الخميس, 21 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
تيارات ومواقف في "النقدية الجديدة"
ستيفانيا سكفارجينسكا - ترجمة : عدنان المبارك
تيارات ومواقف في "النقدية الجديدة"
ستيفانيا سكفارجينسكا










تربط ، عادة ، بدايات النقدية الجديدة New Criticism ، وهي الإتجاه الذي تبلور حوالي الحرب العالمية الأولى في أنكلترا ومن ثم إنتقل في نهاية العشرينات الى أمريكا ، بالأزمة من نهاية القرن التاسع عشر والتي أرهصت ما يسمى ب( الثورة الأستيتيكية ) ، كما يملك هذا الإتجاه الجديد صلات قوية بالوضع الأستيتيكي في القرنين التاسع عشر والعشرين بشتى نزعاته. وتشهد على ذلك حقيقة أن بعض ممثلي النقدية الجديدة قد إعتمدوا ، في أغلب الأحوال ، على مفاهيم علماء الجمال الأنكلوساكسونيين ( والتر باتير W. Pater وجورج سانتايانا ) و الفرنسيين بالدرجة الرئيسية. ولعبت دورا ملموسا مفاهيم بودلير المعتمدة على آراء أدغار آلان بو الذي لم يلق التقدير ، كما نعلم ، في الولايات المتحدة ، كذلك هناك نظريات الرمزيين الفرنسيين وخاصة ناقدهم الأكبر ريمي دي غورمون R.de Gourmont ، والطليعة الفرنسية من الحرب العالمية الأولى، وفي مواقف الأستيتيكية aestheticism العقلانية و بضمنها آراء بول فاليري وجدوا السند والعامل المشجع. والنقدية الجديدة دفعت أيضا الى الأمام نزعات متباينة بل ومتناقضة فيما بينها ، وساعد على ذلك المناخ الفلسفي للعصر : من جهة كانت هناك البراغماتية الجديدة New Pragmatism ومن أخرى المفاهيم الإنسية للبراغماتية الأمريكية ، وفي الأخير كانت ذات أهمية ملموسة بالنسبة لبعض النزعات في نظرية البحث الأدبي ، المدرسة التحليلية الإنكليزية والأخرى الواقعية.
كان هذا الإتجاه الجديد في النقد الأنكو ساكسوني قد منح الإسم بصورة متأخرة أي بربع قرن بعد ظهوره. و قام بالتسمية المنظر الأمريكي جون كرو رانسوم J.C.Ransom الذي حمل كتابه من عام1941 هذا الإسم. وقبلها سمّي هذا الإتجاه بالنقدية الحديثة.
وفي الواقع يصعب الكلام عن النقدية الجدية كمدرسة في النقد ، فممثلوها إتخذوا شتى المواقف أزاء فرضياتها الأساسية وإتجاه الحلول الطرائقية ، كما يصعب القيام بمحاولة تحديد ميزاتها وبدون طرح مواقف ممثليها الرئيسيين. إلا أن ما ربط جميع ممثليها هو الإحتجاج على العصر السابق وتركته الثقيلة على الثقافة المعاصرة ، وعلى ثقافة العصر الفكتورياني وهيمنة البيوريتانية المدينية في العادات والسلوك والآراء والإستلهامات ، ومفاهيم الفن الوضعية ومثل الواقعية وشعارات النفعية ودعوات الوعظية الأخلاقية في النشاط الأدبي. وكان السعي المشترك تقويض مراتبية القيم السائدة في تأريخ الأدب ، والتحرر من تركة القرن التاسع عشر ، و الإنفصال عن التقليد الرومانسي ومن أجل كلاسية مجددة يمكن فهمها بشتى الصور. كذلك كان الأمر المشترك هو الإيمان بالطابع الخلقي وليس المحاكاتي للفن الأدبي ( وبضمنه الرواية ) ، وبإستقلالية عالم الفن وقيمه. وبكل هذا إرتبطت النزعة الطرائقية المشتركة بين جميع ممثلي النقدية الجديدة ( رغم انها كانت تحقق بصور مختلفة ) والهادفة رفض ما يسمى بالمناهج الخارجية ، وحصر أحوال البحث في العمل الأدبي ( المغلق على ذاته ) ، والإنتباه الموّجه بشكل خاص الى سيميائيته. كذلك أعلي من شأن النقد المتخصص.
وكانت السمة المميزة للنقدية الجديدة والتي نلمسها في مواقف الكثيرين من ممثليها ، الإنكليز والأمريكان على السواء ، هي قابلية التمثل والإستغلال التحويلي لمقولات منظرين ذوي مفاهيم متعارضة مما عمل على قيام تنوع كبير في آراء ( النقاد الجدد ) وتجاوزهم لحدودهم النظرية في أحوال عدة. مثلا لم يكن ماثيو أرنولد غير آبه بالنقدية الجديدة رغم الهجوم الحاد عليه بسبب فرضه على الأدب مهاما تربوية – أخلاقية. والشيء المميز هو الإسهام المثمرلأفكار هي غريبة ، في الأساس ، على النقدية ، مثل الإنسية الجديدة New Humanism والنقد الإنسي humanistic critique الذي كان يمثله الفيلسوف الأمريكي أرفنغ بابيت I.Babitt أو مفاهيم ت. ي . هيوم T.E.Hulme . وكان الإثنان معبّرين عن أزمة الثقافة المدينية رغم الإختلاف في المنطلق الأيدولوجي ، وداعيين طموحين الى الأخذ بمنحى جديد قائم على رفض الرومانسية والعودة الى المثل الكلاسية. وكانت النقدية الجديدة قد تقبلت هذه الأفكار برعاية قائدييها عزرا باوند وت .س. إليوت وتشربت بأجوائهما الفكرية والقيم التي طرحاها كمنظرين للثقافة المعاصرة. إلا أن بابيت وهيوم كانا من مهد الطريق لملهمي وحماة النقدية الجديدة رغم أنهما كانا خارج دائرتها.
وجاء النقد الإنسي لدى بابيت نتيجة منطقية لنظامه الفلسفي الذي وجّه النقد القاسي للحضارة المعاصرة وإعتبر الإنسان القيمة العليا وبذلك عارض ، على حد سواء ، الطبيعية Naturalism التي حين إختصرت الإنسان في البعد البيولوجي لوحده حرمته من الإختيار الحر ، و الطبيعية القصوى – Super التي أزاحته من المكان المركزي في العالم بإسم العقائد الميتافيزيقية إذ أن الثقافة التي جاءت ثمرة عملية تأريخية بدأتها النهضة الإيطالية قد أفسدت الإنسان ودفعته الى الوراء .. وقد وجدت هذه الواقعية أن بداية السوء كانت في توّجه الرينيسانس صوب الطبيعة ، والإيمان بالتقدم الذي ينقض ، في الجوهر ، معايير الإنسان. ولم يكن القرن الثامن عشر ، وقبل كل شيء جان –جاك روسو( غاوي البشرية ) ، بنزعتيه الفردية والثورية ، إلا مرحلة اخرى من مراحل التدهور. وبعدها جاءت الرومانسية والقرن التاسع عشر بكامله ، هزيمة نهائية للثقافة أي هزيمة للإنسان.. وهذه المقولة صارت مراجعة لمثل الحضارة المدينية ، والطريق المستقيم الذي قاد بابيت الى إعادة تقييم المباديء الأستيتيكية السائدة آنذاك. وكان بابيت قد منح الفن ، وبضمنه الأدبي ، قيمة رفيعة كنتاج لقابليات الخلق لدى الإنسان ، لكنه وجد أن الفن المعاصر قد صدعته الفردية الرومانسية والنزوع التعبيري وعبودية النفعية الوضعية. ومن هنا محاربته ل( أهواء الفردية ) و ( الرمال المتحركة للوضعية ). وحين وقف بابيت ضد مفهوم تبدل مثال الجمال ( وليس ضد مفهوم التطور وحده بل التأريخ أيضا ) طرح امام الشعر ، والنقد أيضا ، نموذجا مثاليا هو النموذج الكلاسي غير المتبدل والمعياري ( راجع كتابه من عام 1931: On Being Creative ). حينها شاعت فكرته عن الحاجة الى بوالو "1" جديد يرسم نماذجا غير متبدلة ويأخذ بمعايير النظام order والتناسب للكلاسية المحدّثة والموقف المعادي للرومانسية. كذلك أيّد هذه الكلاسية ووقف بعنف بالغ ضد الرومانسية هيوم الكاتب ذو الصيت الذائع ( بعد وفاته صدر في عام 1917 مؤلفاه ( تأملات Speculations ) و( مقالات في الإنسية وفلسفة الفن Essays on Humanism and Philosophy of Art ) وكان هيوم إسما بارزا في الأوساط الأدبية الطلائعية إلا أن طريقه الفكري كان غير طريق بابيت. فهيوم الذي كان قد لاحظ في الأزمة المعاصرة للثقافة المدينية بداية مرحلة جديدة فيها ، قد صار المنظر والداعية الى نزعاتها الإمبريالية مما كان يعني حربا شعواء على اللبرالية المدينية وتمجيدا للدولة ذات السطوة والمراتبية داخليا والإنضباطية والعدوانية عسكريا. وسوية مع تش.مورا Ch.Maurras و ال (أكسيون فرنسيزAction Francaise ) وقف هيوم ضد الإنسية ( مصدر الفردية والشخصانية وجميع الإستلهامات اللبرالية ) مدللا على أن الإنسان المثقل بالخطيثة الأولى ميّال الى السوء ، ولذلك ينبغي أن تقيّد حريته قواعد صارمة و إنضباط قائم في الخارج. وكان هيوم الذي إعتبر الرومانسية إنسية منحطة وفسّرها سياسيا بكونها لبرالية ودمقراطية ، قد طرح الكلاسية الجديدة كبديل ونموذج للمستقبل. وذكر أن هذه الكلاسية ترى لاتبدّل طبيعة الإنسان ومحدوديته كما تبقي على وعيه في هذه المحدودية وتضعه في نظام غير متبدل للأشياء وفي مراتبية وخضوع للقواعد الثابتة و إنضباطية التفكير والنشاط.
ولهذه الأسباب كان على الكلاسية المحدّثة أن تكون الأساس الصلد للفن الجديد و النظام الأستيتيكي. وبعد الهجوم على الشعر الرومانسي طالب هيوم الشعر المعاصر بتقنية جديدة قائمة على تقاليد جديدة لكنها مستمدة من النماذج الكلاسية. وقد وجد أن العقل ، وليس العاطفة ، هو الدافع في الخلق. وصارت معروفة مقولته بأن مملكة الجمال هي المؤلفات الصغيرة ذات النسيج الخشن و الجاف وإن أكبر إنجاز للشعر هو الوصف المناسب.
وهكذا تشكلت على أسس النقدية الجديدة والتي أرستها أفكار بابيت وهيوم ، إتجاهات تبين فيما بعد أنها كانت القائدة في هذا المنحى الجديد للنقد خاصة فيما يتعلق بقضية التقاليد والنزوع صوب إعادة النظر في مراتبية القيم ومثل الشعر المعاصر، بروح الأستيتيكا الكلاسية. وهذا الإتجاه حددته بالدرجة الرئيسية آراء حماة النقدية الجديدة والمبادرين بها – باوند وإليوت ، والتي إنعكست بكل قوة في كلتى سكتي تطور المنحى الجديد – الأوربية و الأمريكية ، خاصة أن كلى الشاعرين الكبيرين كان من أصل امريكي.
لقد إحتل باوند مكانة كبيرة كشاعر ال ( Cantos ) الرائعة التي بدأ بتأليفها في عام 1919 وكان من المقرر أن تشمل مائة أغنية ، كما أنه ألقى بتأثير هائل على عملية نشوء المشغل المعاصر للشعر وتطور الفكر النقدي. وكان هذا العارف الكبير بثقافات مختلفة ، سواء الغربية ( الرومانية بشكل خاص ) و الشرقية ( بضمنها الصينية واليابانية ) قد زرع هذه البذور الجديدة في الأرض الإنكليزية ساعيا الى تقريب أشكالها وتقنياتها الفنية. وفي شعره كان ينحو صوب عملية تركيب للثقافات تعصرن ، بشكل ما، المنجز التأريخي لثقافات متباينة، وبذلك ( تتغلب ) على الماضي من أجل الحاضر. وفي الصياغة النظرية جاء هذا المنحى كفرضية تفيد بأن التأريخ هو معاصرتنا
( راجع : Instigations من عام 1918 و The Spirit of Romance من عام1920 )
وكان هذا الشاعر الحسّاس أزاء المحاولات التجديدية للمشغل وراعي الأدباء الشباب ( بينهم جويس وإليوت ) قد اسهم في بلورة الشعريات المعاصرة والتقنيات الفنية الجديدة مثل شعرية الصورية Imaginism والتقنية ( الموزائيكية ). وكان هذا المعارض للرومانسية قد دعا الى شعر متثاقف intellectualized ومعقلن يكون ثمرة للعقل والمعرفة و العمل ، وعلى حد قوله فالشعر هو ( رياضيات ملهمة/ بفتح الهاء / )، وبالفعل فهو رياضيات عالية وشعر من التقنية ( الموزائيكية ) ، شعر يبني مضامينا جديدة قوامها مقاطع نصّية وشروحات وتلميحات تصل الى مختلف الظواهر الثقافية ، و يفرض فكرة ذات منهج مهمل منذ قرون ويعّد أحد مناهج الخلق في الشعر الروماني المتأخر والبيزنطي الذي كان أحد ثماره الصنف المسمى باللاتينية cento "2". إلا أن هذا ( الإلهام ) الذي ربط في الصياغة المذكورة ب( الرياضيات ) كان يملك معادله الخاص في نظرية باوند الشعرية ، وخصّ مفهوم الصورة الشعرية القريب من المفهوم الذي أعلى الصوريون من شأنه. ووجد باوند أن تأريخ الشعر هو بمثابة جدلية متواصلة بين التقاليد الأدبية والكلام الحي ، وهو تعريف ينسحب على النثر أيضا. ومن هنا النصيحة التي تذكر بتمحيصات كولدرج ، وفي تناول الشاعر الهادف الى الجدة ، لما تحت تربة اللغة الدارجة.
ومن بعض أقوال باوند يمكن الإستدلال بأن النقد يحتل موقعا أوطأ عند المقارنة بالشعر. أليس هو القائل بأنه يفضل أنثولوجيا شعرية معدّة بصورة جيدة على كتاب نقدي عنها؟. إلا أنه من ناحية أخرى لم يتجاهل النقد بل منحه وظيفة ليست بالصغيرة: الفصل بين الغث والسمين. ومع ذلك كان هو على إعتقاد بأن خير من يقوم بهذه الوظيفة هو الناقد الشاعر. فحينها يستعيد ، رسميا ، ما يسمى ب( النقد المتخصص ) وهو تقليد ثمين متجذر في الثقافة الأدبية ، مكانته التي إحتلها في الحقبة الرومانسية.
ويطالب باوند النقد بأن يكون نقدا للنصوص فقط ، وأن لايهتم بملابسات الشعر الخارجية – التأريخية والإجتماعية والبسيكولوجية. وهذه الفرضية تصبح أساس طرائقية النقدية الجديدة.
ووفق الرأي الأوربي فإن الكثير من آراء إليوت ملهم النقدية والمبادر بها قد طغت في هذا الميدان على مفاهيم سابقه باوند رغم أنها كانت تبدو تكرارا أو توسيعا مباشرا لها. من ناحية اخرى يصعب النقاش حول أسبقية آراء أحدهما على آراء الآخر. فالعلاقة بين الإثنين إمتدت لأمد طويل.
ويكون أمرا ملحوظا لدى إليوت كشاعر وناقد أنه كان شاعرا ومنظرا للشعر وناقدا ومنظرا للنقد، ولايشهد على ذلك أمر واحد فقط وهو ذلك الترابط القوي بين أعماله الشعرية والنقدية( مثلا : Poems من عام 1919 و The Sacred Wood من عام 1920 ) بل قبل كل شيء مسألة أن كل عمل شعري من أعماله كان ثمرة تأملات نظرية ، وكل خطاب نقدي جاء نتيجة للتجربة التي حققها الشاعر ، ولذلك يصعب إخضاع معرفة إليوت الشعرية لمنهج معيّن ، أو فرز نظرية للشعر منها وأخرى للنقد. كذلك هناك صعوبة أخرى تجابه أيّ محاولة لفصل إليوت الشاعر أوالآخر الناقد أو المنظر الشعري أو النقدي عن الإنسان الذي قال عن نفسه بأنه كاثوليكي في العقيدة وملكي في السياسة وكلاسي في الأدب. كذلك فمنحاه الروحي ومعرفته الغزيرة في مجالات الثقافة والفلسفة والأدب قد لعبت دورا أساسيا في تشكل آرائه بالشعر والنقد. غير أنه كان معارضا لمسألة إقحام الفكر السياسي والإجتماعي واللاهوتي على الأدب إذ إعتبر أن هذا القضايا تعود الى الخبراء والعارفين. ومن هنا معارضته لآراء م . أرنولد الذي مجّد الشعر وتنبأ بأنه سيأخذ مع مرور الزمن مكان الدين أو حين أعلن عن ( إنقاذ العالم بمعونة الشعر )، فقد رأى في الشعر كاهنا وقائدا في القضايا الإجتماعية، أما إليوت فعثر للشعر على مهمة أكثر تواضعا رغم أنه لم يحرمه من المنزلة الكبرى والمكان الخاص به والمستقل. وبخلاف أرنولد وجد إليوت أن الشاعر لايملك ، كشاعر ، أيّ منهج أفكار خاص به، فالشاعر الذي ( يفكر ) هو شاعر حسب أي أن بإمكانه التعبير عن أفكاره بوسيلة واحدة لاغير : ( المعادل الإنفعالي للأفكار ). وهذا الرأي ينبع مباشرة من إحدى فرضياته الأساسية حول موضوع جوهر الشعر : الشعر هو حقل المترابط الموضوعي objective correlative للافكار ووهم المخيلة المناسب للنظرة في حياة الشاعر. كذلك يهاجم إليوت المفهوم المليء بالغرور ، عن الشاعر والذي قوامه الفردية و الأصالة. وبالإتفاق مع مواقف بابيت وهيوم المعادية للرومانسية يعارض إليوت مقولة إن الشعر تعبير عن شخصية الشاعر أو إنه منطقة لإندياحه الشعوري ، بل على العكس فالشعر هو هروب من ( الإنفعال emotion ) وليس تعبيرا عن الشخصية ، إنه هروب منها. أما الأصالة فينقض إليوت فعليتها وقيمتها حين يقول عن عمل الشاعر : ( علينا الإعتراف في الغالب بأن ليس في أفضل أجزائه فقط بل الأكثر فردية يظهر خلودهم الشعراء الذين سبقوه ).
كان إليوت قد نقل مفهوم بابيت عن إستمرارية التقاليد المرئية بالدرجة الرئيسية في البعد الفلسفي والأخلاقي ، الى حقل مستقل هوالتقاليد الأستيتيكية. وهيوم لم يكن قد إكتفى بطرح حقيقة رابطة الشعر بالتقاليد الأدبية في كل مرحلة تأريخية بل إعتبر هذه الرابطة شيئا جوهريا للشعر ، وقد دعا الى إمتلاك كامل الوعي بها إذ ليس بمكنته ، كما لاينبغي ، أن يبدع في العزلة والفراغ بل في منظومة communion مع الشعراء الآخرين ، ومع القدامى قبل غيرهم. أما الوعي فهو مرتبط بإمكانية إختيار هذا التقليد أو ذاك. وشأن الحال مع الكاردينال نيومان الذي إكتشف في قوى التجديد الذاتي شرط التنامي الروحي إعتبر إليوت تجديد الشعرية وتقاليدها شرط الجدة في الشعر. والواقع أن في مسألة تبدل وتجديد التقليد الأدبي الذي إقترحه إليوت على الشعر المعاصر يقترب هو من مفاهيم بابيت وهيوم و يبتعد في مكان آخر. فهو قد رفض ، في الحقيقة ، التقليد الرومانسي الذي ألقى بثقله على القرن التاسع عشر بكامله ، ودعا الى مثال الكلاسية المحدّثة. إلا أنه أرسى هذه الكلاسية بأسلوبه الخاص. بالطبع وجدها حيث يهتدي الشاعر بشعارالمعرفة والعلم والعمل ويسترشد بالقواعد الأستيتيكية ويخضع للإنضباط التقني إلا أنه لايبني سكة هذا التقليد الكلاسي على الأنتيك وإستمراريته المنهجية فقط ، فإلى جانب شكسبير ينبغي أن يكون هناك دانتي و( الشعراء الميتافيزيقيون ) وعلى رأسهم دون Donne ووبستر Webster ودرايدن Dryden كذلك مالارميه ولافورج. وفي مفهوم إليوت ، وباوند أيضا ، لايكون التقليد والأعمال التي تمثله هو الماضي بل الحاضر بتياره المستمر ، والحضور. ومن موقع التأريخانية historicism التي كانت توّجها نحو الماضي تكلم إليوت عن ( الحس التأريخي ) الملزم في الشعر المعاصر والذي يعتمد ، وليس على الإكتفاء بهالات الجيل المعاصر بل الوصول الى إستنتاجات من حقيقة أن كل الشعر الأوربي ، من هوميروس لغاية الأدب القومي ، هو وجود متزامن كما أنه يندرج في نظام متزامن أيضا( راجع مقالته: Tradition and the Individual Talent ).
إن خط التقليد الجديد للشعر والذي يدعو إليه إليوت هو خط تطور الشعر صوب ما يسمى ب( الشعر النقي ) ، إلا أن هذا الشعر يفهمه إليوت بطريقة خاصة. فما يمنح الكيان لهذا الشعر هو أحوال التوتر الدالة والقائمة بين شتى العناصر التي تمر عبرها بصورة مستمرة وغزيرة كالفلسفة والبسيكولوجيا ونتاجات المخيلة وحتى الموسيقى. إذن فالشعر النقي يحمل مصادرا مضمونية تمثل شتى درجات التطور العقلي والروحي للإنسان وحتى التي تعود الى مرحلة ما قبل المنطق – pre والتي تكتسب عن طريق الشاعر وفي صوره الشعرية معنى إيجابيا وواسعا. فالصور الشعرية ، كما يفهمها إليوت وباوند كذلك بصورة قريبة مما أسماه جويس بتلك الصورة اللاهوتية – التجلي "3" ، هي التعبير في الجملة الشعرية التي يكون جوهرها الإيقاع الحامل للأفكار والصور. ومن هنا القول بأن الإيقاع هو الجزء الهيولي للدلالة. وعلى أساس هو الإقٌتناع بأن أكبر إنجاز للشعر هو خلق حالة التحسس التي لم يجرّبها المتلقي بعد ، يؤكد إليوت بشكل خاص على واجب الشعر إزاء اللغة أي حمايتها و إغنائها وجعلها أكثر كمالا.
يرى إليوت أن مهمة النقد ينبغي أن تكون موّجهة صوب الشعر وليس الشاعر. وهذا يفسر هجومه على ما أسماه سي.أس. لويس C.S.Lewis ب( الهرطقة الشخصية personal heresy )، وعلى نزعة البيوغرافية biographism و البسيكولوجية psychologism . وإعتبر إليوت المهمة الأولى في عمل الناقد الأدبي هي التحليل والمقارنة وضرورة الجمع بين مشغلي الشاعر والناقد. و بالإعتماد على شعرية أرفع التقاليد الأدبية قام إليوت ، كناقد ، بعقد مقارنات حرة وحالات تقريب بين شعراء لايسمح مؤرخ الأدب لنفسه بجعلهم متجاورين على صعيد البحث ( مثلا درايدن ومالارميه ). و بهذه الصورة تتبدل حالة ما سمّي في الماضي ب( علم الأدب المقارن الصرف). ونلقى اليوم طرازا جديدا من النقد المقارن. من ناحية أخرى تفادى إليوت ، من خلال طرح مادة النقد على النقد المقارن ، التعامل المنغلق مع العمل الأدبي ، ولكي لايكون شبيها ، كما يقول ، بالليمونة المعصورة بفعل التحليل الداخلي المفصّل.
ويجد النقديون الجدد الأمريكان أن آيفور ارمسترونغ ريتشاردز لم يكن راعيا للإتجاه الجديد حسب بل كان خالقه الحقيقي وحين طرح إشكالياته الرئيسية. ولنضف بأن أهمية مبادرته العلمية في مجال السيمياء قد تخطت بعيدا أطر الأبحاث الأدبية وبادرت بالإتجاه الحديث في الأبحاث المكرسة للثقافة والفن والتي كانت ذات أساس نظري متين تمثل بالسيميولوغيا. وحجر الأساس لهذا العلم الجديد كان مؤلف ريتشاردز و تشارلز. ك. أوغدين Ch. K. Ogden و ت. وود T.Wood من عام 1922( The Foundations of Aesthetics ) والذي هوجمت فيه الإنطباعية الهيدونية في النقد. وهذا الموقف غرتبط بمفاهيم جورج سانتايانا وقبل كل شيء بمؤلفه الذي وضعه مع أوغدين : ( The Meaning of the meanin ) . وفي نهاية فترة ما بين الحربين بدأت السيميولوغيا تتتطور في طريق خاص بها ( تشارلز موريس ) كما إحتلت مكانة كبيرة بين العلوم الإنسية في أثناء الحرب العالمية الثانية وما بعدها ( مثلا أبحاث ك. بوبير K.Popper في إنكلترا ورولان بارت ووسطه في فرنسا ومدرسة تارت السوفيتية – لوتمان وأوسبيينسكي ).
و في ابحاثه السيميائية مضى ريتشاردز في الإتجاه الذي حددته الفرضية الألسنية حول إعتماد دلالة الإشارة اللغوية على السياق ، أي في إتجاه البحوث الخاصة بالتعددية الدلالتية للإشارات في أحوال الإتصال اللغوي ، أي في الإتجاه المعاكس لأبحاث الوضعيين الجدد الفلسفية ( وبينهم برتراند رسل ولودفيغ فيتغنشتاين و كارناب – مدرسة فيينا )، وفي الأخيرلا يمكن الإستهانة بتساوق بحوث ريشتاردز السيميائية مع آراء الوضعيين الجدد والسلوكية أو العلائق القائمة بين نظريته والبسيكولوجية الجديدة والسلوكية و فلسفة بافلوف حول ردود الفعل الشرطية.
وعند معاملته اللغة كنظام للإشارات ، القائمة ، في الإتصال ، بوظائف متعددة إعتبر ريتشاردز إثنتين هما الرئيسيتان أي الوظيفة الرمزية التي تنقل الإشارة عبر الفكرة الى الشيء ، و الأخرى الإنفعالية التي تنقل الإشارة الى المشاعر والمواقف والأحكام، فالأولى تعود الى لغة العلم والثانية الى لغة الدين والأخلاقيات والدعاية السياسية والنقد والفن الأدبي والخطابي. وقد تناول الوظيفة الثانية بشكل خاص مؤلف ريتشاردز والمكرس لنظرية العمل الأدبي ونظرية النقد التي كانت أساسية بالنسبة للنقدية الجديدة:
( New Principjes of Literary criticismK ,1924 ). ففي هذا الكتاب صيغت الفرضيات الرئيسية عن العمل الشعري كنتاج لإستخدام خاص للغة وبمثابة كلّ دلالتي تكون عناصره اللغوية والكل في حالة إعتماد متبادل فيما يخص الدلالة ، وبذلك يكون ريتشاردز قد منح النقد ما يسمى بسياقية الأبحاث وقصرها على الأعمال الأدبية ( النقد الداخلي مع نبذ الآخر الخارجي ). ولقيت هذه إنتقاد معارضي النقدية الجديدة ومؤيديها المتحمسين على السواء. فهؤلاء جميعا وجدوا تناقضا في مواقفه: من جهة يطرح فرضية موضوعية عن العمل الأدبي أي إستقلاله عن معاناة الكاتب والمتلقي، ومن جهة أخرى قاده مفهومه حول الوظيفة الإنفعالية الى بسيكولوجية معيّنة مشبعة بروح الوضعية وتصبح فيها إنفعالية المتلقي معيارا في تقييم الأدب. برغم ذلك لاحظ معارضو ريتشاردز أنه ينحو ، في تأليفه، من البسيكولوجية صوب الفلسفة ، ومن معاملة الشعر كإنفعال صوب معاملته كنوع من المعرفة. وكان هذا هو الطريق الذي قاده فيه كولدرج بمكانته الفكرية التي فرضها ريتشاردز على ( النقدية الجديدة ). ( راجع: Coleridge on the Imagination,1934 ).
ويمكن القول إن ريتشاردز قد رسم في تأملاته السيميائية المطروحة في كتابه:
( Practical Criticism.A Study of Literary Judgment ,1929 ) ، نظرية للتجربة الأستيتيكية وأخرى للعمل الأدبي كبيان communiqué ، فدلالة المفردة اللغوية إعتبرها عملية توفيق بين دلالات ناشطة متفاعلة فيما بينها بصورة تكافلية ، وأن على اللغة ، وخاصة الشعرية ، أن تقوم في ذات الوقت بعدد من الوظائف المختلفة. وعند تحليله لمختلف أبعاد الخطاب يصل ريتشاردز الى تحديد أربعة طرز أساسية للوظيفة أي أربعة أنواع للدلالات ، ويسمّيها : المعنى ( مادة التفاهم مع المتلقي ) ، الشعور( العوامل الطوعية المؤثرة ) النغمة ( الموقف من المتلقي )، القصد الذي يوّجه فعل الكلمة في الخطاب. وفي الخطاب وأنواعه قد تكون الغلبة لإحدى الوظائف الأربع إلا أنها في حضورها المشترك تشّكل الخطاب سيميائيا.
ووجد معارضو ريتشاردز في هذه النظرية ضعفا يتمثل في أنها تقود الى لاأدرية في البحث ، فأزاء تعددية النص الدلالتية تزيل هذه النظرية معناه أو تجعله غير مدرك ( بفتح الراء ). كذلك فالتفسير البحثي لايكون ، والحالة هذه ، إكتشافا للمعنى بل فرض آراء المفسّر على النص. وبالفعل لايتردد ريتشاردز في مؤلفه ( The Phikosophy of Rhetoric ) في القول عن التفسير كإستنتاج وتكهن للمفسّر الذي مسك ، بدون عون خارجي ، أفكار الكاتب.
وكممثل للنقدية الجديدة ومواصل لمفاهيم ريتشاردز السيميائية إحتل و. إمبسن W.Empson مكانة كبيرة . وكان كتابه الأساسي ( The Seven Types of Ambiguity,1930 ) قد إعتبر من نجاحات النقد العلمي الكبرى. وصار منطلق الكتاب فرضيات إستاذه ريتشاردز حول التعددية الدلالتية للغة الشعر، ودعوته الى الفحوص السياقية. والملاحظ أن أمبسن إنقاد ، شأن أستاذه ، الى بسيكولوجية معيّنة عند تكريس الإهتمام لشتى الأسباب البسيكولوجية عند الفنان ، وشتى نتائج أحوال معاناة متلقي النص بسبب تعدديته الدلالتية.
ومن خلال تحليل أعمال مختارة من الأدب الإنكليزي أظهر إمبسن سبعة طرز من تلك التعددية الناشطة شعريا. وبهذه الصورة أرسى أسس تصنيفية typology هذه الظاهرة. الطراز الأول هو العبارات phrases التي ( تحدث في ذات الوقت آثارا مختلفة ) عندما تتشابك في مختلف أبعاد العمل الأدبي البنيوية، والثاني هو العبارات التي يثير عدد من دلالاتها لدى المتلقي إنطباعا واحدا، والثالث هو العبارات ذات الطابع الإيهامي ( بالفرنسية calembour ) حيث تؤثر ، بصورة تزامنية ، دلالاتان فيها ، تبدو الواحدة غريبة عن الأخرى ، على وعي المتلقي عن طريق إسقاط التصورات. والطراز الرابع حين يخدم تناقض الدلالات مسألة التأكيد على الحالة المعقدة لفكر المؤلف ، والخامس حين ( تقفز ) الدلالات في أثناء جملة واحدة من مجاز الى آخر مما يسجل في ذات الوقت غنى فكر المؤلف وفوضاه أيضا. والسادس هو حين يناقض المؤلف ، عن عمد ، نفسه وبذلك يحرم المتلقي من القدرة على مسك أفكاره، والطراز السابع حين تشير التعددية الدلالتية للكلمات الى الإنقسام الجوهري في فكر المؤلف والذي يكون في بعض الأحيان ذا طبيعة باثولوجية.
والى جانب إمبسن لعب ف . ر. ليفيز Leavis دورا حاسما في إنتصار ( النقد الجديد ). وبإقتفائه خطى إليوت قام بإنقلاب معاد للفكتوريانية فيما يخص التقليد الأدبي ، إذ رأى أن قيم العمل الأدبي المشغلية والأخرى للشكل واللغة لاتقررها قابليات المؤلف وحدها بل قيم أخلاقية معيّنة لديه وإلتزامه بالحياة الإجتماعية ومعرفته العامة والأخرى الذاتية و إحساسه بما هومهم للحياة الفردية والجماعية ، ومدى حبه للعالم ، وسوية مع كل هذا يكون الأدبي ، وليس الأديب ، مادة البحث في النقد الذي يهتم بالمؤلف بالقدر الذي يقرر فيه القيم ( الشكلية ) لعمله – وحدته وتعقيده ، الدينامية ، حيوية التقديم إلخ. وبالإعتماد على مثل هذه المعايير في التقييم تناول ليفيز بالنقد المراتبية التي كانت سائدة في تأريخ الأدب الأنكليزي مبيّنا عقم معايير النقد الذي حابى الأعمال الأدبية الموائمة لمعاييره ولم يلتفت طويلا الى الأخرى التي خدمت تطور المشغل الفني. وفي نقده أعلى من شأن أدباء معينين( جين اوستن ، جورج إليوت ، جوزيف كونراد ، هنري جيمس ، د.ه . لورنس ). ويعّد كتاباه ( New Bearing in English Poetry , 1932 ) و الآخر ( Revaluation , 1936 ) ثورة في الآراء الإنكليزية في الشعر رسّخها فيما بعد كتابه ( The Great Tradition ,1948 ).
والى جانب هؤلاء المنظرين البارزين الذين يعدون الممثلين الرئيسيين للنقدية الجديدة الإنكليزية نشط عدد كبير من كتاب ونقاد المجلات المرتبطة بها ، كذلك كان كبيرا إسهام كتاب كبار من ( النقد التخصصي ) بينهم هنري جيمس و ييتس وفرجينيا وولف حيث تناولوا إشكالية فنية العمل الأدبي كعالم مستقل ومغلق على ذاته. وكان الإعتراف والتقدير اللذان لقيهما النقد الجديد والآخر ( المتخصص ) قد أثار حماس كولدرج مؤلف( Biographia Litteraria ) وودورث ، رغم النزعة المعادية للرومانسية في هذه النقدية الجديدة.
كانت سكة التطور الثانية للنقدية قد بنيت في الولايات المتحدة إلا أنها كانت ذات وجهة خاصة تميزت بالنزوع صوب الحلول الحدّية والهجوم الشامل وليس فقط على الوضع القائم في الأستيتيكا والنقد بل مصادره الإقتصادية – السياسية والثقافية. والواقع أن النقد الأدبي ونظريته كانا في الربع الأول من القرن العشرين مرتبطين بصورة وثيقة بالقضايا الإجتماعية والسياسية في أمريكا من خلال موقفين : إما تمثيل الوضعية في مجتمع مشبع بالبيوريتانية ويمجد نموذج ( رجل الأعمال ) و إما معارضة الواقع القائم من مواقع فكرية وفلسفية وأستيتيكية بالغة التباين. وكانت القضية الأساسية التي إلتزمت بها إتجاهات مختلفة في النقد الأدبي وقبل تبلور النقدية الجديدة ، هي قضية نموذج الثقافة الأمريكية. وكان هناك النموذج الذي إقترحه مؤيدو الروح الأمريكية والآخر الكوزموبوليتي أي المؤرب. ودفعت مشكلة إختيار التقاليد للفن المعاصر نظرية النقد الى البحث عما يسمى ب( الماضي الصالح usable past ).
وفي مطلع الثلاثينات تقدمت كثيرا مواقع النقدية الجديدة في أمريكا ، وكانت العلائم الأولى في عام 1930 حين صدرت مجموعة مقالات ، مع مقدمة بعنوان ( I will Take my Stand ) كتبها إثنا عشر من منظري الولايات الجنوبية الداعين الى ( الطريق الجنوبي Southern Way ) المعارض للطراز الصناعي الشمالي. والواقع أن بدايات هذه النقدية تعود الى فترة الحرب العالمية الأولى عندما إحتك النقاد الأمريكان الشباب بحركة التجديد الأوربية. وكان ما يوّحد جميع ممثلي النقدية بمختلف مشاربها، معارضة الوضعية المعاصرة في مختلف قطاعات الحياة ، ومفهومها عن العالم والثقافة والفن والعلم ، والإحتجاج على إخضاع القيم لمعيار النفعية ، ومن هنا موقفهم المعارض للأبعاد الأخلاقية في الإنسية الجديدة لبابيت ومور. لقد رأوا أن الأدب شكل للمعرفة وطارح للحقائق لكن من خلال لغته الخاصة. وهكذا جاء تأكيدهم في البحث الأدبي على الإشكالية السيميائية والدعوة الى النصّية textualism والنقد الداخلي. ونتيجة لإختفاء النظام الأخلاقي والإجتماعي والنموذ ج المرجعي لعموم الناس يجد ( النقاد الجدد ) أن العالم يعاني من ( تشتت الحساسية ) وفي المحصلة يلجأ الشاعر والمتلقي على السواء الى ( الرؤية الخصوصية للعالم ) وبذلك تعرضت للأخطار القدرة الإتصالية في الشعرأي طرح المعرفة والحقيقة. وهكذا فالمهمة الأساسية للنقد تكون إستخلاص تلك ( الرؤى الخصوصية ) للشعراء والتغلب على الأخرى لدى المتلقين الذين يكونون ، في المحصلة ، متلقين لحقيقة الشعر الداخلية. كذلك علق هؤلاء النقاد أهمية خاصة على مسائل الطرائقية ومباديء التحليل السيميائي مما يفسر إحتجاجهم الشديد على النقد الإنطباعي.
وكان جون كرو رانسوم الناطق بإسم النقدية الجديدة ومنظرها وفيلسوفها قد إهتم بشكل خاص بالمسائل الأنثولوجية للأدب الذي رآه وجودا قائما بحد ذاته ولايمت بصلة الى واقع نظام الوجود ، فللأدب قانونه الخاص المغاير ل( واقعنا ) المتبدل والمتوجه بدون توقف الى الماضي. ولذلك يكون قولا خاطئا إن الشعر يديم لحظات الواقع التي إنقضت. وحين ينشط الشاعر في أطر نظام خاص للوجود إنما ( يتكرس ) ، بشكل ما ، لشيء واحد فيه – شيء فعلي ، فردي غير منته في نوعياته. ومهمة الناقد هي العثورعلى هذا الشيء ومسكه ومنحه الهوية ، ووصفه مع مراعاة نزعة التعميم في محيط الأشياء ، ومن نواح كثيرة بمساعدة مصطلحات ( معمّمة ) كالقص والشخصية وحلبة الأحداث. وهذا يبدو أمرا سهلا فيما يخص العمل النثري إلا أنه صعب في منطقة الشعر. من ناحية أخرى يتطلب الأمر القيام بعملية معيّنة هي محاولة التفسير وفق التجارب ( الدارجة ). أكيد أن النثر يخضع لهذه المحاولة، أما الشعر فلا ، إذ ان صفة الشعر الجوهرية هي أن أشياءه قد نمت عضويا في كيان الشعر ، في بنيته وشكله. إذن يختلف رانسوم ، هنا ، عن بقية ( النقاد الجدد ) حين يرى الشعر شيئا مستقلا ذا أبعاد كثيرة يحوّله الشاعر الى عالم مغلق من خلال عملية ( التكوين ) الباردة.
ومن الأسماء البارزة في ( النقد الجديد ) كان ألن تيت A. Tate الذي دخل معاركا طويلة مع الوضعيين الجدد الذين سعوا الى حصر لغة الشعر بلغة الإتصال ( العادية ) . فهو قد وجد أن الشعر ليس عالما للمعرفة القابلة التجديد والإختبار كما أنه ليس إسقاطا لها ، فهو كلّ معيّن للمعرفة مما يتيح لنا مطالبته بمسؤولية من نوع خاص ورؤية الإنعدام المؤقت للمسؤولية فيه أيضا. وهذا الوضع في الشعر يجعل منه أمرا غريبا على الإعلام الصحيح. ويطرح تيت هنا مثالا على ذلك : لا الخطا في الترجمة ولا الدلالة denotation تقود الشعر الى اللامعنى . وللتأكيد على الحقل الدلالتي في العمل الأدبي يقترح تيت مصطلح التوتر tension الذي ليس هو بمجاز ما تعميمي بل هو خصوصي للغاية نهض من خلال نبذ أداة سبق prefix لمصطلحين منطقيين : الإتساع
Extension والقصد intention . وهذا يعني كل ما يوميء إليه في العمل الأدبي التحليل من موقع رؤية الإتساع و القصد. و يصل تيت الى القول بأن الشعر الجيد هو وحدة جميع الدلالات – من أبعد أطراف ( الإتساع ) و( القصد ). هكذا يلزم التحليل السيميائي النقد الأدبي في مناطق كبيرة للدلالة والتضمّن connotation للمادة اللغوية في العمل الأدبي وصياغاته المعقدة. كذلك نلقى لدى تيت مفهوما للتقاليد يكون بمثابة صيغة أصيلة لراي إليوت وهو أن كل شعر حي يعود الى الزمن الحاضر ولأن إنسان هذا الزمن يعيشه وهو يضع الشعر في الزمن ويحكم عليه بفضل ( مخيلته التاريخية ).
و يعتبر يفور ونترز Y. Winters الأكثر راديكالية من رانسوم و تيت في ميادين المنهج التحليلي. كان عدوا للرومانسية وأصولها في الشعر الأمريكي من نهاية القرن التاسع عشر، كذلك عرف بمناوءته للفهم النفعي – الوعظي والهيدوني للأدب وشتى أنواع الجبرية. وقد أخذ بمفهوم في الفن مشبع بالإيمان بالقيم المطلقة : ( أنا أؤمن بأن العمل الأدبي ذا القيمة يقرّبنا من الفهم الحقيقي للواقع ، وهو يطرح بشكل خاص الحقيقة الموضوعية ). فالقصيدة تدور بكلماتها حول التجربة الإنسانية، وحين يلجأ الشاعر الى التصورات إنما ينشط في منطقة التجارب الإنسانية، وبشرط واحد: ليس على التجارب الممثلة( بفتح الثاء ) في الشعر أن تكون حقيقية بالضرورة بل محتملة. ومثل هذا الراي يفترض التبرير العقلاني للإنفعال المطروح في الشعر ، وبدون هذا الإنفعال لاتكون التجارب مفهومة.
إذن فكامل الحقيقة الموضوعية هي المملكة الجوهر للشعر ، ومنها يستمد كل عمل شعري محتواه الذي يكون شكله في الوقت نفسه.
أما ر. ب. بلاكمر R.P. Blackmur فكان داعية متطرفا للنقد الثيمي textual . وكان قد أرسى آراءه على ما يسمى بنظرية العمل الأدبي العضوية ، والتعامل مع الأدب بالبعد الشكلاني ، مطالبا إياه بلغة الشكلانية بالفحص الدقيق والمثابر للبعد الألسني والصوري – اللغوي والبحث البنيوي للقصيدة . كذلك يحتل مكانا خاصا في تأريخ النقدية الجديدة الأمريكية كلنث بروكز
C. Brooks الذي وجد أن مادة إهتمام النقد ينبغي أن تكون سيمياء العمل الأدبي. وكان قد وجد ان الصفة المميزة للغة الأدب ، والشعر بالدرجة الأولى ، هي المفارقة paradox والمجازية النابعة من حقيقة أن الشاعر يتكلم عبر احوال التماثل.
وهناك ناقدان ومنظران بارزان آخران يقرن إسماهما عادة بالنقدية الجديدة أو بالأحرى هامشها ، فهما قد إبتعدا عن مبادئها الأساسية. الأول هو أدموند ولسن الذي أجاد إستخدام المنهج التحليلي ، كما عرف بتفسيره القائم على مدرسة التحليل النفسي الفرويدية ( مثلا أعمال هنري جيمس وجويس ). والناقد الثاني هو كينيث بورك K. Burke الذي يعّد منظرا بارزا للفن ولغة الأدب . وما أبعده عن النقدية الجديدة موضوع إستغلال كامل المعرفة ، في الأدب ، للتعبير عن تعقد العالم المعاصر ، و قد دفعه هذا الأمر صوب الأنثروبولوجيا عند فحص الأبعاد الرمزية للكلام والدلالة ( راجع كتابه من عام 1941:The Philosophy of Literary Form ).
وكان الإزدهار الكبير للنقدية الجديدة في أمريكا ما بعد الحرب قد عمل على تطور الدراسات الجامعية المكرسة للأدب واللغة بالدرجة الرئيسية. أما الجهات المناوئة لها فتمثلت بما يسمى بالنقد الداخلي المعتمد على مفاهيم الأرسطوطاليسية الجديدة التي أخذت بها ( مدرسة تشيكاغو ) والتي سعت الى التدليل على أن لغة العمل الأدبي هي مجرد وسيطة مادية تطرح على المتلقي مضامينا قررها المؤلف. وقد تزعم مدرسة النقد الداخلي ر.س. كرين R.S. Crane .كذلك إقتربت النقدية الجديدة كثيرا من مدرسة البنيوية في اللغة والأدب والتي وجدت فيها حليفا في المعركة ضد الإتجاه المسمى بالبسيكولوجية. وفي نهاية الستينات بدأ هجوم شامل على الإتجاهات الشكلانية النابعة من النقدية الجديدة بالدرجة الرئيسية. وكان مبعثه الإتجاهات البسيكولوجية والأخرى التأريخية – السوسيولوجية.

هوامش المترجم:

"1" نيكولاس بوالو – دبريو (1631-1711) N. Boileau – Despreaux شاعر وناقد فرنسي مؤلف ( فن الشعر ) ، ويعّد المؤسس للكلاسية المحدّثة الفرنسية والأوربية.
"2" تعني الكلمة الرداء المتكون من قطع نسيج مختلفة ، وفي الأدب تعني مؤلفا قوامه مقاطع وأجزاء من أعمال مؤلف واحد أو عدة مؤلفين – خليط أدبي.
"3" كلمة Epiphany تعني باليونانية التجلي ، وبالمعنى الديني العيد الكنائسي للغطاس ، عيد الظهور.



ستيفانيا سكفارجينسكا: باحثة بولندية

عدنان المبارك
روائي وناقد ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك
iraqstory2@gmail.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث