السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
السرد والكتاب/ السيرة الذاتية للكتابة
محمد رشيد السعيدي
السرد والكتاب/ السيرة الذاتية للكتابة
غلاف الكتاب



إن التماس المعرفة أعظم ألوان التطهير. / ص 60.

يتحدث هذا الكتاب عن رحلة تمتد نصف قرن أو أكثر، لكاتب لا يرى أهميته إلا في ما يكتب. ترك الدنيا بعرضها وطولها وراءه غير نادم عليها، وركز تفكيره في عينيه ويديه: قارءً كاتبا. عن هذه الرحلة، حين يرى هذا الكاتب، كما يرى القارئ، أن مؤلفاته، بنات أفكاره، ليست أدوات كافية للخوض في بحار المعرفة بسفينة السرد. فانه يحلق كالنسر دائم الطيران يستطلع جغرافيات المعرفة كلها: أمهات الروايات العالمية (دير بارم والحرب والسلام والبؤساء واسم الوردة والطبل الصفيح)، وكبار النقاد العالميين: جورج لوكاش" المثل الأعلى لحراس الجبهة الواقعية"/ ص26، وروجيه غارودي ورولان بارت وميشيل فوكو وجاك دريدا، "ومدارس الفكر الاسلامي، وحلقات الدرس اللغوي، وملتقيات الشعر، وأصوات الرفض والاحتجاج، وحكايات النهر والبحر والصحراء"/ ص105. وآراء بعض الروائيين ووصاياهم لكتابة الرواية: ايتالو كالفينو وميلان كونديرا وامبرتو ايكو. مركزا على "السلاسل المرجعية" التي حاول أن يبوبها في سبعة أصناف/ ص73-74. مرورا بمدارس أثينا وأكاديميتها، أحد منابع المعرفة الأولى، وبكتب تاريخ العلم والهندسة الوراثية وكتب الفهارس وكتب التنبؤ وكتب التصوف وكتب السحر والجنس.... الخ.
يمكن أن يكون كتاب (السرد والكتاب) الصادر مع مجلة دبي الثقافية في شهر أيار 2010، خريطة لفكر القاص العراقي محمد خضير، مؤلفه. هذا الرجل الذي يتشرف بشهادته الدراسية (شهادة دار المعلمين 1960)/ ص159، في الوقت الذي يضفي عليه رئيس تحرير مجلة دبي الثقافية (سيف المري) لقب (د.) / ص4، مقدرا الامكانيات المعرفية والثقافية والتأليفية المتفوقة لـ (محمد خضير). نعم، هو خريطة فكرية تبين ينابيع المعرفة، ومجاري انسيابها، وطرق البحث عن المجاهيل في السهوب والجبال والصحارى. وهو جنس ـ "تبدأ غربة الكتاب عن الخطاب، حين تتكشف للمؤلف رغبات الخطاب القاطعة في تجنيس نداءاته التي يريد حملها على متن كتاب شفاف"/ ص145، ــ مهم للكاتب والقارئ. فالأول يستطلع خريطته ويتفحص خطوط مواصلاته تحت نظر القارئ. والثاني، لا يشبع فضوله الفطري فقط، يطلع على العناصر الجينية ومراحل النشأة الرحمية للكائنات الحية المسماة (كتاب). فهذا الكتاب اذن نص مجاور للنص الادبي ومساير له كظله.
ضم الكتاب قسمين، الأول: استعمالات السرد الذي يحتوي (11) مقالة، والثاني: استعمالات الكتاب واحتوى (8) مقالات تحدثت عن مواضيع شتى، لكنها مرتبطة بحبل سري متعلق بالكتابة السردية وأصولها. فتطرق لاحدى أقدم وأهم القضايا النقدية المتعلقة بالتأليف، هي قضية الشكل: "انما المذموم... تأليف لا ينتج من الموضوعات المطروحة على قارعة الطريق سوى تأليف للمعنى بلا زيادة عليه. اذ ان هدف التأليف نظم المعاني في شكل فني (بنية أو نسق) يتطلب اكتشافها من القارئ إعمال الفكر والروية والتدبير في رأي الجرجاني" / ص32. وهذا الذي مايزال غير ذي أهمية بالنسبة لبعض من يكتبون.
يعبر محمد خضير عن قلق التأليف ومخاضات الابداع، حين يعترف: "لم أؤلف غير كتاب واحد ينتسب بصعوبة الى فن الرواية" هي (كراسة كانون)/ ص38، وحين يؤكد: "الرواية هي المجال الحقيقي الوحيد لتوليد عالم جديد"/ ص130، مارا باحدى الروايات الاستشرافية المهمة (1984)، حيث أن قراءة العبارة الأخيرة من زاوية نسبة الحقيقة فيها، هي بمثابة النظر عبر عدسة سوداء (عدسة الحداد). ولكن يجب رؤيتها باختراق الحجب، وبالاستعاضة عن حاسة النظر الأصلية (العين) بالقلب، الرائي عبر الحجب. ولا يستطيع هذه الرؤية إلا المؤمنون، يقودهم دوستويفسكي، في عصر لم تعد فيه للنبوءات أرض صالحة للزراعة، في عصر "الجنس الذي لا يهدف الى الانجاب"/ 131. وهو يرى أن على الرواية أن تخترع أشكالا انسانية أخرى، وهذا التعبير يأخذه محمد خضير من خوليو كورتاثار مع تفسيره له: "عناصر غامضة تجمع الشخصيات كتلك العلاقة التي تجمع النجوم في المجرات"/ ص42، حاثا، بذلك، أو معلما المؤلفين المحدثين على أهمية الخلق والابداع والتحديث. ومقرا بمركزية الرواية وتسيدها للمشهد الأدبي: "إن الرواية هي الميدان الوحيد لجمع التناقضات على سبيل الاحتمال والحقيقة، والتقاء الممكن المعقول بالغريب غير المعقول وحل ثنائية الوعي المحرم والتجربة المنتهكة"/ ص 44. مع التأكيد على أهمية "قراءة الرواية بشروطها الآنية"/ ص45، والتأكيد الأقوى من خلال تعبيره: "ثق بالرواية"/ ص46. لكنه يحذر، مستندا الى خبرات وقراءات واطلاعات شاسعة، ويرسل اشارات بحاجة الى وعي يلتقطها: "لعل افشل الأشياء أجهرها صوتا وأعظمها جثة"/ ص55، الى: "أولئك الذين لم يفلحوا في قراءة عشرين عملا عظيما، فالأرجح أن أحدهم لن يكون قادرا على انتاج عمل روائي واحد ذي قيمة من أي طراز"/ ص46.
ويبدو من قراءات محمد خضير للرواية العالمية وآرائه فيه، ومما جاورها من اضاءات. تلك التي نثرها في بواطن مقالاته التي تشابهت موضوعا رغم تقسيمها الصوري، يبدو أنه مازال في مرحلة مخاض طويلة وقاسية لانتاج رواية تتجاوز شذرات السيرة الذاتية التي مازالت تشكل العمود الفقري في التأليف الروائي العربي، إذ يعتبر "اندريه جيد قد ارتكب الخطيئة الأصلية في الرواية، عندما فتح كتبه على نزعات شخصيته الابيقورية، وذكريات سفره"/ 142، باحثا عن حفريات جديدة في الهامش الروائي (ألان روب غرييه)، ومتذوقا لنتاج كتاب المستعمرات الفرنسية القديمة: (كاتب ياسين وآسيا جبار والطاهر بن جلون ولوكليزيو)/ ص142 ـ لوكليزيو غير المصنف كما يشعر محمد خضير بأنه كاتب غير مصنف ـ وصولا الى ادواردو غاليانو وجيروالدو بوفالينو وبابلو كويلهو. لكنه يؤكد على صفات روائية خاصة: "تجاوز مرحلة المفارقات النهائية والذاكرة الشخصية البروستية، وملامسة لغز الزمان الجماعي الأوربي والرغبة في عبور الحدود الزمنية لحياة فردية بقيت الرواية حبيستها حتى ذلك الحين وفي ادخال عدة حقب تاريخية في فضائها"/ ص144. منطلقا الى جغرافية الثقافة اللغوية: "فهل نسمع في فضاء الخطاب الروائي العربي نداءات مماثلة تتردد، وتبريرات ممكنة لزمان متقادم أو متقدم تصنع للرواية خطابها المديني الذي لم تبدأه بعد من أي مكان في جزرها المعزولة بالمياه والرمال والأسوار الجيوسياسية؟"/ 144، ويبدو هذا قريبا من رؤية الروائي العراقي علي بدر: "أن الرواية العربية ليست جذرية ولا مؤسسة لأنها ما زالت حتى اليوم تعيش من دون إرادة منها في الهامشي والأطرافي نسبة للشعر، إنها متأثرة بالرواية الغربية، ولا يشكل هذا التأثير علاقة ثقافية كوزموبوليتانية، بل إن الخطاب الروائي مزروق بمصل الخطاب الاستعلائي الغربي والتقليد الثقافي والشعور بالدونية. لم يستطع أن يهضم الرواية الأفريقية والآسيوية والأميركية اللاتينية التي تجاوزت المؤثرات الغربية من دون أن يدركوا بطريقة ذكية ومحسوسة التطور اللامتجانس والمتنوع للشكل داخل الثقافة العالمية بشكل عام"/ موقع قناة الفيحاء الفضائية ــ 3/ 12/ 2009. ويتساءل محمد خضير بعد ذلك، بعمق وعيه وبُعد استشرافه: "هل ستلقي الرواية العربية على ذاتها المتأملة أسئلة الحلم والفكر، فتختار بداياتها الصحيحة من زمان مستأنف من خطاب المقامات والحكايات المقطوع.........."/ 144.
وفي سياق محايث، ينطلق محمد خضير من واقع تسيده لهذا الملعب، مقدما صورا عن مشغله السردي وكيفية عمله في كتابة القصة، التي عرفها دلاليا بـ: "طريقة سردية خاصة لقول شيء ذي مغزى مضمر" / ص51، مذكرا بـ (سوزان لوهافر) مدرسة القصة القصيرة السعيدة بوجود تقاليد في تدريب الكتاب الشباب/ ص58. ومؤكدا على قدرات القصة في تقديمها محمولات رمزية من خلال مستويات متعددة حتى: "قد لا تكون صورة الطبول المشقوقة أقوى الصور الرمزية لهجاء الرجال الجوف الذين يزداد عددهم في المستقبل"/ ص56، ومبينا مراحل التأليف بـ: "علاقات انتاج العمل السردي في مراحل انتاجه كلها: التحضير والتخطيط والكتابة والتنقيح والطباعة والنشر والتوزيع والقراءة والنقد" / ص92.
لا استطيع مغادرة عرض هذا الكتاب، الذي يشجعك صغر حجمه على استصحابه معك لتستزيد منه، دون أن أعرج على اضاءات مشعة يسلطها الكاتب على بؤر مثل: حامل الكاتب، وقصة الكتاب الأول المقترنة باللقاء الأول مع (كوديا) حاكم لكش بين 2144 و 2124 ق. م، ودير الآباء الكرمليين ببغداد، الوجود المكتبي للأب أنستاس ماري/ ص122.
تلك الوشائج غير القابلة للفصم، بين المؤلف والتجليات الانسانية التي تسكنه، أو يسكن فيها، هي البنى الفوقية للأخلاق، تلك التي يعبر عنها الفيلسوف كانت قائلا: (شيئان يملآنني عجبا، السماء المرصعة بالنجوم فوق رأسي والقانون الخلقي في نفسي). وهي نفسها المرتبطة بحكاية الصاحب بن عباد، خازن الكتب، مصنٍّف (المحيط في اللغة) الذي عاش بين 326 و 385 هجرية الذي اعتذر عن الوزارة لصاحب خراسان الملك نوح بن منصور الساماني لأنه لم يكن يقوى على فراق مكتبته."/ ص108. كما وترتبط نسغياً، بقصة النسخة الأصلية النادرة من كتاب ابن سينا (القانون في الطب) المطبوعة في روما عام 1593، والمحفوظة في المكتبة الوطنية ببغداد داخل خزانة خاصة، والتي اختفت بعد دخول قوات التحاف بغداد في 9 نيسان عام 2003/ ص138.
في هذا الكتاب، معيار دخول ميدان الكتابة، لو كان ثمة معيار، ونموذج امتحان. يسمح لمن ينجح فيه بامتهان الكتابة. ذلك الامتحان هو الايمان المطلق بقدرات الكتاب والسرد على خلق العالم الجميل، والانتصار على: "السلطات التي تحكم الانسان، بعد استعباد عقله وأحلامه" لأن ما سيبقى "في أية نبوءة بنهاية التاريخ، احتمال وحيد لا ينغلق: نظام الكتاب المفتوح على نص لا ينتهي"/ ص149.


محمد رشيد السعيدي
كاتب من العراق- واسط
Safir_alsalam@yahoo.com

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث