الأحد, 23 تشرين الثاني 2014
   
صدرت حديثاً عن منشورات "مومنت كتب رقمية" Moment Publications في بريطانيا               رواية جديدة بعنوان "سلاطين الرماد" للكاتب العراقي سعد هادي، بطبعتين، ورقية والكترونية              
النص الروائي وأسئلة القراءة
حسن سرحان
النص الروائي وأسئلة القراءة
امبرتو ايكو
تطرح الكتابة الروائية جملة من القضايا المرتبطة بطبيعتها ووظيفتها. ولمحاولة رصد هذه القضايا ذات الطبيعة الإشكالية عملت المناهج النقدية المختلفة على بناء مجموعة من التصورات النظرية ونحت عدد من الأدوات الإجرائية التي تمكنها من استيعاب الخصوصية الشكلية للنصوص الروائية وضبط إمكاناتها الدلالية وامتداداتها التي يسمح بها فضاؤها التخييلي.

لكن المتتبع لهذه المناهج سواء في خلفياتها النظرية والإبستيمولوجية أو في تحليلاتها ومعالجاتها الإجرائية يلاحظ نوعا من النوسان بين الجمالي والمرجعي في طريقة مقاربة هذه النصوص، تختلف صيغه وتجلياته حسب درجة حضور هذين القطبين اللذين لا يمكن أن يستقيم من دونهما العمل الروائي باعتباره شكلا رمزيا يعتمد اللغة أداة مركزية في السرد والإحالة.

وإذا كان الحيز الزمني المخصص لهذه المقاربة لا يسمح باستعراض كل المناهج التي تتخذ من النص الروائي موضوعا للدراسة وأفقا للتفكير، فإن هذا لا يمنع من الإشارة إلى نقط التقاطع و/أو القطائع القائمة بين مجموعة من المناهج ذات الحضور والانتشار الواسع في المعالجات النصية. والمقصود هنا بالتقاطع ذلك الغزو المشروع الذي تشنه مجموعة من المفاهيم المنتمية إلى نسق فكري معين على تصورات نظرية أخرى لا تتقاسم بالضرورة جذرا إبستيمولوجيا مشتركا. وتختلف صيغ وطرائق هذه التقاطعات، أولا، باختلاف خصوصية الإبستمي الذي يؤطر معرفيا كل منهج على حدة، وثانيا، تبعا لخصوصية العناصر الشكلية المتحكمة في النص الروائي نفسه. فما كانت تعتبره نظرية الرواية عند لوكاتش G.Lukacs مثلا البنية المهيمنة لم تعد كذلك عند جنيت G.Genette وكريماس A. J. Greimas وغيرهما ممن يشتغلون في إطار الشعرية البنيوية، بل وحتى في إطار ما يسمى الشعرية التاريخية والشعرية الاجتماعية عند ف. آمون ph. Hamon بالتحديد.

وهذا الطرح النظري المرتبط بالوضع الاعتباري لهذه التصورات التي تشتغل على النص الروائي، يتأسس على افتراض مركزي قائم على بداهة جوهرية ترى أن أي معالجة نصية للرواية لا يمكن أن ترصد إلا زاوية معينة منه ومن موقع معين. وتأخذ هذه الاستحالة في استنفاد الخصوصية الشكلية والامتدادات الدلالية انطلاقا من مقاربة واحدة شكلين يخضعان لنوع من الاشتراطات تحكمهما الصيرورة الشكلية للنص الروائي نفسه:

يتعلق الشكل الأول بأسئلة الاشتراطات الظرفية. وفي هذا الإطار يمكن إدراج أعمال لوكاتش باتجاهيها الهيجيلي والماركسي. ففي كتابه « La théorie du roman »(1) كان مسكونا بهاجس الإجابة عن أسئلة تتعلق بالشروط الظرفية المسؤولة عن ميلاد الجنس الروائي. وقد سعى إلى رصد نقط التقاطع والالتقاء القائمة بين الملحمة والرواية من خلال ضبط التحولات التي تقف وراء كل شكل أدبي. وإذا كان الأدب الملحمي مشروطا بمجموعة من المعطيات التاريخية، فإن الجنس الروائي وعلى العكس من ذلك تماما يفرض نوعا من التعارض بين الذات والعالم الخارجي. من هنا، تصبح الرواية هي الشكل الجدلي للملحمة:

"إن الاختلاف القائم بين الملحمة والرواية لا يكمن في الاستعدادات الداخلية للكاتب، بل في المعطيات التاريخية ـ الفلسفية التي تفرض نفسها على إبداعه. إن الرواية هي ملحمة عصر حيث الكلية الممتدة للحياة لم تعد معطاة بشكل مباشر، عصر أصبحت فيه محايثة المعنى بالنسبة للحياة معضلة، لكنها مع ذلك لم تكف عن الطموح إلى الكلية"(2).

إذا كان الشكل الأول مرتبطا بالاشتراطات الظرفية فإن الشكل الثاني تحكمه اشتراطات معرفية، وينطلق بعضها من مقدمات مغايرة تتوسل بأدوات إجرائية تراهن على نوع من التوصيف الشكلي والمحايث الذي لا يلغي في الوقت نفسه إحالة على العالم المرجعي. ومن هذا المنظور، يقدم باختينM.Bakhtine (3) قراءة مختلفة عن الطرح التاريخي بالمفهوم الذي وظفه به لوكاتش. وتكمن فرادة هذه القراءة في كون محاولة باختين في تنظيره للرواية تتجاوز الربط الآلي بين ظهور الرواية والتحولات الاجتماعية المتحكمة في المجتمع الغربي الحديث. وبالتالي، فقد عمل على رصد جملة من المكونات التركيبية التي يتأسس عليها الجنس الروائي من منظور علائقي يربط بين البعدين الداخلي والخارجي. فالنص الروائي عنده ليس نقيا بل يمثل ملتقى لمجموعة من النصوص ذات مرجعيات مختلفة.

وبحثا عن الجذور الشكلية المسؤولة عن ميلاد الجنس الروائي يعود باختين إلى الماضي البعيد إذ يلاحظ أن الحوار السقراطي والهجاء المينيبي والكرنفال تشكل الدعائم الأساس التي أسهمت في تبلور الشكل الروائي. إلا أن هذه المعطيات لا يمكن اعتبارها عناصر كافية لتحليل النص الروائي. من هنا يعمد باختين إلى تحديد العناصر الجوهرية المشيدة لبناء الرواية يختزلها في ما يسميه "صورة اللغة" التي تتجلى نصيا في مفاهيم التهجين والأسلبة والباروديا، والتي لا تقيم مسافة بينها وبين المرجع ما دامت هذه المفاهيم صورا للغات اجتماعية قائمة الذات.

وتصل هذه القطائع درجة قصوى مع الشعرية البنيوية، وخاصة الجانب المرتبط منها بالسرديات والسيميائيات، بحيث أصبح النص الروائي كيانا مستقلا بعوالمه التخييلية الموازية التي تشكل ـ في إطار هذين التصورين ـ أفق المعالجة والتحليل، مع نوع من التباين والاختلاف في طريقة المقاربة بين هذا التصور أو ذاك، أو بين اتجاهات ومسالك تخصص التصور الواحد. فـ "جنيت"G.Genette (4) ليس هو "لينتفلت" J.Lintvelt(5)، وهذا الأخير لا يستنسخ طرائق التحليل عند "مايك بال" M.Bal(6) أو "برانس" G.Prince(7) أو "روسوم غيون" F.V. Rossum-guyon(8). كما أن النسق الإجرائي عند مجموعة "أنتروفيرن" Groupe d’entrevernes(9) يختلف عن نسق كل من "أدان" J.M Adam(10) و"كورتيس" J.Courtès(11)، وإن كان هؤلاء كلهم ينطلقون من مرجعية نظرية مشتركة تتمثل في تصور كريماس العام.

لكن، في الوقت الذي أرخت فيه هذه الدراسات لمفهوم القطائع عملت، من الناحية الأخرى، على ترسيخ مفهوم جديد يتمثل في ما يمكن أن يسمى التقاطعات الإبستيمولوجية التي نهضت على أنقاض المفهوم القديم "القطائع الإبستيمولوجية" بمدلول باشلار. وقد بلغ هذا المفهوم مع المحاولات اللاحقة درجة من الوضوح والتناسل وخاصة مع "زيما" P. Zima(12) الذي يطرح قراءة جديدة يتقاطع فيها الاجتماعي بالسيميائي. كما أسهمت هذه المرحلة النوعية من الوعي النقدي في تدمير الحصون والأسوار التي كانت تسيج كل منهج على حدة، وجعلت أصحابها يقترضون مفاهيم ومصطلحات منتمية إلى تصورات نظرية أخرى قصد ترميم التصدعات التي تحدثها النصوص في مناهجهم. وهذا الوعي النقدي، وإن لم يؤد إلى النفي الكلي للقطيعة الإبستيمولوجية بين المناهج فإنه وضعها موضع تساؤل.

من هنا فـ "زيما"، وفي إطار منهجه السوسيو نقدي، يلتجئ في بعض تحليلاته إلى حقل السيميائيات في أفق البحث عن نسقية مفهومية وإجرائية قادرة على استيعاب ما يمكن أن يصبح منفلتا من الرصد إن هو اكتفى باعتماد المنهج السوسيونقدي بحدوده النظرية المعروفة. وهذا ما جعله يراكب بين مفهومين منتميين إلى حقلين نظريين متباينين وهما "البرنامج السردي" و"اللامبالاة"، إذا لاحظ أن الذات اللامبالية لا يمكن لها أن تنجز برنامجا سرديا ناجحا كون هذا الأخير يفترض شفرة دلالية مؤسسة على التعارضات والاختلافات المرتبطة بالقيم الثقافية والاجتماعية التي تصادر عليها الذات بعد مرحلة التحريك. وهذا ما يسميه كريماس "الكون الأخلاقي".(13)

وفي السياق نفسه حاول ف. آمون (14) تقريب الهوة بين السرديات والسيميائيات من خلال إدراج العنصر الوصفي في سياق سيميائي ليصبح أحد العوامل الستة المكونة للجهاز الإجرائي عند كريماس. أما أمبرطو إيكو (15) U. Ecoفيدفع بهذه الاشتراطات المعرفية إلى أقصى درجاتها وتجلياتها بحيث لم يعد الأمر مقتصرا على اقتراض مجموعة من المفاهيم والأدوات من تصورات نظرية محددة مثل البنية العاملية بصيغتها المعروفة عند كريماس، بل حاول الاستئناس بأدوات إجرائية منتمية إلى حقول معرفية متنوعة ومختلفة (الرياضيات والمنطق والذكاء الاصطناعي)، وذلك في أفق البحث عن نسقية نظرية تملك قدرا من الملاءمة والانسجام تجعلها قادرة على استيعاب جل العناصر الشكلية المتحكمة في النصوص السردية.

بعد هذا العرض المختزل لأهم المراحل التي مر منها الوعي النقدي في شقه المرتبط بالرواية يحق التساؤل: هل أجابت فعلا هذه المحاولات وغيرها عن الأسئلة المباشرة والضمنية التي يحفل بها العالم التخييلي للنص الروائي؟ وهل تمثل المحاولات اللاحقة قطيعة حقيقية مع سابقاتها؟ ألا يمكن أن تقرأ النصوص الروائية الحديثة من منظور لوكاتش وهيجل وحتى شليغل؟ ألا تقل النصوص الروائية الحديثة تعبيرا عن إشكالية الفرد داخل لصيرورة الاقتصادية التي تمحي فيها أدنى شروط الكينونة البشرية؟ هل يمكن استنفاد عناصر البناء والدلالة النصية انطلاقا من منهج معين مهما بلغ سجله التناصي وأدواته المستعارة؟ وهذا القصور؟ هل هو قصور في آليات القراءة أم في الفضاء النصي نفسه؟ وبعبارة أخرى، هل يؤشر هذا الوضع على أزمة النقد أم على أزمة النص؟ وما موقع بعض النصوص التي تزاوج بين الروائي والنقدي من داخل عالمها الحكائي؟ وإذا كان هذا النوع من الكتابة الروائية يندرج أصلا في سجل قرائي له منطلقاته النظرية الخاصة إسوة بباقي السجلات الأخرى، هل يمكن اعتبار هذه الكتابة مجرد ترف نظري أم هي تعبير عن مدى قصور هذه المقاربات لتعذر تطويق ما هو في صيرورة وقيد التشكل؟ وهذه النصوص نفسها هل أجابت عن كل الأسئلة المرتبطة بالنص الروائي كتابة وقراءة؟

تمثل النصوص الروائية التي تراكب بين النقدي والسردي في بناء معماريتها الشكلية تجربة نوعية في تاريخ الكتابة السردية. وتكمن فرادة هذا النوع من الكتابة في كونها تتجاوز مفهومي القطائع والتقاطعات بالشكل الذي تم توظيفه بهما في الفقرات السابقة، لكن دون أن يعني هذا أنها قدمت إجابات نهائية وحاسمة عن أسئلة القراءة ومعضلة الكتابة الروائية. ويكمن هذا التجاوز في كونها لا تنتمي إلى المؤسسة النقدية بمفهومها الأدبي طبعا. من هنا بدل القطيعة الإبستيمولوجية تحقق هذه النصوص قطيعة جنسية، بحيث لم يعد الخطاب النقدي في هذا السياق فعلا مواكبا لعملية الكتابة من الخارج، بل أصبح النص الروائي يقرأ نفسه من الداخل وبشكل يتعذر معه العزل بين السردي والنقدي. وهذه القراءة لا تعني بطبيعة الحال انغلاقا تاما على الذات لأن القضايا التي تطرحها تمس في الأصل ما تعتبره هذه النصوص قصورا في الأجهزة المفهومية التي تحكم تحليلات المناهج النقدية السائدة. من هنا فإن هذه النصوص في الوقت الذي تقرأ فيها نفسها تجيب ضمنيا عن مجموعة من الأسئلة المتعلقة بطرائق وصيغ انتقال العالم التجريبي إلى العالم النصي أثناء الكتابة.

وللتدليل على هذا الطرح يمكن الانطلاق من حقيقة بدهية ترتبط بكون التاريخ الأدبي للجنس الروائي لم يسجل محاولات تحنيط في أشكال قارة وجامدة. فقد مر هذا الشكل التعبيري بمجموعة من المراحل وتناوبت على فضائه النصي عدة تيارات أدبية وفلسفية، لكنه لم يستكن قط لأي تطويق شكلي يحد من حريته باعتباره أداة للتعبير. بل بلغ درجة من الوعي الذاتي بحيث بدأ يزاوج بين الإبداع والنقد بشكل جعله قادرا على الدفاع عن نفسه من داخل عالمه الحكائي. وقد أدى هذا الربط النصي بين الممارسة الإبداعية والممارسة النقدية إلى توليف جديد ونوعي للمعادلة النصية. نحن إذن أمام ما يمكن أن يسمى "أطروحة شكلية" يحاول المؤلف تمريرها إلى المتلقي.

والمقصود بـ "الأطروحة الشكلية" هذه الاستراتيجية النصية التي تفرض على المتلقي الانطلاق من موسوعة نظرية مغايرة تسمح له بضبط البنية التركيبية والدلالية للمحكي. وتختلف نوعية هذه الأطروحة باختلاف الأداة الشكلية الموظفة. وهذا ما تراهن عليه الرواية ذات البنية التقعيرية (16) في مقابل الرواية ذات الاستقطاب الإيديولوجي. لكن، هل هذه "الأطروحة الشكلية" تقتضي عزلا للمحتوى واستقلالا عنه؟ وبعبارة أخرى، هل يمكن اعتبار "التقعير" تنويعا على مقولة "الفن للفن"؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكون بالنفي. لأن الأطروحة الشكلية لا تُستثمر في هذا النوع من الكتابة الروائية لتحقيق غاية جمالية صرف، ولا تجسد تميزا شكليا خالصا يقوقع النص في متاهة من الخطاطات التجريدية التي تحوله إلى خرائط هندسية معلقة في السراب.

هكذا يصبح ما يسميه ريكاردو J. Ricardou "وعي المحكي بذاته" (17) إسقاطا أو صورة لوعي المؤلف بذاته. ولإبراز الخصائص التي تميز هذا الوعي، تأتي الملفوظات الميتاسردية لتجيب عن أسئلة: كيف أكتب؟ ولماذا أكتب بهذه الكيفية؟ أي تأتي لتقرأ هذه الخصائص الشكلية نفسها. لكن هل تنتهي عملية القراءة الداخلية عند هذا الحد؟ وما موقع القارئ ضمن هذه المعادلة النصية؟

يستدعي هذا الوضع الاعتباري للقراءة تحديدا أكثر دقة. فأن يقرأ النص الروائي ذاته لا يعني الاستغناء عن المتلقي. إذ لا بد على الأقل من محفل يستطيع أن يبرز كيف ينعكس هذا النص على مرآة ذاته. هكذا، ففي الوقت الذي يشرط فيه النص متلقيه، يعود هذا الأخير ليحاكم النص من خلال موضعته ـ معرفيا ـ في إطار إبستمي معين ومن خلال تحديد المدى الذي يمثل فيه انزياحا عن الخط ـ المعيار.

وبهذا المفهوم، تتقاطع الاشتراطات المعرفية التي ينطلق منها النص ومتلقيه. فالقارئ ليس منشفة من ورق تمتص دونما مناقشة ما توجهه إليه البدائل النصية عبر إبرازها لقواعد اللعبة السردية، أي الشفرة المعتمدة خلفية في صياغة العالم المحكي. وبمعنى آخر، ليس كل نص يوظف مفهوم التقعير، وبالتحديد "تقعير الشفرة" (18) قادرا على خلخلة ما يعتبره ضمنيا متجاوَزاً وفاقدا لمشروعية استمراريته. وفي هذا المستوى، تصبح الذخيرة المعرفية للمتلقي هي التي تشكل معيار التصنيف.

هكذا نكون أمام نوع جديد من "الاستقطاب الشكلي". وهذا الاستقطاب لا ينبغي أن يتخذ من النص الروائي ذريعة لنشر عقيدة شكلية ما ولو اندرجت تحت عنوان التقعير نفسه. فلا معنى لهذه التقنية إن أصبحت غاية في ذاتها وليست وسيلة أو أداة فقط وظيفتها هي أن تعكس مقصدية معينة. فحين تمرر خطابها الشكلي تمرر، في الوقت نفسه، معرفة. وعلى قدر جدة هذه المعرفة وأهميتها الإجرائية تكون نتيجتها في إقناع المتلقي أو فشلها في ذلك.

لكن رغم ما قيل عن هذه المقصدية يبقى هناك مكان لسؤال عريض: هل هناك حدود فاصلة بين "التمثيل الذاتي" والتمثيل؟ على المستوى النظري، لا يتحدد التمثيل باعتباره معرفة حول الواقع بقدر ما هو عرض لمستويات هذا الواقع (19)، وهذا ما يسمح بإعادة النظر في مجموعة من المفاهيم وفق أسس معرفية جديدة. ومن بين هذه المفاهيم "الواقعية". فالمقصدية الواقعية للعمل الأدبي تفترض أن الذات العارفة يجب أن تكون مستقلة عن الشيء موضوع التمثيل، أي يجب أن تحدد باعتبارها فردا يعي الواقع ويحس به في زمن معين. ولا يكون هناك "تمثيل" إلا من خلال زمان ومكان، وبواسطة شخصية وفعل يعكس علاقة هذه الشخصية بمواضيع هذا المكان والزمان (20).

هناك، إذن، معرفة بالواقع لأن هناك حضورا وسلطة للذات العارفة. وهذه المعرفة ليست جلية ونهائية كونها مرتبطة بفرد واحد. وفي الوقت الذي ترتبط فيه هذه المعرفة بمجموعة من الأفراد فإن الواقعية، آنذاك، تصبح مجرد توضيع (objectivation)، ومن هنا تأتي الطبيعة الازدواجية للواقعية(21).

من هذا المنظور، لا يتناقض "التمثيل الذاتي" الذي يعتبر "التقعير" نموذجه المكتمل، كلية، مع "التمثيل". فـ "التمثيل" لا يمكنه احتواء الواقع لأنه ليس صورة طبق الأصل له، كما أن "التمثيل الذاتي" لا يمكنه أن يكون شيئا غير قابل للتحقق لأن اعتباطية الخطاب تحكمها دائما وظيفة اتفاقية (22).

ومن زاوية أخرى، فإن مفهوم "التمثيل"، بمدلوله الاستنساخي، لا يمكن أن يتحقق نصيا، لأن الأداة التي يعتمدها النص في إحالاته هي اللغة. واللغة ـ مثل النظرة ـ لا تستطيع أن تنقل "الواقع" بكل تفاصيله الدقيقة، بل تقطعه إلى "مشاهد" و"لوحات" و"مناظر"(23). ويكون هذا التقطيع دائما من موقع معين يمثل بؤرة التقويم. وهذا ما يجعل الاختلاف في المواقع يستدعي بالضرورة اختلافا في "الأجهزة المعيارية" التي عبرها يصفى "الأثر الإيديولوجي" لينتقل إلى النص (24).

من هنا، فالعلاقة التي يقيمها النص مع المرجع لا تتحقق في ضوء التماثل أو الرفض، ما دام هذا النص يحيل على واقع معين يمثل صورة ذهنية مختزلة لـ "واقعات أخرى" (25).

وبالمقابل، فإن الخطاب ذا المرجعية الذاتية يطرح هو أيضا وضعا مفارقا: فعلى المستوى المنطقي، فإن من يتحدث عن شيء ما يجب أن يكون شيئا آخر غير هذا المتحدَّث عنه، والحال أنه (الخطاب ذا المرجعية الذاتية) يتخذ من صيرورة تبنينه موضوعَه الخاص. وتأسيسا على هذا الاعتبار، فـ "التمثيل" يحدد قاعدة المرجعية انطلاقا من فرضية موضوعها هو إبراز "حقيقة" الخارج، و"التمثيل الذاتي" يقرأ هذه القاعدة في ضوء فرضية ترتبط بضبط بنية النص الداخلية (26). وعلى هذا الأساس، فأن يقرأ لنص الروائي نفسه لا يعني أنه يتهجّي حروفه بل يعني أنه يفكك العالم المرجعي من منظوره الخاص وانطلاقا من الخلفية الإيديولوجية للمؤلف الضمني.

القول إذن، بالمنظور الخاص يعني حصرا لمجال المعالجة وزاويتها الإدراكية. وهذا ما يجعل التساؤل عن جدوى هذا النوع من الكتابات والمقاربات المختلفة المرتبطة بها أمرا ممكنا بل مشروعا. فهل استطاعت هذه الأشكال السردية أن تحدد لنفسها أجهزة معيارية للتأويل والتقويم تمثل قطيعة حقيقية مع الأدوات الإجرائية المستثمرة في تحليل النصوص الروائية بالشكل الذي تعالجها به المناهج السائدة؟ الإجابة ستكون بالنفي بطبيعة الحال. لأن هذه الكتابات لا تمثل سوى إمكانية واحدة من الإمكانات التأويلية المحتملة والمتعددة التي يسمح بها النص الروائي رغم كونها تسعف كثيرا في رصد البنية التركيبية المتحكمة في النص الروائي. إذ ليس متعذرا مقاربة هذه النصوص نفسها انطلاقا من الخلفيات المذكورة سلفا من لوكاتش إلى آخر تصور نظري يتخذ من التحليل المحايث أفقا ومنطلقا في المعالجة. إذن، كيف يمكن المراهنة على ما يريد أن يقوله النص دون السقوط في هذا المحذور الحتمي الذي يتمثل في الاختزال والتشويه؟ وهل هذا الرهان ممكن إجرائيا ومنطقيا؟ لا أعتقد شخصيا أن هذا المشروع قابل للتحقيق كون المرجع نفسه غير قابل للتطويق، فلكل إنسان تعريفه الخاص لهذا المرجع ولا يمثل النص الروائي سوى تجل واحد من بين التجليات الأخرى الممكنة التي تختلف صيغها باختلاف الموقع المسؤول عن إنتاجها.

ما هو، إذن، المنهج الملائم لتحليل النص الروائي في شموليته دون التضحية ببعد واحد من أبعاده التركيبية والدلالية المتعددة؟ هل الرواية مجرد انعكاس آلي لعالم تجريبي ذي خصائص متفق عليها؟ وهل هي فقط صورة ممكنة لهذا العالم بحيث يستحيل ربط أحداث العالم الحكائي بالعالم المرجعي الذي يشكل خلفية جوهرية لكل تشخيص؟ هل نقرأ النص الروائي في تعدديته ونزقيته أم أننا نتخذ منه ذريعة أو مشجبا نعلق عليه ما نشاء من أفكار ودلالات؟ هل يمكن استنفاد الأجهزة الشكلية والتأويلية للآلة النصية بالاعتماد على زاوية إدراكية واحدة تختزل هذا الغنى وهذه التعددية في بؤرة واحدة؟ وهل يسمح النص المتماسك باستنطاقه وتطويقه واستيعابه مهما كانت سلطة المنطلقات النظرية وسطوتها ومسلماتها الإبستيمولوجية والفلسفية؟

هذه بعض الأسئلة التي تطرحها إشكالية قراءة النصوص الروائية. وتبقى الأسئلة الأخرى مفتوحة في انتظار إجابات من زوايا ومنطلقات لا تخضع بالضرورة للاستراتيجية المتحكمة في هذه المقاربة.







الهوامش:



1 - G. Lukacs, Théorie du roman,Gontier,Paris,1963.

2 - Ibid, P : 49.

3 - M. Bakhtine, Esthétique et théorie du roman, Gallimard, Paris, 1978.

4 ـ خاصة في كتابيه:

- Figures III, Seuil, Paris, 1972.

- Nouveau discours du récit, Seuil, Paris, 1983.

5 - J.Lintvelt, Essai du typologie narrative : Le point de vue, José Corti, Paris, 1981.

6 - M.Bal, Narratology : Introduction to the theory of Narrative, University of Toronto Press, Toronto, 1985.

7 - G.Prince , Narratology : The Form and Function of Narrative, Mouton, Paris, 1982.

8 - F.V.Rossum-guyon, Critique du roman ,Gallimard, Paris, 1970.

9 - G.D’entrevernes, Analyse sémiotique des textes,P.U. Lyon. 1985.

10 - J.M.Adam , Le récit, P.U.F, Paris, 1984.

11- J.Courtès, Introduction à la sémiotique narrative et discursive, Hachette, Paris, 1976.

12 - P.Zima, Manuel de siciocritique, Picard, Paris, 1985.

13 ـ يتوزع التصور النظري السيميائي عند كريماس عبر مجموعة من الدراسات نذكر منها على سبيل التمثيل:

_ Sémantique structurale,Larousse, Paris, 1966.

_ Du sens, Tome II, Seuil, Paris, 1983

_ A.J.Greimas – J. Courtès, Sémiotique.Dictionnaire raisonné de la théorie du langage, t.I –II, Hachette , Paris, 1979-1986.

14 - Ph. Hamon, Introduction à l’analyse du descriptif, Hachette, Paris, 1981.

_ Texte et idéologie, P.U.F, Paris, 1984.

15 - U.Eco, Lector in fabula, Grasset, Paris, 1985.

_ Les limites de l’interprétation, Grasset,1992.

16 ـ انظر التحققات النصية لهذا الرواية في:

L.Dällenbach, Le récit spéculaire : essai sur la mise en abyme, Seuil, Paris,1977.

17- J. Ricardou, Problèmes du nouveau roman, Seuil, Paris, 1967, P :182.

18 ـ لضبط هذا المفهوم، راجع:



L.Dällenbach, Le récit spéculaire, Op.Cit, PP : 128-178.

19 - J. Bessière, Littérature et représentation, In : Théorie littéraire : problèmes et perspectives, P.U.F, Paris, 1989, p : 312.

20 –Ibid, P : 313.

21 – Ibid, P :313.

22 – Ibid, PP : 316 – 317.

23 – Ph. Hamon, Texte et idéologie, Op.Cit. P : 106.

24 – Ibid, P : 20.

25 – J. Bessière, Littérature et représentation, Art.Cit, P : 317.



حسن سرحــــان
كاتب من المغرب (فاس- كلية الآداب سايس ص ب 59)
ha.sarhan@hotmail.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. النص والمنهج
علي شاهين سكر | 17/7/2010 الساعة 08:27
الأستاذ الكريم شكرا على هذه القراءة لعلاقة النص بالمنهج النقدي تحياتي
2. شكرا
فيصل | 17/8/2011 الساعة 04:58
نشكركم
3. صعوبة
كوثر هريوش | 5/2/2012 الساعة 08:01
الصعوبة بما كان في مقاربة هذا الموضوع او الالمام به غير مفهوم بتاتا
4. النص الروائي يشاكس كل القراءات
ادريس عللو | 9/2/2014 الساعة 03:27
الأستاذ الكريم شكرا على غنى المداخل المقترحة لقراءة النص الروائي والتي لا تركن إلى زاوية واحدة مسيجة بسميترية المنهج المقترح بل تغترف من كل مقاربة نقدية دون دعوة إلى منهج متكامل، أو تطبيق/تمرين على النص، بل يظل النص الروائي مثل "الضريح" يزار ولا يزور.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث