السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
في رواية جويس ( سهر الفينيغانيين )
عدنان المبارك
في رواية جويس ( سهر الفينيغانيين )
جيمس جويس





أردت، مرة ، أن أترجم بضعة أسطر من (سهر الفينيغانيين Finnegans Wake ) *. نزوة صغيرة بالطبع. هذه آخر رواية لجويس. بدأ بكتابتها في آذار عام 1923 أي بقليل بعد نشر ( يوليسيس ). أخذت تظهر أجزاء منها في عام 1924 في الصحافة الطلائعية الأميركية ، وبقيت معروفة لأمد طويل بلاعنوان غير : الكتابة مستمرة Work in progress . بعدها عرف منحدر العنوان : إغنية شارع إيرلندية ظهرت في عام 1850. قضى جويس حوالي 18 سنة في كتابة هذه الرواية. كانت فترة صعبة في حياته. إنهيارات صحية. بينها بضع عمليات لبصره. أزمات مع أبنائه. ضائقة مالية خانقة. يتفق الكل على أنها رواية جديدة تماما. من الصنف الذي يقال عنه : كتاب لايمكن قراءته. قال أحدهم : ( يوليسيس ) هي يوم الإنسان ، أما ( السهر ) فليله. جويس نصح القاريء : يمكن لكل واحد أن يفهمها إذا قرأها بصوت عال وبشكل صحيح. بالفعل. لايمكن قراءتها إلا بصوت عال. فهي ترقيع / دمج / تركيب / صهر لغوي. لغة الرواية غير منتظمة أرساها جويس على رجع وإيقاع ومعنى ، وكل واحد منها لابد من أن يكون موائما للإثنين الباقيين. تكون هذه الرواية عندي عملا ميتافيزيقيا بل مادة صوفية / غيبية . قيل عنها أيضا بأنها من أكثر روايات القرن العشرين كمالا ! كثيرون من أعلام الألسنيات وعلم الأدب تفرغوا لها.
كان بيكيت سكرتيرجويس وتلميذه عند كتابة الرواية بذلك العنوان الذي يكون مقصوده الحقيقي طقس ( السهر على الميت ) كما جاء في تلك الإغنية. كان إسم الميت فيها تيم فينيغان...
هذه الرواية غير مفهومة تماما لغاية اليوم. ( يوليسيس ) كانت ملحمة جسد و( السهر ) ملحمة روح. هكذا قيل. أنا تلقيتها بهذه الصورة أيضا. معلوم أن الصعوبة الأولى في التلقي تخص اللغة. فجويس كان يجرّب حين إستغل هنا خامات من بضع عشرة لغة ، وخلق منها لغة أخرى - لغة هذه الرواية التي جاءت نتاجا مختبريا صوتيا باهرا أيضا بل عملا موسيقيا لكنه بالغ الصعوبة ، ولا يتعلق الأمرهنا بفهم كلمات معينة ، أو قصدية الرواية. مترجمٌ إكتشف أن ( يوليسيس) هي باروديا للأوديسه ، و( السهر ) باروديا ل( كتاب الموتى ) المصري القديم. قد يكون محقا. ففي هذه الرواية تغيب الخطّية والسياق والحدث. لا شيء فيها يذكر بالرواية كرواية ، بل لها صفات القصيدة. وعلى القاريء أن يصبح مشاركا في ( التأليف ) ، كما عليه أن يخلق السياق ويربط المعاني التي عثر عليها في النص. بهذه الصورة يخلق منها كتابه الخاص - الشخصي ...
قيل إن خلفيتها هي فلسفة التأريخ عند جيامباتيستا فيكو و... الوجودية. باحث آخر يجزم بأن على قاريء هذه الرواية أن ( يعرف كل شيء ) كي يقدر على قراءتها وفهمها. وهذا الكل شيء يشمل أمورا كثيرة بينها معرفة فلسفات الزمن وقراءة الكف والسحر وخرائط المدن ودليل مدينة دبلن خاصة ! هناك أيضا معرفة الصحف النسائية والميثولوجيا الإيرلندية وتأريخ الأوبرا وجميع اللغات... وحتى لو قرأها العارف بكل شيء سيجد نفسه ضائعا عند إحدى جمل الرواية. وكما قيل الله وحده قادر على قراءة الرواية ( معلوم أن جويس كان يخشى الإيمان به ! ).
كان جويس قد درس الألسنيات والفلسفة. إذنه الموسيقية أصغت الى الألسن أيضا. كان معروفا بحس الفكاهة. كتب عن شبابه في ( ستيفان بطلا ) لكنه أراد حرق المخطوطة. لم ينقذها من النار إلا شقيقته. وكتب عن شبابه من جديد في ( بورتريه الفنان شابا ) الذي جاءه بالشهرة. المجموعة القصصية (الدبلنيون ) كانت خطوة حاسمة صوب إكتمال الأسلوب الجويسي المعروف. قال عنها ترومان كابوت : ( لو لم تكن الدبلنيون لما كانت هناك يوليسيس ). جويس الشاعر ( أصدر ديوان" الموسيقى الكاميرالية " ) أفرغ كل رؤاه الشعرية في الفن الآخر - الرواية . رغم أن الكل يعامل ( يوليسيس) الذروة لموهبة جويس المدهشة ، إلا أن عمله الأكبر سيبقى ( سهر الفينيغانيين ). وهذا رأي كبار أمثال عزرا باوند وجون كيج الذي ألف أكبر عمل موسيقي مكرس لرواية جويس هذه بعنوان ( Roaratorio ) ، وصاموئيل بيكيت الذي قال مرة بأنه نال جائزة نوبل نيابة عن جويس. وكان محقا من وضع هذه الرواية في مصاف الأنياذه والكوميديا الإلهية مثلا. وما عذّب جويس أن لا أحد فهم وقدّرهذه الرواية : ( ألا يفهم أحد ؟ Does nobody understand ) كانت كلمات السؤال آخر ما نطق به على فراش الموت.
أعود الى ترجمة إسم الرواية. هناك من جزّأ الإسم الى فين وإيغان. الثاني إسم إيرلندي قديم - ربما يكون مفهوما ك( Agens ) وتعني : من يقود اللعب ومن يوقفه. ربما يقرن بإسم جون إيغان وهو رجل أعمال كندي من أصل إيرلندي. هناك من جزّأ الإسم الى ثلاثة : „ Finn eg ans „ . الأول معروف كإسم لشخص ، الثاني كبيضة ، والثالث قد يكون الأحرف الأولى من إسم الموسيقي ألكسندر نيكاييفتش سكريابين ، لكن an هو إسم إمراة أيضا. كذلك قد يعامل الجزء الثاني ( eg ) كحرف عطف (and ). وإذ صحت الفرضية يكون الإسم : فين و آن - Finn and Ann . التفسيرات كثيرة لكن هناك إتفاقا ضمنيا على أن المقصود هو السهر على الميت تيم الذي كان مخمورا وسقط من السلم وإنكسرت جمجمته ثم حمله معارفه الى البيت من أجل ( السهر ) ، وبالصدفة سكب أحدهم الخمر على الجثمان الذي سرعان ما عادت الحياة إليه ونطق تيم :
- ياللشيطان ، ظننتم أني قد أصبحت جثة ؟ Thanum an Dhul, do you thunk I'm dead .
هناك من قارن حال تيم بماحصل للبيضة في رواية لويس كارول ( أليس في بلاد العجائب ). فكلمة eg في عنوان رواية جويس تعني أيضا الإستيقاظ. وهناك كلمة في الصفحة الأولى من الرواية : ( riverrun ). وُجد لها مثل هذا التفسير أيضا : تعني revenons بالفرنسية ( لنحلم ، لنغفو )...
الإشكال الرئيسي في رواية جويس هذه إنعدام أيّ تقنية للسرد ، هناك أيضا الصعوبات في فهم لغتها ومعانيها ومجازاتها ، وليس من المستعبد أن جويس تكرس تماما لتأثيرات البعد الصوتي ولم يكترث كثيرا للمعنى. أعترف بأني في كل مرة أقرأ الرواية يجيئني مزاج آخر ، رأي آخر ، بل أنا أدخل متاهة عالم آخر...
إستطاع عدد من محللي هذا النص فرز شخصياته الرئيسية :
- Humphrey Chimpden Earwicker ومختصره ( HCE ). معروف أيضا ك( Finn ) أو تيم فينيغان أو غيره من الإسماء.
- Anna Livia Plurabelle , ومختصره ( ALP ). وهي الزوجة المزعومة لتيم. أطفالهما : الإبنان Jhem و Shen ( في الواقع يحملان أسماء أخرى أيضا ) و البنت Issy ( كما لها أسماء اخرى مثل Iseult, Isolde, Isabele. ). هذه الشخوص طرف في أكثر من لعبة كما لو أنها تجري خارج العقل والمنطق. HCE هو البطل الرئيسي بالطبع. كل شيء يوميء الى غرقه في مشاكل إيروسية. هناك (موتيف ) التلصص على فتيات يتبولن ثم ممارسة الجنس مع الأبنة. أما العلاقة مع الزوجة فالإضطراب الجنسي هو السائد. هناك الفصام : البطل يتطابق نفسيا مع الإبن الأول ، والثاني أيضا ، كما يحصل تطابق بين الزوجة والبنت أيضا. البطل معذب بسبب خطاياه الجنسية. معلوم أن لو تشيا (لوسي ) إبنة جويس كانت تعاني من الفصام. من المحتمل أن جويس كان يشعر بالذنب بسبب مرض البنت وإهماله إبنه جورجيو. وفي الصفحة الثالثة نجد أسماء جميع أفرادعائلة جويس. أحد مترجمي جويس وجد أن إسمي Jhem ، Shen يعنيان : أنا شين ( I am Shen ) ، وقد يعنيان إسما آخر ( شين ) للربة المصرية أوزيريس .
كان جويس ضجرا من فرويد ويونغ. واضح أن اللاوعي عنده كان آخر غير الذي عند النمساوي والسويسري. بعبارة أخرى كان عند الإيرلندي آخر ُبني بواسطة العقل والمخيلة لكنه تمرد على مناهج العقل الصلبة ومساراته المطروقة. أكيد أن الرواية جمعت شعر الكلمة وموسيقاها. وكما قيل يكون المتلقي هنا خارج زمكانه ومغتربا عن الحياة والعالم المألوفين. إنها رواية تخلق في أمزجة غير معهودة ، فوق - منطقية. وهي ليست محاكاة للعالم من نوع خاص ، بل خلق شيء آخر كله جنون بالمعنيين الفلسفي والبيولوجي. كل أبطال جويس في الرواية رضعوا من الأساطير بل أكثر :هم أنصاف آلهة ، أنصاف أبطال إسطوريين. لكن مشكلتي كقاريء أن اعثر على المفتاح لشخصيتهم ومنحدرهم. وفي عصره الذي لم يكن قد عرف الحاسوب وأعاجيب الألكترونكا شيّد الإيرلندي رواية ( سمعبصرية ) تطلبت مثل هذا الجهد الخارق. ناقد ينصح بعدم نسيان أن رواية جويس هي من نوع الضد : ضد المفهوم الكلاسي للعمل الأدبي ، وضد العادة السائدة في القراءة : التلقي الذي يمضي في مسارات محددة مسبقا. هي ليست ( طرحا ) مخصصا للقراءة بل هي ( ماكنة للإتصال ) تدور في دواليبها جميع نزعات الفن المعاصر.
ناقد ذكرني بقول معروف لميشيل فوكو عن التفكير الغربي الذي كان لغاية نهاية القرن الثامن عشر مسترشدا بالخلاف الجدلي بين العقل والجنون ، فقد إنمحى الفارق الذي كان بين النهار- العقل والليل - الجنون. وهناك مسرحية كتبها دون نيغرو بعنوان ( لوتشيا المجنونة Lucia Mad ) أي إبنة جويس الشيزوفرينية ، وفيها تقوم هي بتفسيرال( Finnegans Wake ) : أبي خلق النهار وأسماه يوليسيس ، وخلق الليل وأسماه فينيغنز ويك. ولما ظهرت هذه الرواية لو لم تكن هناك يوليسيس - وهذا ولد من تجوالات ستيفن وبلوم في المدينة الليلية ، من مونولوغ مولي ، من ليلة القديسة والبرغوسwalpurgis . وكل هذا صحيح. فالمبدأ الأساسي ليوليسيس كان النهار بينما خضع كل شيء في الفينيغنز ويك لمنطق الليل والحلم والأسطورة. إذن النهار مملكة العقل ، والليل مملكة الجنون...
كان جنون الفكر الغربي قد خضع في رواية يوليسيس الى العقلنة. وهنا إستدراك واحد : لكنه جنون يكبر ويكبر، وعن سيطرة جويس تفلت تجربته الحياتية. في هذه المسرحية ثمة مشهد نرى فيه جويس وهو يملي مقاطع من روايته على بيكيت الذي سحرته تجارب و( تجريبيات ) جويس الألسنية خاصة. السحر ملموس في رواية بيكيت ( Dream of fair to middling women ). وهو شأن أستاذه يتوغل في لغات عدة ويشيّد الطوابق لجمله ، ويحوّل كل شيء الى أدغال كثيفة يصعب إختراقها. في الواقع كان مؤسيا وعي بيكيت بأنه واقف بين عملاقين : بروست وجويس ...
في تشرين الثاني من عام 1926 يكتب جويس في رسالة الى هارييت ويفير: جزء كبير من وجود الإنسان ينقضي في حالة لا تعكسها اللغة الحيّة ولا قواعد النحو التافهة ولا القصة الحيّة.
أحدهم وجد في جويس ، بالضبط في ( فينيغنز ويك ) ريادة ل(المزج ) الألكتروني ، بالضبط ل( يو تيوب). تذكرت كلمة اخرى لبيكيت عن هذه الرواية : هنا يكون الشكل مضمونا ، وهذا شكلا. إن عمله الكتابي ليس عن شيء بل هو الشيء الآخر بالذات... وحين يكون المعنى حلما تتهيأ الكلمات للنوم ، وحين يكون المعنى رقصة ترقص الكلمات.
كان صادقا ذلك القاريء لفينيغنز ويك : لم أقرأ من الرواية غير بضع صفحات ، والأكيد أني لن أقرأها الى النهاية ، لكن ما يمنحني الغبطة النظر الى الصفحات المطبوعة لهذا العمل الأدبي ، كماتثير إهتمامي مسألة كيف تبدو الكلمات، وأيّ كان معناها.
يذكرديريك آتريج Derek Attridge ، وهوناقد ومؤرخ ومنظّر أدبي إنكليزي ، أن ( السهر ) وعلى العكس من ( الدبلنيون ) لم تبق ولا على أثر لوهم الواقعية. اللغة غير شفافة. ولامكان للكلام عن ( المضمون ) الذي يختبيء وراء الكلمات. أكيد أن القاريء الذي يمسك للمرة الأولى بالرواية قد لا ينفعل أو يدهش لنتاج لغوي معدوم الحياء مثل هذا ، لكنه إذا إستعان بكتاب ما عن ( السهر ) يجد نفسه مرغما على السير ، وبكل حذر، على مثل هذا الأديم. فذلك يتطلب دخول مناطق الكثير من اللغات والثقافات ومجلدات ضخمة عن الغيبيات والتأريخ. عليه أيضا أن يملك قابليات جمناستيكية فيما يخص اللغة تماما كالتي على من يحلّ الكلمات المتقاطعة إمتلاكها - بإختصار: عليه أن يملك صبر أيوب. آتريج ينصح القاريء عامة أن يأخذ كلتى النصيحتين المتناقضتين رغم شيوعها. الأولى تقول بأن القراءة هي عمل للسيطرة على النص الذي عليه أن يكشف عن جميع أسراره ومن دون أن يبقي ولو واحدا منها. أما الثانية : القراءة هي تجربة سلبية تعتمد على تلقي المعاني التي يطرحها النص بصورة بينة على المتلقي .إلا أن ( السهر )عصيّة على السيطرة أو إستنفادها عن طريق التفاسير، كما أنها لن تتكشف امامنا كنسق من قضايا المعاني الواضحة والسهلة ، والأكيد أن لا متعة مباشرة من قراءة مثل هذا النص ، فبدلها هناك الإحباط. آرتيج يقول أيضا إن ( السهر ) تعلمنا ، وبطريقة باهرة ، بأنه لا يمكن السيطرة على أي نص، وأن المعنى ليس بالشيء المقرر والمختبيء وراء الكلمات والذي من الممكن مسكه مرة والى الأبد. فقراءة ( السهر ) هي عملية تبادل من دون نهاية - النص يلقي بتأثيره على القاريء تماما كما يؤثر هذا على النص ، وكلا الطرفين لايحتفط بهوية ثابتة يمكن للطرف الآخر الرجوع إليها. آرتيج يقترح أيضا أن لا تكون قراءة ( السهر ) فردية بل أن تقوم بها جماعة محدودة يتبادل أفرادها الملاحظات والإنطباعات، فبهذه الطريقة تبدأ عملية خلق شبكة من المعاني وال(موتيف)ات تكبر من دون توقف. نصيحة أخرى : طالما أن قراءة هذه الرواية هي عملية بلا نهاية قد يكفينا لوقت معين الاحتفاظ بمقطع منها في الذاكرة.
خيبة أمل القاريء التقليدي سببها أن في رواية جويس لا مكان محدد ل( صوت السارد ) وعدم وضوح ( الشخوص ) كما هناك شبه الغياب ، أي اللاحضور المباشر ، ل( القصة ) و( الحقيقة ). إلا أن هذا محض وهم وليست هي خيبة أمل حقيقية. فكل هذه قائمة في الرواية بل كثيرة ، وكل ما في الأمر أن ذلك القاريء لم يعتد على مثل هذه الرؤية ويفتقد الى مفتاح آخر غير ذاك الإعتيادي والبسيط...


باند هولم - شباط / فبراير 2010



* من نصوص للكاتب عدنان المبارك بعنوان (ضد اليوميات / 2010)


عدنان المبارك
روائي وناقد ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك
iraqstory2@gmail.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث