الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
وظائف الشواهد في رواية "حدّث أبو هريرة قـال"
فوزي الزمرلي
وظائف الشواهد في رواية "حدّث أبو هريرة قـال"
محمود المسعدي



طرقت رواية " حدّث أبو هريرة قال" أهمّ القضايا الفكريّة التي تشغل بال "محمود المسعدي" وأعرضت عن الشكل الفنّي المهيمن على الرواية العربيّة في عصرها وأبانت عن الرؤية التأصيليّة الحاضنة لها فكانت بكلّ ذلك من أهمّ الروايات المؤسسة لنزعة تأصيل الرواية العربيّة. ولولا ضياع مخطوطها طوال عدّة سنين لكان لها دور حاسم في تحويل وجهة الرواية العربيّة الفتيّة ودفعها إلى معانقة التراث دفعا منذ فترة الثلاثينات: أي منذ فترة تدوين ذلك المخطوط.
ولمّا كانت تلك الرواية محتفلة في مستوى العمق بمسائل فكريّة مجرّدة، فإنّ مؤلّفها نشر متنها محفوفا بمجموعة كبيرة من النصوص المصاحبة. فقد صدّرها بإهداء ومقدّمة وتمهيد وفاتحة وذيّلها بملحق استهلّه بالكشف عن "قصّة مخطوطها" ثمّ ضمّنه الرسالتين اللتين ترجم له فيهما الحبيب فرحات وخليل الجر عن تلك القصّة. كما أنّه وسم جميع فصول تلك الرواية بعناوين فرعيّة ومهّد لأكثر من نصفها بشواهد (EPIGRAPHES ) استقاها من القرآن والأحاديث ومن نصوص نثريّة عربيّة وأجنبيّة ودواوين شعراء عرب وفرس.
وليس من شكّ في أنّ اعتناء محمود المسعدي بتأليف قسم من تلك النصوص وانتقاء قسم آخر منها لإثباتها في المواضع التي أشرنا إليها ينمّ عن رغبته في توجيه القرّاء إلى قراءة ذلك المتن السردي في ضوء مصاحبه النصي(PARATEXTE ). وممّا يؤكد ذلك أنّه ذيّل متنه السردي برسالتين ومهّد لهما بقوله: "وبعد، فإنّ لمخطوط هذا الكتاب قصّة جرت منذ دهر على يد صديقين، أحدهما بعيد وصل "أبو هريرة" بيني وبينه بالتقدير والودّ وإن كنت لا أعرف شخصه والآخر من إخوان الصفاء قديم قريب. وهي قصّة طريفة رأيت من حقّ القارئ أن لا يُحرم من معرفتها، عساه أن يطّلع من خلالها على بعد من أبعاد الكتاب قد لا يظهر جليّا بدونها" .
ورغم أنّ الجهاز النصّي المحيط بمتن رواية "حدّث أبو هريرة قال"من أغزر الأجهزة النصيّة المصاحبة لمتون الآثار القصصيّة في أدبنا العربي الحديث، فإنّ جلّ الدراسات التي اهتمّت بتلك الرواية لم تكترث بثراء النصوص الحافّة بمتنها ولا بتشعّب تلك العلاقة النصيّة المصاحبة. ذلك أنّ توفيق بكّار هو الناقد الوحيد ـ حسب علمناـ الذي اهتمّ بوجه من تلك الوجوه في المقالة التي خصّصها لتحليل الصلات بين عنوان "حديث العمى" وشاهده القرآني ومتنه السردي.
والراجح عندنا أنّ روّاد النقد الحديث في العالم العربي قد أعرضوا عن المصاحبات النصيّة، سواء أكانت مثبتة في هوامش المتون أم مضمّنة في أحاديث الأدباء عن آثارهم الإبداعيّة وعن حيواتهم الفكريّة والاجتماعيّة تأثّرا بكتابات أنصار "النقد الجديد" الذي تبلور في الغرب خلال فترة الخمسينات والستينات من القرن العشرين . ذلك النقد الذي وُسم في انقلتـرا وأمريكا بـ: "New Criticism" وفي فرنسا بـ: "Nouvelle Critique" لأنّ أعلامه وعلى رأسهم جورج بولي (Georges Poulet) ورولون بارط (Roland Barthes) وجان بيار ريشار (Jean-Pierre Richard) قد دعوا إلى مقاربة النصوص الأدبيّة باعتبارها وحدات ذات علاقات داخليّة متشابكة، لا صلة لها بسياق نشأتها وبذوات مؤلفيها وناهضوا في كتاباتهم النظريّة النقّاد الذين فسّروا النصوص الأدبيّة بالاستناد إلى عناصر خارجة عنها، رغم أنّ بحوثهم التطبيقيّة لم تكن ـ في الحقيقة ـ محايثة تمام المحايثة.
ولكن، إن كان تأثّر روّاد النقد الأدبي في الأدب العربي الحديث بحركة النقد الجديد في الغرب هو الذي دفعهم إلى التغافل عن العلاقات القائمة بين المتون الأدبيّة ونصوصها المصاحبة فإنّنـا نستغرب إعراض الجيل الموالي من النقاد العرب عن أعمال الشعريين التي تفطّنت إلى تشعّب علاقات المتون الأدبيّة بغيرها من النصوصوأبرزت ثراء التعالي النصّي (Transtextualité) وبيّنت أنّه يمثّل موضوع الشعريّة، مؤكّدة بذلك عجز المقاربات المحايثة عن الإحاطة بمختلف دلالات الآثار الأدبيّة وإبراز جميع مقوّمات أدبيتها.
إنّ الجهود التي بذلها بعض أعلام الشعريّة المحدثون لاستخلاص العلاقات الظاهرة والخفيّة التي تنسجها النصوص الأدبيّة مع غيرها من النصوص قد فتحت مجالا خصبا لإنعام النظر في تلك العلاقات وتحليل فروعها فتولّد عن ذلك اهتمام بعض الباحثين بضبط العناصر النصيّة المصاحبة وتصنيفها ورصد وظائفها وإثبات أنّ علاقاتها بالمتون المتّصلة بها تمثّل إحدى العلاقات التي تنهض عليها شعريّة النصوص الإبداعيّة . بل إنّ من الشعريين من دقّق النظر في العناوين الرئيسيّة والفرعيّة وفي الإهداءات تدقيقا ولّد علما مخصوصا وُسم بعلم العنونة (Titrologie) وبرهن أنّ الإهداءات تشكّل جنسا أدبيّا مصاحبــــا (Genre Paratextuel) قائم الذات.
ومن أجل هذا، فإنّنا لا نرى وجها مقنعا لعزوف النقّاد العرب عن فحص علاقة متـن "حـدّث أبو هريرة قال" بنصوصه المصاحبة، بعد أن راجت الدراسات الشعريّة التي أظهرت أنّ تلك النصوص تمثّل عتبات منفتحة على العوالم السرديّة المتّصلة بها، بما أنّها تنطوي على معلومات شتّى تكيّف إن قليلا وإن كثيرا عمليّة التلقّي .

* * * * *

ولمّـا كانت العنـاصر النصيّة المصاحبة لمتن رواية "حدّث أبو هريرة قال" متنوّعة كلّ ذلك التنوّع، فإنّنا سنقتصر في هذه الدراسة على تحليل وظائف الشواهد في تلك الرواية لنظهر أنّ الإعراض عنها يحجب مدخلا من أهمّ المداخل إلى ذلك العالم الروائي ويطمس جوانب غير قليلة من وجوهه. ولا بدّ لنا في هذا المقام من الإشارة إلى أنّ الكتّاب الذين مهّدوا لفصول رواياتهم بشواهد لم يفصحوا عن غاياتهم من ذلك، ممّا جعل الباحثين المهتمّين بالعلاقة النصيّة المصاحبة يذكرون أنّهم لم يعثروا على وظيفة صريحة من وظائفها ويحثّون القرّاء على تعميق النظر في العلاقة بين الشواهد والمتون للتمكّن من تأويل تلك الظاهرة تأويلا جيّدا . ولكن، بما أنّ مؤلّفي المتون الحكائيّة هم الذين يختارون الشواهد ويعزلونها عن سياقاتها الأصليّة ليصدّروا بها كتابا من كتبهم أو ليضعوها على رؤوس فصوله، سواء أكانت تلك الفصول مشفوعة بعناوين فرعيّة أم لا، فإنّ ذلك يدلّ على أنّهم يهدفون ـ في جلّ الحالات ـ إلى التعليق بألسنة الشواهد على العناوين أو على المتون أو على ذينك النصين معا ليحملوا القرّاء على فهم آثارهم فهما مناسبا لمقاصدهم. ومن هنا نذهب إلى أنّ الكتّاب يكثرون من الشواهد عندما يتوقّعون أنّ آثارهم ذات دلالة رمزيّة أو فكريّة دقيقة قد يغيب جوهر خطابها عن أعين القـرّاء ونقدّر أنّ ذلك الجانب قد اضطلع بدور أساسي في حمل محمود المسعدي على انتقاء شواهد عديدة وإدراجها في هوامش رواية "حدّث أبو هريرة قال" بالذّات.
ومع هذا، فإنّنا نرى أنّ بيت أبي العتاهيّة الذي استقلّت به فاتحة الراواية ينهض بوظائف رئيسيّة تميّزه من بقيّـة الشواهد التي صدّر بها المسعدي فصول تلك الرواية، نظرا إلى أنّ إحلال ذلك البيت بين العنوان الرئيسيّ والمتن السردي يجعل مضمونه منفتحا عليهما معا انفتاحـا دالاّ على علاقته بصميم الخطاب الروائي رغم اتصاله بحياة صاحبه اتصالا تامّـا. فقد قال أبو العتاهيّة:
طلبت المستقرّ بكلّ أرض  فلم أر لي بأرض مستقرّا
ليشير ـ دون ريب ـ إلى بداية تخلّصه من مطامعه، بعد أن "قطّع من الدنيا حبائل الآمال". ولكن، بما أنّ متلقّي رواية "حدّث أبو هريرة قال" هو نفسه متلقّي شاهدهـا الرئيسي في سياقه الجديد، فإنّ ذلك يلفت انتباهـه ـ بالضرورة ـ إلى أنّ المسعدي توسّل ببيت أبي العتاهيّة لتحقيق مقصد معيّـن، سواء أكان ذلك المتلقّي مطّلعـا على شعر أبي العتاهيّة أم خالي الذهـن منه.
وبما أنّ العنوان الرئيسيّ أخفى عنّا ما قاله أبو هريرة فإنّ الشاهد الوارد بضمير المتكلّم يوهمنـا بأنّه ناب عنه في الافصاح عن مقول القول: أي كأنّ أبا هريرة هو الذي قال: طلبت المستقرّ بكل أرض فلم أر لي بأرض مستقرّا ليعلن عن خلاصة تجاربه الوجوديّة كلّها.
ومن هنا اتّحد صوت أبي العتاهيّة بصوت أبي هريرة اتّحادا معربا عن أنّ التجارب التي مرّا بها قد انتهت بهما إلى التسليم بحقيقة واحدة واتضح أنّ الشاهد الأوّل يمثّل عتبة أساسيّة من العتبات المنفتحة على العنوان الرئيسي وعلى المتن السردي في الآن نفسه. ذلك أنّه يوجّه المتلقّي إلى رصد مسيرة أبي هريرة لمعرفة العوامل التي قادته إلى التسليم بتلك الحقيقة ويشير بطرف خفيّ إلى احتفال الرواية بكبريات القضايا الوجوديّة.
وإذا ما التفتنا إلى شواهد الفصول وبوّبنـا تجارب أبي هريرة وفق الترتيب الذي ضبطه توفيق بكّار لاحظنا أنّ تجربة الحسّ التي دشّن بها البطل مسيرته الوجوديّة قد اتّصلت بأربعة أحاديث وتضمّنت ثلاثة شواهد: أوّلها قولة منسوبة إلى الشاعر والمسرحي النورفيجي "هنريك إبسان" (Henrik Ibsen) وثانيها بيت شعري لأبي نواس وثالثها قولة منسوبة إلى أبي حيّان التوحيدي. وهذا التنوّع في أنماط الشواهد المصاحبة لتجربة الحسّ وفي جنسيّات أصحابها يوحي بأنّ تجربة أبي هريرة متّصلة بتجارب أولئك الأدباء والمفكّرين اتصالا مبرهنا على بعدها الكونيّ ودالاّ على المصادر الثقافيّة المختلفة التي غذّت فكر محمود المسعدي نفسه.
ولكن، بما أنّ المسعدي أورد قولة إبسان التي نصّها "سنعلم يوم نبعث من بين الأموات" إثر عنوان الحديث الأول الموسوم بـ: "حديث البعث الأوّل" ولم يذكر مصدر الشاهد أو نصّه الأصليّ باللسان الأجنبي، فإنّ ذلك يحملنا على الشكّ في دقّة الشاهد، خاصّة أنّ المسعدي طوّعه ـ فيما نقدّرـ ليحقق مقصدا معيّنا، مثلما فعل ذلك جلّ المؤلفين الذين ترجموا أقوال غيرهم واتّخذوها شواهد من دون أن يحيلوا على مصادرهـا أو يوردوا نصوصها الأصليّة .
ولا جدال في أنّ عنوان الحديث الأوّل ينمّ عن أنّ البعث المقصود لا صلة له بيوم القيامة، بما أنّ عبارة "البعث الأوّل" توحي بإمكانيّة حدوث بعث آخر. ومع هذا، فإنّ الشاهد المشتمل على عبارة "البعث" يربط تلك المسألة بالاطّلاع على الغيب الذي يستحيل على الإنسان أن يظفر به في الدنيا، إذ لا سبيل إلى ذلك إلاّ بتحقق البعث الفعليّ. أمّا إذا تأمّلنا في المتن، فإنّنا نلاحظ أنّه تضمّن عبارتيْْ "البعث والموت" الواردتين في الشاهد وأثبت اتّصال دلالتهما بتجربة من التجارب الوجوديّة في الدنيا. ذلك أنّ أبا المدائن طرب طربا لمّا شاهد إقبال فتى وفتاة على الرقص والغناء والملذّات في الصحراء فشبّ فيه "كالشوق إلى الجنّة" وكره حياته بين "الأموات" كرها دفعه إلى مصاحبة جارية جميلة "إلى حيث لا يعلم أحد" . ورغم أنّ أبا هريرة جمع عزمه ليتجنّب مصير صديقه أبي المدائن بعد أن اطّلع على حياة الجارية وفتاها، فإنّ تأثّره بتلك الأحداث سرعان ما عصف باطمئنانه ونفّره من نمط عيشه تنفيرا حقّق بعثه الأول .
وعلى هذا الأساس يتّضح أنّ محمود المسعدي اتّخذ السلوك الحسّي المادي مطيّة لتجسيم خروج أبي هريرة من طور الإيمان الوراثيّ إلى طور آخر. وبما أنّ ظاهر النصّ قد يحجب باطنه، فإنّ المؤلف وضع ذلك الشاهد بين العنوان والمتن ليوجّه القرّاء إلى قراءة ذينك النصين المجاورين له في ضوء الشاهد نفسه، عسى أن يدركوا أنّهما عبّرا عن موقف فكري وجودي ويتفطّنوا ـ منذ الفصل الأوّل ـ إلى البعد الرمزي الكامن في روايته.
ويبدو أنّ محمود المسعدي حوّر عنوان مسرحيّة من مسرحيّات إبسان واستشهد به ليحمله على الاضطلاع بتلك الوظيفة اضطلاعا حسنا. ذلك أنّ شاهد "حديث البعث الأول" الذي نصّه "سنعلـم يوم نُبعث من بين الأمـوات" يحيـل ـ مـن نـاحيـة ـ على عبارة:"Quand nous nous réveillerons d'entre les morts" الذي وسم بها ذلك الأديب النورفيجي مسرحيّته الأخيرة ويكشف من ناحية أخرى عن أنّ المسعدي فضّل تعريب عبارة: nous nous réveillerons"" بعبـارة "نُُبعث" وأضاف إلى الشاهد المنسوب إلى إبسان عبارة "سنعلم" ليجعله من قبيل الكلام على كلامه هو، رغبة منه في توجيه القارىء إلى قراءة المتن من الزاوية الخاصّة التي أرشده إليها. فضلا عن أنّ تحوير الشاهد بواسطة الترجمة يدعم الخلاصة التي تضمّنها بيت أبي العتاهيّة دعما موحيا بأنّ مآل التجربة الحسيّة هو الفشل المحقق، شأنها في ذلك شأن النهاية التي سوف تصطدم بها سائر التجارب التي سيخوضها أبو هريرة. ولمّا كان الحديث الثاني الموسوم بـ"حديث المزح والجدّ" متعلّقا بمراحل حياة ريحانة تعلّقا قطع صلته بالتجربة التي يخوضها أبو هريرة في ذلك الطور من حياته، فإنّ المسعـدي لم ير ـ في تقديرنا ـ موجبا لافتتاحه بشاهد.

وقد مهّد صاحبنا لحديث "التعارف في الخمر" ببيت لأبي نواس نصّه:
رُدّا عليّ الكأس إنّكما  لا تدريان الكأس ما تجدي

ثمّ أشار في غضون ذلك الحديث إلى انقطاع أبي هريرة عن الصلاة وإقباله الدافق على الخمرة والنساء بذكر أنّه قدم إلى حيّ الأنمار سكران ضاحكا وقال لريحانة "نحن نشرب ونحبّ من يشرب" ثمّ "انصبّ عليها" أمام أصحابه.
ولهذا يبدو أنّ محمود المسعدي توسّل بالبيت الذي دلّ على أنّ للخمرة جدوى أدركهـا أبو نواس دون نديميه ليحملنـا على قراءة متن ذلك الحديث وعنوانه من زاوية مختلفة عن الزاوية الكاشفة عن مظاهر المجون التي جمعت بين أبي هريرة وريحانة. فشاهد "حديث التعارف في الخمر" يغرينـا بالتسوية بين موقف أبي هريرة خلال ذلك الطور من حياته وموقف أبي نواس الذي أمعن في شرب الخمرة توقا إلى نسيان الحيرة التي أورثهـا فيه سقوط الإيمان، رغم أنّنا لا نعثر على " جدوى الكأس" في ذلك البيت ولا في القصيدة التي تضمّنته وإنّما نقف عليها ـ على سبيل المثال ـ في قول أبي نواس:
وعيش الفتى في سكرة بعد سكرة  فإن طال هذا عنده قصر الدّهر

ونحن نقدّر أنّ المسعدي استشهد بذلك البيت بالذّات لأنّ مضمونه يدفع القارئ إلى تجويد النظر في العنوان والمتن لاستكناه جدوى الخمر لدى أبي هريرة آنذاك، نظرا إلى أنّ تجربة الحسّ لم تتعلّق إلاّ بطور محدود من أطوار حياته. ولا شكّ في أنّه أعرض عن الأبيات الدالّة بوضوح على جدوى الخمر لدى أبي نواس لأنّهـا تترجم عن مأساة ذلك الشاعر الذي قضى كامل حياته ـ حسب قول المسعدي نفسه ـ "في مرارة السكر وتوقّع الموت، منشدا في شعره أنشودة الإنسان تلعب به الأقدار" .
وبانتقالنـا إلى "حديث القيامة" نلاحظ أنّ المسعدي استشهد بقول التوحيدي "متى كانت الحركة بشوق طبيعي لم تسكن البتّـة" ليلمّح إلى موقفه الخاصّ من تجربة أبي هريرة ويخفي تدخّله في توجيه مسيرة حياته. وآية ذلك أنّه تظاهر بأنّ أبا المدائن هو الذي أشار إلى هموم صديقه أبي هريرة بعد إطلاعه على علاقته بريحانة ودلّ على أنّه أصبح يغمض في كلامه وأنّه فارقه "في إسراع المهموم الملمّة أشغاله" ثمّ صوّر اللقاء الذي جمعه بمجموعة من الفتيان والفتيات وسأله عنهم فقال له: "جماعة من الإخوان يسألون الظلام" .


ومن هنا أبـان متن "حديث القيامة" عن الهمّ الذي استبدّ بأبي هريرة وأبرز شدّة فزعه من الموت واقتناعه بأنّ التجربة الحسيّة لن تفضي إلى نسيان المصير المحتوم وأكّد لنا الشاهد المجاور لذلك المتن أنّ فشل تلك التجربة لن يوقف توق صاحبها إلى المعرفة إن كانت "حركته بشوق طبيعي". وبما أنّ المسعدي هو الذي انتقى قولة التوحيدي ووضعهـا في هامش ذلك الحديث عينه، فإنّ اختياره يدلّ ـ من ناحية ـ على تطابق نظرته مع نظرة التوحيدي ويثبت من ناحية أخرى أنّه استند إلى تلك القولة ليبرّر مواقف أبي هريرة بطريقة تحجب عنّا اضطلاعه بإنشاء عالم روائي واعتناءه برسم برنامجه السرديّ بطريقة تبلور موقفه الخاصّ من منزلة الإنسان في الوجود.
أمّا تجربة العلّة التي خصّص لها المسعدي ستّة أحاديث فلم تشتمل إلاّ على شاهدين اثنين: أوّلهما قولة للتوحيدي وثانيهما قولة لعلويه. ويبدو أنّ المسعدي لم يمهّد للحديث الأوّل بشاهد لأنّه أكّد فيه بداية يأس أبي هريرة من تجربة الحسّ وخوفه من انقطاع جهاده. ومرجع ذلك أنّه وجد في طور العلّة ما لم يجده في طور الصحّة صحبة ريحانة فانبثق فيه الشوق إلى الخلد وتأكّد من أنّ اكتفاءه بتلك المرأة سيُفضي به إلى الموت بالمعنى الوارد في حديث "البحث الأوّل": أي الجمود والغفلة عن منزلته في الوجود. وآية ذلك أنّه قال لريحانة: "يمرض الناس يا ريحانة فيطلبون الشفاء فيثقل المرض فيضني فيذهب سدى. وقد طلبت الشفاء مثلهم ساعة مرضي الأولى. ثمّ وجدت في علّتي ما لم أجده في الصحّة وتمّت لي بها حياتي فخشيت أن تعاودني الصحّة والاستقامة فأموت" .
وقد عنون المسعدي الحديث الموالي لحديث "الحسّ" بحديث "الوضع" ودلّ في ثناياه على أنّ الموت المتربّص بأبي هريرة هو الذي نفّره من ريحانة على شدّة ميله إليها، إذ قال لها: "لو كان إلى النسيان سبيل لكان ريحك أنساني"، ثمّ أخذ عصاه ورحل عنها . ومن ثمّ اشتركت بنية الشاهد المنسوب إلى التوحيدي مع دلالته في تفسير العنوان وتبرير انقطاع أبي هريرة عن تجربة الحسّ، إذ أصبح صوت التوحيدي متّحدا بصوت أبي هريرة اتّحادا دعم أوجه التقارب بين نظرتيهما إلى الوجود. فقد قال التوحيدي: "لأنّه قد صحّ أنّ شأن الحسّ أن يورث الملال والكلال ويحمل على الضجر والانقطاع" وانتهى أبو هريرة نفسه


إلى تلك النتيجة بعد أن خاض تجربة الحسّ. ومن أجل هذا قال أبو هريرة لريحانة عندما حاولت أن تصرفه "إلى سابق فرحه بالحياة":
مضى دهر به كنّا  وجدنا جدّة العمـر
وشاخ النور ريحان وقرّت خلجة الفجـر
فينتاب سنا عينـيظلام كعمى الدّهر

دعي الذكرى ريحانة فقد قتلتها في نفسي، وليس أقبح ممّا يدوم" .
وهكذا دلّ شاهد " حديث الوضع" على أنّ المسعدي استشهد بتلك القولة ليبرّر موقف أبي هريرة ويعرب عن اقتناعه الخاصّ بعجز الحواس عن فكّ ألغاز الغيب من دون أن يظهر تدخّله في السرد بصورة مباشرة. ولعلّـه استند إلى كلام التوحيدي بالذّات ليبرز ـ فضلا عن ذلك ـ اتّصال قضايا روايته بمشكلة المعرفة التي مثّلت هاجسـا من هواجس ذلك العلم الذي " عاد إلى التصوّف الذي نهل منه في شبابه لأنّه لم يجد في العلم أو في الفلسفة منقذا وارتدّ ظمؤه العقلي إلى هدأة التسليم وضعف تقديسه للعقل الإنسانيّ " . وبما أنّ الحديث الموالي الموسوم بـ"حديث الوضع أيضا" قد اقتصر على إثبات العسر الذي كابده أبو هريرة عندما فارق ريحانة، فإنّ المسعدي لم يورد شاهدا ممهّدا لذلك الحديث.
أمّا "حديث الشوق والوحدة" فقد كشف عن أنّ انفصال أبي هريرة عن ريحانة هو الذي بثّ فيه آلام الوحدة وجعله يتوق إلى العشرة. ومن أمارات ذلك قول أبي المدائن: "كنت أقول في بعض الأيّام: عم صباحا يا أبا هريرة. فيلقاني بعينين كأنّهما الغيب ويقول: من أنت؟ أو: ممّن أنت؟ ويمرّ كالخيال" .
ولهذا، فإنّنـا نرجّح أنّ المسعدي استشهد بقول علويه إنّ "المجدود من يستنبط من بين النّاس صديقـا" ليبرر حالة التيه التي هيمنت على كيان أبي هريرة خلال ذلك الطور من حياته ويشير إلى وجه من وجوه خلاصه من تلك الحالة إشارة مؤذنـة باستعداده لخوض تجربة أخرى. ورغم أنّ المسعدي لم يذكر المصدر الذي استمدّ منه تلك القولة فإنّ نسبتهـا إلى علويه كافية للتنبيه إلى قيمتها، بما أنّ صاحبهـا كان ـ حسب شهادة الأصفهانـي ـ "مغنيّا حاذقا ومؤديّا محسنا وصانعا متقنا وضاربا متقدّما مع خفّة روح وطيب مجالسة وملاحة نوادر" .
وهكذا يتجلّى لنا أنّ المسعدي اتّخذ بعض الشواهد قناعا ليبرّر فشل قسم من تجارب أبي هريرة ويهدي القرّاء إلى السلك الناظم لأحاديثه المنفصلة شكليّـا بعضها عن بعض ويحملهم على النظر إلى الأحاديث السرديّة باعتبراها تمثيلا لمسيرة ذهنيّة مشدودة إلى مشكلة المعرفة شدّا.
والرّاجح أنّ الكاتب عرّى من الشواهد حديث الحقّ والباطل وحديث الحاجة اللذين ختم بهما تجربة العلّة ومهّد بهما لتجربة الجماعة، لأنّ متنيهما قد أفصحا عن حالة أبي هريرة وفسّرا عنوانيهما تفسيرا واضحا. ففي حديث الحقّ والباطل تاهت السبل بأبي هريرة فقال: "إني فقدت السماء وارتدّ عليّ الهواء رصاصا ونظرت فكلّ نظري عن مدى العين وارتدّ البصر ظلاما" . وعندئذ ذكر المحن التي توالت على أخته التي توفيت في الثالثة من عمرها وقال: "فصحت وبكيت وندبت وطال عويلي. وحسبته الشيطان وقالوا: هو الله" . ومن ثمّ تحددت نظرته إلى الحياة فقال لرفاقه وهو يشرب الخمر ويُديم النظر إلى ألسنة النار:
أنظروها ترّهات لا تقرّ  وجه حقّ باطل ليس يبرّ
كالحياة"
وقد كان للشواهد في التجربة الاجتماعيّة حظّ شواهد التجربة السابقة بالضبط، إذ افتتح المسعدي "حديث الطين" بقولة للرّاهب الجرجاني واستهلّ حديث العمى" بشاهد قرآني . وبما أنّه استشهد بالرّاهب الجرجاني ليدعم ـ حسب رأينا ـ موقف أبي هريرة ويشكّك في جدوى تجربته مع الجماعة قبل وقوعها، فإنّ استشهاده يشفّ عن أنّ رؤيته مماثلةلرؤيةالراوي العليم و يؤكّد بالتالي أنّه أنشأ عالما خياليّا ليترجم بأحداثه عن نظرته الخاصّة إلى الكيان البشريّ.
ولئن دلّ "حديث الطين " على أنّ العمل الاجتماعيّ يمثّل تجربة وجوديّة هدفهاالخلاص من عبث الحياة واجتثاث بذور الشكّ ،فإنّ أبا هريرة أقدم على خوض التجربة الاجتماعيّة، رغم أنّه صرّح بشكّه في جدواها عندما علّق على الرؤيا التي شاهد فيها جماعة تؤلّه الفرد وتتغنّى بقدرة الإنسان على قهر العدم بقوله: "لم أر قطّ مثلها حماقة وغرورا" .
أمّا غياب الشواهد في الأحاديث الثلاثة الموالية فمرجعه أنّ تلك الأحاديث تمثّل امتدادا لحديث الطّين. فقد تألّه أبو هريرة وتقمّص شخصيّة الفرد الأرقى ثمّ عبّر عن شكّه في تلك القدرة بقوله: "إلى أين أيّتها الشدّة الكاذبة". فضلا عن أنّه صوّر اليأس الذي غمره عندما فشلت تجربته تلك بقوله لأبي عبيدة وأصحابه "والله لقد عاشرت واستأنست أشباهكم كثيرا وحسبت أنّ في العشرة سعة النفس واليمن والنعمة فما كان منه إلاّ خلاء الخيبة ووحشة الوحدة وارتدّت إليّ نفسي ضيّقة حسيرة وضلّ عنّي كياني. وإنّ ذلك لهو القنوط الأشقى: أن تغري عشرة الجماعة بظاهر البركة والطهر والكثرة فتنكشف شرّا ونجاسة وعقما وشقاوة وحدة كإغراء الآل في قيعة" . ومن أجل ذلك قال أبو عبيدة: "فكأنّه مات في باطنه ما يكون به الإنسان إنسانا أو عميت بصيرته" . وقد استفحلت تلك الحالة في "حديث العمى" الذي مهّد له المسعدي بنصّ قرآني تحدّى فيه الله ـ مثلما بيّن ذلك توفيق بكّار ـ الإنسان أن يرى في ملكه شقوقا تنمّ عن فساد صنع أو يُبصر خللا يمكن أن يتسرّب منه العبث إلى منطق الوجود. ويأتي المتن المجاور للشاهد مناقضا لذلك بالإشارة إلى أنّ رحلة أبي هريرة إلى الشرق والغرب أفقدته البصر بمنطق الكون وجعلته يتأهّب لرحلة أخرى تعرج به إلى ملكوت السّماء .
وقد استشهد محمود المسعدي – مثلما أسلفنا – بقولة أكّد فيها التوحيدي أنّ الحركة الناجمة عن شوق طبيعي لا تسكن البتّة ليشير إلى أنّ مسيرة أبي هريرة مسيرة جهاديّة لن تتوقّف ما لم يتخلّص من الحيرة التي نغّصت حياته. ولهذا دلّ "حديث الحمل" الذي توّج تجربة الجماعة على أنّ استبداد اليأس بأبي هريرة جعله يعزف عن الحديث أيّاما، ثمّ أشار إلى أنّه خرج إثر ذلك عن الجماعة ليخوض تجربة معرفيّة جديدة .
وإذا ما جوّدنا النّظر في الحديث الأوّل الذي استهلّ به المسعدي تلك التجربة الأخيرة لاحظنـا أنّه أعلن مسبّقا عن فشلها بوسم ذلك الحديث بـ"حديث الغيبة تُطلب فلا تدرك". ولعلّه استشهد بقول الغزالي "فقد عرفتَ أنّ سعادة النفس وكما لها أن تنتقش بحقائق الأمور الإلهيّة وتتّحد بها حتّى كأنّها هي" ليبرّر سبب ذلك الفشل ويلمّح إلى إيمانه الراسخ بأنّ التصوّف هو المسلك الوحيد إلى سعادة النفس وكمالها. غير أنّ إحلال الشاهد بتلك الصيغة على رأس ذلك الحديث بالذّات يوهم بأنّ الغزالي يتوجّه بالكلام إلى أبي هريرة نفسه ليؤكد له تلك الحقيقة ويخبره بأنّه انتهى قبله إلى النتيجة التي انتهى إليها هو بعد خوضه تلك التجارب. وكان صوت أبي هريرة في المتن معربا ضمنيّا عن قرب فوزه بتلك الحقيقة عينها، إذ جهر بأنّ ذهاب إيمانه لم يورث فيه إلاّ الحيرة وأقرّ بفشله في تجربة الغيبة أيضا، نظرا إلى أنّها تمخّضت عن اقتناعه بأنّ "الرهبنة تألّه مستحيل أو غرور مؤلم" وتأكّده من أنّ الآلهة لا تقام إذا هوت .
ورغم أنّ "حديث الهول" ورد ضمن الأحاديث المتعلّقة بالتجربة الأخيرة، فإنّ مضمونه أحال على حياة أبي هريرة عندما كان "من عمره في مطلع الفجر" ليدلّ على أنّ قضيّة الموت قد أخرجته عن طوره خلال تلك الفترة وهزّت كيانه هزّا. والرّاجح أنّ المسعدي مهّد لذلك الحديث القصير بشاهدين أوّلهما قول ابن عبد ربه "إذا كان الموت راصدا فالطّمأنينة حمق" وثانيهما قول عمر الخيام:
"وا مصابي من غد إن أقبلا  ورُفاتي هامة تعوي بقاع"
ليفسر العنوان ويشير إلى شعور أبي هريرة بهول المصير ويُبرز أنّ قلقه في الدنيا قلق معرفيّ.
وقد اقتطف المؤلف شاهد "حديث الشيطان" من حديث نبوي نصّه "ما من أحد إلاّ وله شيطان" وأشار في المتن إلى استمرار رحيل أبي هريرة ليظهر أنّ الرحيل هو شيطانه ويلمّح إلى أنّ فشله في هذه التجربة الأخيرة لن يوقف مسيرته. ذلك أنّ ابن مسلمة السعدي قال: "كان أبو هريرة كالماء يجري. لم نقف له في حياته على وقفة قطّ. كالمستعدّ إلى الرحيل لا ينقضي عنه الرحيل" . ووردت قولة التوحيدي على رأس "حديث الحكمة" لإثبات أنّ جوهر الحكمة يكمن لديه في الاقتناع بأنّ الحواسّ قاصرة عن فكّ ألغاز الغيب . وعلى هذا الأساس يصبح الشاهد مدعّما للمتن الذي ذكر فيه أبو رغال لأبي هريرة أنّ الكتب لا تعلّم الحكمة وأنّه تخلّص من ماضيه وقطع صلاته بالدنيا وخلق له مسلكا كشف له عن وحدة الوجود وأخرجه من تناقضاته .
أمّا "حديث الجمود" المتوّج لتجربة الغيبة فقد خلا من الشواهد، نظرا إلى دلالته الواضحة على حالة أبي هريرة بعد انقضاء تجاربه وتوقه إلى البعث. ومن أمارات ذلك تأكيد أبي المدائن أنّه وجد أبا هريرة ذات ليلة "في جمود الصخرة لا يشكو ولا يستطيع إليه سبيلا ولا يبكي" من شدّة شوقه إلى البعث وتعليقه على حالته الخاصّة بقوله: "ألا قل ويل للذين يموتون ثمّ لا يبعثون" .
وقد انتهت مسيرة أبي هريرة بـ"حديث البعث الآخر" الذي مهّد له المسعدي بقول بشّار بن برد "إنّ دائي الصدى" وقولة أكّد في بدايتها بويير اشتراك الفولاذ والنار وبروميتــي (PROMETEE) في رفض السكون والسلام وختمها بتبرير تلك الظاهرة . وبعودتنا إلى ديوان بشّار اتّضح لنا أنّ محمود المسعدي اقتطع الشاهد الأوّل من البيت الذي قال فيه ذلك الشاعر:
إنّ دائي الصدى وإنّ شفائي  شربة من رضاب ثغر برود

ليخفي نوع الصدى الذي يكابده ويلفت انتباه المتلقي إلى أنّ معاناة أبي هريرة في الحديث المجاور لذلك الشاهد متولّدة من تفاقم عطشه المعرفي. ولكن، بما أنّ المسعدي اقتصر على ذكر لقب صاحب القولة الثانية وحجب عنّا المصدر الذي اعتمده، فإنّنا لم نتمكّن من الاهتداء إلى هويّة الشخص الحقيقي المتلفّظ بتلك القولة ولا من الوقوف على صحّة الكلام المنسوب إليه. ومن ثمّ، فإنّنا لم نتوصّل إلى إدراج كلام بويير في سياقه الأصلي لتبيّن العلاقة بين ذهابه إلى أنّ "الفولاذ يأبى السكون والسلام والنار تأباه وبروميتي يأباه" وتعليله تلك الظاهرة بقوله "لأنّه مازال لعقل الإنسان درجات عدّة لا بدّ له من ارتقائها قبل أن يبلغ النهاية". وذلك ما جعلنا نرجّح أنّ المسعدي حوّر كلام بويير مثلما حوّر سابقا كلام إبسان ليدفعنا إلى قراءة متن الحديث الأخير من الزاوية التي اختارها هو نفسه.
ومهما كان الأمر، فإنّ عمليّة تحوير النصوص الأجنبيّة بواسطة الترجمة للاستشهاد بها لا تختلف في جوهرها عن عمليّة نقل الشواهد من سياقاتها الأصليّة إلى سياقات أخرى من دون تغيير ألسنتها، إذ أنّ الاستشهاد يفضي ـ دائما ـ إلى تحوير جانب من دلالات الشواهد لحملها على الاضطلاع بوظائف مخصوصة في سياقاتها الجديدة .
ولكن، بما أنّ الغموض الذي خيّم على ذلك الشاهد المنسوب إلى بويير قد حجب عنّا دلالته ولم يساعدنا على تحديد علاقته بالحديث المجاور له، فإنّنا نميل إلى إدراجه في قائمة الشواهد التي ذكر الشعريّون المهتمّون بالعلاقة النصيّة المصاحبة أنّها تدفع إلى تفكير من دون أن تحدّد لذلك مجالا معيّنـا لأنّ المؤلفين يتوسّلون بتلك الشواهد الغامضة لإثارة دهشة قرّائهم بالدرجة الأولى .
والحقّ أنّ إشارة الشاهد إلى بروميته "إله النار وخالق الإنسان وحاميه ومؤسس مدنيّته" في أساطير اليونانيين تجعلنا نذهب إلى أنّ صاحبه هو المؤلّف التراجيدي الفرنسي كلود بويير (Claude Boyer) وليس الأديب وعالم الآثار جان بويير (Jean Bouhier) ولا العالم الكيمياوي هربار واين بويير(HERBERT WAYNE BOYER )، لأنّ كلود بويير ألّف مسرحيّات متعلّقة بالأساطير اليونانيّة ومنها المسرحيّة الموسومة بـ"أقاممنون AGAMEMNON " أحد شخصيّات الإلياذة. إلاّ أنّ تلك النتيجة لا تساعدنا على الاهتداء إلى المصدر الأجنبي الذي تضمّن ذلك الشاهد ولا على معرفة دلالته في سياقه الأصلي، نظرا إلى أنّ صاحبه قد ألّف ثلاثا وعشرين مسرحيّة جلّها من نوع التراجيديا.
ولهذا، يُمكننا الذهاب إلى أنّ محمود المسعدي استشهد بالقولة التي أكّد بويير في بدايتها اشتراك الفولاذ والنار وبروميتي في السكون والسلام ليؤكّد حرص أبي هريرة على مواصلة الجهاد ويرفع منزلته إلى مرتبة أبطال الأساطير. بيد أنّ ذلك لا يبدّد الغموض الناجم عن إثبات بويير اشتراك الفولاذ والنار وبروميتي في تلك الصفة وتعليله لذلك بقوله "لأنّه مازال لعقل الإنسان درجات عدّة لا بدّ من ارتقائها قبل أن يبلغ الذّروة".
وللخروج من تلك الدائرة المغلقة ينبغي علينا العودة إلى الشواهد التي شكّكت في قدرة العقل على فكّ ألغاز الغيب وإلى متون الأحاديث التي أظهرت فشل أبي هريرة في جميع تجاربه السابقة لقراءتها في ضوء النصوص المصاحبة الأخرى التي أعربت عن اقتناع المسعدي بتلك الحقائق ودلّت على الطريق "المنقذ من الضّلال". فقد أشار صاحبنا إلى أنّ "المعرفة محصورة في عالم الحسيّات المشاهدة لا يتجاوز حدودها نطاق العقل البشري" وعبّر عن إيمانه الرّاسخ بأنّ علوم الإنسان الوضعيّة "يبقى معها سرّ الكون والوجود تامّا شاملا لا بصيص له فيه من نور" . وبناء على ذلك قال: "إنّ وراء العقل لطورا آخر تنفتح فيه عين أخرى. وما أنجت معرفة لم تنفذ بك إلى ما وراء عقلك" .
تلك هي إذن الدّرجات التي ينبغي على الإنسان ارتقاؤها حتّى يدرك ذروة العقل البشري ويهتدي إلى أنّه لن ينجو من الضلال إلاّ بما نجا به الغزالي: أي "بالاتّصال بالحقّ الكلّي والعلم المطلق" من وجه الحدس يوقع في النفس الحقّ ويكشفه لها كشفا ويصلها به مباشرا، فلا يفصل بينها وبينه تقاسيم فكر ولا قواعد عقل حسب قول المسعدي نفسه .
إنّ تلك النصوص المصاحبة تدعم الشواهد السابقة وتمهّد ـ في الآن نفسه ـ سبيلا قويما إلى فهم سبب انتقال أبي هريرة في نهاية المطاف من اليأس والقنوط إلى الشروع في الغناء "وكأنّه النّـار اتّقدت أو الله ينادي في الكون بالبعث . وكلّ ذلك يعمّق اقتناعنا بأنّ المسعدي رسم مسيرة أبي هريرة واتّخذها برهانـا على عمق نظرته الخاصّة إلى الوجود ثمّ حوّر مضمون ذلك الشاهد الأخير ليجعله مناسبا لتلك النظرة فعجز عن تحقيق مقصده، بما أنّ النصوص المصاحبة الأخرى هي التي نهضت بتلك الوظيفة.
وهكذا خاض أبو هريرة تلك التجارب المضنية طمعا في فهم سرّ الوجود ومعانقة الحقيقة المطلقة فلم يجن من ذلك سوى الخيبة بسبب تعويله التامّ على حواسه. وقد دفعه ذلك إلى تقويم مسيرة حياته كلّها فانتهى إلى النتيجة التي خلص إليها بعض أعلام الصوفيّة وأعرب ـ عندئذ ـ عن ضلاله بقوله: "لقد ذهبت لي اليوم فوق الأربعين من السنين وقد آن الرشد" . وإثر ذلك سمع صوت هاتف كشف عن شوقه إلى الالتحام بالمطلق فأعرض عن ضلاله باستجابته القوية لذلك الصوت وقوله: "هذا ما كنت أطلب" وإقدامه على القفز من قمّة الجبل قفزة جسّدت عمليّة التحامه بالعالم العلويّ التي استعدّ لها استعدادا منذ اتّصاله بأبي رغال . ومن ثمّ توطّدت الصلة بين موقف أبي العتاهيّة في الشاهد الرئيسي

وموقف أبي هريرة في هذا الحديث الأخير وبان اقتناعهما بانعدام المستقرّ الحقيقي على الأرض وتجلّى أنّ أبا هريرة قد تبنّى نظرة محمود المسعدي نفسه إلى مشكلة المعرفة تبنّيـا تامّا.
* * * *

إنّ العلاقات التي نسجها متن رواية "حدّث أبو هريرة قال" مع شواهده تكشف عن أنّ تلك الشواهد تمثّل عتبة أساسية من عتباته وتدلّ على أنّ المسعدي انتقى تلك الشواهد بالذات ووزّعها على النحو الذي أشرنـا إليه ليحقق جملة من مقاصده الفكريّة والجماليّة. فقد أنشأ صاحبنا عالما خياليّا اتّبعت شخصيّاته الرئيسية المسار الذي يعرب عن نظرته الخاصّة إلى مشكلة المعرفة وأقامه في مستوى العمق على أركان الجنس الروائي، رغم أنّه شكّله في مستوى السطح على منوال الأحاديث والأخبار الأدبيّة ليوهم بأنّه اقتصر على نقل ما روته شخصيّات حقيقيّة معيّنة. ومن أجل هذا اشتركت الشواهد الحافّة بمتون تلك الأحاديث في صرف النظر عن تحكّم المسعدي في جميع محتوياتها وإظهار اتّفاق آراء بعض المفكّرين والأدباء الحقيقيّين مع آراء أبي هريرة كما ساهمت في الإيهام بوقوف أصحابها على أسباب حيرته وبمخاطبته مباشرة لإقناعه بأهميّة النتائج التي توصّل إليها.
وعلى هذا الأساس نمّت علاقة الشواهد بالمتن المجاور لها عن أنّ المسعدي اختفى وراء أصحابها ليعلل اهتمام أبي هريرة بمشكلة المعرفة ويشير إلى تشعّب سبلها ويبرّر فشل التجارب الحسيّة ويظهر فضيلة التصوّف من دون أن يترك آثارا دالّة على تدخّله في توجيه شخصيّات الأحاديث إلى الوجهة التي حدّدها هو نفسه.

وقد دلّنـا اختياره لشواهده وميله إلى بتر بعضها وتحوير بعضها الآخر بواسطة الترجمة لإحلالها على رؤوس قسم خاصّ من أحاديثه على أنّه يهدف إلى التعبير بألسنة الشواهد عن اضطلاع أبي هريرة بمسؤوليّته في الوجود ويثبت انفتاح همومه على أبرز القضايا الإنسانيّة الخالدة. وبما أنّ شخصيّات الأحاديث اضطلعت بسلسلة من الأحداث الحسيّة في إطار جغرافي معيّن، فإنّ المسعدي وظّف قسما من الشواهد لينبّه القرّاء إلى أنّ ذلك ليس إلاّ تمثيلا للمسائل المعرفيّة العميقة التي شغلت أبا هريرة مثلما شغلت قبله طائفة من أهل الفكر والأدب.

وهكذا شفّت العلاقات الخفيّة التي نسجها متن "حدّث أبو هريرة قال" مع شواهده عن أنّ محمود المسعدي وظّف تلك الشواهد ليشير إلى أهميّة القضايا الفكريّة التي احتفل بها ذلك الكتاب ويحمل القرّاء على تأويل خطابه تأويلا مناسبا لمقاصده ويخفي ـ في الآن نفسه ـ سعيه إلى التأثير في المتلقّي واضطلاعه بحمل شخصيّات عالمه الخيالي على بلورة نظرته الخاصّة إلى منزلة الإنسان في الوجود وتأكيد قيمتها.

ولئن دلّت أقوال التوحيدي والغزالي التي استشهد بها المسعدي على أنّه لا يرى هو أيضا بديلا معرفيّا عن التصوّف وأبانت عن العوامل التي جعلته يتوّج مسيرة بطله بالفناء الصوفي، فإنّ تنوّع الشواهد يرسم المجال الثقافي الرحب الذي نهل منه ويبرز ثراءه إبرازا.



*الشواهد: (EPIGRAPHES ) هي نصوص منتخبة يثبتها الكتّـاب عادة بين عناوين مؤلّفاتهم ومتونهـا أو على رؤوس فصولها. وقد دلّ عليها بعض الدارسين بعبارة (EXERGUE ) والحال أنّ تلك العبارة الفرنسيّة تعني الهامش الذي تُدرج فيه الشواهد.

د. فوزي الزمرلي
أستاذ النقد والأدب العربيّ الحديث بالجامعة التونسية
faouzizmerli@yahoo.fr



مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. حدّث أبو هريرة قال :
إلهام : | 5/3/2014 الساعة 11:39
ممكن فروض ( تحليل نص ) عن رواية حدّث أبو هريرة قال... !!
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث