الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
دوستويفسكي ومهمة البحث عن الإنسان في الإنسان
عدنان المبارك
دوستويفسكي ومهمة البحث عن الإنسان في الإنسان
دوستويفسكي





عن دار جامعة برنستون الأمريكية صدر كتاب يملك الطموح الموسوعي وأظنها المرة الأولى التي تجري فيها محاولة طرح كامل أفكار وتجارب وكتابات فيدور دوستويفسكي أمام القاريء الغربي خاصة. ومعروفة هنا الكمائن التي يقع فيها مؤرخو الأدب عادة. الا أن هذا الكتاب ليس بتأريخ للأدب بل كما قال عنه النقاد هنا وهناك بأنه رواية - موزائيك صنعت من قطع صغيرة ملونة ذات قيم متفاوتة. فنحن نلقى ، على السواء ، تفسيرات لأعمال دوستويفسكي وبورتريهات بسيكولوجية لخليلاته وبيوغرافيا أدبية وأخرى مقرّبة خصوصية و تحليلا للسرد الروائي و قضايا اللاهوت الأرثوذكسي. كذلك شغلت حيزا ليس بالصغيرالأجوبة على تلك ( الأسئلة اللعينة ) التي صارعها الروسي طوال حياته...
والجزء الأول من الكتاب بعنوان ( بذور التمرد ) كرسه المؤلف جوزيف فرانك لفترة من حياة دوستويفسكي بين أعوام 1821 و1849 والتي شملت بداياته الكتابية حين كان يحلم بالتأليف للمسرح ( كتب حينها مسرحية "اليهودي يانكيل" المفقودة ) ويقلد الكثيرين من الكتاب ولايعرف أيّ واحد منهم سيقتفي خطواته : غوغول ، هوفمان ، شيللر ، بو ، راسين ، هوغو ، يوجين سو...
ويقف المؤلف عند كتابات دوستويفسكي ككاتب تعليقات قصيرة كشفت عن موهبة الباروديا والمحاكاة الساخرة الا أنها كانت محرومة من الحس الفلسفي . فرسائله من تلك الفترة تكشف عن أن الدين والميتافيزيقا ليسا بالأمور التي تشغل باله. ويكتب حينها الى شقيقه ميخائيل : ( هل قرأت كتب شاتوبريان ( عبقرية المسيحية ) ؟ أرجوك أن تلخص لي الفكرة الرئيسية وعلى أي شيء تعتمد ). وفي السنوات التالية كانت المفاهيم الفلسفية واللاهوتية ( ملخصة ) على يد الآخرين. حينها كانت تظهر رواياته بأشكال غريبة وغروتسكية ضاع فيها ميسم الكاتب بالفعل. ويبين فرانك أن رسائل دوستويفسكي الأولى هي فوضى للمفاهيم والأحلام والشخوص الأدبية والمطامح والمطالعات التي لم تعرف التنسيق في ذهن الكاتب الشاب. وفي عام 1838 يكتب الى شقيقه معلنا:( لدي خطة معينة في الحياة : سأكون مجنونا . وليضعوني في المستشفى وليفحصوني ويعالجوني. ولنر إذا كانوا قادرين على إشفائي). والخطط ذاتها كانت تعشعش في رأس الراوية من ( محقرون ومهانون ) ذلك الأديب الفاشل الذي يحلم بإنبعاثه روائيا عظيما في دار المجانين . ولوحصل وكان في تلك الأربعينات نزيلا في مثل تلك الدار لأفاد التشخيص الطبي بمعاناة من تضخم رومانسي بالغ وطموح مهووس في الوصول الى إحدى ذرى الأدب. ويكتب الى شقيقه: ( لقد وصلت الى نتيجة هي أن هوميروس الأسطوري شبيه للغاية بالمسيح. إنه ربّ مجسّد أرسل لتحرير البشرية . إذن لاينبغي مقارنة هوميروس بغيته بل بالمسيح). وبذات اللهجة يتكلم عن شخصية شكسبير ( الإلهية ). بالطبع لاصلة لهذه ( الإستنتاجات ) بلاهوت الكنيسة الأرثوذكسية التي بحثت الأكثرية فيه عن المفتاح لفك أسرار دوستويفسكي . ويرى المؤلف الأمريكي أن البروفسور الإنجليزي سيرغي هاكيل على صواب حين كتب عن إيمان دوستويفسكي غير المحدّ د، فهل كان أورثوذكسيا أم آخر. وفي الواقع كان دوستويفسكي الشاب مغرما بشكسبير من جهة ، ومن جهة أخرى بالفودفيل وكوميديا ديلارته و( تلك العائلة الخبيثة لمهرجي مسرح " باواغان - الفوضى " الروسي ) . وكان قد عرف حينها بميله القوي الى الميلودراما التي تدور أحداثها في مخادع الأمراء. ومن ناحية أخرى كانت تجذبه كالمأخوذ عروض المهرجين والحواة والمصارعين وغيرهم من فناني الشارع. إن قصصه المبكرة التي صاغها في رواية ( زوجة آخر وزوج تحت الفراش )لاتتكلم ، بالتأكيد ، عن غيبيات الأرثوذكسية، فالإهتمام منصب على ( ريبرتوار) عروض الفودفيل البطرسبورغية والتي نعثر فيها على عناوين مشابهة : ( الزوج والزوجة والصديق ) أو ( الزوج في المدخنة والزوجة في زيارة ). وثمة إحتمال ضعيف بأن يقوم أحد ، عدا المتخصصين ، بمطالعة روايات دوستويفسكي من تلك الفترة . فبعد قراءة ( الأبله ) و ( الأبالسة ) مثلا يخيل للمرء أنه من غير المعقول أن كاتبها هو مؤلف ( اللص الشريف ) و( السيد بروخارتشين ) و( بوزونكوف ) . الا أن الفترة ذاتها جاءت بأعمال مثل ( الليالي البيض) وتلك القصة الطويلة الغروتسكية ( الشبيه ) التي أسماها باختين بالمحاولة الأولى لمسرحة الذات.
ومعروفة كلمة دوستويفسكي عن ( البحث عن الإنسان في الإنسان ) كهدف للتجربة الأدبية. وفي الواقع تعرضت هذه الكلمة ، عبر عقود طويلة ، الى سوء فهم ( وفي أحيان عدة الى التحريف ). إذ عوملت كمؤشر وبيان للكاتب الروسي عن إنسيته وإيمانه بالإنسان الذي لايفقد وحتى إذا كان في قعر الهاوية ، وجهه الإنساني..وبرأيي يبدو أكثر إقناعا ما قاله باختين عن شعرية منهج التعامل الدرامي لشخوص( الشبيهين ) المتخفية وراء الأنا العليا لذات دوستويفسكي...
ويكتب دوستويفسكي المعلق وراصد اخبار مدينة بطرسبورغ والذي يتقدم للقاريء كمراقب ساخر وحالم غارق بالميلانخوليا : ( الثنائية ، القناع . إنها لعبة تستحق الإدانة. لكن الرب شاهد أيها السادة بأن حالنا ستكون أسوأ بكثير إذا كشف كل واحد منا عن وجهه الحقيقي ). وليس بصدفة أن أسمى كاتب هذه التعليقات نفسه بـ( المتسكع ) أي ذلك الإنسان الهائم على وجهه في ضباب اصفر لمدينة شبحية.. إ ن قناع هذا ( المتسكع ) هو أول قناع من بين أقنعة الروسي العديدة. وكانت هناك خطته في إصدار سلسلة من قصصه المبكرة تحت عنوان متميز ( ملاحظات رجل غريب ) ، وبطلها راوية مجهول الهوية وكل ما نعرفه عنه أنه واحد من متشردي بطرسبورغ يسترق السمع لقصص الآخرين. أما قصته فتبقى مجهولة الأمر الذي يذكرنا بعدد من شخصيات دوستويفسكي المتأخرة التي تمثل الإنسان الحالم. وشأن كل متسكع يكون هذا كائنا غامضا معلقا في الأثير لايخضع لقاعدة البداية والنهاية ، بعبارة أخرى هو إنسان بدون خصيصة وبيوغرافيا حتى أن دوستويفسكي يحرمه من الجنس. ويقول في تعليق له إن الحالم هو ( من جنس غير مؤنث ولا مذكر. كما أنه لاينتمي ، في الحقيقة ، الى الجنس البشري ). ويجد المؤلف الأمريكي أن شخوصا مثل الحالم و( المتسكع ) هي إسقاط بصورة ما ، ومن نوع ( السخرية الذاتية ) لدستويفسكي الشاب ، يسمح لنا بتوجيه السؤال الذي كرره لمرات كثيرة بنفسه : بأي شيء يحلم هذا الحالم ؟. أكيد أن مادة الحلم هي ذلك الإحساس الذي أسماه بودلير مرة بالسوداوية ، والميلانخوليا . كذلك هناك الوعي بإنهيار الأحلام ، أحلام الوصول الى القمة الأدبية. وكل هذا أولد أحلاما جديدة في نفس الكاتب الشاب يمكن تسميتها بأحلام الخروج من الوجود اللافعلي لذلك الكويتب من صحف بطرسبورغ و من ثم مواجهة الواقع العاري. وفي الحقيقة سيتحقق هذا الحلم في القريب. لكن ليس في دار المجانين بل في أصقاع سيبيريا... ويتساءل فرانك : ألم يكن الإشتراك في تلك المؤامرة هو الخطوة الأولى في البحث عن القصة الذاتية والنداء المطالب ببيوغرافيا ؟
والسؤال التالي : هل كان النفي السيبيري المكان الثاني لولادة الكاتب ؟ وهل أصبح ( بيت الموتى ) كما يقول المؤلف الأمريكي ، تجربة النار، نار الواقع وتحوّل ذلك ( المتسكع ) الى معذب المنفى السيبيري أي ذلك الكاتب ذي الطموحات الميتافيزيقية والمتعامل مع التجاوزي؟. وفي الحقيقة ثمة بون كبير للغاية بين المنفي دوستويفسكي ذلك النبي القومي الحائز على الجوائز التقديرية و( نديم السلطان ) الذي يسجل حضوره اليومي في بلاط القيصر ، و بين الصديق الحميم ل( المفتش الكبير ) الحقيقي الذي كان المدعي العام الرهيب للسنودس المقدس كونستانتين بوبيدونوشيف. الا أن دوستويفسكي لم يكف عن التباهي بنفيه السيبيري ( غالبما كان يري الآخرين آثار السلاسل في قدميه ) . ومعلوم أن أسطورة الموت السيبيري والإنبعاث الجديد يعرفها جيدا تأريخ الأدب الروسي. وعن هذا التحوّل أمام جدار الموت سوف لن نعرف شيئا الى الألبد. ولكن ما نعرفه هو أن دوستويفسكي لم يكف عن الكتابة في زنزانة قلعة بييتروبافلوف ، وكان عذابه الحقيقي مبعثه حظر الكتابة والقراءة عليه في سجن ( أومسك) . ومثل هذا الصمت الإرغامي إمتد لخمس سنوات.
وكما يقول المؤلف الأمريكي كان طوق النجاة هناك تلك ( الكتابة الداخلية ) وتدريب الذاكرة والمخيلة على فن التشييد وخلق شخوص وهمية و عقد بالغة الصعوبة . وصارت ذاكرة دوستويفسكي- الكاتب الخارقة ، فيما بعد ، مضرب الأمثال. الا أنها إلتهمت ذاكرة الأمور اليومية و... نسيان الديون المستحقة أو إسم الزوجة أو عدم التعرف على وجوه أصدقاء قدماء.
لقد أصبحت المشاهد المسرحية وتلك التعليقات الصحفية الساخرة مدرسة أدبية لدوستويفسكي المبكر ، ومثلما كان تأريخ الأدب يعامل الفترة التي سبقت الإعتقال والتحقيق ومسرحية الإعدام والعفو كالمدرسة الأولى للكاتب. وفي الواقع كانت حياة المنفى قد أيقظت ، لأكبر درجة ، مخيلة الكاتب الدرامية . حينها ظهرت رؤيا المسرح التلقائي الذي نلقى إشارات له في المشهد الصامت للموت والبعث في تمثيل السجناء الهواة والتي جاء ذكرها في ( بيت الموتى ). وخطط دوستويفسكي حول تاليف الكوميديات والتراجيديات التي وضعها فور عودته من المنفى لم تتحقق ابدا.
وكما لاحظ ألبير كامي حين قدّم ( الأبالسة ) في المسرح الباريسي ، فإن حضور وسائل التعبير المسرحية يمنح رواية دوستويفسكي طابعا فريدا ل( المسرحيات الفلسفية ). ويتناول الجزء الثالث من مونوغرافيا فرانك ( قلق التحرير 1860 -1865 ) عودة دوستويفسكي الى التأليف الأدبي وقيامه بأداء دور بطل غوغول ( المفتش العام ) على المسرح . وبعدها بعشر سنوات ونيف يكتب مخرج تلك المسرحية بيوتر فينبرغ : ( في دوستويفسكي كانت تكمن موهبة الممثل الكوميدي . كان قادرا على أن يثير عاصفة من الضحك الغوغولي ). و ذات الملاحظة نلقاها في ذكريات سكرتيرته وزوجته التي كانت تدهشها مقدرته علي تقليد أصوات أبطاله الوهميين. وخلافا للسيد غوليادكين من قصة ( الشبيه ) الذي قال بأن المرء يرتدي القناع في أثناء الكرنفال فقط، نجد أن دوستويفسكي كان يقلد الآخرين وبدون أن يكشف عن وجهه. وقاريء بيوغرافيات دوستويفسكي يجد أن وجه الكاتب لم يره أحد. وأكبر عيوب هذه التفاسير هو ذلك الربط بل المطابقة المقصودة ، والسطحية أيضا ، بين الكاتب ورواته الوهميين و أبطاله. وأصبح بعض كتاب سيرة دوستويفسكي شبيها بالمتحري البوليسي. وكان هناك شرلوك هولمز وجد أن ذنوب ستافروغين من ( الأبالسة ) هي تجسّد لمغامرات دوستويفسكي الأيروسية ! ، أو أن هناك من إستخدم المفتاح الفرويدي ، أي الميثولوجيا لفلك اللغز الدوستويفسكي ، أو أن نزعة الكاتب السادية - المازوكية يعود أصلها الى تلك الأسطورة عن ( قسوة الأب ) أو التجلي الديني في أثناء نوبات الصرع أو مواجهة الموت في مسرحية الإعدام تلك.
وكانت أدوار البطولة التي قام بها دوستويفسكي في هذه الروايات البيوغرافية الزائفة كثيرة: نبي الدين الكوني على طريقة الراهب زوسيما ، المتمرد إيفان كارامازوف ، المفتش الكبير بنزعته الكلبية ، الغيبي المصاب بالصرع في ( الأبله ) ، المقامر الأبدي ، المؤمن ب( الرب الروسي ) و الأورثوذكسية القومية على طريقة شاتوف في ( الأبالسة ). بإختصار تذكرنا إعتباطية التفاسير البيوغرافية بالروليت أو كما قال دوستويفسكي نفسه ب( الفودفيل الشيطاني ) لتجسدات لاتنتهي. وهكذا يكرس المؤلف الأمريكي حيزا ليس بالصغير في كتابه الضخم ل( متاهات ) تفسير دوستويفسكي. وفي الواقع تتكلم التفاسير عن المفسرين وأكثر من كلامها عن الكاتب الروسي. ويبدو المؤلف كأنه مدرك بأن الحرب التي أعلنها الشكلانيون الروس ضد مفسّري السير قد خسروها. وهويلحق هنا بالبحث مادة بالغة الكبر محتواها تلك الخلافات الأدبية والأيدولوجية من تلك السنين ، كمانجده يستعرض ، ببالغ الحرص ، ذكريات معاصري دوستويفسكي ، وبعدها تأتي مجادلته في ( إلحاق ) نتاج الكاتب الروسي بالسياق التأريخي لعصره. بالطبع يرافق ذلك ، الإيمان الراسخ بأن في مكنتنا الوصول الى الحقيقة عن دوستويفسكي. وهذه العين الأ نجلوساكسونية الصاحية تصوب نظرتها الواثقة من أنها ستجلو كل غموض وألغاز ومهاي وتناقضات دوستويفسكي. وقد يتفق الكثيرون بأن هذا الحس السليم الأنجلوساكسوني والمعرفة بالعصر و الأخذ بمنهج التأريخانية لاتساعد كلها في دخول عالم دوستويفسكي. كما أنه لاتفيد هنا أي كلمة سرّ من نوع ( إفتح ياسمسم! ). من ناحية اخرى تملك البيوغرافيا الحريصة أكاديميا والتناول الوصفي للتأريخ منطقهما الخاص الا أنه من الصعب تطابقهما مع التفسير العميق للأثر الأدبي. ولعل المثال على ذلك الجزء التالي من الكتاب : ( السنوات الرائعة 1865 - 1871 ).
كان المؤلف قد ذكر في مقدمة كتابه بأن مسعاه هو ( تناول دوستويفسكي في السياق الإجتماعي - الثقافي للعصر ) ، ولذلك يصعب فهم الأسباب التي دفعت المؤلف الى أن يخصص هذا العدد الكبير من الصفحات للحكايات عن غراميات دوستويفسكي وقصة زواجه وتجربته المؤلمة مع القمار والروليت .
والسؤال الذي يتبادر الى الذهن تلقائيا : كيف يمكن الجمع بين هذا كله وبين ذلك التحليل المفصل ل( الجريمة والعقاب ) و( الأبله ) و( الأبالسة ) ؟ أكيد أن الغرض من مثل هذا السؤال ليس الشطب على البيوغرافيا والعودة الى الشكلانية وما اعلنت البنيوية عن إكتشافه ، لكن بيوغرافيا الكاتب ينبغي أن تعامل كحقيقة أدبية وليس أمبيرية. وفي حالة دوستويفسكي تختلط التفاهات الحياتية وعادية العيش بالوهم الأدبي وفق نماذج غريبة تذكرنا بالمتاهة الهرمية وليس الدرب المستقيم الذي يبدأ بالعلة وينتهي بالنتيجة. والظاهر أن فرانك عثر على مثل هذا الدرب لكنه لم ينتبه الى وهميته.
وقد يكون إستقراءا قاسيا إعتبار هذا الكتاب بيوغرافيا غير أدبية بل جمعا مباشرا للوقائع التاريخية بالأدب. وللإنصاف ينبغي القول بأن المؤلف لم يرتكب أخطاء تكشف عن جهل أدبي أو تاريخي او غيره لكن الأمر متعلق بواقع آخر قال عنه مرة ذلك الإنسان ( من تحت الأرض ) بأنه أمر لطيف في بعض الأحيان أن تساوي إثنان زائد إثنين خمسة ...
إن المنهج المفضل في هذا الكتاب هو البحث عن نماذج لأبطال دوستيفسكي بين معاصريه. الا أن مثل هذا التحري لايملك فرص النجاح . فالأدوار الأدبية التي تقوم بها شخوص دوستويفسكي هي متعددة المعاني ، وكل شخص هنا يملك الكثير من النماذج التي يكون التفتيش عنها وتعقب تاريخها أمرين عقيمين وفاقدين للمعنى. ويذكرنا دوستويفسكي هنا بالمجرم الذي يترك وراءه ، عن عمد، الكثير من الآثار لدرجة أن الشك يخامر شرلوك هولمز نفسه بنجاعة أساليبه !
إن ( قضية ) دوستويفسكي بحاجة الى محقق من طينة أخرى ، ولهذا الدور يصلح أستاذ تقنية التحقيق ( بورفيري ) من ( الجريمة والعقاب ).. وكما نعرف كانت تقنيته قائمة على عنصر المخاتلة والتعذيب بالأمل الكاذب ، والأسئلة المباغتة والكشف عن التناقضات وتقويض التاكتيك الدفاعي عند المتهم. أما أسئلة المؤلف المريكي فتطرح بالصورة المباشرة وبذلك يقع في الشرك الذي نصبه دوستويفسكي . إنه يوجه الأسئلة ويجيب عليها أيضا : لماذا قتل راسكولنكوف المرابية العجوز؟ وجواب المؤلف هو أن العثور على حل لغز راسكولنكوف نلقاه في تلك الأفكار النهلستية للإنتلجنسيا الروسية من القرن التاسع عشر. وكما يبدو نسي المؤلف أمرا مهما للغاية وهو أن لعبة دوستويفسكي مع القاريء هي أكثر تعقيدا ومكرا. والفرضية القائلة بلامعقولية دوافع راسكولنكوف قد تعتبر الأصوب من غيرها. ومعلوم أن هذه الرواية ( تعاني ) من غزارة التفسيرات التي تبدأ بمقارنتها بالتراجيديا اليونانية أو ( أصل الأخلاق ) لدى نيتشه ثم فلسفة التأريخ الهيغلية، وفي السنوات الأخيرة سلطت على الرواية أضواء كشافة جديدة : لاهوت الأورثوذكسية عامة .. ويوحي المؤلف الأمريكي لنا بأنها رواية - تراجيديا ، وهو تفسير سبق أن طرحه الرمزيون الروس في بداية القرن العشرين ، وكان هؤلاء قد قرأوا نيتشه وعلى أعينهم نظارة الغيبيات الروسية . وكان ميخائيل باختين قد إختلف معهم . وكما يبدو لم يستمع المؤلف الى حجج الباحث الروسي. وفي الواقع تذكرنا تلك التجارب الميتافيزيقية القاسية التي يمر بها أبطال دوستويفسكي وكأنهم أرانب المختبر العلمي ، بمسرح العبث وليس التراجيديا اليونانية . وتعود ( خطة ) راسكولنكوف الى مثل هذه التجارب العبثية . ففي قتل المرابية العجوز يتم تغيير منطق تأريخ العالم . أليس هذا الطالب في قسم القانون والحالم بدور ( نابليون الجريمة ) وإرتكاب جريمة قتل ( تبلغ الكمال مثل الرياضيات) هو شخصية غروتسكية وأكثر منها تراجيدية ؟ ألا يذكرنا هذا الطالب ب( بروفسور الإنتحار) كيريلوف في ( الأبالسة ) والذي أوقف ساعته لكي يوقف الزمن ؟
يقارن المؤلف في موضع آخر بين رسائل دوستويفسكي التي صاغ فيها منطلقه المسيحي وبين رسائل سوبوفيوف الفيلسوف القريب منه ولكن فكريا حسب. فدستويفسكي المنفي الذي أنهكته أفكار ومفاهيم غريبة عليه حينها ، كان النقيض لذلك الأرستقراطي الذي عرف بحس التفكه وأناقة الصياغات والإطلاع الواسع على الفكر الأوربي . وفي الأخير كان دوستويفسكي قد إعترف بقصوره فيما يخص التفكير الفلسفي . وكان حدس معاصريه من هذه الناحية صائبا. فهناك ناقد قارن ( أفكار) دوستويفسكي الفلسفية بورق السكاكر الملون اللماع الملقى بين المهملات ! ، كما ذكره بمتشرد عثر على هذا الورق وأخذ يريه للجميع كمعجزة خارقة. وقام بهذا الأمر بصورة موحية أراد منها إقناع الآخرين بقيمة الورق الكبيرة. بعدها يأخذ الجميع وكلهم إعجاب ، بالنظر الى هذه ( المعجزة ) . وفي الواقع تتماشى هذه ( اللقطة) البلاغية مع الإعتقاد المعروف لدى دوستويفسكي بأنه في مزبلة الوجود ، أي في قعره، يمكن إعادة تشييد القيم الإنسانية.
وهناك الأسئلة الأخرى لدى المؤلف الأمريكي مثل : هل لنداء الراهب زوسيما حول تقبيل الأرض معنى صوفي وديني بالفعل؟ وهل هناك أي مغزى في الإشارة الى ذكريات هذا الراهب لكي نحب وليس الخطاة وحدهم بل خطاياهم أيضا ؟. وهل الليلة الأخيرة التي قضاها بطل ( الأبله ) بين القاتل وجثة ضحيته لاتعني ، فعلا، نوعا من المحاكاة الهازئة للمسيح؟. كذلك ماذا كان بمستطاع الفيلسوف أن يقوله عن ( تجربة ) كيريلوف حول دحر الخوف وغنم الحرية عن طريق الإنتحار؟. طالما أن هذا وذاك من البيوغرافيين وأساتذة الأدب وتأريخه يقولون بأن روايات دوستويفسكي تتكلم بلغة المسيحية الحقيقية فلماذا يلعب القاتل في خاتمة ( الجريمة والعقاب ) دور من يقلد المسيح؟ إن العلامة الفارقة لراسكولنكوف هي الفأس وليس الصليب ، والأكثر من ذلك لا المؤلف ولا القاريء يميلان الى التعاطف مع الضحية تلك المرابية ( الآفة المضرة ومصاصة الدم ، والقملة ). يكفي الرجوع هنا الى الخاتمة لكي نقتنع بأنه لاكلام هناك عن الندامة وتصويب فكرة القتل. وفي الواقع هناك إمكانية لمضاعفة الأسئلة وخاصة ما يتعلق منها بتفسير المؤلف الأمريكي للروايات الأخرى. وفي مواقع عدة يخيل للقاريء أن المؤلف لم يأخذ البتة بعين الأعتبار حقيقة عدم خلو أعمال دوستويفسكي من الألغاز والصياغات المتناقضة واللامعقولة والتعارضات الداخلية والأخطاء غير المقصودة. كذلك يبدو المؤلف عاجزا رغم تسلحه بالمعرفة التاريخية والأخرى الأدبية ، أمام حقائق أساسية بينها خصوصيات وأسرار السرد الغريب لدى دوستويفسكي. وفي الواقع يلمس المؤلف أن ( ملاحظات من تحت الأرض ) مثلا تهدم الصلات التقليدية بين السرد والقاريء . كذلك يطلق على هذا الكتاب تسمية ( الغنائية الدرامية ) عند إستعارته لصياغة سورين كيركيغارد ( الخوف والرعشة ) أي عنوان الكتاب المعروف للمفكر الدنماركي ، كعنوان ثان لأحد فصول كتابه. ولأكثر من مرة يقارن هو دوستويفسكي بكيركيغارد لكنه يتجنب ، بكل حذر ، المتاهات الخطرة لهذه الإشكالية. ومعلوم أن دوستويفسكي كتب ( ملاحظات تحت الأرض ) في اثناء إحتضار زوجته الأولى الطويل. وهناك من يرى هذه الرواية كتسجيل لأطوار موت آخر : موات اللغة الأدبية وولادة أسلوب جديد. فتلك اللغة المهزوزة برعشات الإحتضار في ( المذكرات ) تصبح لدى دوستويفسكي أسلوبا ينقذف خارج حدود الأدب. وهناك من قال بأن رواياته ( المصروعة ) هي حكم الموت الصادر بحق الأستيتيكا الأدبية وإنتقام المنفي السيبيري الذي سخرت منه ، في زمن ما ، النخبة الأدبية.
وتحت تأثير باختين صارت العادة هي النظر الى نصوص دوستويفسكي كنصوص متعددة الأصوات ( الغريبة ) التي تحاكي وتتبادل الهزء أيضا. بعبارة أخرى فهذه الأصوات هي تلك النصوص الوهمية لمؤلفي ( ملاحظات ) محرومين من الموهية ، ومحاضر لتسجيل الوجود تحت الأرض أو تلك الإعترافات المختلقة التي تسخر من الأخرى الكنائسية. وعلينا أن نفهم كابوسية هذه الإعترافات بالمعنى الفعلي للكلمة ، أي كما لو أنها مأخوذة من ( سفر الرؤيا ) بفرسانه الأربعة والذي كان دوستويفسكي ( مأخوذا ) به. ول( سفر) دووستويفسكي وظيفة مقاربة : الكشف عن حقيقة النفس وهتك الأقنعة أو كما كان يقول هو نفسه: الجهر بالكلمة الأخيرة. والباحث الروسي يوري تينيانوف لخص الأمر في معرض كلامه عن أقنعة دوستويفسكي الغريبة بأن الكلمة الأخيرة في سرده الروائي هي ساخرة على الدوام :( لقد عرّى دوستويفسكي المحاكاة الهازئة ، الباروديا ، ونزع عن الوجود قناع هذه الباروديا لكنه نزع القناع الى النصف ). وفي الحقيقة لم يوضح تينيانوف ( حركة الأقنعة ) حين قال بأنها حركة في الظاهر حسب ، وهذا الظاهر يخلق الإنطباع بالحركة في روايات دوستويفسكي. ووفق تينيانوف أو باختين لا مكان للكلام في عالم روايات دوستويفسكي عن تدرج ثابت للقيم . وبالرغم من طروحات المؤلف الأمريكي فالسائد هنا عنصر السخرية والتهكم و الغروتسك كما أنه لامكان للصحة والثبوت بدون قناع المهرج. بالطبع تختلف الحال جوهريا في ( يوميات الكاتب ) التي كانت محاولة للإعتراف المباشر. ويكتب دوستويفسكي : ( وفي الأخير أقول الكلمة الأخيرة التي لم أقدر على قولها في الروايات ) . و(اليوميات ) تختلف ، بالطبع ، عن السرد الروائي كثيرا لدى دوستويفسكي ولدرجة أن القاريء لايصدق بأن كاتبها ألف ( الأبله) أيضا. إنه يهدف الوضوح شبه المطلق. والغريب أن فرانك يفسر شوفينية ( اليوميات ) وذلك المقت لكل ما هو أجنبي ، والتقديس الباثولوجي للقيم الروسية الذي ما زال لغاية اليوم يغذي المخيلة الجماعية هناك ، بحاجة دوستويفسكي الى كسب القراء ! وبالفعل حقق دوستويفسكي هذا الشيء الى جانب التعليقات الحماسية في الصحف والمجلات ، والمال بالطبع.
يعارض فرانك الرأي القائل بأن ما جاء في ( اليوميات ) كان نابعا من إنحرافات وهواجس هذا العبقري بل كانت محاولة تعبير عن بعض الميول في المخيلة الإجتماعية وعقد لإتفاق بين الجمهور والروائي - النبي ومعلم الحياة ...
إن نظرة جوزيف فرانك الأنجلوساكسونية التي يمليها ( الحس السليم ) الى أعمال دوستويفسكي تكشف عن مزاياها الكثيرة كنص إنسكلوبيدي جيّد ومتين ومصدر ثرّ للمعلومات عن الكاتب الروسي وعصره. وإذا إفتقد الضوء الكاشف المسلط على هذا الكاتب بكل ابعاده وعوالمه الداخلية أو إذا إفتقدت شدّته الكافية في هذا الكتاب فإن الأمر يعود الى حقيقة أخرى وهي أن المناهج قد توضح لكنها لاتوفر التفسير الكامل . فالمسألة تخص ، أولا وأخيرا ، الإنسان ، هذا الكائن الغريب الذي لايزال مجهولا ...


Joseph Frank : The Seeds of Revolt 1821-1849
Princeton University Press, 1986,


عدنان المبارك
روائي وناقد ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك
iraqstory2@gmail.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث