غير قادرة اساساً على الاكتمال، وهذه الحقيقة تفسر عدم كفاءتها، وفي الوقت نفسه، ثرائها. وتعد حقيقة أدراكها عجزها عن معرفة ذاتها بشكل كامل السمة المميزة لوعيها(72).
يصف كوينتاين على نحو متكرر مواقفه وافعاله بوصفها ظلالاً يتمشى خلالها او أنها تسرع الخطى امامه(73). الا ان هذه الظلال هي واقعه الذي يضم زمنية الذاتية الحاضرة في كل خبرات الذات وفي الترتيب المتغير الذي تنساق له هذه الخبرات أحياناً، وأحياناً أخرى تتجاهله بمرور الوقت. والذات ليست ثابتة أبداً، ولهذا السبب لا يكتمل أي تمظهر من تمظهراتها؛ وعلى الرغم من أنها الوحيدة القادرة على تشكيل ماضيها وحاضرها، ينتاب المرء شعور غريب بلاواقعيتها. يتأمل كوينتاين هذه الظاهرة في الجزء الاخير من هذا الحوار الداخلي، أذ يقول " احياناً اخلد الى النوم قائلاً ذلك مراراً ومتكراراً حتى، يصبح الأمر برمته، بعد تداخل عبق الرحيق به، رمزاً لليل والقلق، وابدو وكأني ممدا لا انا بالنائم ولا باليقظ انظر الى الممر الطويل بأضوائه المعتمة الكئيبة الذي اصبحت فيه كل الاشياء المستقرة متضادة على نحو غريب وذا طبيعة وهمية على نحو ساخر وإن كل ما فعلته هو ظلال وكل ما شعرت به هو الألم الذي يتخذ شكلاً مرئياً غريباً وشريراً وساخراً بلا مبالاة متأصلة في حد ذاتها مع انكار الدلالة التي كان ينبغي لها أثباتها، معتقداً أني لم أكن ولم أكن الذي كنته ولم اكن هو في حد ذاته(74).
وبينما يدرك كوينتاين ان حياته الخاصة تتفكك الى ظلال وتسخر منه لانه أعتقد أنها ذات معنى وقيمة، تتضح حقيقة عجز الذات عن فهم نفسها بوصفها تشكيلاً لتمظهراتها. فضلاً عن ذلك، يفتقر الأعتقاد بوجود مسح شامل الى المنطقية، ومهما كانت درجة تلهف الذات لتجربة تأليه هويتها، فان وعيها الحقيقي يقاوم أي تقييد كهذا. ويتأمل كوينتاين هذا الامر قائلا: "انت لا تكذب الان، ولكنك ما زلت لا تعي ما في نفسك تجاه ذلك الجزء من الحقيقة العامة وسلسلة الاحداث الطبيعية ومسبباتها التي تظلل كل انسان وحتى بنجي، أنك لا تفكر بالمتناهي وانت تتأمل التأليه الذي تصبح
فيه حالة العقل المؤقتة متسقة أعلى الجسد وواعية لذاتها وللجسد(75). ولا تظهر الهوية بوصفه تأليها للجسد للوجود الا في حالة تمدية واحدة من الحالات المحتملة لتلك الذات، إي جعلها مادية. إن سبب هذه الرغبة، كما يتبين، هو مقاومة المتناهي، ولكن في حوار كوينتاين تنعكس الذات تحديداً في وعيها لتناهيها. اذن ما الهوية؟ بناءً على ما يمكن قياسه من حوار كوينتاين، فإنها التداخل المتواصل بين الافاق الزمنية التي تفتحها الذات وتقاطع المواقف والافعال وكمونية الحالات. تبرز الأثار التي يخلفها هذا الظرف في مشهدين يصفهما كوينتاين في اليوم الاخير من حياته، يسجل في اولهما رد فعله على محاولة تعقب سلوكه الى دافع معين، بينما يُُظهر ثانيهما ما يحدث عندما يتصرف المرء في الحاضر وفقا لافكار تكون صحيحة فقط في ظروف الماضي.
عندما كان كوينتاين سائرا في ضواحي بوسطن، تعقبته فتاة صغيرة(76). وكان يود التخلص منها ثم يقرر اصطحابها الى المنزل، الا ان الفتاة تجهل موقع اقامتها وهكذا يشرعان في التجول في الشوراع على غير هدىً، ومع ذلك، فذهنه مشغول بغرض محدد ينوي تحقيقه، اذ توقظ الرغبة بالتخلص من الطفلة في كوينتاين ذكرى القلق الذي كان يساوره في الماضي حول اخته كادي. في ذلك الوقت، كان يود إن يحظى بحب كادي بينما يود حاليا التخلص من الطفلة. تسهم هاتان الرغبتان المتناقضتان في تغيير اتجاه الماضي فضلاً عن تسليط الضوء على الحاضر. جدير بالملاحظة هنا التداخل بين أصرار الطفلة المتعنت وعلاقة كوينتاين المؤلمة مع الاخت، لينشأ بذلك موقف جديد تصبح فيه مواقف الماضي والحاضر مجرد ظلال. فما كان واقعياً وما هو، حاليا، واقعي يكتسب، خلال تداخل الاحتمالات هذا، طابعاً لاواقعياً. ومع ذلك، فان الافكار التي تشغل كوينتاين حاليا مستمدة مباشرة من ماضيه وحاضره. وهكذا يمكن تنظيم الحياة وفقاً لقواعد جديدة؛ رغم حدوث ذلك على حساب واقعيتها التي تزداد غموضا مع مرور الوقت. وعندما نعرف، في نهاية الامر، أن كوينتاين هو أخو الفتاة، إذ يتم أقتياده الى مكتب الشريف الذي يتهمه بسوء النية، فأنه يرد على كل ذلك بنوبة ضحك
هستيرية (77)، وذلك لاعتقاده إن اختزال افكاره المتعددة الى دافع مفرد، لا سيما الى هذا النوع من الدوافع، هي مسألة سخيفة تماماً. وفي واقع الامر، فان افتقار كوينتاين الى الدافعية هو الذي يمكنه من الاشتراك في سيرورات الوعي تلك التي تبين حركته المتواصلة بين حالات المستقبل والحاضر والماضي المحتملة.
وعلى نحو مماثل، يبدو تصرف كوينتاين في الحاضر بطريقة تكون، في أفضل الحالات، ملائمة لمواقف في الماضي، أمر سخيف تماماً. وهذا ما يحدث في المشهد الثاني. اذ يتشاجر كوينتاين، في حالة من حالات الذهول، موجهاً ضربة الى صديقه جيرالد(78). يبدأ الشجار بمسألة عرضية تماما، الا انها ذات اهمية قصوى بالنسبة لكوينتاين: أي وجود اخت له(79). يمس هذا الموضوع وتراً حساساً في حياة كوينتاين، حيث يظهر جيرالد فجأة منافساً له على حب كادي، ولهذا السبب ينفذ انتقامه منه في وقت متأخر. ولكن ومن خلال السماح لدوافع الماضي بالسيطرة عليه، يتصرف كوينتاين على نحو عبثي في الحاضر. في اثناء الشجار، يزداد تسارع حواره الداخلي، بينما تظهر صور الماضي امامه من مسافة قريبة جدا بحيث تصبح مشوهة ومشوشة. كما تتداخل في ذهنه الاحداث الحقيقية والخيالات المجردة، بحيث يمكن مزامنة الماضي والحاضر فقط بوصفه لاواقعية مطلقة. وهنا، تتأكد مرة اخرى خبرة كوينتاين. اذ لا يمكن احتواؤه في أي من تمظهراته الذاتية، وفي الوقت نفسه، فأن احالته الوحيدة هي أي من أجزائه التي تم تحيينها.
إن كل جشتالت شبيه بالظل لحياته يكون نتاجا لأساس لا يمكن معرفة طبيعته، ويتصل الظل بهذا الأساس بواسطة الزمن، الذي ينظر اليه بوصفه منتجاً وفي الوقت نفسه نتاجاً للذات. "صحيح اني لاحظت، خلال الزمن، أن الخبرات اللاحقة تتداخل مع الخبرات السابقة وتواصل تطويرها، ولكني لم اتمتع قط بامتلاك نفسي لنفسي بصورة مطلقة، طالما ان فراغ المستقبل هذا يعاد ملؤه المرة تلو الاخرى بحاضر جديد. ليس ثمة شيء مرتبط بدون صلة وبدون موضوع، ولا وحدة بدون أتحاد، ولكن كل تركيب يجري تدميره ومن ثم بناءه من جديد بواسطة الزمن بعملية واحدة فحسب، عملية تثير التساؤلات حوله وتؤكد وجوده لانه ينتج حاضراً جديداً يُديم الماضي(80).
لا يلبي حوار كوينتاين هذا التوقع الذي برز في الجزء الاول من الرواية، والمتعلق باحتمالات مساهمة الوعي النشط في احداث التكامل بين الذات والعالم. وعلى الرغم مما يتسم به الحوار من مستوى عالٍ من الوعي، فان ذلك لا يؤدي سوى إلى الكشف عن غموض الذات، التي هي اساس وظلٌ لذاتها. وتتحقق هذه الحالة فعليا بواسطة زمنية الذات.
بعد الانتهاء من مناقشة حوار كوينتاين، ربما يرغب المرء بمعرفة الطريقة التي ستجمع بواسطتها شظايا القصة، وفي هذه اللحظة بالذات، حيث تبدو أحتمالية الفهم المطلق مستحيلة، يوفر حوار جاسون للقارئ فرصة الرؤية الشاملة التي حُرم منها حتى الان. فمن الامور المميزة لجاسون ما يتصل بالطابع الحاسم لافعاله، التي يمكن عدها، للوهلة الاولى، الحل الذي طال انتظاره لاشكاليات الذات. الا ان لاأتساق الحوارين الداخليين الأولين قد ألغى سلفاً فكرة أنهما مكملين لبعضهما البعض. تبعا لذلك، ينبغي التعامل مع فكرة إنَ الجواب يكمن في الفعل بأقصى درجات الحذر.
وعلى الرغم من تملص حوارات بنجي وكوينتاين من الخبرة اليومية للقارئ، فأنها ما زالت تمارس تأثيراً على مشاهدته متى ما اكتسب درجة نأي مناسبة عن الاحداث. والان وبعد إن وجد أمامه نصاً واضحاً، على ما يبدو، فان مقدار أهتمامه بالحل لن يكون موازياً لأهتمامه بالظروف التي أسهمت في نشوء حسم كهذا. وهكذا، تعمل الخبرات الكمونية للحوارين الداخليين الاولين في زيادة حدة الملاحظة النقدية للقارئ، مبتكرة بذلك خلفية جديدة سيحكم ازاءها على افعال جاسون الواضحة .
يتميز حوار جاسون ببساطة تكفي لفهمه: اذ تمتاز الاحداث التي يصفها بالأتساق فضلاً عن وضوح صياغة الروابط فيما بينها. الا ان هذا الوضوح لا يتماثل مع التبصر او الرؤية الثاقبة للاحداث- بل على العكس من ذلك: اذ يسهم أتساق سرد جاسون في أختزال ثراء العالم المبين في أقسام الرواية الخاصة ببنجي وكوينتاين. يرى جاسون إن الاشياء تنتظم وفقا لافكاره، اذ يتوجب عليه اعالة عائلة كومبسون، ولهذا السببب تحديداً، يميل الى إن يكون براغماتياًً. الا ان هذه الحقيقة لا تكفي لتفسير موقفه حيال العالم الذي يسهم في أكتساب الحوار الوضوح التام. وعلى نحو مغاير
لكوينتاين، ليس لجاسون القدرة على تأمل الاشياء، ويتجلى ذلك بوضوح عندما يحاول أثبات وجهة نظره الشخصية. فمتى ما اراد جاسون وصف مواقف حرجة واجه فيها معارضة لآراءه ، فانه يعمد، ببساطة، الى تكرار ما قيل في ذلك الوقت، مفترضا أنه ذلك سيسهم في دعم رأيه. ويعد تكرار الشخص لكلماته لتأكيد صحة ما قيل احد سمات السرد البدائي. وللعثور على وسائل تعزيز اخرى، ينبغي على المتحدث تجاوز ذاته لكي يتمكن من رؤية لحظات الازمة من وجهة نظر مختلفة. الا إن نمط السرد عادةً ما يتخذ شكل الحوار الداخلي، وحتى عندما يكون سرداً واضحاً بضمير الشخص الاول، يبقى جاسون الحَكَم الوحيد على نفسه. أن أصرار جاسون على صحة ارائه توحي بعناصر التوتر الملازمة للعلاقة بينهُ والعالم من حوله، الا ان جاسون لا يدرك ابداً مسببات حالات التوتر هذه، رغم توقع المرء معرفتهُ لها في ضوء المعارضة العنيفة التي يواجهها. ما زال جاسون يعتقد تماثل العالم مع المفاهيم التي كونها عنه. وهذا هو المفتاح الرئيس لتفسير الطابع الحاسم الذي تتحلى به أفعاله فضلاً عن غموض هذا الطابع. واذا، أغري المرء، أزاء خلفية حوار كوينتاين، لرؤية الفعل بوصفه منفذاً للخروج من "دوامة التفكير الكئيبة هذه"، فان حوار جاسون يكشف عن النتائج الناجمة عن نواحي القصور في شخصية الفاعل. وبهذا الصدد، تبين أحد ملاحظات كوينتاين المهمة هذه الشروط المسبقة للفعل. إذ صادف في أثناء تجواله في شوارع بوسطن مجموعة من الأولاد يحاولون اصطياد سمكة من نوع تراوت في بركة ماء في الوقت الذي ينهمكون فيه بمناقشة حيوية حول الشيء الذي سيبتاعونه بثمن صيدهم الذي لم يحصلوا عليه حتى الآن. يقول كوينتاين "انهم يتحدثون مجتمعين، بأصوات لحوحة، متناقضة وعجولة، وهم بهذا يجعلون من اللاحقيقة أمراً ممكناً، وبعد ذلك محتملاً، ومن ثم حقيقةً لا يمكن دحضها، تماماً كما يفعل الأشخاص عندما تصبح رغباتهم كلمات(81).
يريد جاسون الان خداع ابنة خاله، أي أحد أفراد اسرته، والاستيلاء على المال الذي ترسله اليها أمها(82). ويمثل هذا القصد وتحقيقه النقطة المحورية في سرده. هذا هو الدافع الرئيس وراء أفعاله والذي يفسر الطابع الحاسم لسلوكه، الذي يفسر بدوره الأتساق الذي يتميز به سرده. إذ بينما تصبح رغباته "حقائق حاسمة-لا جدال فيها"، تختفي، على ما يبدو، الفجوة ما بينه والعالم. إلا أن "حقائق حاسمة كهذه تنطوي على عنصر توهم قوي، يعبر عنه في حوار جاسون بأسلوبين، أولهما، انه غير مدرك لنفسه، لأنه يعجز، نتيجة فقدانه القدرة على تحقيق أي نأي نقدي عن نفسه، عن تمييز نفسه في مرآة أحكامه الخاصة؛ فهو يكره المحتالين، وهو واحد منهم، ويخدع ابنة خاله بسبب سلوكها اللاأخلاقي ويتماثل معها في لاأخلاقية سلوكه، ويعكس الفرق الكبير بين حكمه على الآخرين وحكمه على نفسه الصفة الوهمية لسلوكه. وثانيهما، يكتشف جاسون إن العالم حوله لا ينظم نفسه وفقاً لأفكاره. وهكذا يزداد موقفه صلابةً وحسما، إلا أن ذلك لا يؤدي إلاَ الى تسارع خطى فقدانه السيطرة على العالم من حوله. كما ازدادت حدة شعوره بالإنزعاج مع استمراره في الحديث، لأنه يجد نفسه، نتيجة أفعاله الشخصية، متورطاً في مواقف يضطر فيها الى الاعتماد على الآخرين.
وكلما تصرف بصلابة أشد، أضحت هذه المواقف أشد فوضوية، وهذا بالطبع سيدفعه الى القيام بأفعال اخرى اشد حسماً. يعد تماهي جاسون مع افكاره وهذه بدورها مع العالم السبب الرئيس في شعوره بالتبرم من معارضتها. الا إن محاولته التغلب على هذه المعارضة لا تؤدي إلاَ الى تعميق حدة هذه الفوضوية. يبين هذا الفعل المتهور وتلهف جاسون للسلطة الطابع الطوباوي لعملية التوسط بين ذاته والعالم ويتناسب ذلك مع الجهود المبذولة للقيام بتوسط كهذا. إذ إن مساعي جاسون تحقيق الانسجام التام فيما بينهُ وما يحيط به تضطره الى محاولة السيطرة على مجريات الأمور، وبقيامه بذلك، فأنه يسهم في أستحالة السيطرة عليها.
تنتهي رواية فوكنر بوصف المؤلف لليوم التالي لليوم الذي وصفهُ بنجي وجاسون، إذ ينظر الى أفراد عائلة كومبسون من وجهة نظر خارجية، محايدة، تركز بشكل أساس على الزنجية دلزي. يقول فوكنر عنها في الملحق الذي كتبهُ: "دلزي، لقد تحملوا"(83). وبهذه الكلمات، يربط المؤلف بين القسم الاخير من كتابه واحد المظاهر الرئيسة لفلسفته. "تحمل الألم" كلمة غامضة، تنطوي على دلالات توحي بالمعاناة والبقاء(84)، كما انها تشير الى خبرة العالم تلك التي تسبق جميع سيرورات التأمل، والتي لا يمكن أبداً فهمها بشكل كامل بواسطة ذلك التأمل. وهنا، وفي الجزء الاخير من الرواية، نلاحظ توسيعاً فريداً من نوعه للأجزاء السابقة: إذ مقابل هذه الخلفية، ينظر الى الأشكال السابقة المختزلة للذاتية بوصفها أنماطاً معالجة لخبرة العالم وفهمه، وهي، في الوقت نفسه، تكشف عن الأساس غير المعالج، الذي تتغذى عليه والذي يشكل بالنسبة لها " أحد انواع الماضي الاصلي، ماضٍ لم يكن حاضراً ابداً(85). يظهر هذا التفاعل بين العوالم المعالجة وغير المعالجة واضحاً للعيان بطريقتين. في الجزء الرابع، ثمة تغيير في المنظور السردي الذي يحرر عالم اخوة كومبسون من قيود وجهة نظر الشخص الاول، مانحاً اياه بذلك امتدادا لا يمكن لأي من الحوارات تحقيقه أو حتى مقاربته. وينعكس هذا التفاعل ايضاً في المونولوجات ذاتها، التي تكتسب بعداً جديداً عندما ينظر اليها من هذه الزاوية. وتسهم صور الذاتية المختزلة التي توفرها الحوارات في تسليط الضوء على مظاهر رئيسة من الذاتية المهمة لتحيين الذات والعالم، ولكن أثناء التحيين هذا، والذي تدخل الذات، في أثنائه، في علاقة مع نفسها او مع العالم يزداد عنصر التفكك وضوحاً، ويضحى بنجي ذاتية مختزلة الى الحواس، فلا تحتفظ بشيء سوى الأدراك بوصفه العلامة الفارقة الأدنى بين نفسها والعالم. أما قبضة الذاتية المهتزة فتدع الاشياء التي تحاول الأمساك بها تسقط. تبدو حياة هذه الذات في حالة متواصلة من التشظي الدينامي. ويكون كوينتاين ذاتية مختزلة الى وعيها، هذه الذات الذي يمكن لهُ الكشف عن غموض زمنيتها. يشيع هذا الوعي، لكمونيته في المواقف، حاضراً في جميع مظاهر الذات، وهو يكشف عن نفسه بوصفه طيفا من الظلال وذلك لان وجوده ’هنا وألان‘ يعوق وجوده الكامل في الـ ’هناك- وفيما بعد‘. وفي الختام، فإن جاسون هو ذاتية مختزلة الى فعل وهيمنة، وهي تسهم، من خلال التزامها بتحقيق أهدافها، في تعزيز الفوضوية الدينامية لما يحيط بها.
وهكذا، بواسطة أشكال الاختزال المختلفة هذه، يكتسب عالم اخوة كومبسون أنماطاً مختلفة، وتبين نواحي الأختلاف هذه أمكانية فهم الأنماط وأنقسامها، وهذا الأنقسام بالذات هو الذي يكشف عن الأساس غير المعالج للخبرة ، أساس لا يمكن ايصاله الا بهذه الطريقة لاحتمالات إساءة تفسيره بوصفه ايضاحاً لأمر ما آخر.
اذن من الأشكال المختزلة للذات وأنقسام أنماطهاالمعنية تبرز- وان حدث ذلك بشكل غامض- أعماق الذات الغامضة التي لا يمكن سبر أغوارها، المليئة بالصخب والعنف، والتي تشير….الى أمر ما.


3
لاتنبؤية الذاتية: كومبتون –بيرنت: تراث وتأريخه.


لا توجد صلة ، من الناحية التاريخية، بين رواية ايفي كومبتون بيرنت ورواية فوكنر، إذ تختلف أشكال العرض فيهما الى حد بعيد بحيث يبدو جمعهما تحت عنوان واحد، في بادئ الأمر، أمرا بالغ الصعوبة. فناثالي ساروت تنظر الى ايفي كومبيتون بيرنت بوصفها بشير القصة الجديدة (86) هذا من جانب. ومن جانب اخر، يستعين فوكنر بتقنية الحوار الداخلي، التي تطورت أثناء العقدين الأول والثاني من القرن العشرين، وأوصلها ذروة الأكتمال في العرض الذاتي للذاتية.
تتألف روايات كومبتون بيرنت من سلسلة متعاقبة من الحوارات، التي تفقد خلالها الكلمة الطابع الشخصي الحميم للحوار الداخلي. ويميل الحوار، من خلال محاولته المتواصلة التوافق مع الطرف الأخر، إلى استثناء الاستبطان الداخلي والتأمل الذاتي الذي يكشف بواسطته رواة الشخص الأول في روايات فوكنر عن أنفسهم. يكشف الحوار هنا عما تحاول الشخصيات إخفاءه او ما تعجز عن رؤيته، بحيث لا تترك سيرورة الاستكشاف الذاتي لشخص مستغرق بحواره الداخلي الخاص، ولكنها تتم بوساطة شخص اخر. هناك أوقات يكون عندها هذا الاستظهار وحشيا تماما، ولكن لان الشخصيات نفسها تبدو غير مبالية بالمواجهات المريعة غالبا مع ذواتها الحقيقية، يضطر القارئ إلى بذل ما بوسعه لفهم التمثيل الغامض لجهل هذه الشخصيات. تتحدث شخصيات فوكنر مع نفسها، ومن خلال قيامها بذلك، فانها تتوغل بعيدا في اعماق الذات غير المسكتشفة. أما شخصيات ايفي كومبتون بيرنت فإنها تتحدث مع بعضها بعضا لتكشف، على نحو سطحي، عن أسس الفعل والكلام المجهولة.
يترك الاستخدام المتواصل لشكل الحوار آثاراً قوية على السرد، وذلك لمساهته آلياً في وضع جميع الاحداث في حاضر مباشر، وفي الوقت نفسه، اعاقته وصف أي واقع خارجي. تبعاً لذلك، يختزل الوضع الاجتماعي الضروري لأصطفاف الماضي والحاضر الى الحد الادنى. لقد تلاشى وجود المؤلفة خلف الكلمات التي تنطق بها شخصياتها، وينحصر دورها في التعليق على الاحداث أو أيضاح بعض الأمور، وهكذا نحرم من أي خلفية أخرى عدا الجمل والعبارات التي تنطق بها الشخصيات. جدير بالملاحظة هنا خلو هذه العبارات تماماً من السياق، ولذلك، فهي مشحونة بعدة سياقات محتملة، وهذا يكسبها لانفادية غريبة ومحيرة. توفر هذه المقاربة إمكانيات متنوعة لتحيين الذات، التي سندرسها بالتفصيل بالاحالة على تراث وتاريخه (طبعت لاول مرة في 1959)(87).
يختلف شكل الحوار المستخدم في هذه الرواية في العديد من جوانبه عن الحوار الذي أعتدنا توقعه في الأعمال الدرامية. فقد عرف أنكاردن الحوار الدرامي كالآتي:
" المحادثة بين شخصين نادراً ماتكون اداة للاتصال فحسب، بل انها تُعنى، في واقع الامر، بشيء ما ذي أهمية اكبر، هو التأثير على الشخص المخاطب. إذ يمثل الكلام الموجه الى شخصية ما، في جميع الصراعات الدرامية، كتلك التي تقع في العالم الذي تقدمه المسرحية، شكل الفعل من جانب المتحدث الذي يكتسب أهميته الفعلية أزاء الاحداث التي تعرضها المسرحية فقط في حالة اسهامه في تطور الحدث المسرحي وتواصله(88). ومهما كانت درجة التضاد بين مواقف الشخصيات في المسرحية، فان الحوار يعمل الى حد ما على تنسيقها. ويبدو ان هذا التنسيق ذا الأهمية القصوى بالنسبة للحوار الدرامي يكمن في البيئة العامة للشخصيات في تراث وتاريخه، أي في طبقة مالكي الاراضي في بداية القرن العشرين. وقد ذكرت ايفي كومبيتون بيرنت بهذا الصدد: " لا اشعر باني املك أي معرفة حقيقية او فعلية بالحياة بعد حوالي العام 1910" (89) بيد ان الحوار في روايتها يعكس تصوراًً شديد التفرد عن هذه المدة التاريخية. ويميل شكل المحادثة الى أبهام اكثر منه أيضاح الأوضاع التي تعيشها الشخصيات في المجتمع الفكتوري. ورغم هيمنة أجواء العائلة والمعتقدات الفكتورية على الرواية برمتها، فإنَّ كلمات افراد العائلة وافعالهم تتجاوز باستمرار حدود ما كان يُعد مناسباً في ذلك المجتمع. ومن خلال مخالفة التوقعات الناشئة عن البيئة، يجذب الحوار الانتباه الى الدوافع اللامتناهيه للسلوك الانساني التي تبدو مستقلة عن تلك البيئة. وعليه، فأن الوظيفة التي يؤديها الحوار في الدراما، أي ايصال المواقف المختلفة والتأكيد على الاساس المشترك الذي يؤطر المحادثة، تتغير تماما هنا. تبعاً لذلك، تتضاءل أهمية الحوار الذي يصيغ الاساس المشترك-أي التقاليد الفكتورية بفعل العجز عن فهم أفعال وردود افعال البشر.
تبدو هذه الحوارات، للوهلة الاولى، غير محتملة بالنسبة للقارئ، لاختلافها الشديد عما سمعه قبل الأن. ومرد السبب في بروز هذا الانطباع يعود بشكل رئيس الى رفض المؤلف ربط التعرجات و الالتواءات غير المتوقعة للحديث . ففي الحوار الدرامي، تربط العبارات عادة بواسطة الغاية التي يسعى المتحدثون لتحقيقها، الا ان ما يحدث في رواية أيفي كومبتون بيرنت هو أن هذه الغاية تحديداً، ومن ثم الرابطة، يُهملان تماماً. ويبدو الحوار في بعض الاحيان وكأنه سلسلة من النتائج بدون مسببات. وهكذا يتوجب على القارئ اكتشاف أهمية هذه العبارات والردود المختلفة عليها.
يبدو واضحاً هنا ان القارئ سيدفع الى القيام بذلك فقط في حالة جعله يشهد حوار يتميز باختلافه عن الاشكال العادية والمألوفة للحديث، بحيث يُحفز ليشارك في الحوار بأنتباه. يتحقق هذا التحفيز بواسطة حرمان القارئ من المسافة الفاصلة الضرورية له لفهم الشخصيات. إذ يوضع القارئ على مسافة قريبة جداً منها بحيث لا يستطيع تمييز الدوافع الكامنة وراء ما تفعله الشخصيات لبعضها البعض، رغم إدراكه حقيقة ان هناك أمراً ما يجري. ولغرض التخفيف من حدة الشعور بالانزعاج، يضطر القارئ إلى أتخاذ موقف من نوع ما تجاه ردود الأفعال الغريبة للأشخاص الذين يقابلهم،
وهو، من خلال ردود أفعاله تجاههم، يشارك بنشاط اكبر في هذه الحوارات المتواصلة.
قد نتمكن من فهم هذه السيرورة بشكل اسهل لو تفحصنا تلك المقاطع التي تقترب، في واقع الامر، من تحقيق توقعاتنا العادية بشأن الحوار. وكما قال جي. أل. ستين ، فإن الحوار يوجه نحو " نهاية محددة سلفاً "(90). ففي تراث وتاريخه، يوفر الصراع الاتي هذه النهاية : يسهم سيمون شالونر بنفسه في القضاء على فرص تحقيق حلمه طويل الامد بالاستيلاء على الارث من عمه، يموت الاب، الا ان السير ادون يتزوج رغم كبر سنه، ويرعى سيمون الطفل الذي انجبته زوجة السيد ادوين. وهكذا، تزداد العلاقات بين الشخصيات تعقيداً، أذ تضطر هذه الشخصيات التي تسكن معاً الى التكتم عن نطاق واسع من النتائج الناشئة عن نقطة التحول الحرجة هذه(91). وبالطبع، لا تخلو الرواية من لحظات توتر شديدة تنذر بأنكشاف الحقيقة. في لحظات كهذه، تعد تكيف الشخصية مع الشخص الذي تتحدث معه، وتهدئة شكوكه، ومنعه من اكتشاف الحقيقة التقنية الأمثل(92). وحالما يتجه الحوار صوب هذه النهاية، فأنه يؤدي وظيفة درامية بحته: مناورة الشخص الاخر لوضعه في موقف محدد. بيد ان الاتفاقية، في هذه الحالة، المبنية على الرغبة في تحقيق هدف مشترك تتماثل مع قمع الحقيقة. وفي واقع الامر، فقد عبر السيد ادون عن هذه الحقيقة: "لا ينبغي القيام بذلك". وقال عمه "علينا نسيان
الحقيقة. ينبغي عدم أبقائها خفيةً تحت السطح على أهبة الأستعداد للهروب"(93) .
اذن، يعد نسيان الحقيقة شرطاً مسبقاً للتوصل الى اتفاق، ونظراً لتورط جميع الشخصيات في هذا النشاط المريب، ينشأ بينها ارتباط تمليه الاعتبارات الاجتماعية التي يمكن أجمالها بالتقاليد. وعندما تصل الازمة حول الاصول الحقيقية لابن السير ادون المفترض الى ذروتها، يقول الاخير:
" أن للحياة المتحضرة ثمن ينبغي دفعه. نحن نعيش بين المتحضرين".
" التقاليد هي ما تعارف عليه الناس ظاهرياًً، " قالت زوجته. "نعرف ان الحياة الطبيعية تقبع وراءها".
" نعلم ذلك، لدينا أسبابنا، إلا اننا لا نستطيع تجربة هذه الحياة. نحن نعلم عواقب القيام بذلك . واذا لم نكن نعلم، فبمقدورنا أن نتعلم"(94).
يسلط هذا التمييز بين التقليد والحياة الطبيعية ضوءاً جديداً على مظاهر الحوار التي نوقشت لحد الان: فاذا كانت الحاجة الى التقليد هي الاهم، فان أفعال الشخصيات ستؤثر في بعضها البعض، أما اذا كانت الحياة الطبيعية التي تقبع وراء ستار التقاليد الاجتماعية هي التي تملي عليهم ما يقولونه، فأن ردود أفعالها ستتصف بالتنوع الى حد بعيد.
تشكل هذه الثنائية بنية الحوار في تراث وتاريخه. ولو اريد للشخصيات ان تتمتع بالقدرة على التواصل، فينبغي توفير أرضية مشتركة ما مؤسسة بفعل التقاليد. اللافت للنظر هنا أضطراب الحياة الطبيعية، بل أنها توشك على الانفجار أدنى هذه الأرضية المشتركة. وقد تبدو الأشياء التي قيلت، لمجرد أكتمال أيصالها، مختلفة عما يقصد منها. فضلاً عن ذلك، يسهم تداخل العبارات والردود في تأكيد نواحي القصور في الآراء المعبر عنها، وقد تكتسب دافعيتها، في بعض الأحيان، شفافية مدمرة(95). يسهم شكل الحوار هذا في إظهار الأشياء التي أضمرها المتحدث- على نحو واعٍ أو
غير واعٍ، بحيث يدرك المراقب المحايد ما لم يُقال. وهكذا وبينما تواصل الشخصيات استكمال عباراتها بواسطة تطوير بعض المضامين غير المتوقعة، يتغير موضوع الحوار على نحو متواصل، ملقياً بذلك بظلال الشك والتساؤل على الافتراضات المسبقة عن التقاليد والآراء الراسخة حتى هذا الوقت. يظهر الحوار المدى الذي تعمل بهِ المتطلبات البراغماتية على تحديد نطاق الحياة الطبيعية، مما يسهم في حدوث انقسام بين ما هي عليه الان وما كانت عليه. ويجذب هذا الحوار الانتباه إلى هذا الانقسام ويستغله، منطلقاً من انماط السلوك التقليدية الى مجموعة واسعة من ردود الأفعال المفاجئة، وتبين ردود الأفعال هذه بدورها أن نمط السلوك الذي يتطلبه التقليد لا يمثل سوى حالة خاصة واحدة فقط بين العديد من الاحتمالات.
يعد شكل الحوار الأهم في رسم ملامح الشخصيات، فهو التقنية الوحيدة المستخدمة في رسمها في ضوء أحجام المؤلف عن الحديث عن شخصياته، ولذا، فكلماتها هي السبيل الوحيد للحكم عليها. تسعى جميع الشخصيات الى تحقيق غايات محددة: يريد سيمون ان يرث مقاطعة عمه(96)، بينما يسعى عمه لحرمانه من الإرث(97)، ويود هامش الزواج بأخته من زوجة أبيه، ناومي(98) وعندما تتأكد أستحالة ذلك، يعلن رغبته التخلي عن الإرث(99). ورغم رسوخ هذه الأغراض، تتصرف الشخصيات بطريقة معينة تسهم في أحباط غالبية رغباتها. اللافت للنظر هنا عدم أكتراث هذه الشخصيات بفشلها، وهذا الموقف السلبي يجعل أهدافها تبدو وكأنها عناصر عشوائية فحسب في شخصياتها. في واقع الأمر، تفقد الشخصيات خاصية التفرد التي نتوقعها من الرواية عندما ينعدم التناسق بين التفسير الذاتي العقلاني والسلوك الفعلي.
إن اصالة هذا الشكل من أسلوب خلق الشخصيات أستدعت عدة وجهات نظر مختلفة من النقاد، كان بعض منها غير ايجابي. مثال على ذلك ما كتبته باميلا هانس فورد جونسن :" تعد السهولة التي يحدث بها الخلط بين شخصيات الروايات في الذاكرة نقطة ضعف حقيقية، نقطة ضعف جعلت الآنسة كومبتون بيرنت تبدو دائماً كاتبة " للقلة"، لأن عدد قليل من الاشخاص له القدرة على بذل الجهد الفكري الفائق اللازم لفهم مزايا أعمالها فضلاً عن نواحي القصور فيها" (100). يعكس هذا النقد توقعات مشروطة بطبيعة رواية القرن التاسع عشر حيث تعود القارىء على شخصيات روائية واضحة الملامح وذا هوية محددة، هوية تسهم عدة عوامل في تشكيلها من مثل البيئة التي تعيش فيها الشخصية ومصيرها. أما السبب في تلاشي الهوية المميزة لشخصيات ايفي كومبتون بيرنت في ذاكرة القارئ فيعود الى ان مركز الاهتمام ليس الشخصيات ذاتها، بل أستحالة التنبؤ بطبيعتها. فضلاً عن ذلك، يلاحظ فقدان مظهر الشخصيات الخارجي وسلوكها لأهميتهما، إذ يتحولان الى نقطة ينطلق منها الحوار الذي يتواصل بعد ذلك مخلفاً هذه النقطة ورائه. وتكمن ضرورة هذه المظاهر الفردية في الدور الذي تلعبه في أستمرار الحوار، كما تتمثل أهميتها في إظهار ثراء المضامين المضمرة في الجمل والعبارات. قد لا يتمكن المتحدث الفرد من معرفة هذه المضامين، ناهيك عن السيطرة عليها. ومع ذلك، فانها تنشأ جميعاً من الرأي الذي يحاول من خلاله التعبير عن نفسه. سيحاول الطرف الأخر في الحوار، في أثناء رده، التمسك بواحدة من هذه المضامين واهمال البقية.
تثمر هذه السيرورة نتيجتين اساسيتين. اولاً، قدرتها على تحويل العبارة الاصلية باتجاه مفاجىء لا يقصده المتكلم، وثانياً، يؤدي فهم احد المضامين الى ظهور مجموعة أخرى من المضامين الجديدة. وهكذا نجد انفسنا ننطق عبارة معينة، يُستخلص منها مضمون مفرد يؤدي الى الرد، ويسهم الرد بدوره في ظهور مضامين جديدة يتم اختيار احداها للعبارة التالية، وهكذا الى اخره. تحتوي كل جملة ملفوظة على مجموعة متنوعة من المضامين المحتملة، وكل اختيار يؤدي بدوره الى مجموعة جديدة من المضامين. وتؤدي بنية الحوار هذه الى استحالة تطوير أي ثيمة على نحو
متواصل. ولكن نظراً لمساهمة كل رد في صياغة مضمون واحد فقط على نحو دقيق، تبرز الملامح الأولية للافكار والمثاليات، رغم وقوع هذه بدورها وبسرعة في دوامة المضامين المتغيرة وغير القابلة للتنبؤ. ان أي نقطة بداية قد تؤدي الى ظهور تشكيلات كهذه التي تحاول، في اثناء تسليطها الضوء على اللامتوقع والجديد، الغوص في اعماق الشخصية الانسانية غير المكتشفة لحد الان. والشخصيات ذاتها تظهر بوجهين. ولا يسهم ما تقوله هذه الشخصيات عن نفسها في تسليط الضوء عليها بوصفها افراداً بقدر ما تسهم في التاكيد على استحالة التعرف على دواخلها. وكلما كان سعي هذه الشخصيات لتحقيق أهدافها وتماهيها معها أشد، اضحى اساس سلوكها ذا طابع أشد تخيلية. لقد فشلت الشخصيات في ادراك حقيقة ان ردود افعالها الظاهرية مشروطة بالمتطلبات البراغماتية التي تتغير من موقف الى أخر. قد ينظر الى العبارة المشروطة براغماتياً بوصفها تعبيراً صادقاً عن الشخص المعني الا ان التمظهر العياني الناتج قد لا يعكس في حقيقة الامر شيئاً سوى المظهر الخارجي للشخصية. ويكشف الحوار المرة تلو الاخرى عن هذا الموقف الذي يضحى في نهاية الرواية موضوع الحوار الفعلي:
"هل الأب شخص نبيل؟" قال رالف، وهو يغلق الباب. "أم أنه يخدع نفسه والآخرين؟
او ما هو بالضبط؟"
"مزيج من كل هذا، تماماً مثلنا جميعاً، "قالت ناومي، إلا أن النفي يكشف عن الأجزاء ويؤكدها. لنفترض أن لدينا شعور الحب ذاته تجاه موطننا الأول، وبأننا متأثرون لمغادرته بالطريقة نفسها! فانه بالكاد سيتمكن من الشكوى او التذمر. ربما كان حكيماً عندما تعمد طمس ذكرياتنا عنهُ".
" ما زلت أخشى رد الفعل من الروح الجديدة. ستصبح مكانته أمراً مألوفاً بالنسبة له"
" كان يمثل في واقع الأمر الاخر الذي لم يكن .أضف الى ذلك، أنه لن يحظى بأي شيء".
" إذا هذا هو ما تعتقده ،" قال غراهام.
" حسنا، التفكير يحتاج إلى مقدار كبير من الشجاعة" .
" لدي ما يكفي ، قالت ناومي " هذا الشيء الإضافي الذي تتحدث عنه سيكون هناك. وأنا سعيدةٌ بذلك، ليس من المناسب العيش بدونه".
" انه يضع لوحاً تذكارياً لهاميش في الكنيسة، "قال غراهام ."يقدم هاميش بوصفه ابن العم أدون. يمكنني القول ان العديد من الأشخاص ليسوا على ما تعتقده عنهم ".
" غالبيتهم يمثلون ما معروف عنهم " ،قالت ناومي" لا تبقى الأسرار طي الكتمان الى الأبد. وأذا كانت هناك أسرار، فلا يجب أن نعرف عن وجود أشياء كهذه. نحن نهتم بها اكثر من أي شيء أخر"(101). إذا كان من الضروري اضمار المضامين الخفية في مسرحية ما، فلن تكون لعبارات الشخصيات أي عواقب مؤثرة على علاقاتها، وإلا فان الصراع الناتج عن ذلك سيتمحور حول حالة واحدة، وهذا يعني أستثناء أحتمالات ظهور ردود أفعال مفاجئة، لأنه هذا ’الأمر الأضافي‘ الذي ينبغي وجوده هناك، ولذا ينبغي إن يتواصل الحوار بوصفه كاشفاً لمضامين لا حصر لها، وبكلمات أخرى، إن يكون مفتوح
النهاية. ونتيجة لذلك، تبدو الملامح الأولية للشخصيات كما لو انها ظهرت مصادفةً، ويعتمد ذلك على أي من المضامين هو الأهم في لحظة زمنية معينة. ولأن ما نعرفه يبدو وكأنه محض صدفة، فان اللامتنبأ به يصبح واقعاً. تبعاً لذلك، لا يكون الحوار" نسخة لما قاله او قالته في ’الحياة الواقعية‘ "، بل بالاحرى نسخة لما يحتمل قوله فضلاً عن ما هو متضمن ولكن لم يُفصح عنه زائداً ما يحتمل فهمه رغم عدم تضمينه"(102).
لو وضعنا نصب أعيننا حقيقة لاوعي الناطقين لدوامة المضامين التي اوحوا بها وعجزهم عن الكشف سوى عن عدد محدود جداً منها وبالتالي فشلهم في فهمها بشكل صحيح، فإن هذه الشخصيات لا تواجه خاصية لأتنبؤية مجردة، بل، في واقع الأمر، تنتجها وتكشف عنها بنفسها. ولغرض جعل هذه السيرورة أمراً عيانياً، فإذاً من الضروري عدم تحويل مسارها بمسوغات اخلاقية، وذلك لان ثبات الخلفية الأخلاقية سيؤدي مرة أخرى الى أقصاء المضامين عوضاً عن أنتاجها. لقد كانت باميلا هانس فورد على صواب تماماً عندما نعتت ايفي كومبتون بيرنت بـ " الاكثر لااخلاقية بين
الكاتبات الاحياء"(103) إذ يمكن للاخلاقية فرض القيود التي لن تختلف كثيراً عن تلك التي يفرضها أسلوب خلق الشخصيات. أن أي تقييم كهذا سيعني محاولة أستكشاف سابقة لأوانها لاقاليم من الواقع الانساني لن يتم الكشف عنها الا من خلال المضامين الكامنة في اقوال الشخصيات. يتضح مبدأ التأليف هذا حتى في اكثر الحالات مألوفيةً، مثال على ذلك، في الحوار بعد وفاة السير ادون التي طال انتظارها، في عمر الرابعة والتسعين:
" هذا اليوم يذكرني بيوم اخر " قالت جوليا. "اليوم الذي دفن فيه زوجي، الاخ الاصغر لادون‌‍‍‍! كل هذه السنون التي مضت! الحياة شيء غريب. سيحل دوري قريباً لاتبعهم".
" ماذا يجب ان نقول؟ "قال غراهام". الصمت يعني الموافقة، يبدو انه يعني ذلك، ومع ذلك يمكننا بالكاد الاختلاف".
" لا تقل شيئاً " قال سيمون .
" الاب مزاجه سيئ"، قال رالف. " بالكاد أتوقع أن يكون السبب وفاة عمه في عمر الرابعة والتسعين"(104).
جدير بالملاحظة هنا تصرفات غراهام ورالف، حفيدا جوليا، التي بدت غير مناسبة وسنهما المبكر، فهم لا يتحدثون كالاطفال. علاوة على ذلك، لا تبدو الرواية مكترثة بمسألة هل تجسد الشخصيات حقيقةً ما هي عليه(105). من الواضح ان حقيقة صدور الرد من طفل غير ذي أهمية أطلاقاً لرد الفعل المصور. قد يتوقع المرء الملاحظة الآلية التقليدية لتجاهل أهتمام جوليا العاطفي بموتها، بيد ان خاطراً معزياً مثل هذا لا يبدو وشيكاً. يدرك غراهام هذا، ومن خلال أمتناعه عن أعطائها الجواب التقليدي، فانه يضطر الى التساؤل عن الطريقة الأمثل للرد. ولذا، تدور ملاحظته حول
احتمالات رد الفعل. ومهما كانت غرابة رد فعل كهذا، فلا سبيل الى أنكار حقيقة محتواه. واذا كانت هذه الحقيقة مؤلمة، اذن سنُلزم بادراك ان مراعاة مشاعر الآخرين هو قاعدة براغماتية مبنية على تجنب البوح بالحقيقة، كما لو كانت الحقيقة ذاتها لاأخلاقية(106). وتتبين صلاحية المبادئ البراغماتية فقط في ظل ظروف معينة، وهذا يعني أن تغيراً في الظروف سيؤدي حتماً الى تغير في السلوك. يتجلى ذلك بوضوح فيما يجب ان يقوله سيمون ورالف: أذ ينصح سيمون ابنه غراهام بالمحافظة على هدوئه، الا ان رالف يجذب الانتباه الى الدافع الخفي وراء رد والده، فسيمون يشعر بالانزعاج من حقيقة انه بنفسه قضى على فرصته لوراثة الارث.
وهنا لا ينبغي عد مناقشتنا للمضامين الكامنة في المحادثة مستنفدة، والأرجح أن أي تفسير سيكون محدود بمقدار يوازي القدرة المحدودة الشخصيات على الكشف عن المضامين، وحتى لو سلط هذا التفسير الضوء على بعض الفروق الدقيقة، فانه لن يفلح أبداً في الكشف عن المدى الكامل لتلك المضامين. فقد تكون ثمة دوافع مختلفة تماماً وراء عبارة غراهام ونصيحة سيمون، ولكن، وفي ظل غياب التأويل التأليفي ومحدودية تصوير ملامح الشخصيات، يضطر القارئ الى تشخيص طبيعة ما يقرأه. وفي الوقت نفسه، يستثني القارئ، من خلال ذكر تأويل كهذا، آلياً الاحتمالات الاخر،
وحالما تبرز المضامين الاخرى، عليه ان يعدل تفسيره الاصلي.
يتحدى الحوار بطبيعته أي تأويل معياري و يميل القارئ عادة الى الاختبار والمعايرة( standarize)(107)، مقارناً، في أثناء ذلك، الشخصيات التخيلية مع خبرته ومحاولاً التوفيق بينها وعالمه المألوف. وهنا يكتشف القارئ أنه ممنوع من تطبيق المعايير هذه. ويسهم افتقار الشخصيات للانفرادية في منع القارئ من التركيز على مظاهرها الواضحة، وعوضاً عن ذلك يجد نفسه ليس في مواجهة الأشخاص فحسب، بل في مواجهة أحوال السلوك البشري ذاتها. وهكذا ينقطع الاتصال العادي بين القارئ والشخصيات، ويتوجب عليه ان يترك وراءه عالمه المألوف ويشرع في أستكشاف المجهول. يسهم تركيب الشخصيات في أرغام القارئ على أداء هذا النشاط، وعلى نحو مماثل للحوار الذي تنتجه هذه الشخصيات وينتجها، فهي تجذب الأنتياه لا الى ما يوجد هناك، بل الى ما هو غائب. لا تدرك الشخصيات حقيقة ازدواجيتها ونسيانها لمضامين ما تقوله فضلاً عن عدم أكتراثها اثناء مواجهتها بهذه المضامين. وينبغي على القارئ السعي لفهم واستيعاب لااتساقاتها، ولكنه عوضاً عن اكتشاف الدوافع وراء سلوكها، يجد ان العبارات التي لم تكتب طغت على العبارات العيانية التي قرأها.
وهنا نجد إن الكلمة المنطوقة، بوصفها تمظهراُ للذات البراغماتية، ليست الا احد اجزاء الذاتية المتناهية في الصغر، ويتضح عدم اكتمالها من خلال حقيقة أنها حالما يتم لفظها، تكتسحها مضامين اخر غير مصاغة. تكمن دينامية الحوار في توكيد اللامكتوب، وحتى لو لم تتأثر الشخصيات بمواجهتها لهذه المضامين، فإن القارئ سيعي، على نحو أفضل، لا حقيقة عجزه عن فهمها فحسب، بل تفاهة سلوكها الفعلي.
تلازم هذه السيرورة ايضاً حبكة الرواية. ففي المقابلة التي اقتبسناها عدة مرات آنفاً، قالت ايفي كومبتون بيرنت التالي حول شخصياتها وقصصها: "اعتقد أن الحياة الفعلية توفر للكاتب عدد من الشخصيات اقل مما يعتقد … اما ما يتعلق بالحبكات، فلا اجد في الحياة الواقعية أي عون على الاطلاق، أذ تبدو الحياة الواقعية وكأنها بدون حبكات. ولأيماني بمرغوبية الحبكة وأهميتها، يزداد شعوري بالامتعاض من الحياة. ولكني اعتقد بتوافر مؤشرات على حدوث أشياء غريبة على الرغم من عدم بروزها. اعتقد ان ذلك لن يكون مناسباً للعديد منا خاصةً أذا تعرضنا لأغراءات قوية، واتوقع ان الامور ستسوء مع البعض منا" (108). واذا كانت ’الحياة الواقعية‘ تمنحنا نظرة سطحية للواقع ،لأنها، وهذا واضح تماماً، تصاغ بواسطة التقاليد الشائعة في فترة ما، فستتمكن الحبكة المفبركة من الكشف عن الطبقات التحتية أدنى هذا الواقع. عندئذ، تضحى هذه الفبركة نوعاً من الاحتجاج ضد مباشرية الوضوح الذاتي، التي تميل الى استثناء الحاجة الى أي تساؤل. وهكذا، فان الحبكة تضحي باحدى أشد خصائصها قداسةً: الاحتمالية. ولكن، وعلى نحو مفارق، تقدم هذه التضحية في سبيل تبيان الحقيقة. فبينما تعمل احتمالية السرد التقليدي على تقديم وهم الحقيقة، تشرع الحبكات المفبركة في تدمير أي مقاصد وهمية. ويمكن ملاحظة نتائج هذه المقاربة في حبكة تراث وتاريخه.
فعلى الرغم من اتضاح امال الشخصيات ووجهات نظرها في الحوار، فإن أفعالها عادةً ما تتناقض، الى حد بعيد، مع المقاصد التي عبرت عنها. يتجلى ذلك بوضوح في سيمون شالونر، اذ يرعى طفلاً يقضي على امله بالحصول على الارث الذي طالما حلم به. ويفاجئنا سيمون مرة اخرى، عندما يتزوج فاني، اخت زوجة السير ادون، رودا، وام طفله (طفل سيمون ) وتبدو سلسلة الأحداث هذه مفبركة، للدور الذي تلعبه عناصر القصة في اثارة توقعات خاصة بالرواية الاجتماعية الفكتورية. الا انها تكتسب بعد ذلك شكلاً يوسع هذا الاطار باستمرار. إذ تبدو افعال الشخصيات احياناً، ازاء الخلفية الفكتورية، عبثية تماماً، الا انها، في الوقت نفسه، تبين فشل التقاليد في التجكم بسلوك البشر بصورة تامة. فمن الواضح ان الافعال المأساوية للشخصيات لا تنبع من رغباتها الشخصية، وبالطبع، تكون هذه الافعال عادة مناقضة تماماً لرغبات هذه الشخصيات، بحيث تبدو كأنحرافات أستثنائية غير خاضعة لتأثير أي واحدة من الرغبات الشخصية، ناهيك عن التقاليد. ربما كان الغضب من زواج السيد ادون هو الذي دفع بسيمون الى أتخاذ هذه الخطوة الحاسمة من حيث علاقته برودا. وحتى بالنسبة له، فإن الدافع لا يمكن الا ان يكون مسألة حدس، ولا يمكن فهمه أطلاقاً على نحو ملائم، اذا فكرنا به في ضوء الهدف الذي يصبو سيمون لتحقيقه في الحياة. ولكن في حالة العجز عن التوفيق بين افعال البشر ومقاصدهم المعلنة، تكتسب هذه المقاصد غموضاً لا يمكن لاي مقدار من التحليل ازالته تماماً.
تسلط القصة الضوء على هذا الغموض، اذ يبتدع سيمون من خلال سلوكه الغريزي وقائع جديدة تفرض ظروفاً غير متوقعة على حياة الام والاطفال وكذلك السيد ادون، وهو يواصل محاولته اعداد اطفاله لاحتمال قضائهم بقيه حياتهم في منازل الفقراء، آملاً، بهذه الطريقة، في استعادة نوع من السيطرة على عقابيل افعاله الآنية المتعجلة. ولكنه يفشل في ذلك ولا يؤدي سلوكه هذا إلاَ الى ابتعاد اطفاله عنه الى حد يدفعهم في نهاية الأمر الى تجاهل مخططه وعده "احد شطحات ذهن الاب" (109) ولكن اذا كانت المقاصد التي نسعى الى تحقيقها علنا تخيلية، فهذا يعني وجود فجوة واسعة بين ما تفعله الشخصية وما هي عليه. ومهما كانت طبيعة القصد، فانه لن يكون سوى قوة دافعة جزئية مشروطة بظروف خاصة تحاول أستيعابها، وهو عرضة لان يفقد مصداقيته في ظل ظروف مختلفة او عندما ينظر إليه من وجهة نظر مختلفة. ففي اللحظة التي نحاول بها تمهية شخصية ما مع قصد معين، فأن افعالها تدحض محاولة التماهي هذه، ولذا، نجد انفسنا أمام حقيقة مفادها انه اما أن الافعال او المقاصد هي نوع من التمويه، وهذا يعني وجود الواقع في منطقة ما لم تكتشف بعد. تكشف القصة عن هذا التمويه، ولكنها تمتنع عن عرض الواقع المختفي تحته. في واقع الامر، أن أشد أثار القصة أهميةً وأثارة للدهشة تحدث تحديداً من خلال الكشف عن اللاتجانسات المعقدة ظاهرياً للشخصيات وتركنا نتخبط وراء الدوافع المهمة التي لا يمكن فهم مغزاها.
نجد في هذه القصة، المرة تلو الاخرى ان افعال الشخصيات لم تصمم لمساعدتها في تحقيق رغباتها. إن حقيقة حصول هذه الشخصيات على ما ترغب به في نهاية الرواية من دون عناء يذكر من جانبها يجعل جهودها التي بذلتها في مسار القصة تفقد الكثير من أهميتها. وهناك عاملان يسهمان في توكيد هذه اللاأهمية تتعلق اولهما بالطبيعة الشرطية لجميع المقاصد المرغوب تحقيقها، وثانيهما بتفاهة مقاصد كهذه مقابل السلوك الأجمالي للشخصية.
عندما تتغير المواقف، فان السبب في حدوث ذلك يعود بشكل رئيس الى فعل مفاجئ غير معد له سلفاً يلغى جميع الحسابات السابقة، او بسبب أيضاح مضمون ما يلغي بطريقة مماثلة، غائية كل ما قد قيل. ويبدو ان هذه المواجهة بين السلوك المعد سلفاً والمفاجئ وكأنها تحتوي على جميع العناصر المهمة لخلق الصراع. اللافت للنظر، أن هذه القصة تخلو من الصراع، إذ لا يتوجب على سيمون تحمل نتائج فعله، وهذا يظهر مدى تفاهة مقاصد الشخصيات.
ولذلك، يبدو عجز سيمون في نهاية الرواية عن تذويت نفسه مع أي من الذوات التي اظهرها وانفصل عنها منطقياً تماماً. وهذا هو سبب قوله: " اعتقد أن خروجنا عن ذواتنا يحملنا الى مسافات ابعد "(110) واذا اراد المؤلف ايصال هذا التعزيز المتواصل للذات الى القارئ، فان "القصة" يجب ان تعتمد لا على توقعاته عن الخبرة اليومية فحسب، ولكن على المرونة الاساسية للسلوك البشري، الذي لا تمثل الخبرة اليومية فيه سوى قمة الجبل الجليدي. وهكذا، يساهم بناء الرواية، مثل وصف الشخصيات والتقنية السردية، في تأكيد استحالة تنبؤ الذات، وفي الوقت نفسه كشف التقليد
بوصفه شكلاً محدوداً مُقيداً ومشروط براغماتياً للواقع البشري .


4
الذاتية بوصفها الالغاء الذاتي لتمظهراتها الخاصة صامويل بيكت: مولوي، أحتضار مالوني، واللامسمى


يمكن ايجاز مقاربة ثيمة الذاتية في ثلاثية بيكت بمقولة نيتشه التي تصف أنشطة الوعي: "الطابع التأويلي لكل الاحداث، ليس ثمة شيء بوصفه حدثا في حد ذاته. ما يحدث هو مجموعة من المظاهر، يتم انتقاؤها ووضعها معا بواسطة كيان تأويلي وليس ثمة حقائق معينة. وينطبق الأمر ذاته على المشاعر والأفكار؛ إذ عندما أكون واعياً لها، أقوم بعملية أنتقاء وتبسيط ومحاولة لتشكيل جشتالت: وهذا هو المقصود من عملية اكتساب الوعي، أنها إعادة تشكيل فعالة تماماً(111). تسهم ثلاثية بكت في جعل القارئ واعياً لهذه السيرورة التي تكشف لا عن تأثيرات "إعادة تشكيل" كهذا فحسب، وأنما عن الظروف التي أدت الى حدوثه ايضاً.
تجذب عناوين الروايات الثلاثة بالذات-مولوي، أحتضار مالوني ، واللامسمى الانتباه إلى انسحاب راو الشخص الأول الى دائرة الأغفالة. وبينما يُنعت هذا الراوي باللامسمى في الرواية الثالثة، تبدو أسماؤه في الروايتين الأولى والثانية كالأقنعة التي تُخفي وراءها ملامحها. وعند التفكير ملياً بذلك، تبدو أقنعة اللامسمى وكأنها تشير الى مواقف ونواحي قصور وحالات معينة فقدت مصداقيتها في الرواية الأخيرة. الا ان اللامسمى غير متحرر تماما من الأسماء التي يحملها والتي تمنعه حاليا من العيش بسلام بغفليته. مهدت الروايتان الاولى والثانية الطريق الى الثالثة الا أنهما واصلتا ممارسة التأثير فيها.
ربما يعد الاسلوب الاستثنائي الذي بلغ ذروته في مولوي اهم هذه التأثيرات وأكثرها رسوخاً. يتألف بناء الجملة في هذه الرواية والروايات اللاحقة عادةً من تناقضات مباشرة، إذ تتُبع العبارة بأنكار مباشر لما تم ذكره، وتتباين درجة التناقض من التعديل او التقويض البارع إلى الألغاء الكامل، كما في نهاية رواية مولوي: "ساتعلم" . رجعت بعد ذلك الى المنزل وكتبت، انه منتصف الليل. المطر يهطل بغزارة على النوافذ ، كلا، لم يكن منتصف ليل ولم يكن الجو ممطراً"(112). يعد هذا التناوب المتنوع والمتواصل بين العبارة والنفي السمة الأبرز للاسلوب في الروايات الثلاث.
وبالطبع، فإن بلوغ هذا الأتجاه لذروته في نهاية مولوي لم يكن محض صدفة، فهو يمثل صدى مضخماً لأرتفاع وأنخفاض نبرة الجمل الفردية. يؤدي توظيف هذه التقنية الى الحط من قيمة اللغة من خلال تأكيد صفة الاعتباطية في أستخدامها للحديث عن الأشياء التي نسعى لفهمها.
سيكون القارئ اليقظ مستعدا لهذه العبارات الختامية. يذكر مولوي، من خلال طبيعة سرده، عددا من المؤشرات المباشرة وغير المباشرة التي تبين الظروف المحيطة بجميع هذه العبارات المتناقضة. يساور مولوي الشك في عدد كبير من أستنتاجاته الخاصة-كما نلاحظ في بداية الرواية: "فلان وعلان، أوه لن اشاهدهما ابدا بعد ذلك. ولكن ربما ساشاهدهما ثانية. ولكن هل ساتمكن من التعرف عليهما؟ وهل انا متأكد اني لن اراهما ابدا مرة اخرى؟ وماذا اعني بقولي أني سأراهما مرارا وتكراراً؟(113)
هذه اسئلة يطرحها ذهن متأمل واعٍ يسعى للكشف عن الافتراضات المسبقة التي تشترط العبارة، ليظهر بان تلك العبارة ما هي الا نسخة موثقة من الحقائق التي تسعى الى نقلها. وعلى الرغم من ذلك، لا يمكن لرواية الشخص الاول سوى صياغة مشاهداته عن نفسه وما يحيط به من خلال كتابة عبارات كهذه، لانها الوسيلة الوحيدة التي تمكنه من بناء الواقع الذي يريد وصفه. ومهما كان الشيء الذي يكيف أدراكه، فانه يتداخل على نحو وثيق مع النتائج التي توصل اليها من خلال فعل الأدراك. يغدو العالم المتشكل بهذه الطريقة مفهوما وقابلا للوصف، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل إن ذلك يمثل العالم الذي يحاول الراوي حقاً تسليط الضوء عليه في روايته.
مولوي مدرك تماما لهذا السؤال:
وعندما اقول انا قلت، الى اخره، فكل ما اقصده هو اني عرفت بطريقة مشوشة اشياء كهذه، بدون ان اعرف بالضبط عن أي شيء كانت تدور. وفي كل مرة اقول، انا قلت هذا، او، انا قلت ذلك، او اتحدث عن صوت يقول، بعيد في داخلي، مولوي، وبعد ذلك عبارة رائعة تتباين درجة وضوحها وبساطتها، او اجد نفسي مضطراً لان انسب للاخرين كلمات غير مفهومة، او اسمع صوتي يقول للاخرين بأصوات متباينة الوضوح، اني احاول ببساطة التوافق مع التقليد الذي يتطلب منك اما الكذب او الصمت. وذلك لان ما حدث، في واقع الأمر، مختلف تماماً. "وأنا لم اقل شيئاً، ورغم ذلك، ولبرهة قصيرة، بمعدل تواصل الأشياء إلى آخره…. في الواقع لم اقل شيئاً إطلاقا، ولكني سمعت أصواتا هامسة، شيء ما ملازم للصمت، وانتصبت أذناي، مثل الحيوان الذي أتخيله، الذي ينطلق ويتظاهر بأنه ميت. وبعد ذلك، ينشأ في داخلي بعض الأحيان، وبطريقة مشوشة، نوع من الوعي، الذي اعبر عنه بالقول، أنا قلت، إلى آخره، أو، لا تفعله مولوي،…. او الذي أعبر عنه بدون الأنحدار الى مستوى الثرثرة، ولكن بواسطة صور مجازية اخرى خادعة تماما، وبوصفه مثالاً، يبدو لي انه، الى اخره، او لدي انطباع بانه، الى اخره، وذلك لانه، كما يبدو لي، لا شيء هناك على الاطلاق، وليس لدي أي انطباع من أي نوع(114).
يتداخل فعل التأمل هذا في سيرورة يود مولوي سردها ولكن يتوجب عليه في الوقت نفسه، تكذيبها لان لتقاليد السرد قوانين خاصة بها، قوانين لا تؤثر كثيراً أو لا تؤثر أطلاقاً في الواقع الفعلي. يشرع السرد في نقل أمر ما لا يمكن، على الأرجح، نقله بواسطته، وهذا يعني إن أي تمثيل سردي هو حتماً كذبة. ويدرك مولوي أن كلاً من تقديم واقع معين وايصاله يؤدي حتماً الى تعديل ذلك الواقع لان الحقائق ستوضع في سياق او اخر، وهذا بدوره يعني إن السياق وليس الحقائق هو ما سيتم ايصاله. من جانب اخر، فان الشكل الذي يكتسبه الواقع ينسجم والتصورات المسبقة للمشاهد. ولا
يمكن لراوي الشخص الاول تأكيد هذه المعرفة سوى بعرض الواقع الذي شاهده بوصفه نتاجاً لنمط تمثيله، الذي غالباً ما لا يتوافق مع أي شيء قد يشكل الطبيعة الحقيقية لذلك الواقع.
يسهم تناوب العبارة والتعديل خلال السرد في التعبير عن هذا التبصر، إذ إن كل عبارة تفرض ترتيباً بعينه على الاشياء، وهي بذلك تقصي الكثير مما يحتمل ان تكون عليه في الواقع. والذهن الواعي الذي يوجه عملية وضع العبارات وأنكارها يدرك حالة اللاتوافق بين الموضوع والمعنى، وهذا هو السبب في ان التصورات المدونة في حوار مولوي الداخلي تكون مصحوبة على الدوام بتأمل الطريقة التي حدثت بها تلك التصورات والظروف المؤثرة في أسلوب حدوثها. بناءاً على ذلك، يُحرِّر فعل أدراك واحد عادةً سلسلة من المشاهدات الذاتية، في الوقت الذي يسعى الراوي لاكتشاف الظروف
المسهمة في حدوث الفعل والسبب في اكتسابه الشكل الذي ظهر به. في بعض الاحيان، تتطرف هذه السيرورة وتذهب بعيداً بحيث يصبح التصور الاصلي والتساؤلات الذاتية التي انبثقت منه مفصولةً تماماً.
يتجسد هذا الانفصال بواسطة بناء الجمل الذاتي-الالغاء، الذي يبين ان العالم الذي يتم تصوره فقط من خلال الظواهر يمثل نتاجاً للذهن الواعي بقدر يوازي النتاج الذي يُمنح، على نحو متعمد، شكلاً محدداً. ونظراً لتصنيف تصور الظواهر وتأويلها كنتاجات للذهن الواعي، لا بد أن يجرد الواقع المتصور ذاته من أي معنى خاص به. تبعاً لذلك يتحول أنتباه الذهن الواعي بعيداً عن تأويل الأشياء الى سيرورات التأويل خاصتها.
يقع التمثيل الذاتي لمالوني واللامسمى في ضوء هذه المعرفة. حيث يقبع مالوني في غرفة، ويعلم أنه سيموت بعد مدة قصيرة، ولكن ليس الموت ما يشغله هنا، بل استحالة الوصول الى نهاية نفسه (115). وبينما يتفكك العالم من حوله تدريجيا، يتسارع نشاط ذهنه الواعي، مالئاً الفراغ باشكال عديدة. ما زال لمولوي فكرة شاملة عن قصته المتشظية، ونلاحظ، في حالة مالوني، أنخفاض درجة النأي الذاتي الى حد بعيد. كما ادرك مولوي أن التمثيل برمته هو "اعادة تشكيل" موجز من خلال مقولته المأثورة "الكلام هو إختلاق"(116) –ويرى مالوني، في أثناء استغراقه الذاتي، إن هذا الأدراك هو من الأمور المسلم بها. ولذلك، لا يستطيع مالوني رواية قصته لنفسه قبل موته، لأن هذا الامر، بوصفه قطعة للتمثيل الذاتي، يعكس طبيعته المشروطة. وهكذا يقرر مالوني سرد القصص ذات الطابع التخيلي الواضح لنفسه.
ينظر مالوني الى نيته لملء ما تبقى من حياته بالقصص بوصفها "لعباً"117، تبتعد به عما يمكن، في حالات اخر، ان يجبره على الكتابة عن نفسه وذلك لان ما يود اإن يعبر عنه في أثناء الكتابة عن نفسه سيقتصر على الطريقة التي يبدو بها لنفسه، لا ما هو عليه في حقيقة الامر. ولذلك، فهو يترك امام خيار رواية قصصه او، كما يحدث أحياناً الكتابة عن الكتابة118 . يعرف مالوني في الحالة الاولى انه يتعامل مع القصص، اما في الثانية، فيعرف انه يتعامل مع نمط القصة ذاتها. عندما يروي تلك القصص، يعلم مالوني أنه يقول اكاذيب، الا ان ذلك يساعده على التخلص من لعنة وصف أوضاعه
الخاصة ومن ثم سرد الاكاذيب عن نفسه. لا يود مالوني ان يكون موضوعاً لمشاهداته رغم إهتمامه بمسألة من هو(119). وبمرور الوقت، يشعر مالوني بالضجر من قصصه المتخيلة، معبرا عن شعوره كما يأتي:
ما هذا الملل، وانا ادعو ذلك لعباً، اتساءل هل ما زلت اتحدث عن نفسي. هل سأتمكن من مواصلة الكذب حول أي موضوع آخر حتى النهاية؟ اشعر بالظلام القديم يتجمع، الوحدة تستعد، التي اعرف من خلالها نفسي ونداء ذلك الجهل الذي قد يكون نبيلا او مجرد شعور مبالغ به بالجبن. نسيت مسبقا ماذا قلت. هذه ليست الطريقة المناسبة للعب. ربما من الأفضل أن اترك هذه القصة وأنتقل إلى الثانية، او حتى الثالثة. كلا، الأمر ذاته سيتكرر، لن يتغير شيء. عليَ ببساطة توخي الحذر، والتمعن في ما قلته قبل الاستمرار أو ربما التوقف، في كل مرة، توشك الكارثة فيها على الوقوع، عندما أود النظر الى نفسي كما أنا. هذا بالضبط ما أود تجنبه(120).
اكتشف مالوني بعد كل ذلك ان القصص ما زالت تدور حوله، وأنه كلما ازداد عدد القصص التي يحاول سردها، يتبين له ان موضوعاتها مستلة من حياته الخاصة. "جميع القصص التي رويتها لنفسي، المتعلقة بالمخاط العفن والتضخم، التضخم، قائلاً ،أخيراً، حصلت على مبتغاي، على أسطورتي"(121). يتزامن هذا التصور مع معرفة أن قصصاً كهذه ما هي الا ذرائع لتجنب فهم الحياة الواقعية:
كل شيء ذريعة، سابو والطيور، مول، الفلاحون، القاطنين في المدن الذين يبحث أحدهم عن الاخر ويهرب بعضهم عن بعض، شكوكي التي لا تثير اهتمامي، حالتي، ممتلكاتي، ذريعة لكي لا اصل الى صلب الموضوع، التخلي، رفع السلاح والتوجه، من دون أطلاق الرصاص... تنظر العيون الفزعة بهلع الى جميع من توسلت بهم حتى الان، في الصلاة الاخيرة، الصلاة الحقيقية اخيرا، الصلاة التي لا تستلزم شيئا(122) .
قد يرى مالوني اسطورته في قصصه، وهو، في الوقت نفسه، يعرف استحالة تماثل هذه الاسطورة، رغم أنبثاقها بشكل كامل من افكاره، مع ذاته الواقعية. يعي مالوني تماماً حقيقة ان قصصاً كهذه لا تمثل شيئا سوى خزعبلات، وهكذا يتضح لنا ان الاسطورة الناشئة من القصص، ربما تمثل، في أفضل الحالات، انعكاساً مشوهاً للانعكاس المشوه عن نفسه.
تتخذ الذاتية في أحتضار مالوني شكل ديالكتيك متواصل لا يصل شكله النهائي ابدا. واذا خلا اداء الصلاة الاخيرة الحقيقية من إي غرض، فإن هذه الرغبة رد على الحاجة للفهم الذاتي. تسعى الذات، في صلاتها الخالية من الغرض، الى تحرير نفسها من هذه الحاجة. ومع ذلك فان حقائق الحياة ذاتها، كآبة الملل وانفتاح المواقف وفراغ دنو الموت تدفع بمالوني الى مواجهة هذا الفراغ والملل والانفتاح والرد عليها بشيء ما محدد. وهذا هو السبب في روايته القصص، رغم تراجعه عن أي معنى يوشك أن يكتسب شكلاً محددا. يعد هذا السلوك المتناقض احد الاعراض المميزة لحالته، التي
تكتسب مضامينها وضوحاً شديداً من خلال فكرة اللعب التي يسميها مالوني سرد قصته. تمثل القصة "لعبة" طالما إنها(123) لم تصمم للحصول على معنى نهائي بل لاجل الحصول على معانٍ تمكن مالوني من مواجهة الفراغ. تسهم هذه القصص في تشتييت أكثر منه تحديد وجهة ما للسرد. في هذه القصص، يتجاوز مالون باستمرار ذاته المعروفة لأختبار والوصول الى الحد الاخير لذاته. الغاية، التي يدرك مالوني تماما استحالة الوصول اليها.
يرى مالون نفسه في مواجهة مشكلة محيرة لا يمكن حلها، صاغها في وقت مبكر في الكتاب: "عش واختلق. لقد حاولت. كان من الضروري ان احاول. ابتكر. انها ليست الكلمة. ولا حتى يحيا. لا يهم. لقد حاولت"(124). يريد مالوني ان يعرف معنى أن يكون الإنسان حياً. لا تخبره وظائفه الجسدية باي شيء، لذا يضطر للادلاء برأيه حول الحياة. الا ان جميع هذه الأراء حول الحياة هي أختلاقات، وذلك لان كلاً منها تفترض تطابق النسخة المدونة عن الحياة مع الحياة ذاتها.
ونظرا لتعذر العثور على وسائل اخر للتعامل مع المشكلة، يضطر مالوني الى مواصلة الأختلاق. ويسهم الأختلاق في تمكين الذات من مواجهة الصورة خاصتها. لا تمثل هذه الصورة سوى مظهر وسيؤدي أي تمثيل للمظهر الى اكسابه معنى، وسيكون هذا المعنى خاصا بالمظهر لا بالذات. في نهاية الرواية، يقاطع مالوني قصص " ماكمان ولمويل" بهذه الكلمات: "لقد نسيت نفسي، خسرت نفسي"(125) وبينما تجبر الحياة مالوني على السعي للشعور بالثبات والتحديد، فأنه يرفض أي تحديد كهذا في القصص، وذلك لادراكه التام الغرض من وراء هذا البحث. وهكذا تبقى المشكلة المتضمنة في "عش واختلق " بدون حل، الا انه من خلال العيش والاختلاق تتمكن الذات من انتاج لاتحديديتها من ذاتها، من خلال الاستمرار في رواية تمثيلاته الذاتية المختلفة.
إن حقيقة أن مالوني ينظر الى هذه السيرورة بوصفها لعباً تعني خلوها من إي غائية قد تمنح الذات معنىً محدداً ونهائياً. اذا تمكنت من ذلك، فلن تكون الذات بعد الان تعبيراً عن ذاتها، بل تعبيرا عن شيء ما اخر. والغائية الوحيدة التي يحتمل وجودها في اللعبة هي قواعد اللعبة، التي تتحكم باحتمالات اللعب المختلفة. توجد الذات، في المعاني الشكلية للعبة، طالما أنها تمثل احتمالية المعنى، وكلما ازداد تنويعات اللعبة، ظهرت الذات الاساسية بشكل اكثر وضوحا، بحيث تطغى على تمظهراتها الفردية على نحو متواصل. مالون مدرك لهذا الآمر ايضا.
لا أهتم بنفسي، ولكن بآخر، في أعماقي، احاول ان احسده، والذي ساتمكن في نهاية الأمر من رواية مغامراته بأكملها، لا ادري كيف سأقوم بذلك، لا استطيع ان اقول شيئاً عن نفسي، اكثر من كوني حياً او اروي القصص عن الاخرين. كيف يمكنني، أنا الذي لم يحاول ابدا؟ ان أبين نفسي الان ، في نقطة التلاشي، في الوقت نفسه كالغريب، وبنفس البراعة، لن تكون تلك القشة الاخيرة الاعتيادية. فاذاً احيا، بما يكفي لتشعر، خلف عيوني المغلقة، عيون الآخرين المغلقة. ما هذه النهاية(126).
هذا هو موضوع الرواية الثالثة، المعني بضرورة تجاوز درجة الوعي التي تم الوصول إليها مسبقا في سيرورة التمثيل-الذاتي. لا يشير راوي اللامسمى الى واقع عادي وموضوعي وخارجي أطلاقاً. فعلى الاقل تحدث مالوني عن الغرفة التي يضطجع فيها وعن الايماءات المختلفة التي ما زالت حالته تسمح له بالقيام بها. في اللامسمى، اختفت تماما شواهد كهذه من العالم الخارجي. يروي مالوني القصص للتخفيف من حدة شعوره بالضجر، رغم معرفته ان مواد القصص هذه أستلت من حياته الخاصة، الا ان تجنب الذات هذا، من خلال القصص، لم يعد ممكنا في اللامسمى. إذ أن بمقدور وعي اللامسمى الحاد ان يرى خلال السيرورة حتى قبل ان يصل الى حد رواية القصة. الا ان تدوين اللامسمى لحواره الداخلي المتواصل يتميز باكتظاظه بالذكريات عن مالوني ورواة الشخص الاول الاخرين، فضلا عن احالات متشظية على اصوات وشخصيات اخر. تعمل جميع هذه الاشياء محفزات لوعي مالوني، بحيث تتبلور ثيمة هذه الرواية من التقطيع الذاتي للروايتين الاولى والثانية. بقدر ما يتعلق الامر بالقارئ، يوفر ظهور مالوني ومولي والشخصيات الاخر خلفية المألوفية التي تمكنه من وضع تهويمات اللامسمى ازاءها. تبين أحتضار مالوني أن محاولة المشاهدة الذاتية من خلال الكتابة أدت حتماً الى سيرورة تأليف القصص هذه، وهذه المعرفه قد مُنحت سلفاً الى اللامسمى. ولذلك فإن كتابته تحيل على سيرورة الكتابة، وبهذه الطريقة، فإن نطاق الكتابة ذاتها يتوسع. ولكن الى أين يؤدي توسيع كهذا؟
تتحدث بداية الرواية ونهايتها عن حتمية المواجهة- الذاتية، إذ تتشابه صياغة العبارة في كل حالة وتبين لإنفاذية الذات أضطرارها الى المشاهدة الذاتية. وتكون البداية كالآتي: " أين الان؟ من الأن؟ متى الان ؟اللاتساؤل، أنا، أقول أنا، التكذيب. أسئلة، فرضيات. أدعوهم كذلك .أستمر، أواصل، أدعو ذلك استمرارا، أستمر في دعوته"(127) وتنتهي الرواية: "ربما سيقتادوني الى مستهل قصتي، أمام الباب الذي ينفتح على قصتي ، هذا سيدهشني، اذا انفتح، فسأكون أنا، سيكون الصمت، أين أنا، لا أعرف ،لن أعرف أبدا، في الصمت أنت لا تعرف، عليك الاستمرار، لا أستطيع الاستمرار
، سأستمر" (128)
تشكل فكرة "الاستمرار" التي يتكرر صداها خلال الرواية، احدى أنواع النقاط المحورية لذهن اللامسمى الشديد الوعي. فالاستمرار هو خبرة تتحدى التكامل، فهي تعمل بوصفها منبهاً دائمياً "للفرضيات " حول نفسه.وهكذا يتم تحويل كل محاولة للتمثيل الذاتي إلى حركة عابرةً " للفرضيات " التي تتملص من قبضته، بحيث يشعر بنفسه مضطرا بشكل حتمي الى الاستمرار بينما يدرك تماما بأنه مهما تكن نوعية كتاباته فإنها ليست سوى سجلا لشخصية مختلقة، أو بكلمات أكثر دقة، شخصية مختلقة-ذاتياً.
وهكذا يبدو ما لا يمكن استكماله بوصفه واقعاً حقيقياً يتحدى الجهود التي يبذلها الذهن الواعي لفهمه. ولكن في حالة مرور الذهن الواعي في خبرة عاجزة عن التكامل، فإن العجز عن التكامل ذاته يجعل الذهن يعترف باستحالة سبر أغواره ومعرفته(129). هذا هو مصدر التوتر الذي يشعر به السارد الذي يحتل موقعاً متقدماً في الأطوار المختلفة لسرده. يبين اللامسمى عادةً حقيقة أختلاقه الشخصيات الاخر- من مورفي الى وات ومن مولوي الى مالوني- بحيث يستطيع من خلال تشعبات الأنا هذه من موضعة ظروف معينة ذاتية وجعلها قابلة للتفسير: "غير موجودة، مختلق لتوضيح أمر نسيته .آه نعم ،كلها أكاذيب ، الله والإنسان ، الطبيعة وضوء النهار، خلجات القلب ووسائل الفهم، جميعها مختلقة، وتوليت لوحدي القيام بذلك، بدون أية مساعدة، ليس ثمة من يساعدني، لانتزاع الساعة عندما يتوجب عليَ الحديث عن نفسي "(130). ولكن، وكما يُظهر الطابع الدفاعي لهذا المقطع، ترتد الابتكارات الذاتية على اللامسمى: "الموجود(ون) البديلون"(131) ، كما يطلق عليهم في موقع اخر، يبدأون بسحقه وفي الحقيقة حتى اخباره بـ "ما ابدو عليه"(132). وهذا يعني انه قد أخُتلق الان بواسطة ابتكاراته الذاتية هذه، وهو مدرك لهذه السيرورة ويعلم ان تلميحات هذه الشخصيات التي يدونها ليست سوى قصة، وهذه المعرفة هي التي تمكنه من الهرب مرة اخرى من حالة كونه أختلاقاً.
يؤكد اللامسمى هذا العنصر في معرفته من خلال أعادة أنتاج العبارات التي صاغتها اختلاقاته عنه بوصفها اقتباسات، بحيث يمكنه التأكيد على ثغرة ما بين ما ترغب شخصياته صنعه به وما هو عليه في الواقع. يتمكن اللامسمى من خلال الكتابة من الغاء القصد في كتاباته السابقة وهكذا يحرر نفسه من الطبيعة المشروطة لجشتاليته. ونظراً لعجزه عن تبني ميتا وجهة نظر يكتب منها، فانه لا يستطيع سوى توضيح نفسه من خلال عكس المكتوب بالكتابة. وهكذا لن يتوقف ابدا عن مشاهدة الطريقة التي تنظر بها هذه الشخصيات المختلقة اليه. ولكي يتمكن من عرض وعيه هذا، فانه يواجه نفسه بنفسه بوصفه إختلاقاً لواحدة من شخصياته المختلقة ويستطيع بعد ذلك الاستمرار ليبين ضرورة ان لا تكون أي عبارة عنه نقيضة، وذلك، لأنها لا تستطيع فهم ذاته الواقعية.
تعد لاملاءمة كهذه ضروريةً لأن تجسيد غموض الذات لا يتحقق الأ من خلال التعاقب اللانهائي للمفاهيم المتخيلة عنه. "عجزي عن الاستيعاب، براعتي في النسيان، هما اشياء اكبر مما يمكن للمرء تصوره. عزيزي الغموض. شكراً لك، أخيراً، سأكون انا نفسي. لن يبقى شيء من جميع الاكاذيب التي الصقوها بي"(133). من الواضح ان اساس الذات هو الشيء الذي لا يمكنه التكامل، وهنا تكمن غائية السيرورة المتواصلة التي يتم من خلالها تجسيد كل صورة للذات قصصياً. ويدرك اللامسمى ان الفرصة الوحيدة لمعرفة " غموض الذات" تكمن في المشاهدة خلال الاختلاق الذاتي المتواصل، الذي يبقى في الوقت نفسه سيرورةً لا مفرّ منها. وبهذه الطريقة، يكتشف اللامسمى بنفسه خاصية استحالة الوصول اليه، التي يموضعها في قصته من خلال تقديم كل تمظهر من مظاهر نفسه في حالة من التداعي والزوال. وهكذا يزداد وصفه اكتظاظا بالحشتالتات غير المميزة، التي، من جانب، تنشأ من اندفاعه للتعالي على تركيبته بوصفه مجرد "مادة"(134)، ومن جانب أخر، فهي تبرز بشكل أكثر وضوحاً حال أدراكها أنها صور لأساس الذات غير القابلة للتصور.
يصبح هذا التفاعل، في مواقع معينة من السرد، الموضوع الفعلي للرواية، تحديداً، عندما يقسم الذهن الواعي الشخصيات على عدة أجزاء صغيرة "هل توجد هناك كلمة واحدة خاصة بي في كل ما أقول؟ لا، لا املك صوتا، في هذا الموضوع، لا امتلك أي صوت. وهذا هو أحد الأسباب وراء خلطي بين نفسي والدودة. إلا أنني ليس لي أسبابا لأي منهما، لا أسباب، أنا أشبه الدودة، بدون صوت او سبب، انا دودة، لا، لو كنت دودة حقا، لما عرفت ذلك، لن اقول أي شيء، ساكون دودة(135). يستحيل على القاص تخيل نفسه، إلا أن هذه الاستحالة تمنعه من الانتهاء من كتابته. لو توجب عليه التوقف، فان عليه مواجهة الدافع الذي يوجه فعله (كتابته) ومن ثم الشرطية الكلية للموقف الذي نشأ بفعله الدافع. عندئذ، سيتماثل الدافع مع الفعل المشروط، وهذا ما تمنعه معرفته من ان يكونه. يوثق اللامسمى، من خلال استمراره، حقيقة إدراكه أستحالة الوصول إلى ذاته الرئيسة غير المعالجة، فهو في أثناء أعادة أنتاجه الذاتي الإجباري، يتعالى بشكل متواصل على حدود تصوراته الذاتية. وبينما يحول فعل التمثيل هذه التصورات إلى قصص، فانه ينظر اليها بوصفها وعياً بدون واقع. تفترض خاصية كهذه انه يمتلك واقعاً يعجز عن التكامل بواسطة التمثيل. هذا الواقع هو نفسه. ولكي يبقى كما هو، ينبغي عليه إن يكون واعيا للقصص التي تعزز تمثيلاته الذاتية.
يتضح هذا الوعي في أنتزاعه كل جشتالت من نفسه في اللحظة التي يتشكل فيها. وهكذا فهو يحرمه من طابعه التمثيلي، الا انه، في الوقت نفسه يتركه بوصفه احد مسارات حياته الفردية الذي لا يمكن دمجه في أي نظام شامل. انها استحالة التكامل هذه التي تمنح المسار واقعه. وهكذا من خلال التراجع المتواصل لتمثيلاته الذاتية، يتوغل داخل واقع ذاته الاساسية. ونظرا لأستحالة صياغة هذا الاساس، يضطر اللامسمى الى الاستمرار. انها فرصته الوحيدة ليصبح واقعياً، وذلك لامتلاكه الوعي الضروري لهذه السيرورة: "انا كل هذه الكلمات، كل هؤلاء الغرباء، غبار الكلمات هذا، بلا ارض أستقر عليها، ولا سماء أنتشر فيها، تأتي معا لتقول، تهرب من بعضها البعض لتقول، بأني انا هم، جميعاً، اولئك الذين اندمجوا، اولئك الذين انفصلوا، اولئك الذين لم يجتمعوا ابدا، لا شيء اخر، نعم، شيء ما اخر، انا شيء ما مختلف تماما، شيء مختلف تماما، شيء لا مادي في مكان فارغ"(136).
تعتمد ثلاثية بيكت على مفارقة استثنائية حيث تبين الروايات إن الصعوبات التي يواجهها الرواة في محاولاتهم تخيل انفسهم تزداد على نحو متواصل، وهذا يعني أستحالة ايجاد الهوية خاصتهم. بيد إن هذه الاستحالة بالذات هي التي تقودهم فعليا الى اكتشاف شيء ما عن واقعهم. ومن الصعب جدا الكشف عن فحوى هذه المفا رقة. ولو عد المرء مسألة إن يكون المرء واعياً، كما يقول نيتشه، اعادة تشكيل نشطة تماماً، فلا بد أن يضع نصب عينيه أن شخصيات بيكت واعية لهذه السيرورة. يستلزم كل نشاط للذهن الواعي نوعاً من الاسقاط او الافتراض، طالما إن هذا النشاط هو الطريقة
الوحيدة التي يمكن بواسطتها أعداد عالم معين للمشاهدة. جدير بالملاحظة هنا إن الذهن الواعي لا يهتم العالم بالخارجي، بل بنشاطات وعيه الخاص.
ومتى ما وجه الذهن الواعي اهتمامه لنشاطاته الخاصة، فانه يتوقف عن العمل بوصفه وسيلة لتحويل المعطيات الخارجية الى صور مفهومة، وبدلا من ذلك، يركز على الاسقاطات والافتراضات المتوارثة في هذه السيرورة. وفي حالة ظهور هذه الاسقاطات والافتراضات شروطاً مسبقة لآليات عمل الوعي، فإن الصورة الناتجة للذات ستمثل مجرد صورة لتمظهر مشروط مسبقا وتبعاً لذلك محدود للذات. وبينما يختزل الوعي المتصاعد جميع صور الذات الى أنفراديتها اللاممثلة، فانه لا يمكن للذات سوى ان تجرب واقعها من خلال سلسلة لا متناهية من الصور غير المتكاملة والغير قابلة للتكامل.
تعد مقاومة التكامل من السمات المميزة للواقع، أما الذهن الواعي الذي ينقلب على ذاته فيكون في موقع يؤهله لاكتشاف هذه الحقيقة. يحدث الاكتشاف في سيرورة تقدم، في الثلاثية نفسها، بوصفها " تناهياً بدون نهاية "(137).
اما بالنسبة لشكل هذه السيرورة، فيمكن العودة مرة اخرى الى ميرلوبونتي: "لا يمكن افتراض تواصلي التام مع نفسي، هوية الوجود والظهور، ولكن يمكن تجربة ذلك بوصفه أمراً مسبقاً لاي تأكيد. ولذلك، نواجه في كلتا الحالتين الصمت والفراغ ذاتيهما. تتميز خبرة العبثية والدليل الذاتي المطلق بوصفها تضمينية وغير قابلة للتمييز على نحو متبادل. ويبدو العالم عبثياً، فقط في حالة قيام الحاجة الى الوعي المطلق بفصل المعاني التي تغمره على نحو متواصل، وتستثار هذه الحاجة بطريقة معكوسة بواسطة الصراع بين تلك المعاني. والدليل الذاتي المطلق والعبثي أمور
متكافئة، ليس فقط كأثباتات فلسفية، ولكن بوصفها خبرات. أنها حقيقة ترى أزاء خلفية العبثية، عبثية تفترض غائية الوعي قدرتها على التحول الى حقيقة، هذه هي الظاهرة الرئيسة(138).
العبثية والحقيقة يسيران جنبا الى جنب في روايات بيكت، وهذا يجعلنا في مواجهة مباشرة مع سؤال مهم يتعلق بالكيفية التي يستجيب بها القارئ لنصوص كهذه، أنه سؤال تجنبنا طرحه حتى الان لغرض تأكيد الطبيعة الأساسية للمشكلة التي يواجهها القارئ. فعلى نحو مغاير لروايات ايفي كومبتون بيرنت وفوكنر، تعمل ثلاثية بيكت على حرمان القارئ، لا بصفة مؤقتة ولكن بشكل تام، من موقعه المتميز عادة في الصفوف الأمامية. فضلاً عن ذلك، تمتلك هذه الشخصيات درجةً من الوعي-الذاتي بالكاد يتمكن القارئ- هذا اذا تمكن اصلا - من مواكبته. تعمل نصوص كهذه بوصفها عوامل منبهة لرفضها تزويد القارئ بأي مؤشرات تمكنه من الابتعاد الى مسافة تكفي للحكم عليها. ويجبر النص القارئ على البحث عن الطريق الصحيح وايجاده بنفسه، مثيراً بذلك اسئلة ينبغي عليه الاجابة عنها.
تسهم هذه التقنية في ظهور نطاق واسع من ردود الافعال-يتمثل أبسطها في غلق الكتاب – هذا في حالة أعتبار النص مجرد ترهات. الا ان قراراً كهذا يعني ضمنا ايمان القارئ بان لديه محكات موثوقة للحكم على معقولية الأشياء. وبالنسبة للقراء الذين لا ينظرون الى النص بوصفه مجرد ترهات، فان احدى ردود الافعال الشائعة تتمثل في البحث عن معنى مجازي. واذا قدر للنص إن يتوافق تماما مع أستعارة مجازية ضمنية، عندئذ سنستعيد مرة اخرى المسافة التي تفصلنا عنها. ولكن ثمة جانبان في هذه السيرورة، إذ هل سيسهم المعنى المجازي في تفسير النص، ام هل يسهم التفسير في استعادة المسافة التي لا يرغب المرء بفقدانها؟ قد يغلب علينا الشعور بالانزعاج في حالة وجود أمر ما يقاوم الفهم. ولذلك، ورغم احتمال خدمة التأويل المجازي غرض النص، فانه ربما لن يؤدي إي وظيفة خلا أراحة أذهاننا. سيجد القارئ ان تأويلاً كهذا سيواصل مطاردة أعادة الأنتاج الذاتي الإجباري للشخصيات الى ما لا نهاية دون إن يتمكن من اللحاق بها. بالطبع، هذا لا يعني ان التجربة خاطئة، ولكنها تتطلب تعديلاً متواصلاً ، وكلما ازداد عدد التعديلات التي يتوجب على القارئ القيام بها، إدرك، على نحو أكثر وضوحاً، لا حقيقة استحالة معادلة "القصة المجازية"
المسقطة مع قصد النص فحسب، وأنما تمثيلها لـ ’قصة استكشافية‘ لتعويض القارئ عن فقدان المسافة المثير للقلق.
يقول الدكتور ولرشوف إن القارئ لا يستطيع ترك ثلاثية بيكت "في أي اتجاه مع إدراكه لحقيقة مساندة المؤلف له. ولا يمكن قطع هذا الارتباط المفارق إلا من خلال خبرة الإظهار الذاتي التي يثيرها بيكت من خلال رفضه منحها"(139). وإذا عجزت الأفكار الخاصة لكل قارئ، لان المعنى المشروط شخصيا الذي ينسبه للنص لن يؤدي إلاَ الى فهم محدود وقاصر لذلك النص، عندها ستكون هذه الأفكار ذاتها في موضع شك. ولكن من منا يسمح طواعية بأن تصبح مفاهيمه الأساسية موضوعا للتفحص والدراسة؟ وهنا ينبغي إن ندرك أن الفهم حاليا لا يعني، في المقام الأول، شيئا سوى تقويم أساس الذات الذي يجعل الفهم ممكنا. وبهذه الطريقة يدفع نص بيكت إلى السطح تلك الافتراضات المسبقة التي تنطلق منها جميع عمليات الفهم. وحالما يعي القارئ هذه الافتراضات، يكتشف ان أسس معرفته تبدأ بالتزحزح أدنى قدميه. وهكذا تختزل جميع تلك المعاني التي عدها حتى هذه اللحظة من الأمور المسلم لها إلى أفكار استكشافية، ويمكن لهذه بدورها ان تصبح شروطا مسبقة لخبرات جديدة عن نفسه وعن العالم الخارجي.
متى ما حدث ذلك، يقترب القارئ من مستوى وعي شخصيات بيكت، ولن يترك هذا المستوى إلا عندما يسعى إلى إثبات خبرته الخاصة ومن ثم تقييد "لعبها" من خلال فرض معنىً ما عليها. في حالة دخول القارئ في نطاق حركة النص، سيواجه صعوبة في الخروج منه، لانه سيميل تدريجيا الى الكشف عن الظروف التي شكلت أساس حكمه. تتجلى هذه الظرفية بوصفها موضوعاً للتأمل الواعي بوضوح اكبر عندما يعمل النص على الغاء أي من الزوايا التي يمكن من خلالها النظر الى النص كله. تكمن الدينامية الجمالية في نصوص كهذه في هذه السيرورة: اذ تقاوم على نحو وطيد جميع محاولات الفهم الشامل، لان ذلك يمثل الطريقة الوحيدة التي يمكنها بها تحطيم الحواجز امام تأمل القارئ لافكاره الخاصة. ولكن في حالة رفض القارئ السماح للنص بممارسة تأثيره المحفز في وعيه، فإن هذا القرار في حد ذاته يساعد على ممارسة تأثير آخر: يمكن للشخص التحرر من النص من خلال محاولة أختزال غموض المعاني الشكلية لمعنى محدد، واضح ونهائي. ولاجل القيام بذلك، على القارئ ان يقف على مسافة من النص، الا ان هذه المسافة رغم الدور الذي تلعبه في منح القارئ الرؤية، تضمن ايضا قدرة رؤيته هذه على استيعاب بعض من احتمالات النص. وهكذا ومن خلال السعي للحصول على معنى محدد، يفقد القارئ احتمالات المعنى الأخر، إلا أنه من خلال فقدان هذه الاحتمالات فحسب يتمكن من أدراك الحرية التي تمتعت بها قدرته على الفهم قبل ان يلزم نفسه بالأحكام العابرة .
اذا اسهمت روايات بيكت في حثنا على اعادة النظر في مفاهيمنا المسبقة، فلا يمكن القول إن القصد منها هو تمثيل انهيار المجتمع المعاصر فحسب. ومع ذلك، عادة ما ينظر اليها بوصفها اعراضا للانهيار واليأس والعدمية، حتى في الحالات التي يبين فيها القارئ رغبته في أسباغ الأهمية ( ولو أنها ذا طبيعة غامضة) على النصوص. يعد النشاط الاستثنائي الذي تتميز به شخصيات بيكت السبب في منع قراء كهولاء من تأويل هذه الشخصيات وعالمها- بقدر ما يتعلق الأمر بأمتلاكها عالما خاصا بها -بوصفها تعبيرا مبسطاً وخالصاً عن المجتمع المعذب وامضطهد. يبدو هذا، للوهلة الاولى، مظهرا مدهشا، كما اوضح دبليو سايفر :"لا نستطيع التحدث عن الفعل في روايات بيكت، فالبطل مثبت فيما يمكن ان يسمى ظرفاً، والذي يشبه في بعض جوانبه الخلفية الممتدة في رسم "وحشي". الا ان هذا الظرف ليس خاملاً، وهذا هو اللغز. علينا توقع الخمول"(140). لا يمكن عد هذا النشاط من بين اعراض الانهيار. وهكذا فإن احدى العناصر الاساسية للشخصيات يتناقض مباشرة مع النظرية التي تزعم إن هذه الشخصيات لا تمثل شيئاً سوى أنعكاس للحالة المرضية المفجعة التي يمر بها المجتمع المعاصر. انها ببساطة منتجة وفعالة الى حد كبير بحيث لا يمكن عدها رمزأ لأنهيار النظام الاجتماعي.
يؤدي هذا الاختلاق الجامح فضلاً عن التحريف المتواصل الى أدراك القارئ حقيقة تعذر فهم هذه الشخصيات. انها ليست شخصيات ممثلة، كما انها لا تمثل شيئاً ما، يستطيع القارئ الاعتماد عليه، عدا ذواتها. وهذا الأمر يمنعه من المشاركة في مواقفها. تعد هذه الشخصيات ذاتها، في خضم أعادة الأنتاج الذاتي المتواصل، مصدراً للابداع، الذي قد يكتسب على نحو مؤقت جشتالتاً تشكيلياً، الا انه سيفقد مباشرة أي معنى خاص به. لا تبني هذه القوة الابداعية عالما يشعر المرء بالأستقرار فيه (وفي حالة حدوث ذلك، فستنتفي الحاجة لتلك القوة الابداعية)، بل على العكس
من ذلك، فانها تكشف عن الطبيعة الشرطية لكل شيء أنتجته، لان النتاج يكتسب طابع الجشتالت الذي يجب ان يفقده مرة اخرى اذا اريد للقوة المبدعة مواصلة الخلق والابداع. ولن تنتهي السيرورة أبدا، فكل شيء ينتج مشروط أيضا، ولأدراكنا إن هذه السيرورة مشروطة، ينبغي أهمالها. وفي حالة كون الذات أساس هذه القوة الإبداعية، فان الشيء المنطقي الوحيد هنا هو ان تواجه ذاتها بظلال الاحتمالات التي تنتج وتزيح بعضها بعضاً.
وإذا كانت نظرية الانحطاط غير ملائمة، لاضطرارها الى إهمال القوة الإبداعية للشخصيات، ثمة سؤال يُطرح مفاده هل هناك نظرية تضم هذه القوة؟. وهنا نجد أنفسنا أمام ذروة الوعي الذي لا يدمر النشاط بل ينتجه حقاً، وبما إن المادة الخام التي يعمل عليها الوعي هي كمونية غير مستنفدة، ستكون النظرية التفسيرية لأي شخص في مسيس الحاجة لخصيصة الشمولية لأن السيرورة ذاتها مفتوحة النهاية. يتجسد ما حققه بيكت في هذه الروايات في تحرير الذات لمتابعة مسار الاكتشاف الذاتي المتواصل. انها سيرورة بمقدور عالم الفيزياء النووي التعرف عليها مباشرة، بمصطلحات
تتوافق تماما مع سياقنا الأدبي بوصفها سلسلة ردود فعل ما فوق نقدية.

الهوامش
(1) اعتمدت على فكرة عبر عنها هانز بلومبنيرغ في مقدمته لمناقشة المقال الحالي في Die Nicht Mehr Schonen Kunste (Poetik und Hermeneutik ,III),ed.,H.R. Jauss (ميونخ،1968)ص669 ،
(2) المصدر نفسه ،الصفحات 669 وما بعدها.
(3) عنوان كتاب سايفر المثير للاهتمام ،فقدان الذات في الادب والفن الحديثين(Vantage Book) (نيويورك، 1964) .
(4) C.I. Glicksbery ، الذات في الادب الحديث،( جامعة بارك ،بنسلفانيا، 1963)، ص9.
(5) في كتابه هذا ،استعرض C.I. Glicksbery مجموعة صور متكاملة لتمثيلات ذات كهذه، من مثل " الذات بلا إله"، الصفحات 3 وما بعدها، "الصورة الحيوانية للذات"، الصفحات 39 وما بعدها،" صورة الذات الميكانيكية"، الصفحات 48 وما بعدها،"الذات العدمية" الصفحات 62 وما بعدها ،" نسبية الذات" الصفحات 71 وما بعدها. الا أن الافتراضات المتضمنة في حكمه على الموقف المعاصر ما زالت تثير جدالاً واسع النطاق من مثل قوله ،" بدون الله ، على الانسان أن يستسلم للعيش في فراغ الحيز ،ضحية للاحداث الطارئة. يعرض أدب القرن العشرين الانسان بذاته المفقوده، بوصفه ابن المتناهي والنسبي،
لا بوصفه ابناً لله"، ص350. "عندما ينفى الانسان من الخلود، يتلبسه الشيطان. وتسعى ذاته المفتقرة لأي مركز روحي يمكنها التعلق به ، الى الحصول على الامان والشعور باليقين من خلال تحالفها مع البدائي والحيواني" ، ص47.
(6) ينظر أيضا
D. Heinrich “Kunst Und Kunstphilosophie der Gegnwart,”in Immanente Asthetik-Asthetische- Reflexion (Poetik und Hermeneutik ,II), ed., W. Iser.(Munich, 1966) ,PP.18ff.
(7) يمكن قياس أهميته من حقيقة شدة اهتمام شخصيات مختلفة تماما أمثال أوسكار وايلد وكاردينال نيومان به. في المقاصد وروح الانسان، ( لندن ،1908) ص187، يبين وايلد إن "…الثقافة الذاتية هي المثال الحقيقي للانسان أدرك ذلك غوته ،والفضل الذي ندين به له أعظم مما ندين به لأي شخص آخر منذ أيام الاغريق…لأن تطور الجنس البشري يعتمد على تطور الفرد ،وحيثما لا تكون الثقافة الذاتية المثال، ينحط المعيار الفكري حالاً، وعادة ما يضيع هذا المعيار في نهاية الامر" الصفحات 185 وما بعدها.ينظر جون هنري نيومان، Apologia Pro vita Sua ( لندن، 1864) الصفحات323، 377، وGh. F. Harrold جون هنري
نيومان :دراسة تفسيرية ونقدية لذهنه وفنه وفكره( لندن ،نيويورك، تورنتو، 1945)، الصفحات 138 وما بعدها، وتظهر أفكار مماثلة لهذه في ماثيو ارنولد ، الثقافة والفوضى، (لندن ، 1889)، ص 8.
(8) والتر باتر ، عصر النهضة: دراسات في الفن والشعر( لندن ،1919) ،ص227.
(9) والتر باتر ، تقييمات ،(لندن، 1920) الصفحات 37 وما بعدها.
(10) المصدر نفسه ، ص38.
(11)المصدر نفسه، ينظر أيضا رأي ترولوب المقتبس بالتفصيل في جيوفري تيلوتسون، ثاكري الروائي ( لندن، 1963) ص 127.
(12) ينظر م. أي.أبرامز، المرآة والمصباح: النظرية الرومانتيكية والتراث النقدي ،(مكتبة نورتن) (نيويورك ،1958) الصفحات 127، 176، 195.
(13) ينظر: ج .لوكاس،Der Historische Roman (برلين ،1955)،الصفحات 213وما بعدها و219.
(14) وليم ميكبيس ثاكري، تأريخ هنري أزموند :الاعمال الكاملة(The Centenary Biographical Edition)
المحرر ليدي رتشي ، (لندن ،1911) ،الكتاب العاشر:الجزء الثاني.
(15)المصدر نفسه، ص 4.
(16)المصدر نفسه ، ص 68،تنظر مقالة أج. أي. تالون"الزمن والذاكرة في ثاكري، هنري أزموند: مقالتان حول ثاكري(Dijon، بلا تاريخ) الصفحات 33 وما بعدها. ظهرت المقالة في الاصل في Review of English Studies New Series 13 (1962).
(17) لوكاش، ,Der Historische Roman ص. 217. للاطلاع على المزيد حول ’الموضوع‘ و’الذاتانية‘، ينظر أيضا الخاتمة التي كتبها أر. سوهنل لـ Die Geschichte des Henry Esmond ( Exempla Classica, 77) (فرانكفورت ،1963) ،ص 418.
(18) جي لوفبورو، ثاكري وشكل الرواية ( برنستن ،1964) ،ص164.كاثلين تيلوتسون، روايات الاربعينيات من القرن الثامن عشر(أكسفورد، 1961) ،ص99، التي تؤكد على البنية المزدوجة في هنري أزموند بوصفها رواية " تاريخية" ورواية" ذاكرة".
(19) ثاكري، هنري أزموند ، ص128، أكد جي أي ليستر في" تقنية ثاكري الروائية" P M L A 69(1954) :399، على اهتمام ثاكري في روايته بردود أفعال شخصياته تجاه الاحداث، اذ كان هذا الاهتمام أشد من هتمامه بالاحداث ذاتها" ، ينظر أيضا ص402.
(20) يتخذ لوكاش في Der Historische Roman موقفاً سلبياً تماماً تجاه هذه الحالة، اذ يبين أنه "…كلما زداد تركيز [ ثاكري] على الطبيعة السايكولوجيته الخاصة، بدت الأشياء المشاهدة من منظور تأريخي أشد أعتباطية" .
(21)ينظر ثاكري ، هنري أزموند ، الصفحات 44 وما بعدها.
(22) المصدر نفسه، الصفحات 102 و 210.
(23) المصدر نفسه، الصفحات 103 وما بعدها.
(24) المصدر نفسه، الصفحات 161 وما بعدها و 183 وما بعدها.
(25) ينظر تحديدا نقطة التحول في حياة أزموند في أعقاب عودته من حرب الخلافة الاسبانية، وزيارته لعائلة كاسلوود. لقد أصبح أزموند جنديا لاثارة أعجاب بياتريس، الا أن العلاقات تغيرت الان، اذ انها تحب شخصا آخر،في الوقت الذي يكتشف فيه أزموند مشاعره تجاه السيدة كاسلوود. ولذا لم يعد رجوعه الى ساحة الحرب يتلاءم والحالة الجديدة التي وجد نفسه بها. عندئذ، تتباين أهمية دافعه الأصلي ليصبح جندياً، ولذلك، فأن مشاركاته في الحرب بعد ذلك تتم في ظل ظروف متغيرة تعمل عادة على تعديل موقفه الكلي وتسهم في رؤيته للاحداث من زاوية مختلفة تماما، ينظر المصدر
نفسه، ،الصفحات 228- 256 و345 وما بعدها.
(26) المصدر نفسه، الصفحات 185 وما بعدها و 215.
(27) المصدر نفسه، الصفحات 176 وما بعدها و 200 وما بعدها.
(28) المصدر نفسه، الصفحات 206 وما بعدها.
(29) المصدر نفسه، الصفحات 261 وما بعدها.
(30) المصدر نفسه ، ص 269.
(31) المصدر نفسه، ص435.
(32) J.C. Powyes ، السيرة الذاتية ( لندن،1949)، الصفحات 426 وما بعدها،كتب أزموند في نهاية حكايته تقريبا:"أن أفكارنا العظيمة وعواطفنا وحقائق حياتنا تلازمنا دوماً. بالتاكيد لا يمكنها الانفصال عن وعينا، وستتبعه حيثما ذهب، وهي بطبيعتها مقدسة وخالدة". ثاكري، هنري أزموند، ص 423.
(33) لغرض التمييز بين السيرة الذاتية، والمذكرات اليومية والذكريات، ينظر باسكال ، التصميم والحقيقة في السيرة الذاتية(لندن ،1960) الصفحات 2 وما بعدها، 5وما بعدها، 9، 10وما بعدها 16 وما بعدها،45، 59 ،182.
(34) ينظر ثاكري ، هنري أزموند ، الصفحات 112-114، 213-215، 393-395.
(35) تروى مقاطع مهمة ،أمثال التأملات الخاصة بفردانية شخصية أزموند والصلة بين التأريخ والمشاهدة الذاتية بالشخص الاول المفرد ، ينظر المصدر نفسه، الصفحات 4 و 182.
(36) مثال المصدر نفسه ،الصفحات 92، 140 ،210 ،222 ،327.
(37) مثال المصدر نفسه ،الصفحات 315 ،329 ،343 ،410- 413.
(38) مثال المصدر نفسه ،الصفحات 396- 400 ، 442.
(39) مثال المصدر نفسه ، ص 166.
(40) مثال المصدر نفسه ، ص142.
(41) مثال المصدر نفسه ،الصفحات 75 ،165 وما بعدها، 269 ،374.
(43) مثال المصدر نفسه ،الصفحات 185 ،373 ،423.
(44) يقول لوفبورو في ثاكري ،الصفحات 176 وما بعدها: "ترتبط ادراكات أزموند الذهنية عادة بحدث أدبي…أذ يتوقف تقدم الحبكة الادبية مؤقتاً في كل مثال ملحمي،وتتطور السلسلة التعبيرية الحاسمة في سياق يخلو من الفعل السردي ".تمثل توازيات أزموند الكلاسيكية خبرة تخيلية، ويتم تعديل خاصية هذه الخبرة ايحائياً في سياق نثر ثاكري، (ص 116)، للاطلاع على المزيد من المعلومات حول وظيفة الصور في أسلوب ثاكري، ينظر أيضا جيوفري تيلوتسون، ثاكري : الروائي، الصفحات 37 وما بعدها.لاحظ الطبيعة الساخرة للتضمينات أو الاستعارات الادبية واستخداماتها، ينظر ثاكري، هنري
أزموند، ص374، وبوصفه مثالاً المصدر نفسه ،ص403، وتنظر كذلك الوظيفة الساخرة لأستعارات كهذه.
(45) ينظر ثاكري، هنري أزموند، الصفحات 108 وما بعدها، 269 وما بعدها و385 وما بعدها، ينظر أيضا الصراع مع أديسون ،الذي يعد الادب تغييراً، وهذا يؤدي بأزموند الى انتقاد نفسه بشدة ،الصفحات 281 وما بعدها.
(46) المصدر نفسه ،الصفحات 121 ،243 ، 346 ،374 وما بعدها.
(47) المصدر نفسه ، ص 398 .
(48) المصدر نفسه ، ص 296.
(49) باسكال ، التصميم والحقيقة ، ص 16.
(50) المصدر نفسه ، ص 17.
(51) M.Theunissen, Der Andere (Berlin ,1965)
ص. 27 ينظر أيضا النقاش حول معنى مصطلح " الاختزال" ،(Reduktion) كما هو مبين في ظاهراتية هوسرل.
(52) ر. هيوز،" المقدمة"، وليم فوكنر، الصخب والعنف (PenguinBooks) ( هارموندسورث، 1964) ، ص8. لا يسع المجال هنا لمناقشة الدراسات الخاصة بفوكنر.تحتوي مقدمة
M. Christadler ,Natur und Geschichte im werk William Faulkners (beihefte zum Jahrbuch fur Amerika- studien ,8) (Heidelberg ,1962). على عرض نقدي مفصل لاعمال فوكنر المهمة. كما تظهر الاتجاهات الرئيسة في التراث النقدي لفوكنر في مقالة شتراوسمان ،" الاصداء المبكرة لاعمال فوكنر في أوروبا: تقويم تجريبي" في English Studies Today (4th Series) (روما ،1966) ، الصفحات 443 –459.
(53) وليم فوكنر، الصخب والعنف ، ص 442.
(54) See, e.g., G. Irle ,Der Psychiatrische Roman ( Stuttgart ,1965) ,PP. 114- 124.
(55) ينظر أيضا مقال أو. دبليو فاكري المهمة "اللغة كثيمة وتقنية"، في الرواية الامريكية الحديثة : مقالات في النقد ، المحرر أي. دبليو لتز ،(نيويورك ،1963) ،الصفحات 179 وما بعدها.
(56) ينظرG.R.Stewart وJ. M. Backus "كل شيء في مكانه بالضبط: البنية والسرد في الجزء الخاص ببنجي في الصخب والعنف، American Literature 29 (1958):440- 156.
(57) ينظر مثالاً وجهة نظر أر. همفري حول فوكنر في تيار الوعي في الرواية الحديثة( بيركلي ولوس أنجلوس ، 1959).ناقش همفري في مقاله،"شكل تيار الوعي ووظيفته في وليم فوكنر الصخب والعنف"، University of Kansas City Review 19 (1952):34- 40، دلالة الرموز التي تحدد بنية تيار الوعي في هذه الرواية تحديدا.
(58) ينظر النقاش حول ادراك الزمن في أم. ميرلوبونتي، ظاهراتية الادراك، ترجمة كولن سمث(نيويورك، 1962) ،الصفحات 411 وما بعدها.
(59) لاحظ الجاذبية التي تتمتع بها فكرة الجنون بالنسبة لفوكنر، ينظر، الصفحات 69 وما بعدها Christadler ,Natur und Geschichte
(60) ينظر فوكنر ، الصخب والعنف،الصفحات 11 وما بعدها، راجع شكل الافتتاحية "العرضية" للروايات ،ينظر أر. أم. جوردن " حدود الوهم: فوكنر ،فيلدنغ وجوسر" Criticism 2 (1960) :284 وما بعدها.
(61) ينظر أيضاَ جي. بيير ،
Bewusstseinslagen des Erzahlens und erzahlte Wirklichkeiten (Studien zur amerkanischen Literatur und Geschichte, III( Leiden, 1966) , P.129.
والادب الذي يتعامل معه ، ينظر أيضاَ جوردن ، ’حدود الوهم‘ ،ص 286 وما بعدها.
(62) أم. ميرلوبونتي، الظاهراتية ، الصفحات 374 وما بعدها.
(63) تعد العلاقة مع كادي ،أخت بنجي، العلاقة الوحيدة التي تتمتع بمعالم واضحة، مقارنة بالعلاقات مع بقية أفراد عائلة كومبسون. اذ واصل بنجي حديثه عن حقيقة أن كادي تشم رائحة الاشجار، إلا أن التكرار الممل لهذه المشاهدة يبين مدى شعوره بالتوتر، وهذا يؤدي الى أضمار أنفرادية كادي، التي تبقى في حالة من الحركة المتواصلة ضمن خيال بنجي. وهكذا، تتباين أهمية الاشخاص بالنسبة لبنجي. ولكن ولعجزه عن تمييز انفراديتهم ، لا يستطيع القارئ تكوين أي فكرة خلا انطباعات مشوشة عنهم، ينظر أو. دبليو. فكري: روايات وليم فوكنر : تأويل أدبي (Baton Rouge ، 2 1961) ، ص 31.
(64) ميرلو بونتي، الظاهراتية ، ص 382 ،ينظر أيضا أي.آ باولنغ، " فوكنر :التقنية في الصخب والعنف "،Kenyon Review 10 (1948) : 558.
(65) فوكنر ، الصخب والعنف ،ص 73.
(66)المصدر نفسه J. Onimus, “ L’Expression du Temps dans le Romans Contemporain,” Revue de Literature Comparee 28 (1954): 314,
يعد أونيموس أستحالة الرجوع عبر الزمن الى الاصل المشكلة الاساس في فوكنر.
(67) فوكنر ، الصخب والعنف ،ص73.
(68) المصدر نفسه ، ص74 .
(69) المصدر نفسه .
(70) ينظر المصدر نفسه، الصفحات 76وما بعدها ،79 ،80 وما بعدها،155،157. ينظر أيضا ب. لاوري،" مفاهيم الزمن في الصخب والعنف "في English Institute Essays (1952), ed. A. S. Downer ( نيويورك ، 1954) ، ص 70.
(71) ينظر فوكنر ، الصخب والعنف ،ص79.
(72) لمايرهوف ، الزمن في الأدب (بيركلي ولوس أنجلوس، 1960) ، الصفحات 26-54، رأيا مختلف حول هذه المشكلة. وعلى الرغم من عدم مناقشته لفوكنر تحديداً في " حول الزمن والذات"، واعتماده على مؤلفات بروست، وولف، وجويس، إلا أنه تمسك بفكرة انسيابية تيار الزمن القديمة: "انه تيار الوعي" الذي يوضح عنصر الفترة في الزمن وأوجه الذات المستعدة للتحمل أو يجعله مفهوماً. صممت هذه التقنية لتخلق أنطباع مرئي مفاده إن التفكير بالذات بوصفها وحدة متواصلة على الرغم من تعدد الاوجه المحير والفوضوي للخبرة المباشرة هو أمر ذا معنى ومفهوم تماماً. وبذا، تتطابق استمرارية
"نهرالزمن" وتيار الوعي ضمن الذات. وبكلمات أخر، يعبر الرمز ذاته "النهر" عن وحدة التأويل ذاتها ضمن الزمن والذات. الأهم من ذلك، أنتقال هذا الجانب من الذات بالتقنية الأقترانية، أو "منطق الصور" الفاعلة ضمن تيار الوعي. ان ما يربط القطع الفوضوية الطافية في أحلام اليقظة والفنطازيا لدى الفرد ويمنحها كياناً متسقاً هو أحتوائها على معنى ما- معنى يدرك بوساطة صور أقترانية مميزة- ويحدث ذلك فقط عند رؤيتها وفقا لمنظور الذات نفسها".(ص 37). تعرض الصور القديمة النهر الجاري بوصفه تماثلاً قياسياًً للذات، بحيث يمكن تخيل الزمن بوصفه مرحلة والذات بوصفها
سلسلة أقترانية متواصلة ضمن هذه الفترة لغرض تمكين الذات من تخيل أستمراريتها. ألا أن هذا التصنيف لم يعد متلائماً مع مفهوم وعي الزمن لدى فوكنر( أي ، زامنية الذات)، لعجزه عن تحيين الذات من خلال تعاقب أشكالها المستذكرة. وبذا ،لا يبدو مدهشا اتخاذ مايرهوف من بروست المثال الرئيس لمفهومه عن الزمن والذات. وكما لاحظنا في فوكنر، فإن الذات بوصفها ظاهرة زمنية لا تضمن هويتها الخاصة بواسطة الذاكرة، إلا أن ميرهوف يرى أن الذاكرة توفر الاساس لتحيين الذات الانوية بشكلها التخيلي. وتؤكد النظريات السايكولوجية، منذ أمد بعيد، على العلاقة التكاملية
بين الذاكرة والذات. ويختلف الماضي، كما لاحظنا، عن المستقبل من ناحية تجاهله للسجلات الموثقة، بينما لا يقوم المستقبل بذلك. كما أن الذهن هو جهاز تسجيل شديد التعقيد والحساسية: أعرف من أنا استنادا الى السجلات والعلاقات المؤلفة للذاكرة التي هي ذاكرتي، والتي تختلف في بنيتها عن ذاكرة الاخرين"، ص43. ينبغي هنا دراسة مفهوم الزمن لدى فوكنر أزاء هذه الخلفية المقبولة عموما لغرض أدراك الاحتمالات المتوارثة فيها. ولا يمكن لا لصورة نهر الزمن ولا لنشاطات الذاكرة المتراكمة مساعدتنا في فهم زامنية الذات على نحو تام. فرض أم. أل. برتون في M. Le Breton ," Temps
et Personne chez William Faulkner," Journal de Psychologie Normale et Pathologique 44 (1951): 344- 354 على سلوك بنجي وكوينتاين مفهوما معياريا للهوية لا يمت لهما بصلة (ص346)، وأصاب عندما قال إنَ الزمن هو سيد كوينتاين ( ينظر ،الصفحات 353 وما بعدها). لا يبدو مناسبا هنا التركيز على نقد سارتر لمفهوم الزمن لدى فوكنر ، ينظر
Peper ,Bewusstseinstagen des Erzahlens,PP. 135ff and H. Strausmann, “Das Zeitproblem im englischen und amerkanischen Roman :Sterne, Joyce , Faulkner und Wilder,” in Das Zeitproblem im 20 .Jahrhundert, ed., R. W. Meyer ( Berne , 1966), P.156.
بين J. K. Simonkrh نقاط التشابه بين فوكنر وسارتر في "فوكنر وسارتر: المسخ والبذيء" Comparative Literature 15 (1963) :216 – 225.
(73)ينظر فوكنر، الصخب والعنف، الصفحات 94 ، 104،111،122 و154. ترد " الظل "بوصفها كلمة رئيسة في الصخب والعنف، وأكتسب الظل في ك. جي.غيبونز،"ظل كوينتاين"،Literature and Psychology 12 (1962) :16- 24، "تأويلا سايكولوجيا تاما. كما أورد فاكري في روايات فوكنر تأويلا أكثر شمولية لثيمة الظل.
(74) فوكنر ، الصخب والعنف ،ص 154.
(75) المصدر نفسه ، ص 160. ينظر أيضا،P. Swiggart ، فن روايات فوكنر (أوستن ،1962) ، ص95.
(76) ينظر فوكنر ، الصخب والعنف ،ص 115 وما بعدها.
(77) المصدر نفسه ،الصفحات 128 و134. ينظر أيضا، فاكري، روايات فوكنر، ص 307.
(78)ينظر فوكنر ، الصخب والعنف ، الصفحات 136 وما بعدها.
(79) المصدر نفسه ، ص.151.
(80) مارليو بونتي ، الظاهراتية ، ص 240.
(81) فوكنر ، الصخب والعنف ،ص109.
(82) ينظر المصدر نفسه، الصفحات 187، 189 و194 وما بعدها. لاحظ مسألة اعتبار جايسون الشخص "السليم" الوحيد في عائلة كومبسون، وموقعه المثير للسخرية بين الأخوة "المرضى". ينظر أس. بروكس، الإله الخفي ،(نيوهافن ،لندن،1963)، ص 41.تلاحظ هنا مبالغة بروكس في تفسيره المجازي الخاص بجايسون في "مونولوجات الصخب والعنف" English Institute Essays (1952)، المحرر أي. س. داونر (نيويورك،1954) ص34. يرى كولنز في جايسون "اللاعب المسكين" في حوار مماثل لماكبث. بينما توخى أل.ثومبسون الحذرفي مناقشته العلاقة بين الشخصيات في" أمثلة المرآة في الصخب والعنف"، في وليم فوكنر: ثلاث عقود من النقد
،المحرر،جي. هوفمان و أو دبليو فكري (East Lansing ،1960)، الصفحات 211 –225.
(83) فوكنر ، الصخب والعنف(Vantage Books ) (نيويورك، بلا تاريخ)، ص22.
(84) ينظر Peper ,Bewusstseinstagen des Erzahlens،الصفحات 160 وما بعدها، ينظر أيضا A. Kazin,”Faulkner in His Fury" في الرواية الامريكية الحديثة: مقالات في النقد ، المحررA. W. Litz (نيويورك ،1963)، ص 177، وChristadler, Natur und Geschichte ، الصفحات 55 وما بعدها ، 62، 177وما بعدها.
(85) مارليو بونتي، الظاهراتية ،ص. 242، راجع أيضا السياق الذي تم فيه مناقشة ذلك.
(86) See Nathalie Sarraute, L’Ere du SoupÇon, Essais sur le Roman ( Paris, 1956),PP. 119ff.
(87)اعتمدت في هذا المبحث على جزء من مقالي "حوار اللامحكي" ، الصفحات 242 وما بعدها؛ راجع أيضا " المقدمة" ،ص 14.
(88) Roman Ingarden, Das Literarische Kunstwerk (Tubingen, 2 1960) ,P. 408f.
(89)اقتبست هذه العبارة باميلا هانس فورد جونسن، ايفي كوميتون-بيرنت (لندن،1951)، ص36. يعد كتاب ر.ليدل، روايات ايفي كومبتون-بيرنت (لندن،1955)،و ف. بالدانزا، ايفي كومبتون بيرنت( Twayne’s English Author Series) ،(نيويورك، 1964) من بين الدراسات الاشمل والاعمق التي صدرت عن هذه الروائية لحد الان.
(90) لاحظ جي. أل.ستاين، عناصر الدراما (كامبردج، 1963)، ص 12 ميول أيفي كومبتون – بيرنت اللسانية ازاء إتجاهات الحوار الدرامي، تنظر Nathalie Sarraute, L’Ere du SoupÇon, ،ص 122 ومناقشة برستون لـ تراث وتاريخه في "المادة في كلمة" ” The Matter in a Word", Essays in Criticism 10 (1960): ص348 وما بعدها.
(91) ينظر ايفي كومبتون-بيرنت، تراث وتاريخه (لندن، 1959)، ص103.
(92) المصدر نفسه ، الصفحات 101 وما بعدها.
(93) المصدر نفسه ، ص 115.
(94) المصدر نفسه ، ص 160.
(95) يتضح هذا، مثالاً، في الحوار الافتتاحي بين سيمون وشالونر. في "حوار اللامحكي"، حاولت ايضاح السمات الخاصة بحوارات كهذه ،الصفحات 239وما بعدها.
(96) ينظر كومبتون-بيرنت، تراث ، ص 7.
(97) المصدر نفسه ،الصفحات 103 وما بعدها.
(98) المصدر نفسه ، الصفحات 145 وما بعدها.
(99) المصدر نفسه ،الصفحات 167.
(100) كومبتون-بيرنت، تراث ، 22.
(101) كومبتون-بيرنت، تراث ،الصفحات 239 وما بعدها.
(102) ذكر هذه الملاحظة H. Corke، "روايات جديدة" The Listner ،58،العدد 1483 (1957):322 في مناقشته لـ اب ومصيره. ما يهم هنا امكانية توظيف هذه الملاحظة على الحوار في مجمل روايات أيفي كومبيتون- بيرنت، وكان كورك يريد اظهارها بهذا المعنى.
(103) جونسون ،أيفي كومبتون-بيرنت، تراث ،ص. 11.
(104) كومبتون-بيرنت، تراث ،ص 188.
(105) See ,H. Spiel ,Der Park und Die Wildnis Zur Situation der neueren englischen Literatur
( ميونخ، 1953) ،الصفحات، 128 وما بعدها.
(106) راجع المسألة الاخلاقية ، ينظر س. هامشير، "فن الاخلاقي" ،Encounter 9(1957):80.
(107) ينظر Nathalie Sarraute, L’Ere du SoupÇon, ، ص 70.
(108) مقتبسة جونسون ،أيفي كومبتون-بيرنت، تراث ،ص 36.
(109) أيفي كومبتون-بيرنت، تراث ،ص238.
(110) المصدر نفسه ،ص 228.
(111) Friedrich Nietzsche ,Gesammelte Werke, 16 (Musarionausgabe)(ميونخ ،1925)،
الصفحات، 59 وما بعدها وص 122.
(112) صاموئيل بيكت، مولي،(Grove Press) ( نيويورك ،7بلا تاريخ)، ص 241.
(113) المصدر نفسه ، الصفحات 18 وما بعدها.
(114) المصدر نفسه ، الصفحات 118 وما بعدها. هناك تنويع مهم على هذه الفكرة: "لا رغبة لك للحديث، لا تعرف ما الذي تريد قوله، لا تستطيع قول ما تعتقد أنك تريد قوله ،ولا تتوقف أبدا عن الحديث، أو بالكاد يمكنك ذلك ،هذا ما يجب عليك تذكره، حتى في زحمة التأليف".( ص 36)؛ ينظر أيضا الصفحات 40 وما بعدها. لاحظ زلتنر أن بكيت يرى في الكلمات ذاتها" ظاهرة انفصام" G.Zeltner-Neukomm ,Die eigenmachtige Sparche (Olten and Freiburg, بلا تاريخ
(115)See also M. Kesting, Vermessungen des Labyrinths , Studien zur modernen Asthetik
(فرانكفورت ،1965)، ص68وما بعدها، والتوازيات الادبية التي حاول كنر ربطها بالحالة. تنظر مقدمة أر. فردمان في رحلة الى الفوضى:الروايات المبكرة لصامويل بيكت. (بيركلي ولوس أنجلوس، 1965)،للتعرف على نطاق المشاكل المعالجة فيها.
(116) صاموئيل بيكت، مولي، ص 41 ، إلا أن مولي يتأمل مجمل مضامين هذه الملاحظة مباشرةً.
(117) ساموئيل بيكت ، مالون يموت، (Grove Press) ( نيويورك ،5 1956)، الصفحات 2 وما بعدها وص 4.
(118) ينظر ،مثالاً المصدر نفسه ،ص 33:"لقد كتبت للتو ،أخشى أني سقطت، الى آخره. آمل أن ذلك ليس تشويهاً تاماً للحقيقة. وطالما يكتب مالوني عن ما كتبه، فلا يخشى خطر الابتعاد عن الحقيقة، لان الكتابة هي واسطة الرواية، كما أن جعل الكتابة ذاتها موضوعا للعمل الادبي يعني التحرك ضمن نمط الرواية والامتناع عن أستعمالها للتعبيرعن موضوعات أخرى ضمن هذا النمط.
(119) ينظر مثالاً ، المصدر نفسه ، ص 17.
(120) المصدر نفسه ، ص 12.
(121) المصدر نفسه ، ص 51.
(122) المصدر نفسه ، ص 107.
(123)See U. Schramm, Fiktion und Reflexion, Uberlegungen zu Musil und Beckett
(فرانكفورت ،1967)، الصفحات 205 وما بعدها. يرى شرام في فكرة لعبة النهاية موديلا يوضح الحركة في مسرحيات بيكت. تعاود الفكرة الظهور في الروايات، لأن مالوني يرى في اللعبة نفسها احتمالية جمالية " للعب" حالته. وعندما يقرر سرد القصص واعداد قائمة بأشيائه، يقول: "قررت تذكير نفسي بايجاز بأوضاعي الحالية قبل البدء بسرد القصص. أعتقد أن هذا خطأ .انها نقطة ضعف، إلا أنني أشعر بالرضا، وٍاحاول تجربة أشياء أروع فيما بعد. وستضاف هذه الى البيان المفصل للشخصية. ولهذا السبب ، فإن الجماليات تقف الى جانبي، على الاقل ،أنواع معينة منها.
(124) بيكت ، مالوني يموت، ص 18.
(125) المصدر نفسه ، ص 97.
(126) المصدر نفسه ، ص 19.
(127) بيكت ، اللامسمى ،(Grove Press) ( نيويورك ،1958)، ص 3.
(128) المصدر نفسه ، ص 179.
(129)أدين بالفضل في هذه الملاحظة الى مانفريد سمودا، ينظر أيضاً
Becketts Prosa als Metasparche ( Theorie und Geschichte der Literatur und der schonen Kunste ,10)( Munich, 1970).
(130) بيكيت ، اللامسمى ، ص 22.
(131) المصدر نفسه ، ص 37.
(132) المصدر نفسه ، ص 38 .
(133) المصدر نفسه ، ص 51.
(134) قال عن "الجشتالت" والاصوات ،"آه، لو يبدأون فقط، ويفعلوا ما يرغبون به معي، وينجحون ،في نهاية الامر، في القيام بذلك ،أنا مستعد لأكون أي شيء يريدونه، تعبت من كوني مادة، مادة تضرب بلا جدوى وتلكم باستمرار… آه لو أستطيع فقط ايجاد صوت خاص بي، في كل هذه الفوضى لان ذلك سيضع نهاية لمتاعبنا جميعاً. هذا هو السبب في مجمل حالات الصمت، أن أحاول وأسعى لتدميرهم" (الصفحات 84 وما بعدها). ان شعور اللامسمى بالتعب من كونه مادة – يعني عدم تمكنه من الشعور بالراحة في الحالة الوقائعية البحتة. في الحقيقة، تسهم هذه الحالة تحديدا في بروز العديد من الاصوات
والجشتالات والأفكار التي أثيرت لغرض جعل الطبيعة المادية للوقائعي مفهومة. يدرك اللامسمى، في الوقت نفسه ، حقيقة عدم تماثله مع "الجشتالات" هذه .وهذا هو سبب صمت الاصوات أحياناً- رغم حدوث ذلك لحثه، مرة أخرى، على أدراك حتمية التمثيل الذاتي المتواصل. وعندما ادراك اللامسمى تخلي الاصوات عنه في نهاية الامر، فإنه يشعر بالوقع الاليم لذلك على نفسه.(162). يعاني اللامسمى من مشكلة تحريض الاصوات له للاستمرار في اختلاق نفسه. وقد تضاعف حجم معاناته حاليا بسبب تهديد الاصوات بتركه، وذلك لعجز الذات ، بحالتها المجردة الصرفة، عن الشعور بالسلام أو
امتلاك المعرفة. وقد أسهمت هذه الحقيقة في ظهور الاصوات، والان وبعد أختفائها ظاهرياً عن الأنظار، فإنها لن تترك اللامسمى بعد الان بحالته المجردة تلك، لأنها أبلغته حقيقة عجزه عن الشعور بالسلام في حالته تلك. ولذا ينبغي عليه الاستمرار.
(135) بكيت، اللامسمى ،ص 83. ينظر النقاش النقدي الخاص باعمال بكيت الذي قام به أر. بومغارت
R. Baumgart, Literatur fur Zeitgenossen ( edition suhrkamp) (فرانكفورت ،1966)
الصفحات 165 وما بعدها، تحت عنوان، “ Kein Nutzen aus Beckett.”
(136) بيكت، اللامسمى ،ص 139.علق أي كرونن ،في قضية الحداثة (لندن،1966) ،
ص 108 على مواجهات اللامسمى مع نفسه كآلاتي: "لا يمكن للفنان المهتم بالحقيقة تحديدا الوصول اليها سوى بواسطة الرواية. تظهر عمليات خلق اللامسمى ومولوي ومالوني وماكمان والشخصيات الاخر في المخطط السردي لبيكت كبديل لا لشخصية اللامسمى غير الموجودة، بل بوصفها مثالاً للسخرية اللاذعة في بحث الفنان عن نفسه. هناك شعور، لذلك بأن الاصوات على حق ، أو على الاقل تبدو كذلك. وتبدو هنا استحالة ايجاد الذات إلا من خلال تبني آلية سردية والدخول في متاهة قد لا تقود الى النفس مرة آخرى. لمراجعة السياق المعاصر للبحث عن الذات، ينظرDas Wagnis des franzosischen Gegenwartsromans
(rowohlts deutsche enzyklopadie (Reinbek ,109) الصفحات 144 وما بعدها.
(137) بيكت ، مولي ، ص 152.
(138) ميرليو بونتي ، الظاهراتية ، الصفحات 295 وما بعدها.
(139) D. Wellerschoff,” Gescheiterte Entmythologisierung . Zu den Romanen Samuel Becketts,” Merkur 17( 1963) :546.
ينظر كرونن في قضية الحداثة، الصفحات 109 وما بعدها، الى تحول الخبرة بوصفها وظيفة الفنان الاساسية، وكما بين في نهاية تأويله لخبرة بيكت: "في حالة كونه فنانا عظيما ،فإن رؤيته لا تمثل اضافة الى معارفنا المكتسبة مسبقا عن الخبرة، بمعنى اضافته جزءاًً الى تلك الدائرة غير المكتملة بعد، والتي تمثل سجلاً كاملاً للخبرة البشرية حسب، بل ستلقي مزيدا من الضوء على الجزء الموجود منه أصلا".
(140) سايفر ، فقدان الذات ، ص 150.



* المقالة مستلة من كتاب القارئ الضمني: انماط الاتصال في الرواية من بنيان الى بيكت
للمنظر الادبي والناقد ولفكانك ايزر، ترجمة د. هناء خليف غني من اصدارات دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد 2006.

د. هناء خليف غني
اكاديمية ومترجمة من العراق
hanaakhleif@yahoo.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث