السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
أنماط التوصيل في رواية عوليس لجيمس جويس
ولفكانك ايزر- ترجمة د. هناء خليف غني
أنماط التوصيل في رواية عوليس لجيمس جويس
جيمس جويس





1
الأسطورة والواقع

اطلق جويس على روايته هذه التسمية تيمناً بأسم بطل ملحمة هوميروس على الرغم من عدم ظهور الأخير في الكتاب، إذ تعامل جويس عوضاً عن ذلك مع ثمانية عشر وجهاً مختلفاً ليوم واحد في دبلن، متابعاً في أثنائه ،بالدرجة الاساس، ما يقوم به ليوبولد بلوم وستيفن ديدالس في الفترة الممتدة بين الصباح الباكر وحتى منتصف الليل. فما العلاقة اذن بين ملحمة الاوديسة لهوميروس والسادس عشر من حزيران، 1904 ؟ تحاول معظم الاجوبة عن هذا السؤال ربط قطبي الرواية هذين بواسطة الأفكار "المجربة والمختبرة" التي تدور حول الظهور المتكرر للنماذج الأصلية او التناظر بين المثالي والواقعي(1) . إذ نحصل على التفسير، في الحالة الاولى، من الطبيعة الدائمة للسلوك البشري الاساسي – ولهذا السبب ، فإن لـ عوليس جذورها الراسخة في الاشياء التي نعرفها سلفاً – وفي الحالة الثانية ، يدعي التأويل الافلاطوني أن الفكرة الرئيسة في الاوديسة هي العودة الى البيت في حين ان تجوالات بلوم ما هي الا نسخة من العودة الى البيت: وهذا يعني لعوليس التحرر من معاناته، ولكنها، كما يرى بلوم مجرد لحظة حرجة في مسار الرتابة المملة للحياة اليومية. وعلى الرغم من تردد المرء في مناقشة هذه التأويلات التي تعاني قطعاً من خلو عوليس من أية شخصية من شخصيات الاوديسة – وهذا يناقض ما ملاحظ في العديد من النصوص الحديثة التي تكون عودة الشخصيات الاسطورية ثيماً اساسية فيها – كما ان تلميحات جويس المقصودة الى الابطال الهوميروسيين والاحداث الملحمية تعرضهم في ضوء مختلف عن ذلك الذي الفناه في الاوديسة. وتعاني فكرة الديمومة من صعوبات كثيرة هنا لعجزها عن توضيح جوانب معينة من مثل ما الذي يمكن عده مساوياً لشيء آخر؟ ومن يتساوى مع من؟ كما تبرز أعتراضات مماثلة لفكرة التناظر التي تفترض نوعاً من الانحدار من هوميروس حتى الوقت الحاضر . اذ ليس بوسع المرء أن يتصور ان تفاصيل الحياة اليومية في دبلن عُرضت بوصفها انحداراً محزناً لمثالية تأصلت في الماضي . وليس ثمة توازٍ واضح بين الماضي والحاضر . على الرغم من ذلك ، بوسع المرء فهم السبب في الجاذبية التي تمتعت بها نظريات التناظر والديمومة لهؤلاء الذين يحاولون جمع الماضي والحاضر في صورة واحدة ؛ أذ تمكنوا من تقديم وسيلة تنظم فوضوية الحياة اليومية المربكة باحالتها على المعاني المستلة من هوميروس . ويبدو هذا الحل مناسباً نظراً لبساطته ، لكنه غير موفق تماماً من وجهة النظر الجمالية . فقد قال جويس ذات مرة ساخراً من روايته : لقد وضعت الكثير من الاحاجي والالغاز التي ستبقي الاساتذة مشغولين لقرون عدة في مناقشة ما اقصده وهذه هي الطريقة الوحيدة لضمان خلود المرء(2) . ولو تفحص المرء للحظة هذه العبارة بجدية ، لواجه التساؤل المتصل بالسبب الفعلي الكامن وراء الأهتمام المتواصل بهذه الالغاز ؟
هل لذلك علاقة بطبيعة هذه الألغاز؟ ام بالمتاريس النقدية التي يتمترس خلفها الأساتذة وهم يحاولون حل هذه الألغاز ؟ أياً كان الأمر ، فإن التوازي الذي يشير اليه عنوان الرواية يجبر المرء على رؤية دبلن وهوميروس في حالة توحد، ومرد السبب في ذلك يعود، على نحو رئيس الى تلهف المرء لأستخلاص معنىً ما من العبثية الواضحة للحياة اليومية . ولكن ، ومثلما يحدث في كل الممارسات القسرية، يحول هذا الامر دون رؤية المرء حقائق مهمة: إحدى هذه الحقائق هي الطبيعة الخاصة للقطبين الذين يشكلان اساس الرواية.
وعلى الرغم من خلو عوليس من الشخصيات الهوميروسية وأكتظاظها بعدد هائل من التفاصيل التي يمكن التحقق منها، لا يمكن عدها تصويراً واقعياً للحياة اليومية في دبلن. لقد أدركنا منذ ذلك الحين أن كمية كبيرة من مادة الرواية أستُلت من دليل هاتف مدينة دبلن فضلاً عن المعلومات الطوبوغرافية والصحافة اليومية لذلك العصر، ولذا ، فالرواية زاخرة(3) بثروة مذهلة من الاسماء والعناوين والاحداث المحلية والقصاصات الصحفية ، على الرغم من أنها غالباً ما تؤلف مونتاجاً مجرداً من سياقه في النص. وبينما تتلاشى هذه التفاصيل احياناً في ثنايا العالم الخاص لجويس
الذي لا يمكن سبر أغواره، فأنها تقود القارئ احياناً اخرى في متاهة حقيقية عند محاولته المقارنة بينها . وفي بحثه المتواصل عن الروابط ومحاولته تصورها، غالباً ما يخسر القارئ المبدأ التنظيمي الجامع لتلك الروابط الذي اعتقد انه اكتشفه. ويبدو أن الكثير من التفاصيل قد أقحمت في الرواية فقط لغرض عرضها، وهي تعمل بقصدية يتفاوت وضوحها وبالأعتماد على أهمية اعداد التفاصيل المذكورة على جعل الأحداث في السرد أشد غموضاً.
إن الأثر الذي يتركه ذلك يتسم بكونه ذا طبيعة متناقضة نوعاً ما، فهو مغاير قطعاً للتوقعات التي رسختها الرواية الواقعية في أذهان قرائها. إذ يواجه المرء هناك ايضاً بثروة من التفاصيل التي يراها معكوسة في عالم الخبرة الخاص به . وقد خدم ظهورها في الرواية غرض توثيق صورة الحياة المعروضة(4) . بيد أنها تُحرم الى حد بعيد من أداء هذه الوظيفة في عوليس. وحينما لا تخدم التفاصيل غرض دعم احتمالية وهم الواقع او استقراره ، فأنها تصبح غاية من نوع ما قائمة بذاتها ، على نحو شبيه بذلك الذي يجده المرء في الشكل الفني للكولاج. فالمادة غير المبنية في عوليس
مستمدة من الحياة مباشرة ، ولكن بما أنها لم تعد قادرة على أختبار تصورات المؤلف المسبقة حول الواقع ،لا يمكن عدها تمثيلاً مناسباً للحياة. ولذا، لا تسهم التفاصيل في أيضاح ما هو غامض، وبما أنها لا تفسر شيئاً خارجها، فأنها، ببساطة تعرض نفسها للقارئ، لتدحض بذلك الأعتقاد السائد القائل إن الرواية تمثل واقعاً معيناً. وليس من المدهش اذن ، عودة المرء باستمرار الى العنوان لمحاولة ابتكار – من خلال اللجوء الى الاوديسة – نوعٍ من الاطار المرجعي بمقدوره السيطرة على فوضوية التفاصيل هذه وأسباغ نوعاً من المعنى والدلالة فضلاً عن أنماط بعينها
على الحياة اليومية.
وهنا نجترح احباطاً مزدوجاً لتوقعاتنا: اذ ليست الشخصيات الهوميروسية فحسب هي التي تخفق في الظهور في عوليس، بل تُحرم الكثير من التفاصيل من أداء وظيفتها الاعتيادية. ولذلك ، يتم تُوجيه اهتمامنا الى الطبيعة التذكيرية للرواية . وندرك عندئذ حقيقة أن كل هذه التفاصيل تشكل فائضاً أحتياطياً يعد بما هو أشد تشويقاً من المخططات التنظيمية التي قد تقدمها الرواية لنا. وهكذا فكل قراءة تمنحنا فرصة جديدة لأستدماج التفاصيل وأستيعابها بطريقة مختلفة – وبالطبع، فأن كل شكل من أشكال الأستدماج يؤدي الى بروز نوع معين من التعديل المشكالي للمادة
الفائضة.
ومن خلال منح روايته هذه البنية – على نحو واعٍ او غير واع – يساير جويس ميول القارئ وتوجهاته الرئيسة، القارئ الذي وصفه نورثروب فراي بقوله : "ما أن نقرأ شيئاً حتى يبدأ أهتمامنا بالتحرك في أتجاهين في آن واحد، احداهما نحو الخارج او مندفع بعيداً عن المركز حيث نستمر في التحرك خارج نطاق قراءتنا في حالة تنقل متواصل من الكلمات المفردة الى معانيها وهذا يعني، من الناحية العملية، محاولة تذكر الارتباطات التقليدية بينها . أما الاتجاه الآخر فهو داخلي او متجهاً نحو المركز وفيه نحاول ان نستخلص من الكلمات نمطاً لفظياً اشمل ")5 .
(يصطحب هذان الاتجاهان قارئ عوليس في أتجاهات مختلفة تماماً ،متباعدة اكثر منها متقاربة. أذ يكتشف عند قراءته أن الحياة اليومية في دبلن، اذا جاز لنا القول،متنوعة ومتجددة على نحو متواصل كالنهر الذي تفيض ضفافه بأستمرار، عندئذ يسهم تدفق التفاصيل هذا في حث القارئ على محاولة بناء سدود المعنى الخاصة به – على الرغم من حتمية أنهيار هذه السدود في مرحلة ما. كما أن الاحالة المتضمنة في العنوان تبدو قاصرة، أذ تعمل على تقويض عوضاً عن تحقيق آمال المرء في السيطرة على المادة نظراً لعدم صياغة الاطار المرجعي المركزي الذي يرغب المرء في استدلاله من
عوليس في أي مكان في النص. تبعاً لذلك، يحصل المرء على ’صور‘ مختلفة بناءً على السؤال الآتي :هل يقرأ المرء الرواية من وجهة نظر دبلن او من وجهة نظر الاوديسة؟. وفي الحالة الاولى، يسهم الأفتقار الواضح لعامل الارتباط بين التفاصيل المتنوعة في تكوين صورة قاتمة حول فوضوية العالم الشاملة، وفي الحالة الثانية، يتسائل المرء عن مغزى عودة عوليس في خضم تغيرات الحياة المعاصرة. تبدو كلتا المقاربتان ضعيفتين نسبياً ، ولذا، توكل الرواية الى القارئ مهمة محددة، هي تقوية هاتين المقاربتين ودمجهما معاً.
بعد نشر عوليس، وصف ت. أس. اليوت وعزرا باوند تفاعل القطبين الرئيسين المؤلفين للرواية كل حسب طريقته، وذلك بتوظيفهما صور مجازية مختلفة. في نقاشه لـ عوليس، رأى اليوت في احالات الرواية على التراث مطلباً مهماً ينبغي على جميع الأجناس الأدبية السعي لتحقيقه: " في توظيفه الاسطورة، وفي معالجته البارعة لأوجه التوازي المتعددة بين الزمن المعاصر والقديم ، يتبع السيد جويس منهجاً على الآخرين الألتزام به من بعده. أنهم، بقيامهم بذلك، لن يكونوا محاكين ولن يختلفوا كثيراً عن العالم الذي يوظف اكتشافات اينشتاين في مواصلة أبحاثه واكتشافاته الخاصة
وتطويرها. انها ببساطة وسيلة لضبط وتنظيم فضلاً عن أضفاء المعنى على بانوراما العبث والفوضى المريعة المسماة التاريخ المعاصر وتحديد شكلها"(6) بناءً على ذلك ، تسعى تقنية التوازي الاسطوري الى منح النظام الذي يفترض بالقارئ أستكشافه في أثناء قراءته لأحداث دبلن شكلاً ثابتاً. ولكن هذا لا يعني – بالنسبة لجويس في الاقل – الحكم على الحاضر الفوضوي والملغز وفق معيار النماذج الأصلية الهوميروسية. وسيبدو القول إن التوازي الاسطوري يضع أمامنا نماذج ادراك متنوعة على الرغم من أن ما ندركه لا يتطابق تماماً مع هذه النماذج أقرب الى الحقيقة. وبالطبع ،
فإن الكشف عن الفروق المتعذر اختزالها هو ما يشكل الوظيفة الفعلية للنماذج الاسطورية التي ننظر من خلالها الى العالم الحديث. ان حقيقة عجز هذه النماذج عن أحتواء جميع هذه التفاصيل فضلاً عن دمجها تضفي على المادة غير المتكاملة مقداراً من التوتر الحياتي الضروري لجعلنا نعي وجودها مباشرة. وليست من قبيل الصدفة ان يحيل اليوت على اينشتاين لتوضيح الطريقة التي ينبغي بها تقويم اكتشاف جويس والأفاده منه. ويكتسب التوازي الاسطوري هنا طابع الفرضية التفسيرية ونادراً ما يؤول بوصفه عودة للاسطورة، أنه سيمثل، ببساطة، ذخيرة النماذج التي تخدم
الاستراتيجية الكلية التي يُعرض من خلالها العالم الحاضر .
يكتب عزرا باوند حول الموضوع نفسه قائلاً: تعد هذه التماثلات جزءاً من قروسطية جويس وهي شأنه الخاص اساساً ،أنها السقالة أو وسيلة البناء التي تسوغ ذكرها فقط تلك النتائج المترتبة على أستحدامها. وتكون محصلة ذلك انتصاراً للشكل والتوازن والمخططات الرئيسة فضلاً عن التنوع المتواصل في البنية السردية "(7) ، ولا يرى باوند في التماثلات الاسطورية سوى شروط اساسية مسبقة لبناء الرواية – أي وجود الواح البناء الخشبية حول هيكل المبنى المراد نصبه - ولكن الرواية ذاتها ليست حاصل جمع المتطلبات الاساسية ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، اختزال مكوناتها
الى هذا الحاصل فحسب. فضلاً عن ذلك، فأن شبكة التماثلات الاسطورية لا تشكل في نهاية الأمر سوى أطار للعرض، وما يمتاز به هذا الأطار من وضوح في الرواية معد لجذب الانتباه الى نواحي القصور الكامنة في هذه النماذج التنظيمية وأشباهها. ويطبق هذا بمقياس متساوٍ على النماذج الأصلية القابلة للتمييز ولكن السؤال الذي يبرز بألحاح فيما بعد هو ما الغاية من تسليط الضوء على نواحي القصور هذه وما الذي تسعى لتحقيقه ؟


2
" التجارب في الاسلوب

تفتح التلميحات الهوميروسية في عوليس افقاً جديداً لا يتطابق مع "الاسبوع العالمي" المعاصر(8) " والسبب في حالة اللاتطابق هذه يعود الى أنه بين الحاضر والنماذج الأصلية في الملحمة الهوميروسية يمتد التاريخ الذي يمكن أجتيازه في حالة واحدة فقط هي أن لا تكون عوليس معنية بشيء أخر عدا عودة النماذج الأصلية . وينبغي على المرء، عند دراسته التوازي الهوميروسي أن لا ينسى حقيقة أن جويس وظف في روايته عدد من التلميحات الشكسبيرية مساوياً تقريباً للهوميروسية. وحتى لو حاول أحدنا المساواة بين حضور شكسبير في عوليس وعودة النماذج الأصلية، فلا سبيل لانكار حقيقة ان جويس كان أشد اهتماماً بالتمظهرات المختلفة لمثل هذه النماذج الأصلية منه باثبات عودتها. وهذا يبين على نحو مؤكد أن جويس يرى في النموذج الأصلي الوسيلة وليس الموضوع. وهذا يعني أن تأريخ ظهور التمظهرات المحتلفة للنموذج الأصلي يتفوق في أهميته على طبيعته الاسطورية . ولكن ما طبيعة هذا التاريخ وما الشكل الذي يتخذه في الرواية ؟
وللاجابة عن هذا السؤال،ربما من الأفضل البدء بالتجارب في الاسلوب كنقطة أنطلاق. وهذه التجارب في حد ذاتها هي ابتكار طالما أن الفصول الثمانية عشرة للرواية تسرد الأحداث من خلال ثمانية عشر منظوراً متباين البنية. وقد أعتاد القراء عند قرائتهم رواية ما أن يُطلب منهم، لمرة واحدة فقط، تبني وجهة نظر المؤلف المختارة لتحقيق مقاصده، بيد أن اللافت للنظر في عوليس تكرار هذا الطلب لمرات عديدة لا تقل عن السبعة عشر والسبب في ذلك يعود الى التباين في أسلوب كتابة كل فصل. ويرى جون ميدلتون ميري أن الاسلوب " هو خصيصة اللغة التي تعمل على توصيل … نسق
العواطف او الافكار الخاصة بالمؤلف "(9) . وبوسعنا التحدث عن الاسلوب عندما تخلق وجهات النظر المنتظمة اطاراً مرجعياً له القدرة على توجيه ملاحظات القارئ بواسطة الأختيار بين الحقائق المراد او غير المراد عرضها.
وتكمن نقاط قوة الاسلوب وفي الوقت نفسة ضعفه في هذه الوظيفة التي يؤديها والتي تتصل بتقييد مجال الملاحظة. ويستمد المعنى الذي يفترض بالأسلوب التعبير عنه شكله من سيرورة اختيار اوجه معينة من الظواهر المراد عرضها، لذا يٌٍِعاد أنتاج الظواهر لفائدتها في توصيل الحقائق الى القارئ .
وبفرض الاسلوب معنى محدداً وتحرير الواقع ليتطابق مع هذا المعنى ، فانه يقدم نفسه بوصفه تناظراً اسطورياً(10) لا يشير، كما أوضح كليمنس لوجووسكي،الى تصور بعينه عن الواقع فحسب، بل يمثل العامل الذي يشكل ذلك الواقع كذلك. وعلى الرغم من ان هذه الوسيلة الاسطورية … هي نتاج لفعل تأويل(11) غير واعي وغير مباشر تماماً، فإنها، لهذا السبب بالذات، ستعمل على تجميد الفترات التاريخية التي ظهرت أفعال التأويل هذه للوجود فيها.
ويوضح جويس في عوليس نواحي القصور هذه بواسطة تثييم قابلية الاسلوب ذاته. كما يجذب الأنتباه الى الضغط المعياري الناتج عن صيغ الملاحظة المتوارثة في أي اسلوب، وهو بقيامه بذلك يكشف عن الطابع الاحادي الجانب المتطرف لكل فعل تأويل وتغيرية المنظور في فصول عوليس الثمانية عشر. وبينما يسهم تغير الأساليب في تسليط الضوء على نواحي القصور هذه، تتضح ملامح السيرورة في الفصول المفردة من خلال المادة الأحتياطية الفائضة غير المتكاملة والمفتقرة للبنية، وهذا يجعل المرء يعي نواحي القصور في الاسلوب المعني ، ولهذا السبب، فهو غالباً ما يبدو اكثر واقعية من صورة الواقع المعروضة في تلك اللحظة.
وهكذا تخدم التغيرات في الاسلوب والمادة الروائية غير المتكاملة غرض أبرز نواحي القصور في كل اسلوب، وبالأضافة الى هذين العاملين ، يحظى القارئ بنوع من التفسير(12) التأليفي يعاني، على نحو مماثل لموضوعه، من نواحي القصور الخاصة به. وهذه بالضبط ما نلاحظ في " ثيران الشمس " التي عادة ما يشعر نقاد جويس بالحيرة والأرتباك عند مناقشتها "(13) . إذ يرى ت . اس . اليوت أن هذا الفصل يبين "عبثية كل الاساليب الانكليزية "(14) وهذه العبثية هي قطعاً واحدة من تلك التأثيرات التي سعى جويس لأحداثها في قرائه.
في مسار هذا العرض المذهل للاساليب الفردية والحقبية، نعي، على نحو مضطرد، الافتراضات المتعددة التي تؤطر التمثيلات المختلفة للثيمة . فمن خلال محاكاته الساخرة للاساليب ،يتأكد جويس من عدم تجاهلنا للطبيعة التأويلية لاشكال العرض. فليوبولد بلوم يكتشف تحوله الى انواع مختلفة من الشخصيات حسب طبيعة الاسلوب الموظف في السرد، من "ليوبولد الرحالة" القروسطي الى الفارس الارثروي " السير ليوبولد " الذي يلج بدوره سياقاً جديداً بوصفه " الطفل ليوبولد "(15) . والقارئ في كل هذا يكون واعياً لحقيقة الطابع الأحادي الجانب لكل هذه التشخيصات ، وذلك لتألفه،
في الفصول السابقة، مع خصيصة ’تنوع جوانب‘ شخصية بلوم وتعددها. وتبرز خصيصة أحادية الجانب بوضوح في الثيمة الرئيسة للفصل التي لا تتناول ثيمة الحب، بل الطريقة التي تصور بها مؤلفين أمثال مالوري وبنيان واديسون وآخرون هذه الثيمة. وتسهم حقيقة أدراك المرء أن الأراء المعبر عنها في هذا العدد الهائل من الأساليب الموظفة تخدم غرض أقصاء وليس دعم بعضها بعضاً في أحداث الأثر الهزلي المطلوب. وتتخذ الثيمة الرئيسة حتماً أشكالاً متنوعة بتنوع المؤلفين، ولكن بما أن كل أسلوب يفترض أن قدرته على تصوير حقيقة ظاهرة هي من الأمور المسلم بها. وهنا، يتجلى
واضحاً للعيان السذاجة التي ينطوي عليها هذا الأفتراض. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو أي واحدة من وجهات النظر الفردية هذه هي الأقرب الى الحقيقة ، ولكننا حتى حينذاك سندرك أن المؤلفين، وتحديداً منهم من يكتب موضوعاته بواسطة أختيار وسائل تقديم بعينها، قد أعدوا موضوعاتهم لتشكل معنىً محدداً وتقييماً محدداً.
ان مجرد حقيقة افتراض الصدق المعياري لهذه المعاني والتقييمات هي التي تجعلنا ندرك المدى الذي اعتمدت فيه تلك المعاني والتقييمات على الظرف التاريخي التي انبثقت منه. فلو عُدَت " ثيران الشمس " تعليقاً خاصاً بالمؤلف على عمله ، لما توقع المرء منه –أي المؤلف- أعداد روايته بوصفها فعلاً تأويلياًً أخر". أنما يعني جويس ويشغله هو تمثيل الحياة اليومية لا تقييمها.
بيد أن تمثيلاً كهذا في مسيس الحاجة الى الشكل ، وأي شكل يختاره جويس حتماً سيختزل آلياً الظاهرة المراد تمثيلها. ولهذا السبب، بمقدورنا أن نفترض أن فصول الرواية قد نظمت بحيث يمثل كل فصل فيها رداً على الفصول الاخرى بتفاصيلها المبدئية المؤكدةPrincipium Stilisationis. والنتائج التي يتمخض عنها مبدأ البناء هنا مبهرة. اذ بوسع جويس ان يحاكي ساخراً الاساليب المختلفة لتبيان نواحي القصور فيها ولكنه لو طبق هذه التقنية بحذافيرها في روايته، لأستلزم الأمر منه مواصلة محاكاة نفسه على نحو ساخر في أثناء محاولته عرض الأحداث التي وقعت في السادس عشر من حزيران،1904.
ويحوي النص قطعاً اثاراً لهذا العرض، بيد أن المحاكاة الذاتية الدائمة تسهم في نهاية الأمر في تشتيت أنتباة القارئ وحرمانه من فهم ما جرى في ذلك اليوم. الا يقود هذا بدوره، وعلى نحو مماثل لكل حالات المحاكاة الساخرة الأخر الى تقويم سلبي فيه من نواحي القصور ما يماثل ما هو ملاحظ في تقويمات المؤلفين الذين تمت محاكاتهم على نحو ساخر ؟ أن هذا الشكل ذاته سيؤلف " فعل التأويل " .
والتساؤل الذي يطرح هنا هو هل بمقدور المؤلف عرض أي شيء و في الوقت نفسه هل يمكن تعليق " فعل التأويل" من دون المجازفة بجعل الموضوع المراد تمثيله غامضاً ؟ ان عوليس هي الجواب الملائم عن هذا السؤال . أذ استدعى جويس كل الصيغ الأسلوبية التي تم توظيفها في جنس الرواية خلال تاريخ ظهورها القصير نوعاً ما لغرض تعديل أن لم يكن تحييد الطبيعة التأويلية للأسلوب. وفي أثناء ذلك، عمل جويس على أثراء هذه الصيغ الأسلوبية وترصيعها بشتى أنواع الأحالات الأدبية وبالطبع بالنماذج الأصلية .تعزز تعددية المخططات هذه وتشابك علاقاتها شكل التمثيل الذي يعرض كل معنى بشكل متزامن مع انتشاره في ثنايا السرد. تبعاً لذلك، لا ترسم الرواية صورة " الاسبوع العالمي " – وهذا يعني أنها لا تقدم شيئاً بالمعنى المألوف، ولكنها، عبر التنويع الهائل في منظوراتها، توفر أمكانية تصور " الاسبوع العالمي " وتخيله. وتقع مهمة ترجمة هذه الامكانية الى واقع على كاهل القارئ هذا في حالة رغبته الاتصال بواقع الرواية. ولهذا السبب ، ينبغي على المرء التمييز بين عرض المؤلف للحدث وخيال القارئ. وبالطبع ، حتى في حالة وضوح الافعال التأويلية في الرواية، ينبغي على القارئ الأستمرار بتصور الاشياء وتخيلها. اللافت للنظر هنا أن القارئ
سيؤدي هذه الافعال التأويلية فقط في حالة تخلي نسق العرض عن العناصر التنسيقية بين الظواهر والحالات الملاحظة. في عوليس يتحقق هذا اساساً من خلال الضبط المفرط للنسق الذي يعرض مادة قابلة للتصور بدرجة اكبر مما يمكن للقارئ معالجته اثناء القراءة. ولذا ،فالقارئ المرهق وليس اسلوب الرواية هو المسؤول عن خفض كمية المادة الملاحظة الى نسب قابلة للسيطرة عليها. وبقيامه بذلك ، فإنه بالكاد يتمكن من تفادي مساواة هذه الكمية المختزلة بالمعنى. ولو اخذ المرء بعين الحسبان ردود الافعال تجاه عوليس في الاربعين سنة الماضية – بقدر ما يمكن تفحص ردود
الافعال هذه وقياسها حسب التأويلات المختلفة المعروضة، لأدرك حقيقة تكيف هذه المعاني تاريخياً. وفي الوقت نفسه، لا يمكن انكار حقيقة أن العديد من تعديلات المعنى الممكنة تسهم الى حد كبير في حث القارئ على صياغة المعنى خاصته، وعندئذ يضطر الى ولوج عالم الرواية .
تعمل الفصول في عوليس ، بدرجات متباينة ، بوصفها علامات تبين الطريق خلال " الاسبوع العالمي " وهي، بهذا المعنى ليست ادلة أرشادية تفرض على القارئ تأويلاً محدداً للمناطق التي تمثلها. ولو اردنا فهم الوظيفة التي تؤديها نماذج العرض والتلميحات والنماذج الأصلية بصورة مناسبة، فمن الافضل اولاً دراسة واحدة او اثنتين من الامثلة العيانية .
تبدأ الرواية بمحاكاة ساخرة للطقس الكنسي . اذ يمسك مولغيان طالب الكلية الطبية طاسة الحلاقة عالياً عند قمة برج مارتيلو ويرتل : Introbio ad altare Dei(16) ولو كان رافع الستارة الصغير هذا مؤشراً على ما سيحدث في قادم الأيام، سنجد أنفسنا أمام محاكاة ساخرة طويلة أخرى. في بادئ الامر يتأكد هذا الانطباع بالحديث اللاحق بين موليغان وستيفن، أذ ينتقل موليغان على نحو مفاجىء من مستوى اسلوبي الى آخر وتتناوب اللغة العامية اليومية مع الأحالات الأكاديمية الى اليونان والميثولوجيا الايرلندية وحتى زارثوسترا.(17) في واقع الأمر، تتعرض التلميحات في بعض الأحيان الى التقطيع وحتى التحريف. وأذا كان الأمر كذلك ، فهل سنحصل عندئذ على سلسلة من المستويات الاسلوبية التي تم محاكاتها؟ وهل سيواجه المؤلف تراخي عنصر التوتر لأن المحاكاة الساخرة للمستويات الاسلوبية هنا ستبدو تافهة بعد الكشف المبدئي عن المادة الروائية للقراء. فضلاً عن ذلك، يندر العثور على مقارنة ثلاثية للمستويات المتقاطعة والمتباينة في حديث موليغان. كما يستحيل تأسيس غرض ما لمحاكاة ساخرة كهذه ما لم يرغب المرء من خلال تعدد المستويات الاسلوبية في استنتاج ميل جويس الى ودفاعه عن الاستعمال الأنقى للغة، وهذه الفكرة ، في واقع الأمر، بالكاد
تستحق الاهتمام بها. يخلق ذلك عند المرء انطباعاً مفاده ان ما هو معلن ليس سوى منبهٍ لأستدعاء ما هو عكسه تماماً. بناءً على ذلك ، تكتسب التحريفات التدنيسية لشعائر القداس دلالة أضافية غير دلالة المحاكاة الساخرة، فهي تسلط الضوء، مثل الحديث اللاحق، على نواحي القصور الكامنة في مجمل العبارات المصاغة وتحث القارئ على ملء الفجوات بين المستويات الاسلوبية المنفصلة . وبما ان النص لا يوفر أي نقطة التقاء بين الظواهر التي يعرضها أمام القارئ، يميل الأخير الى أضفاء المعنى الخاص به على مختلف أنواع التفاصيل، ونظراً لأستحالة أدراك المعنى
كاملاً، يتفاقم التوتر الكامن بين الظواهر غير المترابطة. هذا هو بالضبط الانموذج الرئيس الذي يبرز بتنويعات محدودة في الفصل الاول الذي اطلق عليه جويس تسمية "تيليماكوس" (18). ويعد التحول السريع والمفاجئ للسارد الأهم بين هذه التنويعات. ففي أثناء سرد الشخص الثالث للحدث، تظهر بغتةً عبارات مكتوبة بصيغة الشخص الاول(19) وهذا الأمر يدهش القارئ بشدة الى حد يجعله أكثر وعياً بالأنماط السردية منه بالاشياء المروية . تبعاً لذلك، يدرك المرء هنا، كما في فصول الرواية الأخر، ضرورة تمييزه بين الأمكانيات اللسانية للاسلوب والطبيعة المحتملة للظواهر
المعنية .
يعمل نمط ’القلب أو العكس‘ السائد في الفصل الاول للرواية على أختزال ما هو واضح وعياني الى مجرد موقع ما في الحياة، ولكن الحياة ذاتها تتوسع وراء حدود هذه المواقع. والفصل الثاني المعنون في الأصل " نيستورNestor " يسلط الضوء على المضامين التي تنطوي عليها هذه الحقيقة ومن هنا تتأتى ضرورة توفير مجموعة اخرى من الأنماط الاسلوبية للكشف عن النتائج الخفية.فحوار ستيفن الداخلي، وهو النمط السائد في هذا الفصل، مليء بالمقاطع التأليفية والكلام المباشر والاقتباسات من قصيدة ’ليسيداس‘ لملتون(20) التي توضع ازاء خلفية درس الصباح وتنشأ عنه. وتقود هذه
الأقحامات الى تأمل التاريخ والمكانة المحتملة التي يشغلها الانسان فيه "أنهم يعتقدون أن التأريخ هو مجرد حكاية مثل أي حكاية اخرى شفاهية وارضهم هي مكتب الارتهان . ألم يُذبح بايروس –على يد عجوز شمطاء في ارغوس وآلم يُطعن يوليوس قيصر حتى الموت ؟ قطعاً لا يمكن نسيان شخصيات كهذه، فقد وسمهم الزمن بعلامة مميزة وقيدهم بالأغلال في سجن الاحتمالات اللامتناهية التي لم تخطر على بالهم. ولكن هل بوسع هؤلاء تخيل امكانية عدم وجودهم من قبل ؟ ام هل أن ما يصبح ماضياً هو الأمر الوحيد الممكن ؟ انسج يانساج الريح … ينبغي الأستمرار في التحرك لتحيين
المحتمل بوصفه محتملاً).21
من المهم هنا ملاحظة أن عملية تأمل المحتمل هذه تستمد الهامها من السيرورات التاريخية تحديداً التي يبدو كل شيء فيها ثابتاً على نحو متعذر إلغاؤه . فهل ينبغي النظر الى هذا التحديد (أو الجزم) بوصفه احتمالية واحدة بين العديد من الإحتمالات؟ ماذا عن الشخصيات التاريخية؟ وإذا تمكن هولاء، من خلال اعمالهم البطولية ومعاناتهم، من أن يخطوا خارج نطاق الإحتمالات اللامتناهية ، لِمَ اذن يعودون اليها الآن ؟ أن تساؤل ستيفن هل فكر بايروس وقيصر، حينما كانا احياء، ملياً بأمكانية موتهما يوماً ما او انهما سينتهيان الى ما انتهيا اليه ما هو الأ سفسطة
مثيرة للأهتمام؟ وعلى الرغم من أعتقاد ستيفن أن أفكاراً كهذه لا تعدو كونها تخمينات، فأنها لا تمنعه من استنتاج ان السبيل الوحيد لفهم الحياة الفعلية هو النظر اليها بوصفها أحتمالية بين العديد من الإحتمالات. ولكن ماذا لو أن ما حدث ما كان ليحدث أصلاً، اذن لن يمثل الواقعي شيئاً سوى مسلك عابر تركه المحتمل. واذا لم يكن الواقع شيئاً سوى مسلك عابر، فأنه سيفقد أهميته ودلالته في مقابل هذا العدد الهائل من الإحتمالات الخفية وغير المحققة، أنه ينكمش ليصبح مجرد شيء مثير للفضول. إن الميل الواضح في تأملات ستيفن هذه يعد موازياً لذلك الملاحظ في
بداية الرواية، حيث ما يقال يشير مباشرة الى العكس منه تماماً، وتسهم كل جملة ملفوظة في التعريف بالإحتمالات التي أسثنتها الجمل الأخر.
لقد شعر الاطفال بالضجر من درس التاريخ ويريدون من ستيفن أن يروي لهم قصة أخرى، اروي لنا قصة ، سيد ستيفن ، هيا يا سيد ستيفن. قصة أشباح" (22) وكان ستيفن يعتقد أن التاريخ يتحول الى قصة أشباح عند تفكير المرء به، وأن كانت من نوع مختلف عن ذلك الذي يود الاطفال سماعه. لقد ضجروا مما هو واقعي ، ويطالبون الآن بالأستماع الى ما هو فنطازي، هذا لأنهم لا يدركون ما ينطوي عليه الواقعي من غموض وخيال مذهلين. لا يعلن النص عن هذا بالطبع، ولكن الطريقة التي تزاحم فيها المنظورات المختلفة بعضها بعضا لتشق طريقها هي التي تدفع القارئ الى البحث عن الرابط بينها.
لا يقدم النص للقارئ أي دليل يعينه على معرفة كيفية تقويم وجهات النظر المختلفة وبوسعه، في افضل الاحوال، الأستعانة بالمنظور التالي الذي، على نحو مماثل لمنظور الأطفال، يُقحم في حوار ستيفن الداخلي. ليست هناك قصة أشباح، و عوضاً عن ذلك ، يبدأ الاطفال بقراءة ابيات من الشعر من قصيدة ملتون "ليسيداس"، تلك الابيات التي تسهم فيها الفكرة القائلة أن الموت ليس نهاية الحياة وأن الموتى خالدون في تعزية الراعي الحزين – ويبدو واضحاً هنا أن للشعر وحده القدرة على تخليد المرء، بيد أن الشعر هو قصة أخرى تروى.
في هذا الجزء القصير نسبياً من النص، هناك ثلاثة أنماط متقاطعة مختلفة هي الحوار الداخلي والكلام المباشر والاقتباسات الادبية. تركز هذه الأنماط على ثيمة متجانسة نسبياً تتخذ أثناء عرضها للقارئ ثلاثة اشكال مختلفة. أذ يعتقد ستيفن أن المحتمل يسهم في تعتيم الواقع بحيث يحرمه من دلالته المميزة. وقد شعر الاطفال بالضجر مما وقع فعلاً ويلتمسون الأثارة التي يوفرها اللاواقعي لهم. لذا يبين الاقتباس الادبي بوضوح أن خاصية التخليد هي أمتياز الفن القصصي حصراً. لن يفصح النص عن الطريقة الأمثل للربط بين وجهات النظر هذه ولكنه يعرض ثلاث احتمالات
مختلفة لربط الواقعي باللاواقعي. ونظراً لتقاطع الأنماط الاسلوبية في النص، نلاحظ خلوه من البنية التراتبية، ليس ثمة بنية متسلسلة هرمياً . أما تأملات الحوار الداخلي، فأنها تشير على نحو لا يقبل الشك الى الطبيعة الخاصة للرأي المعبر عنه، وعندها تبدو رغبات اطفال المدارس عفوية وساذجة والاقتباس الأدبي بوصفه نوعاً من الضمان ليس له ما يدعمه في الواقع. وعلى الرغم من الأعتقاد بضرورة تفادي النظر الى هذا الأمر بوصفه التأويل المحتمل الوحيد للأنماط المختلفة في النص ، فان الظروف السائدة في النص تدفع حتماً بأتجاه ظهور مثل هذا التأويل.ونظراً
لأفتقار هذه الأنماط لنقطة التقاء جامعة بينها، فأن معناها يتبلور من تفاعلها المتواصل، وتمثل هذه السيرورة التي يحرص القارئ على تفعيلها وتعمل هي بدورها على أشراكه في النص.
وبغض النظر عن الأنماط المذكورة آنفاً، تجد هذه السيرورة ما يدعمها في نهاية الفصل الذي يدور حول الحديث بين ستيفن ومدير المدرسة السيد ديزي . اذ إن مدير المدرسة يعطي ستيفن رسالة يود نشرها في جريدة ’اليفننك تلغراف‘ Evening Telegraph ويعرض فيها حلاً لمشكلة مهمة " هي مشكلة الحمى القلاعية (مرض من امراض الماشية يحدث قروحاً في افواهها وحول اظلافها) . " قال السيد ديزي، المشكلة بأختصار هي الحمى القلاعية. تمعن في الأمر وأقرأ الرسالة بعناية. لا يختلف أثنان حول هذا الأمر اطلاقاً "(23) ويعتقد السيد ديزي بأتفاق الأراء حول هذه المشكلة وغيرها من المشاكل السياسية في ايرلندا. ويضحي انموذج النص المجزأ في درس التاريخ لستيفن خلفية للجمل البينة التي يتفوه بها السيد ديزي ويسعى من خلالها، على نحو حاسم ونهائي، الى تصحيح الحقائق الشائعة. ويمتنع النص مرة اخرى عن التصريح بشيء حول العلاقة بين هذين المقطعين ولكن سرعان ما يجد القارئ وسيلة مباشرة نوعاً ما لسد هذه الفجوة. وتبدو ثقة السيد ديزي بنفسه، عند تصورها ازاء خلفية الاحتمالات اللامتناهية، ضيقة الأفق تماماً وسخيفة، ولذا غالباً ما يتوصل القارئ الى أستنتاجين، أولهما إن السيد ديزي هو ابله مغرور وثانيهما وهو الأهم، هو ان الأدعاء بالمعرفة يمثل اختزالاً آلياً للامتناهي ويتجاهل عامل تغيرية الظواهر. ومع هذا ، ينبغي التأكيد مرة أخرى أن هذا التأويل هو تأويل القارئ لخلو النص ذاته من عبارات كهذه. ويلعب العنوان الاصلي للفصل "نيستور" دوراً في توفير منظور آخر طالما أن القارئ سيحاول ربط حكمة نيستور بغرور السيد ديزي وتبجحه. ويحتمل أن يكتشف القارئ في مسار محاولته هذه ان السيد ديزي لم يكن الوحيد الذي خضع لمقارنة من هذا النوع، أذ يشاركه في ذلك السيد نستور. وأذا كان الأدعاء بالمعرفة، كما في حالة السيد ديزي يفترض مسبقاً عدم الوعي بمتغيرية الظواهر، فإن الحكمة الاسطورية لنيستور ستكون عرضة لتقويم القارئ ثانية. ويأخذ الفصل الثالث وعنوانه الأصلي بروتيوس " Proteus " التجربة في اتجاه آخر ويعمل في الوقت نفسه على جمع الاجزاء المندرجة تحت عنوان تيلماكيا" Telemachia "معاً، الأجزاء التي تتعامل مع الحالة الداخلية لستيفن قبل ظهور بلوم. ويندهش المرء من الاتساق النسبي للنمط الاسلوبي الموظف هنا بالمقارنة مع الفصول السابقة. حيث يؤلف حوار ستيفن البنية الرئيسة السائدة رغم حضور الآثار الحينية للراوي التأليفي. وهذه الاثار هي ذات طبيعة خاصة. وعوضاً عن ربط الحوار بالموقف الكلي، يبدو صوت المؤلف هنا عاجزاً عن مجاراة تأملات ستيفن التي تنجح في أجتياحه في نهاية الأمر. في واقع الأمر، لم يعد هذا الصوت يعمل بوصفه وسيطاً بين السياق والحالة المروية، وعوضاً عن ذلك ينأى المونولوج بنفسه حتى عن الواسطة التأليفية. وبحرمان الراوي التأليفي من أداء وظيفته التأليفية، تنشأ فجوة كبيرة بين المونولوج والموقف الكلي، وفي حالة ظهور مثل هذه الفجوات، ينبه القارئ الى ضرورة تشكيل الأرتباطات خاصته. ولكن في هذه الحالة، تتضاعف صعوبة مهمته لأفتقار حوار ستيفن الى نمط متسق خاص به. ويبدو ذلك، في لحظة ما، شبيهاً بتيار الوعي فهو يثير شجون الماضي، وفي لحظة اخرى تدويناً للملاحظات على الشاطئ في ساندي ماونت فحسب ليتحول بعد ذلك الى ما يشبه المناجاة او التأمل الاستبطاني الذي، وعلى نحو مغاير للحوار الداخلي المألوف، غير معني بالذاكرة او الملاحظة ، بل بالظروف المسهمة في بروزهما. تسهم الجملة الاولى من الحوار في أدراكنا الطبيعة الخاصة لتأملات ستيفن ذات الصلة بـ "الشكلية الحتمية للمرئي" الممكن رؤيته، على الأقل أن لم يكن موجوداً، من خلال عيناي. هنا تبرز ملامح كل الاشياء الموجودة التي ساقرأها، الطحلب البحري والتيار القريب وذلك البوت القديم الطراز والفضة المزرقة والصدأ : علامات ملونة وحدود الشفافية "(24)
يحاول ستيفن توضيح عواقب تقييده الحتمي لتصوراته الخاصة. ويمكنه النجاح في هذه المحاولة فقط عبر الدراسة العيانية لصيغة التصور الفعلية. واذا كانت المشاهدة تزخر آليا بالعديد من التصورات المسبقة، فكيف سيتمكن المرء من تفحص ملامح الاشياء؟ وربما نتحدث عن الطحلب البحري والتيار في افضل الاحوال بوصفهما الواناً، الأ أن اختزالاً كهذا لا يسلبهما قوتهما فحسب، بل انه يقود وعلى نحو مسرع، الى الخط الحدودي حيث يقاومان هذا التصور وينسحبان الى منطقة معتمة تماماً. فالتصور ذاته،في نهاية الأمر، هو المسؤول عن خلق هذه العتمة التي تبرز بدورها بوصفها
الصيغة المميزة للموضوع المُدرك. لذا ،يعتقد ستيفن أن الموضوع قيد الدراسة هو اطار أحالة للتصور ذاته. وربما يعمل هذا الاطار في أثناء معالجته الموضوعات على تغييرها لجعلها في متناول فهم المرء وأدراكه. ويحاول ستيفن اختبار هذه الفكرة، اذ يغلق عينيه ’ليرى‘ هل تُنتج الرؤية تغيراً كهذا. ومن ثم يفتحها بعبارة " انظر الآن . أنه بدونك طوال الوقت، وسيبقى هكذا الى الأبد – أنه عالم بلا نهاية " (25) . تتضح هنا حقيقة وجود الاشياء بمعزل عن فهم المرء ومشاهدته لها واذا أستلزم الأمر استيعاب هذا الفهم بدوره، فينبغي ان يتحقق ذلك عبر فكرة مفادها ان فعل الرؤية يؤدي الى عتمة الاشياء وغموضها. فالحوار الذي يعقب هذه العبارة هو اشبه بمحاولة اسباغ شكل على هذه المثالية. حيث تختتم تأملات ستيفن فعل المشاهدة بسيل جارف من المواقف والحالات والصور والشخصيات والسياقات المتشظية. ويشعر القارئ بالأرتباك لأن هذا ما لا يتوقعه من التأمل التحليلي في الرواية على الاقل. يسعى هذا النوع من التأمل عادةً الى تحقيق المزيد من الوضوح والفهم و"في واقع الأمر أن مهمته الرئيسة هي أيضاح الأمور لا زيادة الغموض فيها" (26) أن مرد السبب في الأثر المحير الذي يخلفه الحوار في نفوس القراء يعود، بشكل رئيس، الى حقيقة أن الجمل او المقاطع الفردية التي تتعامل مع ثيم واضحة ولكن غير مترابطة والتي وضعت جنباً الى جنب تخلو من أي رابط يجمعها. لذا ، يزداد عدد المواقع الفارغة أو الفجوات في النص على نحو مضطرد، الأمر الذي قد يزعج القارئ، ولكن وبقدر ما يتعلق الأمر بقصدية الحوار، تبدو هذه الفجوات متسقة تماماً، فهي تمنع القارئ من الربط بين ما يلاحظه، وهذا يؤدي الى حالة من التداخل الشديد والمتواصل بين أوجه العالم الخارجي التي تثيرها تصورات ستيفن وأدراكاته. الأ أن شعور
القارئ بالارتباك من جراء هذه السيرورة لا يمثل الغرض الوحيد من النص أذا أخذ المرء بعين الحسبان تيار افكار ستيفن السابقة. وهنا، كما في المواقع الأخر، ينبغي عد الشعور بالارتباك محفزاً ومنبهاً رغم عدم ألزامه القارئ بتناول الطعم وبمقدوره في واقع الأمر تجاهله اذا شعر بالإرهاق . أن الفكرة الرئيسة هنا هي قدرة المرء على قراءة وأستخلاص شيء ما في هذا النص المتشظي. فتأملات ستيفن حول افعاله الادراكية تكشف عن حالة الوعي التي وصفها كاسيير في سياق مختلف كما يأتي : " كلما تقدم الوعي في تشكيله وأنقساماته ، أكتسبت محتوياته الفردية معنىً أعمق،
وهذا بدوره يعني أنه كلما أكتسبت هذه المحتويات القوة اللازمة للتنويه بوجود غيرها، يكون مقدار الحرية التي يمكنها تحويل جشتالت الى اخر عبر تغيير وجهة النظر أكبر(27)
تبرز تشكيلة هذا الوعي تحديداً عبر التحول المستمر للجشتالت في الحوار. وينبغي الأنتباه هنا الى حقيقة ان هذا التحول يتحقق اساساً بالطريقة التي يغير فيها ستيفن المسافة بين الواقع المشاهد ونفسه بوصفه مشاهداً واعياً. وهذا التغير يضمن عدم تقييد العالم المفتوح بأي اطار مرجعي واعٍ أمام الادراك. يتمخض فعل التغير المتواصل هذا عن أحد العناصر الحيوية المتمثل في التراجع المستمر لكل اتجاه الى مختلف الأمور التي تحدث على الشاطئ في ساندي ماونت وتعمل السيرورة بمجملها من خلال الفجوات، أذ تقطع الصور التي تبنيها افعال الادراك وهي بذلك تسهم في
محورة اهتمام القارئ حول التفاعل بين الادراك والواقع. يعرض النص ايضاً لجوانب من هذه العملية: نزعت عني هذا الظل المنتهي، شكل الانسان الحتمي، هل أود أسترجاعه.أنه بلا نهاية ، هل سيكون ملكاً لي وشكلاً لشكلي ؟ من يراني هنا ؟ " (28) تعمل الفجوات التي تقف حائلاً دون ربط الظواهر التي يعالجها فعل المشاهدة على نقل هذا الوعي بفصل أنماط الادراك عن الشيء المدرك لكي يكتسب العالم المشاهد خاصية التعددية والتنوع في انواعه الموروثة. وهكذا يلعب الحوار دوراً في تحرير التفاصيل الملاحظة والمسجلة من أي بنية مهيمنة. قد يدفع هذا الانطباع المرء الى الأعتقاد بتوافر هذا الفصل على نقطة محورية موضحة لأسلوب عرض " الاسبوع العالمي"، أذ يمكن، وبسهولة، عد تأملات ستيفن حول أسلوبه الخاص في المشاهدة فضلاً عن المشاهدات الذاتية بوصفها تفحصاً متواصلاً للاشياء الملاحظة وتحريراً للاشياء المدركة من قبضة الادراك، المخطط الرئيس في الرواية. ولكن اذا كان الامر كذلك، فسيقع جويس في المصيدة التي أعدها بنفسه، لأنه ،ببساطة، سيعمد فيما بعد الى تبديل بعض الاساليب التي حاكاها باخرى خاصة به. ولهذا السبب بالذات، ينبغي أن لا نغفل نقاط التحديد التي يسلط جويس الضوء من
خلالها على نواحي القصور في صيغة العرض في هذا الفصل. اولاً ، لا تعرض الرواية شيئاً خلا وجهة نظر شخصية واحدة. ويتخذ المنظور شكل حوار تضيع خطاه احياناً في متاهات الفردانية الملغزة للشخص الذي يشترك به. ثانياً ، وحتى لو تمكن المرء من متابعة هذه التأملات، فإن شكل الحوار يؤكد الطبيعة الخاصة للافكار المعبر عنها، فالحوار الداخلي هو أحد أشكال العرض الخاصة، إنه الانا (ego) مخاطباً ذاته. واخيراً ، يعرض جويس في مكان آخر في الرواية ايضاحات معينة حول كيفية الحكم على تأملات ستيفن وأفكاره. ففي ص352 من الرواية- أي في الفصل المعني بمحاكاة الاساليب (هامش) – تنعت تهويمات ستيفن الاستبطانية (29)بـ ’الترانسدنتالية‘ المضللة. وقارئ جويس، بالطبع، في مسيس الحاجة الى ذاكرة قوية جداً لتذكر مثل هذه الايضاحات (وهو غالباً ما لا يمتلكها)، ويسود الأعتقاد أنه حتى الذاكرة متوسطة القدرة أو المنهكة لها القدرة على تسجيل ما يكفي من الملاحظات لتبيان حقيقة ان صيغة العرض في فصل " بروتيوس" ما هي الأ أحد أوجه عرض الحياة اليومية لا انموذجاً باريديمياً لها. بوسعنا مناقشة موضوع هذا الفصل من وجهة نظر أخرى تعنى أساساً بالتوازي الهوميروسي. اذ يطلق جويس على الفصل تسمية ’بروتيوس‘ ونعرف من الاوديسة أن بروتيوس يواصل الهرب من مينالوس Menelaus ليتحول في أثناء ذلك الى اشكال مختلفة لانه لا يريد البوح بالسر الخاص بالطريقة الأمثل لوصول مينالوس الى البيت. وقد حُذر مينيلاوس سلفاً من مغبة الأنخداع بتغيرات الشكل هذه لأن شجاعته هي التي ستجبر بروتيوس على افشاء السر المهم. بيد أن التحولات التي تمخضت عن تفكير ستيفن تختلف الى حد ما. وبالتأكيد، يبدو كما لو ان سراً ما قد أخفي عنه. ولكنه، وعلى نحو مغاير لما في
القصة الهوميروسية، يصوغ هذا السر بنفسه. يدرك ستيفن عجزه عن الأفلات من أسار المشاهدة، ويدرك كذلك حقيقة تغير الاشياء لحظة مشاهدة المرء لها، اذ تسهم كل مقاربة في تغييرها الى شيء مختلف تماماً. وعليه، فأن تحلينا بالشجاعة لمعرفة ما بمقدورنا رؤيته ومعرفته هو ما يعيق وصولنا الى السر. أن فعل المعرفة ذاته يُنتج سر الاشياء التي تتغير عند مشاهدتها. وبينما أعان نظام العالم الهوميروسي مينيلاوس على معرفة السر الذي طالما تاق اليه، يوظف العالم الحديث معارفه ليكشف حقيقة وجود سر ما، وهذا أمر وثيق الصلة بالطبيعة اللاتحديدية لكل الظواهر. في حالة
مينيلاوس، فإن المعرفة المنتزعة من بروتيوس تقود مباشرة الى القيام بفعل ما، أما بالنسبة لستيفن، فإن أدراكه أنه مقيد باشكال الادراك خاصته تؤدي به الى الغوص المتواصل في البنية المتناهية للعالم لسبر أغوارها. ونظراً لصعوبة تناول جميع تجارب الاسلوب الموظفة في عوليس في مقال واحد، سنقتصر في نقاشنا على تلك التجارب التي توضح التنويعات الأسلوبية الأشد قدرة على الأدهاش. واحدى هذه التجارب هي قطعاً الفصل المعنون أيلوس "Aeolus" الوثيق الصلة بنقاشنا لتمثيله ومن عدة نواحي نقيضاً لفصل "بروتيوس". وتوفر زيارة بلوم الى مكتب الجريدة الأطار لشكل السرد المنمذج على نحو دقيق. ويكشف التحليل عن مستويين منفصلين للنص اللذين بوسع المرء، من الناحية العملية، ان يطلق عليهما تسمية البنية الجزئية والبنية الكلية للفصل. يتألف المستوى البنيوي الجزئي من عدد كبير من التلميحات التي يمكن تقسيمها على ثلاث مجاميع مختلفة : (1) المجاميع التي تتعامل مع الحالة المباشرة ، والجهد الذي بذله "بلوم" لنشر الاعلان في مكتب الجريدة والاحداث المرتبطة به (2) تلك التي تشير الى ابيزودات مختلفة تماماً تقع خارج الفصل ذاته، وترتبط تارة بالاحداث الموصوفة سابقاً وتارة اخرى بالاشياء المتوقعة ، (3) تلك المقاطع التي تراوغ المرء وتمنعه من معرفة الجهة التي ستتجه نحوها. ونظراً للتداخل الواضح بين هذه التلميحات من حيث تحابكها في نمط معقد في الواقع، تحاول كل واحدة منها أغراء القارئ باتباعها. لذا ، تتحول التلميحات ذاتها الى منظورات جزئية ليس من السهل اتباعها حتى النهاية بسبب كثافتها الشديدة. وتشكل هذه التلميحات أقتباسات موجزة من الواقع تجبر القارئ في نهاية الأمر على الأشتراك في سيرورة الاختيار. ويطبق الشيء نفسه على الانموذج الاسلوبي الآخر الملاحظ ضمن الطبقة البنيوية الجزئية. وكما هي الحال مع التلميحات، يمتاز هذا الأسلوب بالتناوب المفاجئ بين الحوار والكلام المباشر وغير المباشر والقص التأليفي وسرد الشخص الاول للفعل والحوار الداخلي. وعلى الرغم من الدور الذي تلعبه مثل هذه التقنيات في فرض ترتيب معين على وفرة التلميحات، توظف الأولى الأخيرة بدرجات متباينة من الأهمية. اذ تختلف الوظيفة التي تؤديها تلميحات المؤلف للسياق عن تلك المتضمنة في الكلام المباشر لاحدى الشخصيات. ولهذا السبب لم تخُتزل الاقتباسات من الواقع والاحداث الفردية الى مجرد تلميحات تضمينية، بل أنها تظهر، بواسطة أنماط أسلوبية مختلفة، باشكال تمنحها-أي الأقتباسات- مدىً متبايناً من الاهمية. وفي الوقت نفسه تكشف التلميحات غير المترابطة والتناوب المفاجئ للادوات الاسلوبية عن عدد كبير من الفجوات. يؤدي كل هذا الى ظهور الخصيصة التنبيهية للنص. فمن جانب، ينطوي ثراء التلميحات وغزارتها والتجزئة المستمرة للاسلوب على تغير متواصل في المنظورات التي تخرج عن نطاق السيطرة متى ما حاول القارئ تثبيتها، ومن جانب آخر تُغري الفجوات الناتجة من الانقطاعات والاختصارات القارئ على سدها. وسيحاول القارئ تجميع الاشياء لأن ذلك هو السبيل الأمثل الذي يتمكن بواسطته من التعرف على الحالات وفهم الشخصيات في الرواية. تستسلم البنية الكلية للفصل لهذه الحاجة التجميعية بطريقة جد مميزة. إذ يشكل العنوان وعمود الصحيفة المخطط الذي يدمج التلميحات والتغيرات الاسلوبية. فالعنوان هو توجيه ينبغي توقعه، بيد أن النص الذي يعقب العنوان يكشف عن التركيب المبين أعلاه. ولذلك، فالنص، في أغلب الحالات لا يلبي التوقعات التي يستثيرها العنوان. وبما ان العناوين الصحفية تشير الى حوادث مختلفة في المدينة مثل الوضع في ايرلندا وما شابه ذلك ، فإنها تُعنى ايضاً بالاحداث اليومية ذات الصلة بالواقع الذي لا يرقى اليه الشك. الا ان العمود الصحفي التالي يُحبط هذا التوقع، لا من خلال قيادة الوقائع المألوفة باتجاهات مفاجئة لتقوض بذلك التأثير التجميعي للعنوان فحسب، بل ايضاً من خلال تشظية الحقائق والاحداث بطريقة تجعل من المألوف والعادي جهداً واقعياً. وفي الوقت الذي يبدو فيه العنوان ملبياً لحاجتنا الاساسية من حيث التجميع، يعمل النص التالي على عدم أشباع هذه الحاجة. في فصل " أيلوس" لا يتعلم القارئ شيئاً حول الاحداث الجارية في دبلن في السادس عشر من حزيران1904 فحسب، بل يعاني ايضاً الصعوبات المتوارثة في استيعاب تخطيطات الاحداث المبدئية. أن مرد السبب في التناقض التام بين النص وأفكارنا المألوفة حول مفاهيم التصور يعود تحديداً الى أن العنوان يقترح طريقة للتجميع تتحقق من وجهة نظر معينة بحيث يظهر النص ذاته مناقضاً تماماًً لافكارنا الشائعة حول الادراك. ويظهر النص بمظهر من يتحدى حالة تكرار الظروف المبينة وعوضاً عن ذلك، فأنه يمتنع عن تزويد القارئ بأي شيء خلا أتجاهات او احتمالات الادراك المرتبطة بهذه الظروف. ويُحفز القارئ، في معرض توظيفه الاحتمالات، على أداء نشاط معين وصفه بي. رايجي في سياق آخر كما يأتي :
ان حل هذه المفارقة يكمن في ايجاد أساس ما للتمييز بين " الدهشة " و "الاحباط". ويمكن أجراء هذا التمييز في ضوء التأثيرات التي يمارسها نوعي التجارب علينا. اذ يعوق الشعور بالاحباط النشاط او يكبحه، كما يستلزم أدارة دفة النشاط في أتجاه أخر هذا أذا اردنا الخروج من المأزق، ويتمخض عن ذلك التخلي عن الموضوع المُحبط والعودة الى ممارسة نشاط ما عفوي. هذا من جانب، ومن جانب آخرتسبب الدهشة توقفاً مؤقتاً في الطور الاستكشافي للخبرة ولجوءاً الى التأمل والفحص المكثفين. وفي الطور الأخير، يلاحظ أرتباط العناصر المدهشة مع ما مضى ومع تيار الخبرة المتدفق،
وعندئذ، يصبح التمتع بهذه القيم شديد الأثارة، وتميل الخبرة الجمالية الى عرض التداخل المستمر بين العمليات " الاستدلالية " و "الاستقرائية"(30) على الرغم من ذلك، يلاحظ في هذا الفصل أن التوقعات التي تثيرها العناوين يتم أحياناً تلبيتها. وفي لحظات كهذه، يبدو النص مبتذلاً(31) لانه حالما يكيف القارئ نفسه مع حالة أحباط توقعاته، فإنه يبدأ بتصور الاشياء على نحو مختلف عند تحقيقها. ومن السهولة بمكان فهم السبب في ذلك. اذ لو كان نص العمود الصحفي غير ذي صلة بالعنوان، ينبغي على القارئ، حينئذ، توفير الحلقات المفقودة . وبذلك تتعزز مشاركته في قصد النص. أما في حالة نجاح النص في تلبية التوقعات التي اثارها العنوان، حينئذ لن يُطلب من القارئ سد الفجوات وسيشعر بلاجدوى الابتذال وفتوره.
وبهذه الطريقة ، يسهم الانموذج النصي في هذا الفصل في أثارة سلسلة متواصلة من الصراعات مع صيغ ادراك القارئ الخاصة، و نظراً لانسحاب المؤلف كلياً من مونتاج الاحتمالات، لا يحصل القارئ على أي توجيه يعينه على حل هذه الصراعات. وهكذا، يمنح قارئ نص كهذا شعوراً بأن شيء ما يحدث لهُ بفعل هذه الصراعات تحديداً فضلاً عن الاصطدام بطيف واسع من الاحتمالات المختلفة.
وليس من قبيل المصادفة أختزال التوازي الهوميروسي في هذا الفصل الى مجرد عملية أستذكار عرضية لأن المخططات الرئيسة للتأليف لا تتحدد من خلال نشر الاخبار في كافة الأتجاهات ، بل بالطريقة التي يتم بها أستلام هذه الاخبار. وقد صاغ جويس ثيمته من موضوع لا يحظى بأهتمام هوميروس ويكشف هذا الامر جزئياً عن ستراتيجية التلميحات الادبية التي استعملها جويس في عوليس.
يعد الفصل الذي اطلق عليه جويس في الأصل تسمية " سيرس " المعروف عادةً بـ " أمسية ولبرجز" الأهم من حيث تسليطه الضوء على التجارب في الاسلوب، أذ يضم مشاهد لدبلن ’مدينة الليل‘ في سلسلة من الحوارات ذات الشكل الدرامي. ويسهم استعمال هذا الشكل آلياً في الحيلولة دون ظهور أي امتدادات مطولة للسرد. ولو عد المرء تجميع الاحداث عنصراً اساسياً في السرد، فسيبدو الأمر كما لو ان الرواية تحاول التحرر من هذه الظرف. وحتى في حالة حضور سرد ما، فإنه سيتخذ شكل توجيهات مسرحية تحرمه من الطابع السردي الفعلي للنص. وعلى الرغم من شكله الأقرب الى الدراما، لا يمكن أدراج هذا الفصل في خانة "المسرحية ". ويعود السبب في ذلك الى فقدان المناجاة الداخلية والحوارات والتوجيهات المسرحية وأفعال دخول وخروج الشخصيات المؤلفة لجسد الفصل وظيفتها الدرامية. فضلاً عن ذلك، تنتهي الصراعات بين الشخصيات، كما بدأت، على نحو مفاجئ تماماً، ويلاحظ أزدياد عدد الشخصيات على نحو مضطرد لأن المشتركين في المسرحية هم ليسوا الشخصيات في الرواية فحسب، ، بل نجد أمامنا ايضاً، وعلى نحو غير متوقع، لورد تينيسون(32) Lord Tennyson وادوارد السابع(33)Edward VII ، وصافرات نفاثات الغاز(34) ونباح كلاب الصيد(35) وتتصاعد مدويةً اصوات الملعونين والمباركين(36) ، وتتحدث نهاية العالم التي تتخذ شكل اخطبوط ذو رأسين بلهجة اسكتلندية مميزة(37).تتزامن هذه الزيادة المضطردة في عدد الشخصيات مع أشد الحوارات استثنائية، أذ ، وبينما تسعى الشخصيات في الحوار الدرامي الى التأثير في بعضها بعضا، تستغل هذه الوظيفة المهمة الى أقصى حد، أذ ينتحل بلوم الشكل المشار اليه حينما يجد نفسه في بداية الفصل محاطاً بعدة شركاء وفي مواجهة مباشرة مع احداث الماضي والحاضر(38) .في بعض الأحيان، يستغرق بلوم في القيام بذلك على نحو عبثي كما في المشهد مع بيلا كوهن الخادمة البغي حينما يتحول الى امرأة ويزحف تحت الاريكة بحياء ليؤدي دوراً ثانوياً مماثلاً لما تقوم به بيلا التي تتحول في أثناء ذلك الى وحش ذكري (39)
. ويبدو الأثر الذي يخلفه هذا الحوار الدرامي شديد التطرف الى حد تماهي بلوم مع الدور الذي أعده شريكه له. وهذا الانصياع المتعجل لا يخلو من المشاكل لكلا الطرفين لأن تغير شكل بلوم لم يفلح في تعزيز شعورهم بالأمان فيما يخص أداءهم لعملية الفعل ورد الفعل .
تبين مشاهد كهذه بوضوح أن العناصر الدرامية لم تعد جزءاً من البنية الدرامية بحيث تنأى ’المسرحية‘ بنفسها عن الجنس الأدبي الخاص بها. ويفقد النص الدرامي كل غائيته الدرامية، وبينما ينحصر ما تبقى من الرد في وصف زمكاني للمشهد، سيجد القارئ نفسه ببساطة أمام ما يقال على "على خشبة المسرح" ، وفي ضوء تلاشي الاشكال السردية والدرامية هنا، سيشعر أن تأثيرات هذه الحوارات تخرج عن نطاق السيطرة على نحو متواصل. تبعاً لذلك، سيميل القارئ الى أعتبار الأمر برمته نوع من الفنطازيا المثيرة للسخرية.ان السؤال المطروح هنا هو ممً تتألف الفنطازيا ؟ فبينما تغدو تشعبات الفعل أكثر غموضاً وتملصاً، تزداد شخصية بلوم سطوةً وقوةً. يسلط الضوء على هذه الشخصية من مجموعة متنوعة من الزوايا المذهلة. بادئ ذي بدء، هناك تلميح ذا مغزى وأن لم يكن مباشراً تماماً الى هذه السيرورة، أذ يصف التوجيه المسرحي بلوم وهو يتمشى في دبلن ليلاً وينظر في مرايا مقعرة ومحدبة تغير مظهره باستمرار(40). وهذه هي الثيمة التي تطورت في الفصل كله.
ويبدو ان ماهية بلوم كشخصية تعتمد على المنظور الذي ينظر من خلاله اليه وتعتمد صورته المعكوسة في المرآة على البيئه في ذلك الوقت. ولذا، فليس من المدهش ان يصبح بلوم في غضون ليلة اللورد رئيس بلدية دبلن(41) وبطل الأمة الـهمام (42) . وتبتهج نساء الطبقة الراقية وجميلات دبلن بنشوة الوجد به(43) وفي خضم هيامهن بعبادة البطل(44) ، تعمد الكثيرات منهن الى الانتحار. بيد أن هؤلاء النسوة أنفسهن يشتركن في مشهد المحكمة، أذ يتهمن بلوم بالسلوك المنحرف(45). وما زال السؤال المتعلق بهل أن بلوم يسقط مشاعره على المدعين أم انه يود التحرر من هذه المشاعر بعزوها الى الآخرين عالقاً في حاجة الى من يجيب عليه. في حالات غير محددة كهذه، تغدو جميع العبارات تجليات محتملة للشخصية. وهناك أمثلة لا حصر لها على ذلك لو اردنا تدوينها ، لأستلزم الأمر سرد الفصل بأكمله.
تتألف القاعدة التي يستند عليها توسع بلوم من عاملين متباينين، على ما يبدو، في درجة وضوحهما. وسنتناول، اولاً، العامل الاكثر وضوحاً: في مدينة الليل، يغدو كل شيء مخفي وملغي ومقموع في حياة بلوم اليومية واقعياً. ولو أفترضنا أن أوجه ذاته هذه قد مُنحت درجة من الواقعية موازية لما مُنح لسواها، فأن حياته حتى هذه اللحظة ستظهر بشكل مختلف. ويبدو ان الحياة اليومية قد أصابت شخصية بلوم بالتشظي وبوسع هذه الشخصية في مدينة الليل حالياً أكتساب كمونيتها التامة مرة اخرى. وربما يحلو للمرء هنا الأفتراض أن هذه الحالة هي موضوع مثالي في التحليل النفسي.
ولكن، وللحيلولة دون القيام بأي تحليل سابق لأوانه، يعمد جويس الى محاكاة هذا النمط من التأويل بواسطة بوك موليكان، طالب الكلية الطبية، في احد مشاهد الفصل الاولى(46). تبعاً لذلك، لا ينبغي النظر الى ذوات بلوم المخفية بوصفها أحد أعراض القمع او كطريقة لمراوغة الرقابة التي تفرضها الأنا العليا ، بل بوصفها محاولة لادراك كمونية الشخصية التي لا يمكن أبداً أدراكها كاملةً في الحياة اليومية.
تكتسب هذه الكمونية مزيداً من الثراء بفضل التنوع الشديد في الاشكال التي تبنتها شخصية بلوم المألوفة لحد الآن. وبالعكس ، لو رغب المرء بتحديد ’بلوم‘ الحياة اليومية، فأنه سيُلزم بالتعرف على أدق تفاصيل هذه الشخصية الثرية الفعلية. فـ ’بلوم‘ الحياة اليومية هو مجموعة من اللحظات الفردية في مسار حياته – المجموعة غير المتناهية الاصغر بين مجموعات الاحتمالات غير المحدودة التي قد يؤلفها بلوم - في وفصل "سيرس"، يبدو كما لو ان كل شخصية لبلوم هي نقطة بداية لشخصية جديدة، كما يتجسد حضوره فقط كقوة ديناميكية تنتج وتربط وتدحض تمظهرات كمونيته
الخاصة.
ينبغي الآن دراسة الكيفية التي تتحول بواسطتها هذه القوة اللامحددة الى كل هذه الاشكال المحددة، وان كانت محدودة، والجواب على ذلك يكمن في العامل الثاني الاقل وضوحاً والذي يميز فصل " سيرس"، أذ أن ما يكشفه بلوم عن نفسه يتبدى للعيان بوضوح لأنه يجد نفسه في موقف معين، فضلاً عن ذلك، تبرز اشكال شخصي بلوم من سياقات الحياة المتغيرة، ولذا، يضحى كل شكل مقيداً بمنظور معين، وهذه هي الطريقة الوحيدة بالطبع لتحقيق الكمونية. في كل موقف، تُعرض خصائص الشخصية في ظل ظروف محددة وكلما كانت سرعة تغير هذه الظروف اكبر، كان تسلسل الحالات الفردية أشد غموضاً وتشعباً، وطيف الاحتمالات التي تكشف الشخصية بواسطتها عن نفسها أشد تنوعاً.
بمقدور المرء أن يدرك الآن الوظيفة التي تؤديها الصيغة الاستثنائية للعرض في هذا الفصل. ويسهم الاختزال السريع للسرد واهمال الترابط المنطقي الدرامي الى ترسيخ عزلة المواقف الفردية. وتحيل اللاترابطية كل موقف الى غاية في حد ذاته، وتتشكل واقعية الفصل بالتحول من حالة الى أخرى، وهذا يعني الأنتقال من تمظهر للشخصية الى آخر. تعمل التوجيهات المسرحية – بقية السرد – التي تعامل واقع مدينة دبلن كمجرد مشهد مسرحي على تعزيز هذه السيرورة. وبعد التخلص من الواقع المتطفل للبيئة، تُحرر الشخصية من كل القيود الخارجية وتُمنح الحرية اللازمة لتطوير
الطيف الواسع لأحتمالاتها(47). ولو عُرضت لاواقعية الشخصية المتغيرة بوصفها واقع هذا الفصل، عندها ينبغي منع القارئ بأستمرار من ربط نماذج النص. وبسبب وفرة النماذج في النص والتوقعات الخاصة التي ينتجها كل انموذج، فإن حذف حلقات الربط يؤدي الى اثارة القارئ بدرجة اكبر مما هو مألوف حتى في هذا الكتاب المثير جداً. لدينا هنا اشكالٌ درامية تخلو من القصد الدرامي، وكذلك اثار سردية لمؤلف ما يختفي وراء التوجيهات المسرحية التي لا تخدم المسرح ولا تصب في أي اتجاه. ويبدو أن الفصل برمته ينجرف في تيارات متلاطمة غير مستقرة ولو أردنا أيصالها الى المرسى،
اذن ، سيكون الوزن الوحيد الثقيل هو ثقل شخصية بلوم المحتملة. ويبدو هذا الامر شبيهاً بنوع من الهلوسة الخيالية، لان عكس الممكن والواقعي هذا لا يتطابق وخبراتنا الخاصة ، ولكن " … ينبغي علينا الأمتناع عن الحديث في حالة تقيدنا بالحديث عن تلك الخبرات التي نتوافق معها فقط، طالما ان الكلام يمثل أنفصالا" (48). ولو عد المرء كمونية بلوم المتعددة وتنوعها فنطازيا، فسيدخل مسبقاً في مصيدة ما. أذ أن انطباعاً كهذا الذي يكاد يكون حكماً، يوحي بمعرفة المرء للفرق بين الواقع والاحتمالية. وتكون مثل هذه الفروق غير واضحة تماماً، على الرغم من أن مسألة هل التأثير النهائي لهذه اللاوضوحية تربك القارئ أو تعينه تعتمد على ردود أفعاله الفردية، وما يمكن قوله هنا هو انه بينما تفتقر الهلوسة المتأتية من الترهات المحضة قطعاً الى عنصر الصراع، لا يمكن قول الشيء ذاته عند الحديث عن هذا الفصل. إذ تضمن الدرجة العالية من اللاتحديدية انواعاً متعددة من التوتر التي تعمل بدورها على حث القارئ على تذكر ما عرفه عن بلوم سابقاً-وربما رؤيته في ضوء مختلف.
ويمكن حتماً أستحضار مجموعة الذكريات هذه كخلفية لفصل " السيرس ". ويسعى القارئ بواسطة هذه الذكريات الى الحصول على مبدأ الربط الذي حُرم منه، ولكن مهما يكن ما سيجده هناك، فإن كل تمظهر لشخصية بلوم قبل فصل " السيرس" سيميل الى الظهور بوصفه الظل الأضعف في نطاق الكمونية الشاسعة. اذن من هو بلوم الحقيقي؟ هل هو ما يظهر لنا؟ أم أنه المحتمل؟ يلاحظ ستيفن في مرحلة ما أن " الاساسي ينفصل عن السائد بأكبر فاصل زمني ممكن "(49) . ولو نظرنا للاساسي بوصفه كامناً والسائد بوصفه تمظهرات، حينئذ، سنتعرف على "مغزى" فصل سيرس بأيجاز. وعلى نحو مخالف للبطل التقليدي في الرواية، ليس لبلوم هوية، وأنما لاأستقرارية تركيبية (50) تمكنه من تغيير شخصيته تبعاً لتغير المواقف. أن السمة الوحيدة الثابتة لبلوم هي قابليته على التغير . وازاء هذه الخلفية ، يبدو الافتراض الشائع القائل بإمكانية تعريف الانسان في ضوء افعاله وردود أفعاله واندفاعاته وخيالاته وتجسيدات وعيه محض اسطورة.
ما زالت الحاجة الى مناقشة التلميح الهوميروسي قائمة. اذ تبدو ملاحظة هاري ليفين التي تؤكد أن الاوديسة وعوليس هما ’خطان متوازيان لا يلتقيان قط‘(51) ، أكثر ملائمةً لهذا الفصل من غالبية الفصول الاخرى. وبينما حول الإله "سيرس" اصدقاء عوليس الى خنازير، أستطاع عوليس الفرار من هذا المصير ومقاومة السحر بفضل النبتة السحرية التي أعطتها له مولي بواسطة هرمسHermes . بقي عوليس على حاله لأنه تمكن من مقاومة سحر سيرس بينما يصبح بلوم ما هو عليه عبر التحول الى الأحتمالات المختلفة لشخصيته ذاتها. وهذا التحول يعني الاختزال في الاوديسة والتوسع في عوليس.تتسم التجربة الاسلوبية في الفصل المعنون " إيثاكا " الذي يحظى بأهمية خاصة لتناوله ثيمة الـعودة الى البيت بكونها من نوع مختلف تماماً. يُعرض هذا الموقف الأصلي هنا بوصفه سلسلة متصلة من الاسئلة والاجوبة المتعلقة بالشخصيات الرئيسة. ظاهرياً، يقوم بعملية الاستفسار هذه راوٍ غفل من الأسم يطرح على نفسه أسئلة متباينة الأهمية من مثل ما الذي يفكر به بلوم وستيفن، وما الذي يقومان أو يشعران به أو يقصدانه او يودان توصيله او يعنيانه، الخ ؟ ومن ثم يبادر بنفسه للأجابة.اللافت للنظر أن أجاباته تتسم بكونها مفصلة وشديدة التنوع. ولكن ما الغرض من هذه الأسئلة ولمً ينبغي على السارد طرحها طالما أنه يعرف، وهذا ما يبدو لنا، الأجابة عليها سلفاً.
يتمخض الأثر الذي يحدثه نمط العرض في هذا الفصل عن أقامته حاجزاً دائماً بين القارئ واحداث الـعودة الليلية لبلوم المراد سردها ، وعوضاً عن وصف هذه الأحداث، تعمل صيغة العرض على قطعها باستمرار. وبهذه الطريقة تتوارى شخصيات الرواية تدريجياً عن الأنظار، ولاسيما أن لكل سؤال من هذه الأسئلة جواباً محملاً بتفاصيل جد دقيقة الى حد تتعرض فيه قدرة القارئ على الفهم الى خطر الانهيار التام. وهذا الامر يشتت اهتمام القارئ، أذ يحمله بعيداً عن الاحداث ويجعله متمركزاً في الطبيعة المثيرة للفضول لسيرورة طرح السؤال والاجابة عنه هذه. ومرد السبب في ذلك
واضح للعيان، أذ يعود الى حقيقة أن قصد الفصل ينبغي أن يتجلى في هذه السيرورة لا في تفاصيل الاحداث الليلية. ولكن لو وضعت صيغة العرض هذه جانباً ولم تصف الاحداث وتطفلت على القارئ بأبداء الرأي بين الحين والآخر دونما دعوة عوضاً عن توجيهه، فأن المبرر الوحيد لتكبد كل هذا العناء هو أن صيغة الأستفسار تكشف عن شيء ما قد تسهم صيغة العرض في زيادة غموضه.
لندرس مثالاً على ذلك. حينما يصل بلوم الى البيت، يضع بعض الماء في قدر على الموقد لأنه يريد حلق ذقنه، عندئذ، نلاحظ أن سيرورة السـؤال والجواب تعنى بغلي الماء:
ما الظاهرة المصاحبة التي حدثت في قدر الماء بفعل النار ؟
ظاهرة الغليان . ولحصولها على الهواء اللازم عبر تيار الهواء في قناة التهوية الواقعة بين المطبخ ومدخنة الموقد، تنتقل النار بطريقة التوصيل بفعل حزم الوقود القابلة للاشتعال الى المجاميع البوليهيدرالية للفحم التي تحتوي في تركيبتها المعدنية المضغوطة على البقايا المتحجرة للأوراق الساقطة المتحجرة في الغابات البدائية التي استمدت وجودها النباتي المخضوضر من الشمس، المصدر الرئيس للحرارة، المتنقلة عبر الأثير المنفذ للاشعاع الحراري الوضاء والواسع الأنتشار. وتنقل الحرارة بطريقة التحميل، وهي أحد صيغ الحركة الناشئة بفعل الاشتعال على
نحو مستمر ومتزايد من مصدر الحرارة الى الماء في القدر، الحرارة تشع من السطح غير المصقول وغير المستوي للحديد، وعلى الرغم من خضوعها لعمليات أنعكاس وأمتصاص ونقل جزئية، فأنها ترفع درجة حرارة الماء من الدرجة الاعتيادية الى درجة الغليان، الارتفاع هذا ناتج عن أستهلاك أثنين وسبعون وحدة حرارية لازمة لرفع درجة حرارة باوند من الماء من خمسين الى مئتين وأثنا عشرة درجة فهرنهايتية(52) يبين هذا المقدار الهائل من قواعد البيانات العلمية – التي تعد أحد السمات المميزة لهذا الفصل وتزداد تعقيداً في مواقع آخر من الرواية- مدى صعوبة تعليل الظاهرة قيد البحث وفك مغاليقها.
أن سلسلة السبب والنتيجة هذه التي عوضاً عن حسم الأمر بالعودة الى المسبب الرئيس، تعمل على خلق المزيد والمزيد من العوامل التابعة التي تلعب دوراً في خلق انطباع قريب الشبه بالفنطازيا. وكلما كان وصف هذه العوامل أدق، تراجع المسبب الرئيس وأزداد تلاشياً وتعمق وعينا بأستحالة تفسير ما نود تفسيره. وبينما يطرح السارد المزيد من الأسئلة، لا تكشف الأجابات عن سعة أطلاعه بقدر ما تظهر صعوبة الحصول على اجوبة صحيحة. ومما يؤكد ذلك الدقة المتناهية لما هو معروف. لذا، فإن الأتجاه الملازم لسيرورة السؤال والجواب هذه هو أتجاه يهدف الى تبيان درجة
اللاتحديدية الموروثة في كل الظواهر. تبعاً لذلك، لا تبدو مسألة طرح المزيد من الاسئلة الساعية الى خفض مقدار اللاتحديدية مثيرة للدهشة، ولكنها، عوضاً عن ذلك تسهم في زيادة أعدادها، والفضل في ذلك يعود بالطبع الى دقتها المتناهية.
الشعور بالذهول هو ما يتملك المرء حال أطلاعه على المقدارالهائل من التفاصيل العلمية الموظفة في الاجابة عن الاسئلة العادية وربما التافهة، والسبب في ذلك يعود الى الدقة المتناهية التي يمتاز بها وصف هذه السيرورة. أن هذا يعني أن تصوراتنا العادية لسيرورات كهذه هي اقل دقة ونتيجة لذلك أشد مباشرية ووضوحاً. ما الذي يجعل هذه السيرورة معقدة؟ ربما الرغبة في تبيان المدى الذي تعتمد فيه معارفنا وقراراتنا على أعتبارات براغماتية، بيد أن هذه هي الطريقة الوحيدة التي تعيننا على تشكيل تصوراتنا ذات الصلة بالظواهر اليومية. إن سيرورة السؤال والجواب
تجعلنا ندرك أن درجة اللاتحديدية غير قابلة للاختزال، وهي بذلك تبين حقيقة أن مجمل تصوراتنا شبه الثابتة عن الظواهر اليومية هي مجرد تصورات لتجاهلها عامل استحالة تفسير الواقع. وهي بهذا المعنى رواية.
واذا كانت الرواية هي الوسيلة الوحيدة للقضاء على اللاتحديدية، فسيجد القارئ أن الارض التي يقف عليها تنشق من تحت قدميه متى ما ادرك ذلك. ففصل ’ايثاكا‘ يواصل تضييق الخناق عليه وهو في وضع لا يمكنه التملص منه الا في حالة تبنيه موقفاً محدداً. وربما يحزم القارئ أمره مقرراً أن سلسلة الاجوبة الساخرة هي محاكاة للحذلقة العلمية. ولكن، وكما أعلن نورثروب فراي في سياق آخر، فأن الحل المفارقي الساخر هو القطب السلبي للحل الاليغوري. أذ تعرض ’السخرية‘ صراعاً بشرياً يفتقر الى الأقناع والتكامل ما لم نتلمس فيه دلالة تنم عن ما وراء ذاته … ما طبيعة تلك
الدلالة؟ تحجم السخرية عن التصريح بأي شيء في هذا الصدد، وعوضاً عن ذلك، فهي تترك الأجابة عن هذا السؤال للقارئ او المشاهدين(53). وهذا هو نوع السخرية الملاحظ في فصل " إيثاكا " الذي يوظف عناصره الساخرة ليلقي على كاهل القارئ مسؤولية ايجاد الحل خاصته. وهذا بالطبع يشمل التأويل، ولأجل أدامة بقاء التأويل في منظوره الملائم، توضع اشارات تحذيرية معينة في النص. وفيما يتصل بالسؤال: ما الأعتبارات التي بمقدورها تهدئة حدة أضطراب بلوم؟، نحصل على الجواب التالي " صعوبات التأويل طالما أن دلالة الحدث تعقب حدوثه بتنوع مماثل لتنوع التقرير الصوتي الذي يعقب تفريغ الشحنة الكهربائية والتقدير المضاد ازاء الخسارة الفعلية الناجمة عن فشل تأويل الحاصل الاجمالي للخسائر المحتملة الناتجة في الأصل عن تأويل ناجح"(54)
اذن ، تكمن المشكلة الاساس في التأويل في حقيقة التنوع الشديد في معنى حدث ما. وتوضح صورة تفريغ الشحنة الكهربائية التي تبث موجاتها الصوتية بكل الاتجاهات أن كل حدث حال وقوعه ينشأ طيفاً واسعاً من المعاني. ولو حاولنا استخلاص واحدة من هذه المعاني وثبيتها في ذهن المتلقي بوصفها معنى الحدث، فإننا بذلك نلغي جميع المعاني الاخرى.
نفهم التأويل الناجح عادة بوصفه ذلك التأويل الذي ينقل معنى محدداً . ولكن بناءً على الجواب الوارد هنا، فأن نجاح التأويل يعتمد على عدم تجاهلنا ’الخسائر المحتملة‘الناتجة عن التأويل. وهذا يعني، بكلمات أخرى، أن نجاح التأويل يقاس بمدى قدرته على أرجاع الطيف الكلي للمعاني المحتملة إلى الظاهرة المؤولة وهذا أمر ليس من السهل تحقيقه كما يوضح الجواب.
تتميز المعاني بكونها ذا طابع توجيهي يسهم في تعددية جوانب الظواهر الموصوفة لاسيما في الاجوبة المصاغة علمياً. وفي وصف كهذا، تتسم هذه الظواهر بثراء معانيها هذا أذا لم يَسُد الظاهرة معنىً واحداً فقط. في فصل " إيثاكا " لا تكون الاوجه ساكنة، بل متحركة، وتعرض طيفاً من المنظورات أوسع نطاقاً على نحو غيرمتناه مما يمكن عرضه لو أختار المؤلف أن يقدم للقارئ تأويلاً محدداً للظاهرة. وبغض النظر عن الشعور بالأرتباك الذي يستولي على القارئ أزاء هذه التعددية المذهلة ، فأنه، في الأقل، يحظى الآن بفرصة تجربة جزء من الطبيعة الجوهرية لهذه الظواهر، أذ
تمكنه اللاتحديدية المتصاعدة من أدراك العديد من الجوانب المختلفة لوجهات النظر ومن التفاعل بين هذه الاوجه والمنظورات، يكتسب القارئ القدرة على صياغة المعنى خاصته بصورة مستمرة وديناميكية. وبهذه الطريقة يتمكن القارئ من تجربة الظاهرة بوصفها ظاهرة لا تعبيراً عن شيء ما آخر.
أطلق جويس تسمية " إيثاكا " على هذا الفصل. ولكن ما نوع العودة الى البيت هذه ؟ أنها تعني لعوليس نهاية المغامرة وما رافقها من مشاق وصعوبات فضلاً عن تصفية حسابه مع الخطاب، أما بلوم فيقضي فترة العودة الى البيت بأداء افعال تافهة لا حصر لها وصب اللعنات الفنطازية وأن كانت بلا جدوى على عشاق مولي. ولا يستثنى أحد من هذه اللعنة الشاملة، أذ توجه للزواج بوصفه مؤسسة، بل وحتى لبلوم نفسه. ماذا الذي يبقى بعد هذه المحرقة؟ ان الذي يبقى هو ليوبولد بلوم شخصياً برغباته ونزواته، لا بصفته زوج او رب اسرة ، بل شخص متفرد بذاته بلا أي ممتلكات"(55). مع ذلك، فلدينا في التلميح الهوميروسي توازياً، في حالة تمثيله شيئاً، فأنه يسير بالأتجاه المعاكس من الاصل، مبيناً بذلك فردانية بلوم ازاء خلفية ما يتوقعه القارئ من نموذج العودة الى البيت الأصلي.
تنتهي التجارب الاسلوبية في عوليس بحوار مولي بلوم الذي لطالما نوقش باسهاب ويتولى أداء مهمة صعبة هي أنهاء الفعل الذي لا يمكن أنهائه. وهنا، فأن المشكلة المألوفة القديمة المرتبطة بكيفية انهاء الرواية تبرز بأوضح صورها. إذ لا يمكن عد النهاية مكتملة، وأن كانت كذلك، ما الذي من المفترض أن يعنيه اكتمالها؟ والى أكتمال أي شيء تشير؟
ان توظيف الخاتمة التقليدية مستحيل هنا وكذلك المقاطع المصاحبة لهُ، التلاشي البطيء، لأن ذلك، بعد الأمور التي كشفت عنها التجارب لا يعني شيئاً سوى علامة على الاذعان، وعلى المدى الطويل، معنىً مفروض قسراً. وقد قرر جويس انهاء روايته بكلمة نعم "(56) ومهما كانت المشاعر التي تخالج المرء حول هذا القصد ، فإن المغزى العام أيجابي. لذا ، ينبغي على النهاية تجسيد حركة الرواية برمتها لتمكن القارئ من نسيان أنها كانت النهاية.
تختتم مولي بلوم وهي نظيرة بنيلوبي في عوليس فعلاً بدأ مع تيليماكوس. وهذا المعنى الخارجي ليس هو الوحيد الذي ينطوي على حركة ملتفة على نفسها، بل يوضح المونولوج الداخلي كذلك الطريقة التي يغدو فيها الرجوع الى الذاكرة حاضراًٍ جديداً. ان الغياب الكلي للتنقيط، في هذه الحالة، يوحي بالاستمرارية. حيث تتحد الأنا، وتخاطب نفسها عبر ماضيها المتذكر، ويستثنى القارئ غالباً من عالم الاحالة الخاصة هذه. لا تظهر هذه الأنا للقارئ كسلسلة متصلة بقدر ظهورها كتلاعب مشكالي لاوجه متشظية. ويتضح أطار الحوار عادةً بواسطة التفاصيل الخارجية. تلاحظ مولي
وصول بلوم للبيت بصحبة شخص ما ومن ثم توجهه الى الفراش. تعلن دقات الساعة المنبهة الوقت، وترى مولي في ضوء الصباح الباهت الورود على ورق الجدران التي تذكرها بالنجوم(57).
وتستمر الدوافع الخارجية بالتلاشي والتواري بعيداً في خضم الذكريات التي تثيرها، وتتسع هذه الذكريات بدورها لتشمل احداث متخيلة لم تقع أصلاً. ويحجب حاضر هذه الساعة الليلية حاضراً مختلفاً ومع ذلك، يتم وضع الماضي المتذكر بأزاء الحاضر الآني، وعوضاً عن ذلك، يصبح ما هو متذكر حاضراً ببساطة لتحرره من الظروف التي خلقته اصلاً. أنه، في واقع الأمر، يكتسب وجوداً خاصاً به. ولكن على النقيض من حالته الاصلية ، يُحرر الماضي الآن من كل القيود الزمكانية ، وتنساب المواقف بعضها ببعض بأيجاز، مستعيدة بذلك خاصية أتساع أفق المحصلة النهائية التي حرمت منها لزمن طويل في السابق وهنا، وللمرة الأولى، تبرز أول خاصية مميزة للحوار، خاصية لا تسترجع الحياة السابقة فحسب، بل تحررها من تحديديتها. وبذا، تتسع ثانيةً المواقف الفردية التي شكلت حلقات الربط في سلسلة مسار الحياة الطويل لتكتسب، مرة أخرى، الثراء المتأصل في كمونيتها. يعمل الحوار على محو غائية مسار الحياة هذا، فهو لا ينقل الماضي والحاضر باسلوب السيرة الذاتية المسؤول عن أظهار معنى الحياة موضوع المادة الأدبية، بل يبين ان هذه الحياة شبيهة بسلسلة من التزامنات، هذا أذا وضع المرء نصب عينيه مجمل الاحتمالات المتوارثة في المواقف قبل ارتباطها. ومتى ما حررت المواقف من نظام الحياة خاصتها، عندئذ، يمكن رؤيتها من خلال منظورات مواقف اخر تفتقر بسبب نواحي القصور الزمكانية في الحياة الواقعية الى ما يربطها. ولهذا، يوحي الماضي المتذكر بمجاميع جديدة تماماً وتستعيد مولي حياتها الخاصة مصحوبة بوفرة من الاحتمالات التي، في الاقل، توهم المرء بوجود نظام حياة مختلف.وعلى نحو شبيه بالنماذج الاسلوبية في عوليس، يُجزئ الحوار الداخلي المواقف الى شظايا وينتزع من القارئ أي مبدأ قد يربط فيما بينها منطقياً. وفي ضوء حالة اللاترابطية هذه، توضع احداث الماضي والرغبات المستقبلية والفرص المهدرة بالمستوى ذاته بحيث تبدو حياة مولي، كما يحلو لها تسميتها، في حالة تحول متواصلة. ولكن ما الشيء الذي يتحول والى ماذا يتحول؟ في الرواية، يمكننا عادةً تحديد التغيرات والتمسك بأوجه التشابه بوصفها نقاط ارتباط، بيد أن ما ملاحظ هنا هو التعقيد والارباك فقط. ولو أستُرجع الماضي المتذكر بوصفه نوعاً من تعويض الرغبات المحبطة، سيكون بوسع المرء توجيه ذكريات مولي من خلال الوضع خاصتها في هذه الساعة تحديداً من الليل. واذا كان الأمر يتعلق بالعودة الى تلك المرحلة في الماضي التي كانت في تلك اللحظة حاضراً غير محسوم، اذن ينبغي القيام بعملية تفكيك متواصلة للاحتمالات الاسترجاعية – مثل الفلم الذي يعرض بصورة معكوسة، أي من أخر لقطة صعوداً. تبرز هنا صعوبة تبيان أي من هذه الأراء متمثل في حوار مولي. أذ أنها تنظر الى الماضي من وجهة نظر الحاضر او تعود في الزمن الى الماضي للتحديق في وضعها في الساعة الخامسة صباحاً. في واقع الأمر، أنها كشخص تميل الى التلاشي وراء
ثراء تفاصيل حياتها الخاصة. وكلما اكتسبت شخصيتها مزيداً من اللاتحديدية، كان الانطباع الذي نكونه حول حياتها أكثر ديناميكية والسبب في ذلك يعود الى مواجهة القارئ لعدد من وجهات النظر التي تتزايد بأضطراد والتي ينبغي أما ربط أوجه مولي الفردية بها او تحويلها اليها.
وبما أن الحوار لا يؤكد مبدأ تنظيمياً معيناً يجمع بين هذه التحولات، فإنها- أي التحولات- تخلق انطباعاً بتواصل عملية الاتساع وتوحي أن الماضي هو معين لا ينضب نظراً لغياب نقطة الألتقاء، ويجد القارئ نفسه مدفوعاً دائماً برغبة تجميع الاشياء على نحو متناسق وحل المتشابك منها، بيد أن أي محاولة للقيام بذلك من شأنها الكشف عن ميوله الشخصية لا عن ’معنىً‘ موضوعي مفترض. وربما يكمن المعنى في الكشف عن هذه الميول.
ما زالت مسألة التوازي الهوميروسي في حاجة الى النقاش. اذ مع عودة الماضي الى الحاضر وتحرير الحاضر للماضي من تحديديته، تبرز فكرة الدورة المتكررة. وستحتل مولي مرتبة ارقى من بينيلوبي - اذ ستكون الارض الأم. ولكن حوارها لا يفي، بأي حال من الأحوال، بشروط الدورة الاسطورية، أذ يفتقر الى عنصر رئيس هو حقيقة أن الاشياء بعد مرورها بكافة المراحل والأشكال المختلفة لأدراكها تعود مرة أخرى الى ذواتها. صحيح أن مولي تعود في النهاية الى النقطة التي بدأت منها – أستذكارها أول مشهد حب مع بلوم – ولكن حتى مشاهد الحب المستذكرة في هذا الحوار تكون أشبه بالتنويعات المتسلسلة منها بالعودة الدورية. ولا يمكن اختزال مولي الى أي واحدة من اوجهها او حتى الى ذكرياتها الغرامية. في واقع الأمر، لا تظهر كينونة مولي متكاملة أبداً، وهذا التبلور التدريجي لجوانب شخصيتها بالذات هو الذي يخلق القوة الدافعة التي تشكل اساس كينونتها الداخلية، وبذا، تبدو تقنية أنهاء الرواية بحوار داخلي من شأنه تحرير الحياة من قيود الشكل مناسبة تماماً.

3
وظيفة التجارب في الاسلوب


تبين الرواية المكتوبة بعدة أساليب متباينة أن وجهة النظر التي يعبر عنها كل أسلوب ما هي سوى وجه واحد محتمل لحقيقة الحياة اليومية. ويؤدي تراكم الأوجه الى تحويلها الى ما يشبه الإيحاء للقارئ بالطريقة الأمثل التي تمكنه من رؤية الواقع. جدير بالملاحظة هنا أن المنظورات التي تعرضها فصول الرواية تندمج وتتداخل وتتجزأ بل وحتى تتصادم على نحو مفاجئ، ويؤدي هذا قطعاً الى أرهاق القارئ ومواجهته لصعوبة كبيرة في تلمس طريقه وسط كثافة شاشة العرض والمونتاج المضطرب وتداخل المنظورات فضلاً عن دعوته إلى تفحص أحداث متماثلة من عدة وجهات نظر
متضاربة. وترفض الرواية الأفصاح عن السبيل الأمثل للربط بين تداخل المنظورات هذا، ولذا يضطر القارئ الى توفير حلقات الربط خاصته. وهذا يفضي حتماً الى نتيجة مفادها تحول القراءة الى سيرورة يتولى خيال القارئ تحديد معاييرها. يعرض نص عوليس فقط تلك الظروف التي تجعل تصور العالم اليومي ممكنه، ويعمل كل قارئ على أستغلال هذه الظروف بطريقته الخاصة.
مم يتالف انجاز صيغ العرض المختلفة؟ أولا، بوسع المرء القول أنها توفر شكلا من المشاهدة مؤطر لبنية الإدراك ذاتها، لأن لدينا خبرة العالم الذي يفهم لا بوصفه نسقا للعلاقات التي تقرر كل حدث، بل كشمولية منفتحة تركيبها لا ينفد … ومنذ اللحظة التي تدرك فيها هذه الخبرة (أي الانفتاح على عالمنا الواقعي) بوصفها بداية للمعرفة، لن تكون هناك أي طريقة للتمييز بين مستوى الحقائق السابقة والواقعية، وبين ما ينبغي ان يكون عليه العالم وما هو عليه في الواقع (58). ونظراً لتفرعاتها غير المتناهية، تحول الأساليب المختلفة في عوليس دون ظهور أي معنى على وشك
التكامل، بيد أنها تشكل نموذجاً للمشاهدة ينطوي على إمكانية التوسع المتواصل. هذه الوفرة المذهلة للمنظورات هي التي تعبر عن ثراء العالم موضوع المشاهدة وتنوعه.
يتسم الأثر الذي يتركه هذا التغير المستمر بالديناميكية وسعة الأفق فضلاً عن عدم تقيده بأي غائية قابلة للإدراك. أذ يخضع ’أفق‘ الحياة اليومية للتعديل من فصل إلى أخر ويتحول من مجال إلى آخر بواسطة حلقات الوصل التي يحاول القارئ أنشائها بين أساليب الفصل. ويهيئ كل فصل ’الأفق‘ للفصل الذي يليه وسيرورة القراءة هي التي تضمن التداخل والتنا سج المستمر لوجهات النظر التي تقدمها الفصول. فالقارئ يُنبه هنا لملء ’المساحات الفارغة‘ بين الفصول لتجميعها في وحدة كلية مترابطة. تتمخض هذه السيرورة عن النتائج الآتية: خضوع تصورات الحياة اليومية التي
يكونها القارئ لتعديلات مستمرة في سيرورة القراءة. ويوفر كل فصل مقدار معين من التوقعات ذات الصلة بالفصل القادم. أما الفجوات اللاتحديدية التي تنشأ بين الفصول فتميل الى التقليل من أهمية هذه التوقعات بوصفها وسائل لتوجيه القارئ. وبتواصل السيرورة؛ يميل أثر ’التغذية الاسترجاعية‘ الى التطور، أذ يتبلور الفصل الجديد ويمتد متصلاً بالفصل السابق الذي يخضع بموجب هذا الانطباع الجديد وغير المتوقع إلى حد ما لتعديلات أخر في ذهن القارئ. كلما تعرض القارئ لهذا الأثر، تكون توقعاته أشد حذراً واكثر قدرة على التمييز نظراً لنشوئها بفعل أدراكه
الواضح للنص. لذا؛ يعمل ما قرئ للتو على تعديل ما قرئ سابقا، وعليه، فالقارئ يؤدي بنفسه وظيفة ’دمج الافاق‘ التي تمكنه من إنتاج خبرة الواقع الذي يعود السبب في كونه حقيقيً تحديداً الى حدوثه من دون الخضوع لأي وظيفة تمثيلية. تبعاً لذلك، فالواقع هو سيرورة ادراك تستلزم أشتراك القارئ بها لانه وحده له القدرة على أحداثها. وهذا هو السبب في أن ترتيب الفصول لا يتخذ شكل سلسلة من المواقف التي ربما تكون مكملة لبعضها الآخر؛ وفي الواقع، يبدو الفرق اللامتنبأ به للاسلوب وكأنه يجعل كل فصل نقطة تحول مقابلة للاستمرار. وبما أن الرواية تتألف من نقاط
تحول كهذه، تكشف سيرورة القراءة عن نفسها بوصفها تعديلا مستمرا لمجمل التصورات السابقة، مما يعني قلباً للبنية الغائية التقليدية للرواية.


4
النماذج الأصلية

ما الدور الذي تؤديه التلميحات الهوميروسية في الأثر الأجمالي الذي يتركه العمل الأدبي. هل توفر هذه النماذج الأصلية أو تلك الموظفة في عوليس وسائل لفهم الرواية وهل تمنحها معنىً تمثيلياً بعد كل ذلك؟ وهنا، لا بد من القول أن القصد الملازم للتجارب الأسلوبية لا يصب في ذلك الاتجاه. إذ تتباين التلميحات الهوميروسية في كثافتها ومباشريتها، كما أنها تنطوي على نبرة ساخرة عندما تكون واضحة ومباشرة؛ وبهذا الصدد، تعد سيجارة بلوم بوصفها رمح عوليس أحد الأمثلة النموذجية(59).
تجذب مثل هذه السمات الساخرة الانتباه الى نواحي الأختلاف، ومهما كانت الطريقة التي ستؤول بها هذه السمات، فأنها في أغلب الظن ستعيق محاولاتنا الرامية الى مساواة عوليس بالتوازي الهوميروسي. في الوقت نفسه، تعمل هذه التلميحات، على فرض ملاحظتنا لها في المقام الأول، على أدخال العالم القديم الى الحياة اليومية للرواية رغم صعوبة عد تفاصيل القصة القديمة بوصفها كياناً شاملاً لهذه الحياة.
قد تكون الوظيفة الرئيسة للتلميحات هي جذب الانتباه للسمات الواقعية لكلا العالمين. وفي بعض الاحيان، تُقلب الاسطورة الهوميروسية رأساً على عقب، عندئذ، ينبغي أن تفهم الأبيزودات المستلة من الاوديسة بوصفها الماعات لجوانب يومية أو امبريقية محددة من الحياة. ولا ينبغي أحالة المظاهر اليومية على معنى ملازم ما؛ بل الأحرى بنا الأنطلاق قدماً من الاسطورة ومعناها لنكتشف التنوع المذهل في المظاهر التي تتجزأ اليها. تتكشف الاشياء التي بقيت ضمنية أو حتى مضمرة كُلياً في الاوديسة للعيان بوضوح في عوليس ويسهم تغير المنظور وتحوله من هوميروس الى
الوقت الحاضر ومن الحاضر رجوعاً الى العالم القديم في مساعدة الماضي والحاضر على تسليط الضوء على احدهما الاخر.
ومن خلال تلميحات كهذه، يسلط الضوء على الخلفية التي تحتضن الادب الاوروبي بأكمله، من هوميروس الى شكسبير، أذ يحفز القارئ على الأشتراك في سيرورة أدراك لان الأدراك، على نحو مشابه للتجميع، يشكل جزأً من ميول القارئ الطبيعية فضلا عن كونه أحد أنشطة القراءة الرئيسة. وبينما يتمكن القارئ من أدراك التلميحات وتمييزها، فأنه يحاول مساواتها بالاحداث المعروضة امامه؛ بيد أنه يكتشف أنها، من الناحية العملية، لا تتطابق. في واقع الأمر، تتوفر أرضية مشتركة مناسبة تجعل القارئ يدرك نواحي الأختلاف وتمتاز سيرورة المساواة والأدراك بكونها محفزة
ومثيرة للأزعاج في آن معاً. واذا لم تحال عوليس على الأوديسة ولم ينهض جويس من أنقاض هوميروس، فإن التحولات المختلفة التي يشعر القارئ باستمرار أنه مضطر لتجربتها لن تتوقف بتأسيس الانموذج المشترك. وكما لاحظنا سابقا؛ فان البنية الكلية للرواية ونسيجها الاسلوبي موجهه لأحداث مثل هذه التحولات وسيظهر الانموذج العام بغض النظر عن نوعه، بالضد من مقاصد الرواية الرئيسة. وتوفر التلميحات خلفية تتميز، بطريقتها الخاصة، بمرونة مماثلة لمرونة الامامية التي تنشأها وتعد هذه المرونة المطلب الرئيس لبلوغ أثر الرواية.
ما طبيعة النماذج الأصلية؟ والى أي مدى يمكن وصفها بأنها عناصر للاسطورة المتكررة؟ فالعودة الى البيت والمدينة والضالة المنشودة(60)- هي نماذج أصلية تشكل نمطاً بنيويا مهما في الرواية وتجعل من عوليس أحد الملاحم الفخمة (تعد المدينة الى حد كبير أحد المكونات الأصلية النادرة في الادب الملحمي). في واقع الأمر؛ تعد العودة الى البيت حلقة الوصل الأوثق بين عوليس والاوديسة على الرغم من أن عودة بلوم تحدث، كما هو معروف، في المدينة. أما مكون ’الضالة المنشودة‘ فقد أظهر علامات فارقة واضحة من مثل ان تيليماخوس يبحث عن والده في حين يبحث بلوم عن ابنه.
فضلاً عن ذلك، تخلو الاوديسة من أي مكافئ للمدينة من مثل نيوبلوميوساليم (61). ولو اخذنا بعين الاعتبار حلقة الربط الوثيقة هذه، العودة الى البيت، سنلاحظ، وعلى نحو مماثل للتلميحات الهوميروسية المباشرة، ان اوجه التشابه تخدم في الواقع غرض تبيان نواحي الأختلاف. تعني العودة الى البيت لعوليس نهاية معاناته في حين لا تعني شيئاً "لبلوم"، وهو المتفاعل الواعي ضد ’اللايقين الأجوف‘ (62) كما أطلق عليه في فصل ايثاكا، سوى الحساسية المفرطة للامتنبئ به والأهم من ذلك هو خلو الرواية من أي توازٍ قابلٍ للتمييز بين الشخصيات والمواقف الأصلية. ولكن، وبما
أن العنوان يشير الى رابطة ما، فاننا نعي، على نحو متزايد، نواحي الأختلاف بينها.
ولو ينظر المرء الى بلوم ازاء خلفية عوليس، سيشعر بالدهشة لأمرين يتعلق أولهما بالفرق في المكانة بين المواطن المتواضع في دبلن و البطل الهوميروسي فضلاً عن السمات المتنوعة لسلوك بلوم التي اما ان تتفوق على أو تقصر عن بلوغ ما نعرفه عن شخصية عوليس.
وأذا تذكرنا أن جويس عدَ عوليس النموذج الأكثر شمولية للسلوك البشري(63) فينبغي الأشارة هنا الى أن بلوم أضاف متغيرات محدودة خاصة به الى "نموذج الأكتمال" هذا، وهذا لا يعني بالطبع أنه أصبح اكثر أكتمالاً من عوليس. من الواضح أن بلوم يفتقر الى معظم خصائص عوليس والعكس صحيح؛ ولكن مهما كانت درجة عجز بلوم عن بلوغ المعايير الرفيعة للبطل الهوميروسي، فإن التلميح المتضمن في العنوان ذاته يقودنا الى التفكير ببلوم بوصفه عوليساً وبذلك معادلة عناصر الشخصية تلك التي تسهم التقاليد السائدة في منع هوميروس من التعامل معها. ان السلوك البشري في رائعة هوميروس مؤسلب على نحو دقيق بالمقابلة مع السلوك اليومي لساكني دبلن، في حين يكون سلوك بلوم (وكذلك الشخصيات الاخر) مرناً بقدر موازي لصلابة الاخر. وهكذا يبدو التوازي الهوميروسي مرسوما لا لاظهار الأنهيار المفجع للعالم المعاصر بالمقارنة مع وضعه السابق، بل لتسليط الضوء على التنويع الهائل في امكانيات السلوك البشري. ومن خلال استدعاء النماذج الأصلية وتحريفها آنياً؛ نجح جويس في التعبير عن فردانية بلوم بوصفه مواطنا ينتمي الى العالم المعاصر. ويوفر النموذج الأصلي الهوميروسي نقطة أنطلاق لتفريد عوليس الذي خلقه جويس (أي، بلوم). ومثلما يقلد معد الرسوم المتحركة وجهاً حقيقياً ومن ثم يغير ملامحه لابراز فردانيته، يقلد جويس (رغم قيامه بذلك بطريقة اقل الحاقاً بالضرر) شكلاً موجود اصلاَ ويعالجه بطرق مختلفة للتعبير عن فردانيته. وبالطبع؛ فقد إسهم عامل المرونة في معالجة شخصية بلوم بهذه الطريقة في أمكانية التعرف عليه بوصفه أنساناً ذا خصائص مميزة. في واقع الأمر، فأن حقيقة امكانية معالجة شخصية بلوم بهذه الطريقة هي التي تضعه بمعزل عن مثالية عوليس وتعمق أمكانية التعرف عليه بوصفه كائنا بشريا متفرداً مع ما ينطوي عليه ذلك من تعقيدات وشكوك. يمثل النموذج الأصلي هنا الصيغة العامة، والشكل الذي يستخلصه جويس من تلك الصيغة هو شخصية بلوم المميزة.
اذن ثمة شكل من أشكال التفاعل بين النموذج الاصلي الهوميروسي ونظيره الحديث. وبينما تكتسب ردود فعل عوليس صفة باراديمية وتتحول العودة الى البيت، مثلا؛ الى عودة ’مثالية‘، يواصل جويس بلورة أنماط تتغير بأستمرار من النموذج الاصلي الهوميروسي. ومع هذا؛ يجب على المرء ان يضع نصب عينيه حقيقة أن النموذج الاصلي لا يوجد في حد ذاته(64) بل ينبغي أنشاءهٍ بواسطة الفهم والأدراك، فهو يمثل، اذا جاز لنا القول؛ اطاراً فارغاً في مسيس الحاجة الى قوى الاسلوب واللغة الفاعلة لتزويدهٍ بالصورة. اذن بوسع النموذج الاصلي تبني عدداً من الأشكال موازياً لأشكال
التمثيل المتوفرة. لذا، لا يمكننا حقاً القول ان العودة الى البيت في الأوديسيه هو أنموذج اصلي. انها تفسير واحد بين عدة تفسيرات محتملة؛ وفي ضوء كل التنويعات المبينة في الرواية، تصبح محدودية هذا الأنموذج مماثلة، على نحو استرجاعي، لهذه التفسيرات. تبعاً لذلك، يبقى النموذج الاصلي ذاته فراغا منبنياً يضم في داخله كل حالات الادراك المحتملة ويوفر الأساس لكل تنويعاته اللاحقة.
يتضح من ذلك أنه أذا كانت المواقف الاصلية خاضعة بصورة كافية الى عدة عروض مختلفة، فلا يمكن لأي عرض الأدعاء بأنطوائه على دلالة تمثيلية. ونحن مدينون، في ما يتعلق بهذه الفكرة بالفضل الى التوازي الهوميروسي، أذ وبأختزال العودة في الأوديسية الى مستوى الادراك المثالي، تظهر مجمل نواحي القصور واضحة للعيان في عوليس، ويلاحظ الأمر ذاته على النماذج الاصلية الاخرى من مثل المدينة والضالة المنشودة. فدبلن ليست القدس المقدسة، ولكنها بوصفها بلوموسالم (65) تمثل منفىً لأحد الملعونين؛ ويتصف عنصر الضالة المنشودة بعدم التأكد من طبيعة ما تم العثور عليه لأنه على الرغم من أن قصة ستيفن وبلوم تنتهي بلقائهما تحت سقف واحد، تتمركز أفكار مولى حول أقامة علاقة مع ’المفكر‘ الشاب، نجل بلوم(66). وفي كل حالة؛ لا يتحقق الأشباع الأصلي المتوقع في الموقف الأصلي المتكرر، أذ يترك (أي الموقف) مفتوح النهاية.
وبذا، فأن وظيفة النموذج الاصلي ذات الصلة بالأستراتيجية التمثيلية للرواية هي توفير أطار ما. وهنا، تمثل العودة الى البيت والمدينة والضالة المنشودة الأطر التي بمقدورها تجميع أجزاء صورة الحياة اليومية داخلها. بالطبع، هذا لا يعني أن الأطار مسؤول عن تحديد شكل الصورة. فصيغة التمثيل تضمن أن لا تحصر التلميحات الأدبية والتاريخية المتعددة في معنى محدد مكرور وليس الهدف من ذلك جعل التلميحات مجردة من المعنى، بل لأدامة الاحتمالات اللامتناهية للمعنى.

5
ضالة القارئ المنشودة وبناء التضمين

أذا كانت النماذج الاصلية تزود الفعل باطار ما؛ فإن الاساليب والتلميحات المختلفة الى الادب، قديمه وحديثه، تمنح القارئ مدى واسعاً لجمع أجزاء الصورة خاصته. وبهذا الصدد، لاحظ دايفيد دايجز(David Diaches) "لو كان بوسع جويس نحت كلمة مشكالية واحدة بسلسلة لامتناهية من المعاني، كلمة بمقدورها قول كل شيء في لحظة واحدة، ومع ذلك فأنها تترك الكم اللامتناهي لمعانيها ينتقل ويمتزج في الذهن؛ لكان توصل الى مثاله"(67) هذا هو قطعاً الاتجاه الذي يسعى جويس صوبه وبينما يتم الكشف عن نواحي القصور في كل معنىً على حدة، وعليه ظهور المزيد من المعاني الجديدة؛ يشعر القارئ مرغماً بأستحالة أستيعاب الأحداث والشخصيات موضوع المناقشة وفهمها. أن أي تمثيل يعني ضمناً عملية أختيار؛ وهذه بدورها تعني ضمناً الحذف والألغاء. وهذه الحذوفات تؤدي إلى اختيارات جديدة تتخذ شكل أساليب جديدة وبالطبع كلما أزدادت الأساليب والاختيارات، يتسع نطاق التضمينات والحذوفات. وكلما كان التمثيل اكثر تحديدا، تعمق ’الواقع‘ الذي يمكن للقارئ أدراكه في النص، وفي محاولاته المستميته لأدراك هذا الواقع، يعي القارئ حقيقة أن العالم الذي يحاول فهمه يتعالى على أفعال الفهم المألوفة له.
تصور تركيبة عوليس هذا الانطباع. إذ لخص ادموند ولسون انطباع القارئ وبنية الرواية كما يأتي "يخامرني الشك في قدرة الذاكرة البشرية، أثناء القراءة الاولى، على الايفاء بمتطلبات عوليس. وعندما نعيد قراءتها، فإننا نبدأ عند نقطة ما أقرب ما تكون الى شيء ما مجسم شبيه بمدينة موجودة فعلا على أرض الواقع ويمكن دخولها من أي اتجاه"(68). وهذا يعني أن للقارئ مطلق الحرية في اختيار اتجاهه، ولكنه لن يتمكن من السير في كل منظور محتمل وبلوغ نهايته لان عدد المنظورات يفوق القدرة الادراكية الاختيارية الطبيعية لأي إنسان. وإذا كانت الرواية تخلق انطباعا
باللاواقعية أحيانا؛ فمرد السبب في ذلك لا يعود الى عرضها اللاواقع بل لانها تغمرنا بأوجه الواقع التي ترهق كاهل قوى استيعابنا المحدودة. ولذا نضطر الى أنتقاء اختياراتنا من المنظورات المتوفرة لنا ومن ثم، وبمقتضى ميولنا الشخصية، صياغة الأفكار المتأصلة في بعض العلامات والمواقف التي تواجهنا.
تعمل الرواية، بشبكة أنماطها المتراكبة التي تستثير صور الحياة اليومية المتغيرة باستمرار، على تحديد شكل القراءة هذا سلفًا. وتمثل كل قراءة نقطة بداية لتركيب صور كهذه، وفي واقع الأمر، فإن سيرورة قراءة عوليس بأكملها هي نوع من التركيب ( والشيء نفسه يمكن قوله عن كل قراءة؛ ولكن في حالة هذه الرواية، فإن المطاليب المفروضة على ابداع القارئ تكون غير اعتيادية). ليس ثمة صورة تمثيلية، وليس بوسع المرء القول ان أي نموذج مُحدد أو مُحَدد في حد ذاته، لان الاجزاء المختلفة للنص لا تعرض سوى علامات يمكن تجميعها لبناء سياق ما. فالنماذج هي وحدات
انتقالية ضرورية لتجربة الحياة اليومية ولكنها، فيما يتعلق بطبيعة الخبرة، غير ملزمة لنا أطلاقاً.
تمثل كل ’صورة‘ مركبة من انموذج ما معنىً محتملاً واحدًا للنص المعني. ولكن القارئ لن يقنع بقبول كل ’صورة‘ بوصفها غاية في حد ذاتها، أذ أنه سيبحث عن صورة متكاملة للحياة اليومية وهذا بالتحديد ما ستحول الرواية دون حصوله عليه، فالنماذج لا تمنح القارئ شيئًا سوى الظروف والتنويعات الملائمة لعرض الحياة اليومية. وليس ثمة نزعة سائدة، أذ تعرض التفاصيل نفسها للقارئ لينظمها بناءً على افعال الفهم خاصته. وهذا بدوره يستلزم مشاركة القارئ بفاعلية. لذا تدرج الرواية نفسها في خانة "وسائل الأتصال الباردة" (69) وهذا هو المصطلح الذي أستخدمه مكلوهان
لوصف النصوص ووسائل الأتصالات الاخر التي تسمح، بفضل لاتحديديتها، بل وحتى تستلزم درجة عالية من المشاركة. وهنا تبرز واضحة للعيان نقطة الأختلاف الرئيسة بين عوليس وتراث الرواية، أذ وعوضاً عن الأتساق الوهمي للواقع الذي تعرضه، تقدم هذه الرواية تمثيلاً محتملاًً فحسب ينبغي على القارئ صياغة شكله بفاعلية. في هذه العملية، لا يُقاد القارئ الى عالم من المعاني مُعد سلفاً؛ بل يدفع الى البحث عن هذا العالم بنفسه. تبعاً لذلك، تحوي القراءة ذاتها بنية أصلية لا تفضي، على نحو مماثل للنماذج الأصلية في النص، الى أي هدف محدد. ويؤكد البحث عن هذه الضالة المنشودة أحتمالية التوصل الى عدد غير محدد من النتائج. لذا، يمكن اكتشاف عدة ’صور‘ مختلفة للعالم اليومي، صور لا تلتقي لتؤلف صورة واضحة محددة، وهذه الحقيقة هي التي تجبر القارئ على مواصلة البحث. وعلى الرغم من أستحالة حصول القارئ على ضالته المنشودة، فأنه سيلتقي في طريقه بعدد هائل من التصورات المحتملة التي تسهم في نفخ الحياة في واقعية الحياة اليومية بعدد متماثل من الطرق. ونظرا لأفتقار هذه التصورات الى ما يربطها؛ تمثل كل صورة وجهة واحدة للواقع لا غير. عندئذ، تتجلى سيرورة القراءة للعيان بوصفها ’عرض جانبي مميز‘ (70)، وهذا يعني ان اوجه الواقع المؤلفة لـ ’صورة‘ تقترب من وتتباعد عن بعضها بعضاً بأستمرار لكي يتمكن القارئ من تجربة الواقع أثناء مواصلته القراءة، ولكن ولوقوعه في حبائلها- أي القراءة-لا يمكنه أن يطمح الى أدراك كل جوانبها. مع هذا، يشجع القارئ باستمرار على محاولة ايجاد اتساق ما في العلامات والنماذج والشظايا، الخ. ولكن متى ما اسسنا هذا الاتساق،يسود الوهم(71). فالوهم هو أي شيء ثابت او قابل للتحديد؛ والأفضل أن يفهم الواقع بوصفه الغاءً لهذا الوهم، ومهما كانت طبيعة الواقع، فهي ليست وهماً(72). وتصبح حقيقة هذه العبارة واضحة عند قراءة عوليس. ففي بادئ الامر، يضطر القارئ، نتيجة للأتساق النماذج والبنى الاسلوبية، الى صياغة الاوهام لانه فقط عند ربطه الاشياء معاً، سيتمكن من فهم الخبرة غير المألوفة. ولكن حتى أثناء أنهماكه في سيرورة ربط الاشياء، فأن القارئ يحيي كافة الاحتمالات الاخر للنص التي تتحدى التكامل وتبدأ بدورها في التعتيم على الاتساق الذي بدأ بتأسيسه، لذا فهو ينشأ في سيرورة بناء الوهم عنصر التفكيك الكامن في تلك الاوهام بالذات. ستحوم شكوك القارئ بعد ذلك حول النماذج الملائمة التي يحاول تشييدها وسيدرك في نهاية الأمر بأنها ليست سوى الأدوات التي يستعملها لفهم التفاصيل وترتيبها. إن حقيقة تولي القارئ إنتاج الأوهام ومن ثم تفكيكها تحول دون تأمله الواقع بتأني، والواقع الوحيد الذي يراه هو الواقع الذي يبتكره، أذ يشترك القارئ في هذا الواقع على نحو مماثل لطريقة أشتراكه في المواقف
الحياتية الواقعية الأخر. لذا؛ يرى العديد من قراء جويس في التأويل أحد أشكال طلب اللجوء، وبكلمات أخر، أنها الجهد المبذول لاسترجاع الارضية التي سحبت من تحت أقدامهم.
يسود الأعتقاد أن محاولات بلوم تعليم زوجته تحوي في طياتها على التلخيص الأكثر أيجازاً لمنهج جويس: ما مدى نجاح بلوم في محاولته تلقينها التعليمات بصورة مباشرة؟ فهي لم تلتزم بها كلها، بل بجزء منها، وقد أصغت باهتمام وأستوعبت بدهشة وكررت بعناية وتذكرت بصعوبة بالغة ونست بسهولة وعاودت تكرار ما تعلمته على نحو خاطئ.
ما النظام الأشد فاعلية ؟
الايحاء غير المباشر الذي يتصل بالمصلحة الشخصية(73)


الهوامش
(1) لمزيد من النقاش حول هذين التأويلين ،ينظر " أسلوب أداء الاشياء" في هذا المجلد، ص179 وما بعدها. وللتقويم النقدي للتوازي الهوميروسي، ينظر أيضاً
1st. Esch, “James Joyce und Homer, Zur Frage der Odussee- Korrespondenzen im Ulysses”, in leben de Antike (Symposion fur Rudolf Suhnel) , ed. H. Meller undH. Zimmermann (Berlin, 1967 ),P. 423.
(2) اقتبسه آر. أيلمان ، جيمس جويس ( أكسفورد 1966 )، ص 535.
(3) يعود الفضل في اقتباس هذه المادة من الرواية وتحديد عناصرها في النص الى عمل آر. أم. أدمز " السطح والرمز:أتساق عوليس لجيمس جويس ( نيويورك 1962) الذي.
(4) ينظر أيضاً
H. R. Jauss,” Nachahmung Sprinzip und Wirklich keitsbegriff innder Theorie des Romans von Diderot bis Stendhal, in Nachahmung und Illusion (Poetic und Hermeneutik, 1), ed., H.R. Jauss( Munich 1964) Pp. 161 and 241.
(5) نوثروب فراي ، تشريح النقد: أربع مقالات ( نيويورك 1967) ص 73.
(6) تي. أس. أليوت، " عوليس، النسق والاسطورة في جيمس جويس: عقدان من النقد، المحررأس. كفنز (نيويورك 1948) ص 201.( لقد نشرت المقالة أصلا عام 1923).
(7) عزرا باوند، مقالات أدبية ، المحرر. تي. أس. اليوت (لندن 1960) ص 406(نشرت المقالة حول عوليس أصلا عام 1922).
(8) Welt- Alltag مصطلح نحته أج. بروش، Dichtenund Erkennen ( زيورخ 1900) ص 187 للاشارة الى 16 /6 /1904.
(9) جي. أم. موري ، اشكالية الاسلوب ( لندن 1960 ) ، ص 65.
(10) C. Lugowski , Die Form der Individualitat im Roman ( Berlin 1932) P. 18.
(11) المصدر نفسه ، ص 206 .
(12) ينظر أيضاأ أس. أل. كولدبيرغ، المزاج الكلاسيكي: دراسة في عوليس لجيمس جويس: ( لندن 1961) ص288.
(13) لغرض المزيد من التفاصيل والببليوغرافيا ، ينظر "أسلوب أداء الاشياء " في هذا المجلد، الصفحات 180 وما بعدها.
(14) اقتبسه أيلمان ، جيمس جويس ، ص 490 .
(15) جويس ، عوليس ( لندن: بودلي هيد 1937) ص 369 وما بعدها.
(16) المصدر نفسه ، ص 1 .
(17) المصدر نفسه ، الصفحات 5 ، 9 ، 20 .
(18) توجد عناوين الفصول هذه في ملاحظات جويس وقد أستعملها في تجميع هذه المادة. ينظر أيضاً أي. دبليو. لتز، " فن جيمس جويس: المنهج والتصميم في عوليس ويقظة فينيكانويك. (نيويورك 1964) ، ولتقويم أهميتها ، ينظر المصدر نفسه ، ص 39.
(19) ينظر جويس ، عوليس ، ص 7 وما بعدها .
(20) المصدر نفسه ، ص 22 وما بعدها .
(21) المصدر نفسه .
(22) المصدر نفسه ، ص 22 .
(23) المصدر نفسه ، ص 30 .
(24) المصدر نفسه ، ص 33 .
(25) المصدر نفسه ، ص 34 .
(26) يعي ستيفن كذلك ما يلي " تجد كلماتي مظلمة تماما . والظلام مستشري في نفوسنا، ألا تعتقد ذلك ؟ فلوتير ، إن أرواحنا المجروحة بخطايانا على نحو مخزٍ، تتعلق بنا أكثر من ذي قبل مثل تعلق المرأة بحبيبها وشغفها به" المصدر نفسه ، ص 45 .
(27) E. Cassier , Philosophie der Symbolisch en formen ( Darmstadt 1964 ), III : 185 .
(28) جويس ، عوليس ، ص 45 .
(29) المصدر نفسه ، ص 339 .
(30) بي رتجي، " البنية الشكلية للموضوع الجمالي" في الأشكالات الجمالية ، المحرر فايفاس أم. كريجر (نيويورك 1965) ، ص230 وما بعدها.
(31) ينظر جويس ، عوليس ، ص 118 .
(32) المصدر نفسه ، ص 555 .
(33) المصدر نفسه ، ص 557 و ص 560 .
(34) المصدر نفسه ، ص 485 و ص550.
(35) المصدر نفسه ، ص 567 .
(36) المصدر نفسه ، ص 565 .
(37) المصدر نفسه ، ص 481.
(38) ينظر مثلا ، المصدر نفسه ، ص 423 وما بعدها و ص 433 وما بعدها.
(39) المصدر نفسه ، ص 500 وما بعدها .
(40) المصدر نفسه ، ص 414 .
(41) المصدر نفسه ، ص 455 وما بعدها.
(42) المصدر نفسه ، ص 460 وما بعدها.
(43) المصدر نفسه ، ص 458 وما بعدها.
(44) المصدر نفسه ، ص 467 وما بعدها.
(45) المصدر نفسه ، ص 443 وما بعدها.
(46) المصدر نفسه ، ص 468 وما بعدها.
(47) أف. كيرمود، معنى النهاية: دراسات في نظرية القصة ( نيويورك 1967) بالاحالة على ما ذكره سارتر حول الشخصيات في الرواية :ينبغي حتماً أن تصبح الشخصيات …مراكزاً للاتحديدية لا عبيدة للمعرفة المطلقة المصطنعة". إذ في فصل "السيرس" تمثل شخصية بلوم مركز اللاتحديدية على نحو مؤكد .
(48) أم. ميرلو بونتي، ظاهرية الادراك ، ترجمة كولن سمث (نيويورك 1962) ص337.
(49)جويس ، عوليس ، ص 479 .
(50) هذه هي ترجمة المصطلح الذي استعمله أورتيكا كاسيت لوصف الطبيعة المفترضة للانسان . ينظر التفاصيل في كيرمود ، معنى النهاية ، ص 140 وما بعدها، حاشية.
(51) أج. ، جيمس جويس: مقدمة نقدية ( نيويورك 1960) ص 71.
(52) جويس ، عوليس ، ص 634.
(53) نوثروب فراي ، ’طريق الاسراف‘ في الاسطورة والرمز : مقاربات وتطبيقات نقدية، المحرر بي. سلوت ( لنكولن 1964 ) ص 14.
(54) جويس ، عوليس ، ص 637 .
(55) أف. بوجين، جويس وصناعة عوليس (بلومنكتون 1960) ص 261.
(56) ينظر أس. جلبرت ، جيمس جويس: عوليس ( نيويورك 1960) ص 403 وعبارة جويس التي اقتبسها أي. دبليو لتز، فن جيمس جويس ،ص 46.
(57) ينظر جويس ، عوليس ، ص 740.
(58) ميرلوبونتي ، الظاهراتية ، الصفحات 219 و221.
(59) للأطلاع على توازيات كهذه ، ينظر آر. أيلمان " اللاأحد الالهي " في أثنتي عشرة مقالة حديثة حول أعظم الروائيين الانكليز، المحرر سي. أج. شابيرو (ديترويت 1960) ص244 وما بعدها لا سيما ص 247.
(60) ينظر نورثروب فراي ، تشريح النقد ص 118 وما بعدها و ص 141.
(61) جويس ، عوليس ، ص 461.
(62) المصدر نفسه ، ص 694 .
(63) ينظر آر. أيلمان ، جويس ، ص 340.
(64) لنورثروب فراي تصوراًً مختلفاً حول النموذج الاصلي. وإفضل تعريف لهذا التصور يمكن العثور عليه في كتاباته هو في مقالة " النماذج الاصلية في الأدب" التي أعيد طبعها مجموعة مقالاته : حكايات الهوية: دراسات في الميثولوجيا الشعرية ( نيويورك 1963).والاسطورة هي القوة المخبرة الرئيسة التي تضفي دلالة أصلية على الطقس وسرد اصلي على المعجزة. تبعاً لذلك، فالاسطورة هي أنموذج أصلي، ويبدو مناسباً ذكر الأسطورة فقط عند الأشارة الى السرد والنموذج الأصلي فقط عند التحدث عن الدلالة"( ص15).
(65) ينظر جويس ، عوليس ، ص 461.
(66) ينظر جلبرت، جيمس جويس: عوليس ، الصفحات 386 و394.
(67) دايفد دايجز، الرواية والعالم المعاصر ( شيكاغو 1965) ص 129.
(68) أدموند نيلسون، قلعة أكسيل : دراسة في الادب الخيالي للحقبة 1870- 1930 (لندن فونتانا ،1961) ، ص 169.
(69) ينظر أم مكلوهان ، وسائل الفهم : امتدادات الانسان ( نيويورك ، 1966) الصفحات 22 وما بعدها.
(70) لاستعمال هذا المصطلح في وصف الموضوعات الجمالية، ينظر في سي.ألدريك ، فلسفة الفن ( أنكلوود كلفز ، 1963) ، الصفحات 21 – 24.
(71) أي. أج كومبرايخ، الفن والوهم ( لندن ، 1962) ص 278.
(72) فراي ، تشريح النقد ، ص 169 وما بعدها.
(73) جويس ، عوليس ، الصفحات 467 وما بعدها.



* المقالة مستلة من كتاب القارئ الضمني: انماط الاتصال في الرواية من بنيان الى بيكت
للمنظر الادبي والناقد ولفكانك ايزر، ترجمة د. هناء خليف غني من اصدارات دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد 2006.


د. هناء خليف غني
اكاديمية ومترجمة من العراق
hanaakhleif@yahoo.com


مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. تضخيم الخط قليلا لو سمحتم
عبد القادر الدحمني | 26/7/2010 الساعة 18:33
تحية ثقافية وإنسانية عالية للمشرفين على موقعنا الغالي القراءة بخط في هذا الحجم متعب صراحة للنظر المرجو تضخيمه قليلا
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث