الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
أجساد ممزقة ، ذوات، سرديات ، والتحول ما بعد الحداثي في روايات مارغريت درابل
روبرتا روبنشتين، ترجمة: د. هناء خليف غني
أجساد ممزقة ، ذوات، سرديات ، والتحول ما بعد الحداثي في روايات مارغريت درابل
مارغريت درابل


شهدت روايات مارغريت درابل، منذ أواسط السبعينيات ، تحولاً ملحوظاً، فعوضا عن المحن الاخلاقية والعائلية لشخصياتها النسوية ، أضحى اهتمامها ينصب أساساً على السرديات التي تكشف عن عالم كوني محير، عنيف واعتباطي وتتأمله. وشخصياتها في الشلال، ممالك الذهب والارض الوسطى (نشرت في أواخر الستينات والسبعينات) مروراً بأحدث رواياتها ،الدرب المشع ،فضول طبيعي وبوابات العاج (نشرت في أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات) تئن تحت وطأة الألم، الإيذاء الجسدي والشعور بالانقسام في الوقت الذي تتوغل فيه مظاهر الإرهاب، الجريمة والحوادث الاعتباطية والكوارث في حيواتها على نحو متواصل وتدمرها. ومن ثم، فأن الطريقة التي تبلورت بها رؤية درابل المتشائمة جديرة بالدراسة من ناحيتين : الأولى تتصل بالطريقة التي يعكس بها الإيذاء الجسدي والانقسام رؤية درابل المتشائمة للحياة المعاصرة ويمثلها، والثانية : حقيقة أن السرديات ذاتها أصبحت منقسمة بنيوياً، الامر الذي يؤشر تحولاً في أهتمام الكاتبة وانتقالها من تناول الأساليب العائلية نحو شكل أكثر جنوحاً و" انقساماً " (حسب الصيغ التي تستعملها درابل) من الناحيتين السياسية والاجتماعية، شكل يجرب البنى السردية ما بعد الحداثوية .
تبين الببليوغرافيا النقدية الشاملة الجهود الأكاديمية المبذولة لتحديد مصطلح "ما بعد الحداثة" المثير للجدل وتصنيفه في الخطاب الأدبي. هذا المصطلح الموظف لتعريف الفترة التاريخية التالية لحقبة الحداثة الادبية في القرن (العشرين) وبيان العناصر الشكلية في السرد النافرة بنيوياً وفلسفياً عن المواضعات الواقعية والحداثوية . ومهمة التعريف هذهِ ، كما لاحظت لندا هتجيون، تمتاز بالتعقيد لأن المظهر الرئيس لحقبة ما بعد الحداثة يكمن في الجوهر المفارقي المتأصل فيه . [ ما بعد الحداثة ظاهرة تنطوي على تناقض ،ظاهرة توظف وفي الآن عينه تؤسس ومن ثم تدمر، تلك المفاهيم التي تتحداها (3) . أما رواية ما بعد الحداثة " فأنها تُعرض كنوع أخر من الخطابات الذي تتشكل بوساطتها تصوراتنا عن الواقع ،وما يعرض للعيان هو البنية والحاجة اليها" (هتجيون 40) . وبذا ، فأن عالم ما بعد الحداثة يعرض" تعددية لامتناهية للتمثيلات" (ستراتون320) . أن التوتر بين "تمثيل المواضعات التقليدية وتدميرها" (لي 70) هو أحد أهم أوجه سرديات ما بعد الحداثة ، والنص يوجه انتباهنا "لا للروايات ذات البدايات والنهايات المحددة ولكن لعملية الوعي ذاتها أثناء تشكيلها وتفكيكها لروايات كهذهِ " ( أرمارث 86) . أن النمط الرئيس " للسرد ما بعد الحداثوي هو" كما بين بريان مكهيل "أنطولوجي ، بمعنى أنهُ مناقض للنمط المعرفي السائد في السرد الحداثوي . كما أن رواية ما بعد الحداثة توظف ستراتيجات تطرح تساؤلات وتسلط الضوء عليها مثل : أي عالم هذا؟ ما الذي ينبغي أن تفعلهُ فيه ؟ من من ذواتي يفترض به القيام بذلك ؟ وعلى نحو مغاير ، فأن الرواية الحداثوية توظف ستراتيجيات وتطرح تساؤلات مختلفة مثل " ما هي الطريقة المناسبة لتفسير هذا العالم الذي أُشكل جزء منهُ ؟ وما أنا فيهِ؟ " مكهل ، رواية ما بعد الحداثة، 10،9) 1
تعود أصول التحول الجزئي لدرابل من مواضعات المحاكاة إلى توظيف بعض الستراتيجيات السردية ما بعد الحداثوية- التقطيع المتعمد في البنية السردية ، رواة يقلبون المواضعات الواقعية رأساً على عقب بوساطة التعليق مباشرةَ أو من حين لآخر على النص ، وستراتيجيات أخرى سنتناولها بالتفصيل لاحقاً ،إلى بواكير أعمالها، وتلاحظ حصراً في فكرة الانقسام التي تكررت فيها. وهذهِ الفكرة ،التي عُرضت في بادئ الامر بوساطة الصور وأحداث الحبكة ذات الصلة بالإيذاء الجسدي أو الانقسام المعنوي، تتطور في أحدث روايات درابل لتصير إلى صفة خاصة ملازمة للانقسام الذي ينعكس في الابعاد البنائية والثيمية لسردياتها .
وخاصية الإيذاء الجسدي هذهِ تسهم في صياغة الأحداث السردية في الشلال (1969) -إحدى روايات درابل المبكرة- أذ تنهي حادثة حافلة مروعة ،وبشكل مأساوي، العلاقة الحميمة بين جين غري وابن عمها المتزوج ،جيمس أوتفورد، وبينما تكون أصابة جيمس مميتة ، يكون نصيب جين بضعة جروح طفيفة فقط. بيد أن أصابة جيمس تتخذ شكل الإغماء لا التشويه الجسدي، ولذا يتمكن في نهاية الأمر، من تجاوز الأزمة والشفاء تماماً. أن تمثيلات الإيذاء الجسدي، الانقسام، والتشوه هذه تزداد وضوحا في ممالك الذهب (1975) والعصر الجليدي (1977) إذ تكتشف فرانسس ونغيت الشخصية الرئيسة في ممالك
الذهب ورماً في صدرها ويبين الفحص الطبي بعد ذلك أنه ورم حميد. والرواية ذاتها تشهد موت عمةُ فرانسس بفعل الجوع والإهمال، وينتهي الأمر بأحد أفراد عائلتها الممتدة المصاب بكآبة شديدة بقتل أبنتهِ، ومن ثم، الانتحار. أما أنثوني كيتنغ، الشخصية الرئيسة في العصر الجليدي فيصاب بنوبة قلبية في عمر الثامنة والثلاثين . بينما يكون التشوه من نصيب صديقتهِ المقربة كتي فريدمان ، إذ تفقد ساقها في حادثة تفجير قنبلة قام بها الجيش الجمهوري الايرلندي IRA، ويلقى زوجها حتفهُ فيها أثناء تناولهما العشاء احتفالا بعيد زواجهما . أن محاولة كيتنغ الربط بين
انهيار جسدهِ وانهيار الحياة الحضرية المعاصرة تقدم استباقاً للاهتمامات التي احتلت منذ ذلك الوقت موقعاً متقدماً في روايات درابل . ويرى الراوي أن أنثوني " يستطيع عقلنه المصائب التي حلت بهِ، ولكن ليس ثمة تفسير عقلاني لهذا الشعور بالذعر، الخوف والقنوط الذي يتبختر مزهواً في أجواء انكلترا"(7).
وعلى نحو مماثل لكتي فريدمان، فأن هوغو مينوارنغ المراسل الصحفي في الارض الوسطى (1980) يصاب بالتشوه أثر تعرضهِ لحادث أعتباطي عنيف ( على الرغم من عدم حدوثهِ أثناء فترة السرد الحالية) أذ يفقد ساعدهُ في أنفجار قنبلة يدوية أثناء نقله تقريراً اخبارياً عن اريتريا . وفضلاً عن التشوه الجسدي ، فأن لهوغو طفل متخلف عقلياً وهذهِ حقيقة تذكرنا بأكتشاف كيت أرمسترونغ في بداية الرواية أنها حامل بجنين تبين بعد ذلك أنهُ مشوه تماماً .وهنا، فأن التناقض يبدو واضحا بين موقف هوغو تجاه طفلهُ المتخلف عقلياً وجسده المشوه وهذا ما تعمدت الكاتبة درايل
أظهارهُ وقدرة كيت على التكيف والتحمل ، قدرة يوحي بها لقبها " أرمسترونغ- أو الذراع القوية" تتجلى في قرارها، بعد عذاب داخلي مرير، أجهاض حملها ( وفي الوقت نفسه منع تكرار هذهِ التجربة مستقبلاً بواسطة أجراء عملية التعقيم ). وعندها ، وجدت كيت نفسها في مواجهة "صحراء الحرية الجرداء " (16) وشعرت، والعذاب يجثم على كاهلها، بأنها قد " قضت على الطفل، ولكن ليس على مرض "ركود أواسط العمر (97). وتفقد أيفيلن ستنت، صديقة كيت الطيبة في الرواية نفسها، بصرهُا جزئياً بفعل دخول الامونيا الى عينيهِا أثناء تدخلها الاخرق في مشاجرة بين فتاة مضطربة جنسياً وصديقها الجامايكي في مشروع أ سكان لذوي الدخل المتدني . وتساءلت كيت ان كان العنف الشخصي الذي تشاهدهُ حولها تعبيراً "تتويجاً لجميع تلك النوايا – الشريرة الغامضة الاتجاه ،للكراهية والاحباط، للخوف الذي يستولي علينا جميعاً عندما نتمشى أدنى المجاز السفلي الكونكريتي،عندما نتعثر في بحثنا عن المفتاح على عتبة الباب وصوت خطوات الاقدام تلاحقنا من الخلف وعندما تصطدم سيارة مجهولة بالحاجز الحجري ؟ بلفاست، بيروت، بغداد" (209) .
أن خاصية التوتر القلق بين المحفز المتفائل للحبكة السردية التقليدية – كل شئ سينتهي على ما يرام – ونظيرهِ المعاصر المتشائم ، شخصيات محطمة نوعاً ما، نفسياً أن لم يكن عملياً، مبتوري الاطراف أثر سقوطهم ضحايا الحوادث الاعتباطية في الحياة المعاصرة ، تسود السرديات (تحديداً منها الارض الوسطى التي يجسد عنوانها حالة مصالحة أو توافق). والشخصيات الرئيسة في رواية درابل تنجح في البقاء بوساطة القيام بأفعال أتزانية خطرة ، مثل المشية المتعرجة لكيت أمسترونغ في زوج من الاحذية ذات كعب مكسور لم تتمكن من اصلاحه أبداً أو تعرج ليز هيدليند في مشيتها بين الحين والآخر بسبب أصابة كاحلها في حادثة سيارة وتثبيته بدبوس معدني في بوابات العاج.
وفضلا عن ذلك ، فأن التوتر بين الحبكة المحاكاتية التقليدية والستراتيجيات السردية المعاصرة يتضح في توظيف درابل لراوٍ عليم يجذب أنتباهنا بين الحين والآخر الى الطابع التخيلي للسرديات ذاتها ،وكمثال على ذلك، فانه، في الارض الوسطى، يتدخل بعد فترة وجيزة من بداية المشهد الافتتاحي الذي نرى فيهِ كيت أمسترونغ وهوغو مينوارنغ يتناولان الغداء لابلاغ القراء" نقدم لكم قصة حياة كيت السابقة ،التي بعض حوادثها ان لم تكن جميعها مسؤلة عما هي عليهِ الآن" (13). وبعد اتمامنا قراءة عشرين صفحة تضم موجزاً "لتأريخ" حياة كيت حتى اللحظة الراهنة، فأن الراوي
يبين "أن تتابع الأحداث في حياة كيت لم يكن ،بالطبع، بمقدار السلاسة التي يوحي بها هذا الموجز " (34) .
وبينما تعكس روايات درابل في أواخر السبعينيات مظاهر العنف الاعتباطي العام في عالمنا المعاصر المنقسم سياسياً وأجتماعياً ، فأن رواياتها في الثمانينيات والتسعينيات تؤكد الرؤية المتشائمة الى جانب أستمرارها في تحاشي الالتزام بأنماط السرد التقليدية فالطريق المشع (1987) وفضول طبيعي (1989) تهتمان بشكل رئيس بأنتهاكات الجسد والسلوكيات الشاذة أجتماعياً، مثل الميل الشاذ نحو الاطفال وأستغلالهم جنسيا وسلسلة الجرائم المنظمة .
كما أن المحللة النفسانية ‘ليزا هيدليند ،أحدى الشخصيات النسوية الرئيسة الثلاث تتحول الى محللة تبحث عن ماضيها ، لينتهي بها الامر الى مواجهة حقيقية ولع والدها المتوفي منذ أمد بعيد الشاذ بالاطفال وأضطهادهِ الجنسي لها عندما كانت طفلة .
وعلاوة على ذلك ، فأن درابل تضيف الى الطريق المشع وفضول طبيعي أنقسامات تجريبية أخرى في اتجاه الوعي الذاتي ما بعد الحداثوي، ويظهر نمط السرد المتسلسل في شكل الرواية التقليدية متقطعاً ومتجزءا. وفي الرواية الاولى – الطريق المشع- تحاكي درابل صيغة المقابلة في " قسم اثاكا " في عوليس لجيمس جويس (جويس 666-737) . أذ تخضع " الكس باون التي تعاني من أرق دائم" نفسها الى أختبار تجيب فيهِ على الاستبيان التالي (289-90)
سؤال : هل كانت ،الكس باون، تعتبر لندن، في كانون الاول 1983 أشد خطراً ،امتلاءً بمدمني المخدرات عما كانت عليه عندما أدُينَت جلي فوكس بارتكاب سلسلة من الجرائم في 1979 ؟
جواب : نعم ، أنها تعتقد ذلك.
سؤال : هل تلقي الكس باون باللائمة على حكومة المحافظين لهذا التدهور في القانون والنظام ؟
جواب : لا، ليس تماماً.
وهكذا ، ولصفحتين متواليتين تواصل الكس الاجابة على فقرات هذا الاستبيان . وفي مرحلة متأخرة في الرواية ،توظف درابل أحدى الشخصيات الثانوية كواسطة تبين من خلالها تحولها نحو الوعي الذاتي السردي و الشكل السردي المتقطع . والراوي يلاحظ بأزدراء نوعاً ما أن جارلس هيدليند " مبرمج لتمثيل عدة خطوط قصصية وحبكات في الآن نفسهُ ليس بمقدوره الكشف عنها تماماً ، وفي الوقت نفسه لا يستطيع العيش من دون البواعث المتضادة والمحفزات المتباينة" (176) .
والراوي ، الذي يزداد تدخلهُ على نحو مضطرد في أحداث الرواية الثانية من السلسلة فضول طبيعي يطرح علينا ملاحظات أكثر جرأةً حول الطابع التخيلي للقصة التي نقراءها . ويهمس قائلاً لنا –أي القراء- آثر ملاحظتهِ ستيفن كوكس ،الشخصية الثانوية ، الذي سافر الى كمبوديا (لا نعرف شيئاً حتى ظهورهِ في الرواية التالية بوابات العاج ) أنهُ " ما زال حياً ، على الرغم من جهل شخصيات الرواية بذلك "( 172) . وفي مرحلة لاحقة من الرواية ذاتها ، وبينما تشاهد الكس باون التلفاز ، يدون الراوي ، على نحو موضوعي قائمة بالاعمال الوحشية التي أرتكبت خلال شهر واحد . ويتعمد
بعد أصغائنا لفقرات أخبار مثل " شخص من هاستبورغ ينام لليلتين مع صديقتهِ من دون أن يلاحظ أنها ميتة " القول "أعتقد أني كنت ثملاً " (207) ، والى تحدينا باسلوب ساخر نوعاً ما عندما يطالبنا " حدد القصة الملفقة ، أذا أستطعت . ولن تُمنح جائزة عن ذلك " (208) . ومن ثم يخطو الراوي خارج الاطار السردي ليخاطب قراء الرواية ، وفي الوقت نفسه، يدعوهم ،بسخرية لاذعة، الى حل حبكة فرعية تضم شخصية ثانوية أخرى ، قائلاً :
أتساءل ان كان الاشخاص المعترضين على التحول الذي طرأ على حياة شيرلي هم الاشخاص أنفسهم الذين احتجوا، في المقام الاول، على رتابتها. أذا كنت كذلك، فانك ربما تظن أن مهمة ايجاد حل مقنع لمعضلتها يقع على كاهلك ، لا على كاهلي ولا على كاهلها.
وفي أثناء ذلك ، وأثناء أنتظارها للحل تفتح شيرلي صنبور الماء الحار ، وترقد……..(254)
أن الراوي العليم يؤدي ، كما ترى درابل وظيفة " الصوت الواقعي القديم الطراز " وفي الوقت نفسهِ يبين أهتمامها بما أصطلحت على تسميتهِ " الامبريالية التآليفية " : " الى من تنتمي الشخصيات الروائية [ الى المؤلف أم القارئ ] ؟ ("مشكلات") . وفي هذا التساؤل الكامن أما في سطور أحدث رواياتها أو بينها فأن أهتمام درابل بقضايا ما بعد الحداثة المتصلة بالسرد ، خلق الشخصيات والسيطرة التآليفية يتبدى للعيان .
أن تقسيمات درابل للشكل السردي التقليدي للكشف عن طابعهِ التخيلي توازي التعبير السردي للأنقسامات المختلفة في العالم الأجتماعي الذي تصوره الرواية التقليدية . وفي سردياتها الأحدث يلاحظ أن مظاهر الأنهيار الاجتماعي والتدهور بفعل حالات الايذاء الجسدي والحوادث الاعتباطية التي أستهلتها في رواياتها في السبعينات تتواصل . وفي واقع الامر ، فأن درابل ، في أحداث سلسلة روايات لها، تبدو جد مهتمة بنوع معين من بتر الاعضاء : قطع الرأس . ففي الطريق المشع، يرتكب مريض نفسي، معروف بقاتل طريق هارو سلسلة من جرائم القتل المروعة – بقطع
الرأس ، بلغت ذروتها عند قطعهِ لرأس أحدى الفتيات المضطربات نفسياً وهي طالبة حاولت الكس باون مساعدتها أثناء تدريسها مادة الادب الانكليزي للجانحات من المراهقات. صورة قطع الرأس صورة متطرفة عاطفياً، ولكن حضورها مكثف، مثلاً في أفتتان مؤرخ الفن أسشر برور بتمثيلاتها الرمزية في الفن الكلاسيكي، فالسمة الأبرز في اللوحات الشخصية لسالومي* مثلاً هي الحضور المكثف للرؤوس المقطوعة ، مثل رأس القديس يوحنا المعمدان، جودث وهولوفرنز ، بيرسوس وميدوسا .
وكما بينت في موقع آخر ، فأن درابل ، في فضول طبيعي ، وهي تتمة للطريق المشع، لا تكرر أفكار سبق وطرحتها في الرواية السابقة حسب، وأنما تحوَر فيها أيضاً3. أذ تضفي على صورة الرأس المقطوع المروعة مضامين روحية فضلاً عن مضامين قربانية وأسطورية . علاوة على ذلك، فأن عملية التحوير تزحف حتى على شخصية القاتل قاطع الرؤوس في هذهِ الرواية "التتمة": وفي محاولة منها لاضفاء الطابع الانساني على ما هو أجرامي (لا على الجرائم )، فأنها لا تجعل الكس باون تتعاطف مع بول وتمور فحسب بل تظهرهُ مهتماً بالتأريخ القديم لبريطانيا وتصلهُ بأم يفسر مسلكها الوحشي
في الحياة شخصيتهُ المضطربة نفسياً.
تعاود الرؤوس المقطوعة الظهور"ثانية" في بوابات العاج ،لترمز هذهِ المرة بوضوح أكبر الى مظاهر الوحشية والفناء. وبينما تبحث ليزا هيدليند ( التي يجسد أسمها عملياً بؤرة الاهتمام الرئيسة لدرابل ) عن ستيفن كوكس ، صديقها الذي فقد في كمبوديا، ترى في المنام رأسهُ موضوعاً على طبق (408) وهي ميتة بقطع رأسها (409) . وفي جنوب غرب أسيا يدور نقاش بين ستيفن وغربيين آخرين يلتقيهم مصادفةً عن الممارسات الثقافية البدائية ، مثل " صيد الرؤوس" و" وقطع الرؤوس الشعائري" (119). آلا أن الاهم من ذلك هو تكرار ظهور الرأس المقطوع وقد تحلل الى جمجمة ، وتبيان ذلك من خلال ترديد الشخصيات لعبارة هاملت " يورك المسكين " ( بوابات العاج ، 164، 225، 360 )، أو ، عوضاً عن جماجم منفردة ، نقرأ ،حسب ما يوردهُ الراوي " أكداس من الجماجم ، الجثث الحية الهزيلة، صور لزماننا" (164). ويحلم ستيفن برجل يحتفظ بجمجمة في " حقيبة سوداء صغيرة …" ، ياللأسف ، يورك المسكين ، تقول الجمجمة … الجمجمة واحدة من عدة جماجم ثلاثة ملايين ، مليونان ، ثمانمائة ألف ، من يحصي؟ " (360) .
أن صور بتر الاعضاء والتشويه ما تنفك عن الظهور في بوابات العاج . وما يدفع ليز هيدليند في نهاية الامر الى السفر الى جنوب شرق أسيا – وأنتحالها المؤقت لشخصية " السيدة ستيفن كوكس " – هو أستلامها مبكراً في الرواية لرزمة تحوي المتعلقات الشخصية لستيفن ، ومن بينها عظام أصابع جثة ما؟ . ومما يثير السخرية هنا هو أن هذهِ العظام أعطيت لستيفن كتعويذة للفأل الحسن ( على الرغم من جهل ليز ومعرفة القارئ فقط بهذهِ الحقيقة ) . وفي كمبوديا ،يتحدث ستيفن مع مسافرين أخرين عن قائد الخمير الحمر الطاغية ، بول بوت، الذي ينوي كتابة مسرحية عنهُ . ووفق ما تذكرهُ أحدى الشائعات ، فأن بول بوت قد " فقدَ ساقاً ، وأستبدلت بأخرى صناعية" (163). فكرَ ستيفن بالشاعر رامبو –ليس رامبو – البطل – القاتل في الافلام السينمائية الذي يبدو أسمهُ ،وهو أمر يثير السخرية، مشابهاً لأسم الشاعر عند النطق بهِ – الذي فقد ساقهُ في عملية بتر أعضاء (163) .
أن كلمات رامبو ترافق ستيفن في رحلاتهِ وتتخلل النص ، كما تستحوذ صورة رامبو – الجندي الجشع ذو النزوات –على نحو غير مباشر عليه .علاوه على ذلك، فأن ما أصطلحت درابل على تسميتهِ بخيط " الزمن العصيب " في السرد- جنوب شرق أسيا التي تحمل أثار المعارك - يتقاطع على نحو متواصل مع وصفها لضحايا الحرب ،الانقسام السياسي ، الدم والمرض والاجساد المشوهة المبتورة الاعضاء ، والأشلاء الممزقة المتناثرة في كل مكان . وبشكل مفاجئ، فأن ليز ليند تنزف على نحو رمزي في كمبوديا على الرغم من أعتقادها بتوقف فترات الحيض بعد بلوغها سن اليأس . وحتى في خيط " زمن
الرخاء " في الرواية – وهو الوسط اللندني الذي تعيش فيهِ ليز – فأن زوج الكس باون ، بريان الذي يعاني من سرطان القولون – تُنزع أحشاءهِ على الرغم من تمكن الاطباء ، بفضل تطور تقنيات الطب المعاصر، من " خياطة وترقيع أحشاءهِ المنزوعة وأعادة تأهيلهِ من جديد" ( 433). وتعاني ليز هيدليند وستيفن كوكس ، وان كان بدرجة أقل، من كواحل ممزقة ربطت معاً بدبابيس معدنية(346، 390 ).
وموضوعات التشوه الجسدي ، الانقسام ، بتر الاعضاء وقطع الرأس هذهِ تتواصل في بوابات العاج وتجد أنعكاساً لها ليس في الاشارات الجسدية المادية حسب ، وأنما في التعابير المجازية أيضأً . أذ يعترف كوكس ، الذي يعد تجسيداً واضحاً لتقصي درابل عن ثيمة الانقسام ، للانسة بورنتب ، تلك الشخصية الغامضة في بانكوك بأنهُ يعدُ نفسهُ " قطعاً صغيرة متناثرة ….." تفتقر الى صفة الثبات، لا صمغ، لا لاصق. لا أحس بالتماسك ، ليس ثمة معنى لوجودي ،انا فراغ ،انا شظايا، انا فتات، انا شخص تافه" (105) ورؤية ستيفن المنقسمة عن نفسه هذهِ تتجلى حتى في أسلوب كتابته
وأختياره للكلماتِ. ومما يثير السخرية أنهُ سافر الى جنوب شرق أسيا بحثاً عن الاكتمال او "البساطة"، ولكنهُ يعاني حال وصولهِ الى كمبوديا، مثل الثقافات التي يواجهها، من أنقسامات أخرى " ستيفن كوكس معلق بين عالمين ،أنهُ في موقع وسيط شظايا منهُ تنحدر نحو النهر ، تطفو أعلى الطين " (275). وحتى متعلقاتهِ الشخصية التي تصل الى أنكلترا في طرد تستلمهُ ليز هيدليند هي عبارة عن " ملاحظات وشخيطات " متقطعة وغير واضحة" (48): "مخطوطات نثرية" " محاولات لكتابة مسرحية"، " دفتر ملاحظات يومية"، " بطاقات بريدية " و " تخطيطات مبدئية " (8) أجزاء من هذهِ الاجزاء تقحم في بوابات العاج لتصير جزءً من النص.
وبذا ،فأن الانقسام الشخصي لستيفن كوكس هو الذروة في روايات مارغريت درابل المؤلفة لمجموعة من الافكار والستراتيجيات السردية المتبلورة التي دأبت على توظيفها في بواكير أعمالها . تتحاشى السرديات الحديثة، الى حد ما، الحبكة التقليدية المتسلسلة، وعوضاً عن ذلك تنساق بفعل راو واعي ذاتيأً يجذب انتباهنا بين الحين والأخر الى اعتباطية الأحداث والقوى المدمرة في العالم التخيلي والى اعتباطية الشكل السردي ذاتهِ . وشخصيات درابل تناضل لفهم طبيعة هذهِ الاحداث الاعتباطية أن لم يكن ،بعد الان، لعقلنتها، تماماً كما يسعى الراوي لتبيان، أن لم
يكن لايضاح أو تسويغ ، خاصية الفوضوية التي تفكك التركيب السردي المتماسك. وهنا فأن توظيف الانقسام كظرف أجتماعي وستراتيجية سردية يتأصل.
وبينما تدخل شخصيات درابل بدءً بانثوني كيتنغ وكيت ارمسترونغ مروراً بخلفائهم الاحدث ، ليز هيدليند ، الكس باون وستيفن كوكس في صراع مع اعتباطية الاحداث في هذا العالم لاستخلاص معنى ما منهُ في حيواتهم، تُرغمُ درابل قراءها على الدخول في صراع مع معنى هذهِ السرديات المفككة والخالية من الحبكة بأستمرار . ففي بوابات العاج ، لا تسود الاحداث اللاعقلانية والمشاهد الوحشية المروعة بنية الرواية فحسب بل تقاوم بشدة محاولات الفهم النفسي والاحتواء السردي لها. أما الفظائع التي تشاهدها ليز هيدليند في جنوب شرق أسيا- اطفال مشوهون ومقابر جماعية
تتكدس فيها العظام –فتكون من الوحشية بحيث تصيبها بحالة من الذهول، تتساءل معها أن كان ما شاهدتهُ كان حقيقياً أو معداً لتصوير فلم وثائقي يقوم بأخراجهِ غابريل دنهام ( شخصية أخرى في أحدى روايات درابل المبكرة ويظهر في قارب في بوابات العاج ) في كمبوديا " كيف يمكن للمرء تصديق أي شيء يقولهُ شخص آخر؟ كيف يمكن للمرء أن يصدق حتى ما يشاهدهُ بأم عينيهِ؟ … العظام هي عظام ، هذا صحيح … تزييف هذهِ الاشياء مكلف جدا… ولكن ماذا عن الاطفال المشوهين؟ هل يعقل أنهم أعدوا لفيلم سينمائي متخصص بالمؤثرات؟
وفي معرض محاولات الشخصيات الرئيسة في روايات درابل فهم مظاهر الوحشية الفردية والجماعية والعواقب البربرية الوخيمة الناجمة عن الاختلافات السياسية والثقافية التي لا يمكن التوفيق بينها، فأن البحث في أحجية "الطبيعة البشرية" الذي بدأ في الروايتين السابقتين من السلسلة، يصير بحثاً في أحجية "الاوضاع الانسانية". وبذا، فأن نطاق هذهِ القضايا والتساؤلات يتسع لتصير رمزاً موحياً وذلك أثناء أنتقالها من أنكلترا الى جنوب شرق أسيا:من سلسلة جرائم القتل التي أرتكبها بول وتمور ، الى السفاح ، مدمر الجنس البشري بول بوت ، من حوادث التفجير
المنفصلة مروراً بحوادث الموت والجروح العرضية التي تتخلل السرديات السابقة وصولاً الى ميادين القتل والتدمير البشري الواقعية في جنوب شرق أسيا. فضلاً عن ذلك، فأن الاشارات المتكررة الى اوديسة هومر واوديسة جويس، وشكسبير ( الى كوريولانوس المتعطش للدماء تحديداً ) ، وجوزيف كونراد ( الذي تتحدث عنهُ عدة شخصيات كـ " عرقي " [119، 174] على الرغم من تشابه الرواية ثيمياً مع قلب الظلام – من أكداس الجماجم الى الرؤية الاعمق للوحشية واليأس) تبين التلاعب البينصي المميز لاسلوب درابل بالتراث الادبي لاسلافها من الكتاب الكلاسيين والمعاصرين4. بيد أن
الاحالات الادبية في هذا السرد تظهر أن درابل ترتأي الالتزام بالمنهج التحويري في ما يخص نصوص أدبية ترسخت مكانتها سلفاً في أوج أنتشار الوعي بالتعقيد العالمي ما بعد الاستعمار – في عالم ليس بمقدور أي قانون أو رؤية أخلاقية متفردة فهمهُ أو تمثيلهُ5.
أن حادثة " الاختناق بالغاز السام " الذي تعرضت لها ليز أثناء بحثها عن ستيفن كوكس في كمبوديا تعد انعكاسا مجازياً لمنظور درابل الاجتماعي الحالي . كما أن العالم المجهول ، المنقسم والعنيف بأحداثهِ الاعتباطية الذي روع ليز هيد ليند يتجسد في دفتر ملاحظات ستيفن كوكس المعنون " قصص وحشية " ويتخذ لهُ رمزاً اضافياً في شخصية مدام اكرون ، وهي من الخمير الحمر وتندب عبثاً أفراد عائلتها ، المفقودين والمشوهين والموتى، الذين مزقتهم الحرب. وأسم مدام سافت اكرون – كالرواية ذاتها – هو كولاج لغوي يؤشر لثلاث أستجابات انسانية لفظائع الحرب: "انفذ
أهرب" Save take [e] run ] [ . وبوساطة هذهِ الشخصية الرمزية وأبنها المفقود الى الابد، مترا، فان درابل تصور الصدمة المصاحبة لفقدان الاحساس "بالاكتمال" سواء أتعلق ذلك بالاحساس بالجسد ، الذات ، العائلة ، العالم أو السرد ذاتهِ . وكما لاحظ بيتر بيرجر وثوماس لوكمان في سياق آخر فـ " نحن نعي العالم بوصفهِ مؤلف من عدة وقائع وبينما ننتقل من واقع آلى آخر ، [ فأننا ] نجرب هذا الانتقال كنوع من الصدمة " (21، مقتبس في مكهيل ، رواية ما بعد الحداثة 41) . وفي سرد درابل، يتم تحدي هذا الاستقرار،قطعهِ وفي نهاية الامر يصير وهمياً بفعل وعي ما بعد حداثي متفرد بمظاهر قلق الانقسام ، اللااكتمال، الضياع، الموت العنيف و/ أو الاعتباطي .
وفي محاولتها تمثيل فوضى "الحياة الواقعية" وأضطرابها الكامل بدقة اكبر (238)، تطور درابل شكل سردي قوامهُ تجميع [لصق] التفاصيل والمشاهد الهامشية لخطوط السرد الرئيسة، فضلاً عن تمظهرات مؤقتة لعدة شخصيات ثانوية ( ويشمل ذلك ، كما في الروايات السابقة ، ظهور عدة شخصيات من سردياتها المبكرة ) نشاهدها في مراحل مختلفة من حيواتها. وبذا فأن الانقسام والانفصال يؤلفان النسيج الحقيقي لبوابات العاج.
أن التحريف الدوري لانواع متعددة من القوائم التي تعلق بدورها، بشكل جاد وفي الان نفسهِ ساخر، على قوائم الببليوغرافيا في اوديسة هومر وعوليس جويس هو أحد تعابير السرد المتقطع الاشد وضوحاً . وأحدى هذهِ القوائم تحصي وسائل البحث التي بامكان اصدقاء ستيفن الراغبين بالبحث عنهُ الافادة منها ( 266- 267 ) . وتمثل قائمة اخرى ببليوغرافيا – بعناوين الكتب التي أوصى أبن زوج ليز هيدليند أياها بقرأتها استعدادا لرحلة البحث عن ستيفن في جنوب شرق أسيا (283) . وكما لاحظ الراوي بجفاء،" ربما تؤلف القائمة ذاتها مصدراً مناسباً للمعلومات الضرورية : قراءة متعجلة: أقطع النص : ضع العنوان . تقنية للعام 2000" ( 283 ) . تضم قوائم عبارات وجيزة مكررة من دفتر ملاحظات ستيفن كوكس : سلسلة من المشاهد (اللوحات) في دراما تاريخية مقترحة عن بول بوت ( 19-20 )، "استبيان" مشابه لما نجدهُ في الطريق المشع المقتبس أعلاهُ حيث تتفحص الكس باون تصوراتها عن التدهور الاجتماعي في أنكلترا، ولكن اهتمامهُا هذهِ المرة ينصب على أمور تافهة لا طائل منها مثل " ماذا حدث لكبد أخي لون بول؟"( 144 ).
لا يتوقف الآمر عند هذا الحد، أذ تعمد بعض الشخصيات الى التحدث بصيغة القوائم، فملكة جمال بانكوك ، الانسة بورتب ، التي يقابلها ستيفن كوكس، تمجد التأثير الايجابي الذي تركته الثقافة الامريكية عليها: "هل توقع المرء الحصول على حياة أفضل، كهرباء اكثر، سيارات صالون اكثر، صابون اكثر، رز اكثر، سكر قبقب اكثر، كوكا كولا اكثر، وهكذا ولمقطع كامل يتواصل تعداد الاشياء ويختتم بـ "أختيارات اكثر، حرية اكثر، ديمقراطية اكثر" ( 106 ). ومن ثم، يتلو ستيفن مختصرات منظمات الاغاثة ونكران الذات العالمية : ICRC , UNBRO , OXFAM
“COER , WR , FHH , FPP , WHO , UNICEF , UNHCR , ICRDP -
عاداً أياها " مختصرات خبيثة تتجمع مثل اسراب الذياب حول جراح الامم المريضة " ( 124 ) . وفي واقع الامر، فأن غالبية ملاحظات ستيفن كوكس ، المقحمة في السرد، هي أساساً عبارة عن قوائم : قصص عن اللقاءات، الاعمال الوحشية، النجاة، عدد من الدراسات الاحصائية عن حوادث القتل الجماعي التي قام بها السفاحون خلال التاريخ الانساني من فراعنة مصر الى تامبورلين وهتلر،أرقام تمثل أطنان المتفجرات والاسلحة الكيماوية المبيدة التي القتها القوات الامريكية على فيتنام أثناء الحرب ( 140- 141- 160 ) .
وتتخذ بعض القوائم الاخرى في السرد شكلاً تذكيرياً أشد الحاحاً، أذ تخمن الاحتمالات البديلة ذات الصلة بنشاطات شخصيات بعينها أو مصائرها . وأهتمام هذا النمط التخميني ينصب على شخصيتين رئيسيتين في الرواية: ستيفن كوكس وكونستانتين فاسيلو ( أبن روز فاسيلو، وأسمهُ معروف لدى قراء رواية درابل ثقب الابرة ، أذ قدم الى جنوب شرق أسيا كمصور فوتغرافي يعمل لحسابهِ) فضلاً عن شخصيتين رمزيتين : بول بوت ، رائد القتل الجماعي ، ومترا اكرون ، المفقود وموضوع أحدى الصور الفوتغرافية الرائعة التي التقطها كونستانتين ". أما أم مترا، مدام اكرون ، فقد
أضحت في احدى صور كونستانتين المؤثرة لها " رمزاً للحزن ، المنتحبة المشوهة " ( 151 ) ، التي ترثي أبنها المفقود في الحرب وسلسلة المذابح ، في الوقت الذي تعد فيهِ ضحية لذلك الدمار " أين مترا ؟ " تتساءل مدام اكرون (ونحن معها) :

مترا منحني يقرأ كتبهِ الطبية في العلية في أحد ضواحي باريس وفي
أواخر المساء يدرس أسماء العظام الصغيرة والكبيرة .
مترا راقد في مستشفى ميداني مبنى من اعواد الخيرزان ، وهو يهذي،
بساق قطُعت مؤخراً مترا في زي رسمي مُقلد انيق تختلط فيهِ الالوان الابيض والذهبي والاخضر وهو يحني رأسهُ عند المدخل المؤدي لفندق شانغري – لا .
مترا في زي تمويه ممزق ومعدات من الامم المتحدة يجلس على
الارض وحولهُ مجموعة من الاطفال يعلمهم فن القاء القنابل اليدوية التي
ليس لديهم ….
مترا يتجول في مروج فرساي الخضراء يستنشق العطر الارستقراطي
الزكي من القنينة أثناء مشاهدتهِ حركة النافورات البلورية .
مترا يجلس القرفصاء ويلقي بالفتات الى الدجاج في الباحة الخلفية لمطعم
فنوم بنه في مونتر يال مترا يعمل مترجماً وضابط أعادة توطين في مبنى لايواء اللاجئين في يورك شاير ديلز.
مترا توفي وهو ميت منذ عشر سنوات .
ربما لا يود أن يسمع أخباراً من والدتهِ . وربما أخفى متعمداً أماكن تواجدهُ. ( 159-160-161).
وبأختصار، فأن مترا موجود في كل مكان – أي مكان ، أو لا مكان – والاحتمالات المتعلقة باماكن تواجدهِ لا حصر لها، وهي ذات طابع تخميني، متناقض، وفي نهاية الامر تستحيل معرفتها.
وبقوائم أو أبتهالات كهذه التي تعبر عن، وفي الآن عينه ترفض معالجة التوتر بين الأمل والحزن، الاحتمالية وسوء الحظ ، المعلوم والمجهول – الذي لا سبيل لمعرفتهِ ، فأن درابل تعبر عن انهيار الحيوات الإنسانية بفعل الحرب والمجازر الفردية والجماعية . وقوائم الاحتمالات هذهِ تكشف من الناحية السردية عن حبكة منتظمة في سلسلة من الخيوط الممتدة في اتجاهات عدة– بدائل منفصلة، قصريه بشكل متبادل وليس بالإمكان لا حسمها ولا استثناءها‑7 . وعوضاً عن الراوي الكلي العلم في روايات درابل المبكرة ، الذي يتدخل بين الحين والآخر في النص تبرز شخصية محرك الدمى وهو يتلاعب بمجموعة الخيوط ويذكرنا بالطابع التخيلي للسرد ، فمن الآن فصاعداً، لن يكون بمقدورنا الاعتماد عليهِ لمعرفة تفاصيل القصص الكاملة للشخصيات أو حتى الكشف عنها ولو جزئياً. ودرابل تلجأ الى الاعتذار عن نواحي القصور في الرواية – مثل القصص غير المروية وعجز السرد التقليدي عن كشف تفاصيلها . وهي تتعمد، في توظيفها المتنوع للعناصر المحاكاتية في قوائمها السردية التي تتراوح من الوقائعية الواضحة إلى المحاكاة الساخرة (parody) إلى التخميني الواضح التلويح برغبتها للاتجاه نحو الحساسية ما بعد الحداثوية، لتؤشر بذلك تخيلية السرد وتدعو قراءها للتعاون معها في تلك البنية.
في بوابات العاج ، يستثار السائد المعرفي تارة ( ويذكرنا ذلك ، بالمصطلحات التي أستعملها مكهيل للأنماط الرئيسة من النصوص الحداثية وما بعد الحداثة ) –في محاولة الشخصيات " تفسير هذا العالم الذي [ يشكلون ] جُزءاً منهُ" ، مثل سفر ستيفن كوكس إلى كمبوديا ومن ثم بحث ليز هيدليند عنهُ وسط مظاهر الدمار المحيرة المنتشرة هناك – والسائد الوجودي –تارة أخرى .أن انتحال ليز المؤقت لشخصية " السيدة ستيفن كوكس " يقودها في نهاية الأمر الى التساؤل " أي عالم هذا؟ ما الذي ينبغي القيام به؟ من من ذواتي ينبغي أن يقوم بذلك؟ ( مكهل ، رواية ما بعد الحداثة 10 ) وفي الوقت نفسهِ ، فأن عدة شخصيات أخرى رئيسة وثانوية في السرد يوحي حضورها بالواقع الآني لـ " عوالم " مختلفة ، ولكل واحدة منها قيمهِ ومعتقداتهِ من هاتي اوزبون ،ممثل عنصر الترويج الفكاهي في الرواية في لندن الى مدام اكرون ،المنتحبة رمز الحزن والبلاء في جنوب شرق أسيا .
وبذا ، فأن بوابات العاج يمكن عدها خليطاً متداخلاً من المواقف وإستراتيجيات السرد التقليدية وما بعد الحداثية التي يُعبر عنها بوساطة عملية دمج محكمة لعدة نطاقات جغرافية ورمزية ومواضعات سردية متنوعة . أما البعد الأشد واقعية أو محاكاتية في الرواية فيتصل بليز هيدليند والوسط اللندني الذي تعيش فيهِ ، فما اصطلحت درابل على تسميتهِ " زمن الرخاء " هو أساساً عبارة عن " مكان مناسب". أما " الزمن العصيب " الذي يمثل جغرافياً " المكان غير المناسب " فهو جنوب شرق أسيا، الموقع الذي يجسد عملياً التطرف، الاضطراب الشخصي، الانقسام والموت ، في الوقت
نفسهِ الذي يستثير رمزياً " العالم السفلي " في جحيم الاوديسة . أن الراوي في مستهل الرواية ، يؤكد التعايش المشترك بين هذهِ النطاقات المتنافرة والتداخل الشديد في ما بينها: "زمن الرخاء يتعايش، جنباً إلى جنب، مع الزمن العصيب. ونحن في زمن الرخاء نستقبل رُسلاً يتعثرون في خطاهم عبر الجسر أو النهر، مشوهين وينزفون، الذهول يستولي عليهم، يموتون جوعاً ، يحاولون أخبارنا عما يبدو عليهِ الجانب الآخر ، ونحاول من جانبنا الإصغاء…ومشاعر الرعب ، الخوف والشفقة تستولي علينا " (3-4). والراوي الذي يحدث حالة التوتر هذه بين التصديق والإنكار المتواصل في
الرواية يتساءل مجازياً : " هل يمكن تصديق هذهِ القصص القادمة من وراء القبر ؟ هل يحتمل أن هذهِ الأمور تحدث في عالمنا، زماننا؟" ( 4 ).
وفي منطقة الشك والتطرف الظلية المعتمة تلك ، يتجاور الحقيقي ( ستيفن كوكس وغيرهُ من المسافرين الغربيين ) والرمزي أو الصوري (مدام اكرون وأبنها المفقود، مترا، "الشرق الأدنى" ذاتهُ المبهم والمليء بالإلغاز). علاوة على ذلك، فأن ستيفن كوكس يجتاز عدة نطاقات سردية: فهو الجسر الذي يربط المعلوم ( أحد افراد الوسط الاجتماعي الذي تنتمي اليهِ ليز هيدليند والكس باون) والمجهول ( ما هو الغرض الحقيقي من مجيئهِ إلى كمبوديا؟ كيف توفي؟) . ويعمل ستيفن آنياً كـ "شخص حقيقي" حسب التقليد المحاكاتي وكرحالة رمزي في ميادين القتل في النطاق المتخيل / العصي على الخيال.
والموضوعات التي تتناولها درابل في بوابات العاج تضم عدداً لا حصر له : التاريخ، علم الاجتماع، الأنثروبولوجي، النظرية السياسية، الفن، الأدب، هوليوود، الفلم، فن التصوير الفوتوغرافي، الفن الإباحي، التحرش الجنسي، العرقية، آكلة لحوم البشر، شكسبير، مل، كونراد، رامبو ، مالرو ، الدورة الشهرية لدى النساء ، الحمل ، الاختناق بالغازات السامة والتلوث…والقائمة لا تتوقف عند هذا الحد ، فهي تضم عدة موضوعات أخرى . والرواية فضلاً عن ذلك مليئة، حتى لتكاد تختنق بالتفاصيل، فهناك العديد من الشخصيات، الحوادث، القصص، الأفكار ، القوائم ، نسيج
ثيمي مكثف وجد ثري ، تسهم في نهاية الأمر في تمكين درابل من أيجاد مسوغ لظهور النص السردي بهذا الشكل االفوضوي وتخليها على ما يبدو عن نمط "الرواية الفرويدية ، النفسية القديمة الطراز" (461) – وهو النمط المفضل لدى ليز هيدليند إذ أن لهُ بداية محددة ويواصل التحرك بلا هوادة إلى النهاية . أنها لا تحب الفوضى في حد ذاتها ، فهناك ما يكفي منها في الحياة الواقعية ، وليس ثمة حاجة لابتداع المزيد منها " (238).
وعلى الرغم من اعتراضات ليز هيدليند ، فأن الراوي في بوابات العاج يجعل منها، في تعليق طويل ومفصل لهُ يعكس على نحو مؤكد أفكار درابل نفسها ، الممثلة الأشد وضوحاً وامتداداً لمظهر التدخل في رواياتها الذي تعبر عن عدم اقتناعها "بالرواية الفرويدية، السايكولوجية القديمة الطراز" وفرضياتها السردية التقليدية. أنها ترغم قراءها على القبول بضرورة الشكل " المتقطع " المضطرب الذي أختارتهُ وحتميته :
كان يمكن لهذهِ القصة أن تكون قصة البحث عن أبن مدام اكرون،
مترا والعثور عليهِ : قصة إنسانية مؤثرة. أو كان يمكن لها أن تكون
قصة البحث عن ستيفن كوكس والعثور عليهِ . وكان يمكن ، ربما،
وضع نهاية سعيدة لهذهِ القصة أيضاً : ربما ، حتى حفل زفاف ؟ وقد
تعتقد بأنهُ كان يمكن لإحدى هاتين القصتين أو كلاهما وقد نسجتا داخل
حبكة قصصية متينة أن تخرجا الى الوجود ببنية سردية اكثر اقناعاً من هذهِ .وربما تكون على صواب، أن سرداً كهذا يتطلب مقداراً معيناً من المهارة،
وتوظيف بارع لمصادفات غير محتملة، وترتيب صارم نوعاً ما
لتحركات السكان والشعوب. ولكن، لا ينبغي لهذا كلهُ أن يتجاوز
قدرات روائي ذو تجربة معقولة في ميدان الكتابة . ويمكن للمرء أن يفرض أرادتهِ…
بيد أن سرداً كهذا لن يحالفهُ الحظ ،أذ أن درجة اللاتطابق بين السرد والموضوع جد كبيرة. فلم نقحم قصة عن مصير فرد ما في آخرى تتناول (على أقل تقدير) مصير مجموعة بشرية باكملها؟ شعور بالقلق والحيرة يستولي على الكاتب في مستهل محاولاتهِ اختيار أفراد من التاريخ الإنساني، من المجموعة البشرية للكتابة عنهم ؟ لماذا هذا الشخص بالذات ؟ لماذا لا يكون شخصاً آخر؟
ربما ، ولاجل تناول هذا الموضوع ، ينبغي على المرء أختيار أشد الاشكال أنقساماً ، اضطراباً ، تشوشاً وعجزاً ، ، شكل يحرمك تماماً وبسهولة شديدة من الشعور بالراحة والرضا. أننا نلجأ بسهولة شديدة الى المعلوم، فالشعور بعذاب أو ألم من نوع ما، في حد ذاتهِ، شعور مريح ما لم، نجربه بأنفسنا، بالطبع.( 137-138 ).
ودرابل ،من ثم ،تؤكد مظاهر التوتر بين المواقف الواقعية وما بعد الحداثية في السرد. أذ، ومع اقترابنا من نهاية بوابات العاج ، فأن الراوي يقصي كونستانتين ووالدتهِ روز فاسيلو عن حفل الاستقبال الذي اعقب التأبين الرسمي لستيفن كوكس، لاصرارهِ على انتمائهما الى "عالم وبيئة مختلفة، فقد أنتقلا الى هذه القصة من الرواية الفرويدية النفسية، القديمة الطراز، وليس بمقدورهما الاختلاط ولا التآلف مع ضيوف ليز هيدليند" ( 164). والسبب في عجزهم عن القيام بذلك لا يتضح مباشرة لان كونستانتين فاسيلو يلتقي سلفاً بستيفن كوكس ويتعرف عليه في أجزاء مهمة من السرد السابق.
وعلى الرغم من الخاتمة التقليدية في قصة ستيفن كوكس – نُعيَ اختفاؤه في جنوب شرق اسيا في حفل تأبيني فخم في لندن – فلا عزاء في احتمالية موتهِ عبثاً بسبب الحمى واليأس في الغابات . ولا يبدو واضحاً لدينا- اذا ما تذكرنا التوقعات التي تثيرها" الرواية النفسية، الفرويدية القديمة الطراز " هل احدثت رحلة ليز هيدليند الى كمبوديا أي تغيير داخلي فيها أذ أنها جمعت بسهولة نوعاً ما، شتات حياتها السابقة حال رجوعها الى انكلترا، على الرغم من " حداثة " ترملها" (398) بفعل موت ستيفن كوكس المفترض .
وعلى الرغم من أن شكل السرد المتقطع في بوابات العاج تعكس محاولة درابل تمثيل عالم ما بعد الحداثة ، اللاعقلاني والمبهم " في نهاية التاريخ" ( 462 )، الا أن الشخصيات الرئيسة ، وكما اعتقد ، درابل نفسها ، تكشف عن توق للوحدات القديمة ، للحقائق الاقدم التي تؤكد السرد والمضمون العاطفي . الروايتان السابقتان لبوابات العاج تختتمان أيجابياً ، بلقاء الاصدقاء الثلاثة – ليز هيدليند، الكس باون واسثر برور مجدداً. ولكن نهاية بوابات العاج الايجابية تكون على الاغلب خادعة، أذ أخذنا بعين الحسبان السرد المتقطع الذي يسبقها: أذ تخطط النسوة
الثلاث، اللواتي يلتقين في حفل التأبين الرسمي لستيفن كوكس ، للقيام برحلتهن التالية سيراً على الاقدام ، ليتسنى لهن ، على الاقل مؤقتاً، نسيان "كل شيء حول الشيخوخة والموت" كما تقول ليز (460).
أن الشعور بالحنين الى ارتباطات ذات معنى يتعايش جنباً الى جنب، وفي الآن نفسه يتداخل مع الانقسام والتشتت النفسي وبتر الاعضاء الرمزي والحرفي ليؤلفا معاً ظروف مُعرفة لتجربة أواخر القرن العشرين . وفي واقع الامر، فأن الرغبة بوجود ذي معنى تعد ملازمة للموقف ما بعد الحداثي الذي ينتقد احتماليتهاِ .8 وكما بينت الكس باون أثناء الحفل التأبيني لستيفن كوكس ، فأنهُ حتى لو كان الله ميتاً ، وحتى " لو انكرت وجودهُ تماماً …فأن الالم في الاطراف المبتورة يتواصل"( 439 ). في واقع الامر، فأن صور بتر الاعضاء التي تلغي احتمالية الاكتمال أو الحل لا تظهر في توق الكس الروحي حسب، بل في الشخص الرمزالهائم على وجهه الذي تختتم الرواية بصورتهِ. وهنا ، نجد أن مترا اكرون واخرون لاقوا نفس مصيره وهم يسيرون" مسلحين، ينزفون دماً ، ومتعطشون للدماء" يعد رمزاً لجميع أبناء الامهات ،الذين بترت أعضائهم على نحو أما مجازي أو حرفي بفعل الحروب والأنقسامات الثقافية. أن بوابات العاج هي قصة الوحشية والشناعة " ، وكتبتها درابل لتكون شاهداً على حالة الانقسام الشديدة الاضطراب والفوضوية في التجربة المعاصرة . والمغزى المظلم المأساوي لهذهِ التجربة المعروض باشكال متطرفة بوصفه أرثاً للحرب والقتل الجماعي في
جنوب غرب اسيا يتوغل في" الحيوات " العادية لشخصياتها الانكليزية .
النص يختتم بقائمة أخيرة ، يمكن دراستها وفقاً لمنظور ما بعد الحداثة أو المنظور التقليدي : قائمة ببليوغرافيا من صفحتين تضم المصادر عن كمبوديا وفيتنام التي افادت منها درابل في كتابة الرواية( 463-464 ). والقائمة تبين، في حالة القراءة التقليدية، مديونية المؤلفة لهذهِ المصادر، أما في حالة قراءتها باسلوب ما بعد الحداثة، فانها تًصير الى قائمة اخيرة تشمل معلومات وقائعية تسلط الضوء على الطابع التخيلي للسرد الذي تختتمهُ.
وفي الختام ، فأن بوابات العاج لا تكشف عن حدود المحاكاة السردية المقيدة حسب بل تقررها أيضاً – على الاقل المحاكاة كما وظفتها درابل ( حتى ولو واصلت اهمالها في ما بعد ) وذلك في محاولتها تمثيل حالة التشظي الثقافي والشخصي على مقياس شامل غامض كهذا. ودرابل بذلك تكشف عن موقعها الحرج نوعاً ما، العالق في مكان ما بين الواقعية وما بعد الحداثة. أن نواحي التوتر بين المعلوم والمجهول ، الحقيقي والمتخيل –أو العصي على الخيال- تتملص بشكل حتمي من الحل . وفي الوقت نفسهِ ، فأن درابل تجد متعة فائقة في محاكاة بعض ستراتيجيات ما بعد الحداثة الاقوى وعياً
بذاتها : في بداية الرواية ، تتأمل الكس باون بصمت متعلقات ستيفن كوكس الادبية المبعثرة لتستخلص منها عبارة "اكتب بنفسك هذهِ الرواية المبعثرة الاجزاء"(9) . أن أسماء الاشخاص الذين يقابلهم ستيفن كوكس في رحلتهِ من لندن الى فيتنام تشمل الانسة يورنتب غير المحتملة، ملكة جمال جنوب شرق اسيا التي يدعوها اصدقاؤها" أو"(100) وقائد الطائرة ، الكابتن بارودي (Parodi). ولئلا يغيب عن الأذهان مغزى المعلومة الاخيرة ، فأن درابل تجعل ستيفن كوكس يتساءل مع نفسهِ: " هل هناك ما هو أفضل للمرء من التحليق في المجهول ؟ نحن نعيش في زمن المحاكاة الساخرة؟ (40). وبايمأة تأليفية بارعة من درابل ، يستذكر ستيفن [شخص] آخر بأسم بارودي قابلهُ أثناء رحلاتهِ ،وهو "مدير فندق غراند هوتيل في كابورغ ، فندق بالبك ، الذي أتخذهُ بروست مقرأ لهُ"(40). ولكن ، ولاقرار التناقضات المميزة لما بعد الحداثة ثانية ، فان المحاكاة الساخرة هي في حد ذاتها "شكل ما بعد حداثي متكامل … لانهُ ، وبشكل مفارقي يتضمن الشيْ الذي يحاكيه وفي الآن نفسهِ يتحداه"(هتجيون11).
وستيفن كوكس، الكاتب الذي يطمح الى نسيان احداث الماضي وكتابة مسرحية عن السفاح بول بوت، يمكن عدهُ ، بين اشياء أخرى، رمزاً للصعاب التي تواجهها درابل في محاولاتها اضفاء شكل أدبي على الوحشية والفوضى. أن دمجها الطموح ما بين الستراتيجيات السردية المحاكاتية والمعاصرة معاً يظهر قصوراً في أستيعاب درابل لتحدي ما بعد الحداثة: تصوير حالة التعقيد في اللحظة التاريخية الراهنة بوساطة بنية أدبية تدلل على" اللاتطابق بين السرد والموضوع " على الرغم من عدم زعمها حلهُ (بوابات العاج 138) .
الهوامش والملاحظات:
*ربيبة هيرود انتيباس. وفقاً للروايات المسيحية، تعد سالومي رمزاً للاغواء الانثوي. رقصت سالومي امام هيرود ووالدتها هيروداس بمناسبة عيد ميلاده، وبفعلها ذلك، اعطت والدتها الفرصة للحصول على رأس يوحنا المعمدان الذي رفض الاعتراف بشرعية زواجها من هيرود. (موسوعة ويكيبديا)
1- نسبَ مكهيل " التساؤلات الأدراكية" المتعلقة باتجاهات الحداثة وما بعد الحداثة الى دك هجنز (الذي أستعمل مسميات أخرى مثل " الفن الأدراكي وما بعد الأدراكي) في كتابه (ديالكتيك(جدل) القرون :ملاحظات حول نظرية الفنون الجديدة ،نيويورك وبارتن، 1978 ). وتزعم لندا هتجون، تداول عدد من منظري ما بعد الحداثة لأزواج الصفات ذاتها ، ولكن في مواقع معكوسة، أن "تناقضات ما بعد الحداثة لا يمكن وصفها بمصطلحات أما / أو (بالأخص في حالة توظيفها – أي الصفات- على نحو متبادل).
2- ينظر روبنستين ، "الجنسانية".
3- ينظر روبنستين ، " الرؤوس المقطوعة".
4- أن الأقتباس الأستهلالي لـ " بوابات العاج " هو توضيح بنيولوبي لـ " الغريب "-أوديس، قبل الكشف عن هويته- ذات الصلة بالأحلام " الأحلام ربما تٌحير وربما تضلل. أنها لا تنبؤنا بالحقيقة دوما. أنها تصل ألينا عبر بوابتين : واحدة مصنوعة من مادة القرن ، والأخرى من العاج. الأحلام التي تصل ألينا عبر العاج الخائن تخدعنا بصورها الوهمية للأمور التي لن تحدث أبداً، أما تلك التي تظهر لنا عبر القرن المصقول فتتحدث بوضوح عما يمكن حدوثه وما سوف يحدث(هومر، الأوديسة ، الكتاب 19 ، الابيات 560 –565 ).ولأقتباسها العنوان من البوابة التي تمر خلالها الأحلام
الخادعة، فأن درابل تؤكد صفة الحلم أو " اللاواقعية" في الجوانب السردية للرواية.
وعلى نحو آسر ، وفي ضوء تلاعب درابل البينصي والمحاكاتي بكل من الطبعات الكلاسيكية والحداثوية لـ الأوديسة، علاوة على تجريبها للستراتيجيات السردية ما بعد الحداثوية،يزعم بريان مكهيل أمكانية قراءة عوليس جويس بوصفه نص ما بعد حداثوي رغم أستلزام ذلك لمعرفة دقيقة بعدة فترات تأريخية متعاقبة. وبهذا المعنى ، فأن رواية جويس هي " فضيحة أدبية –تأريخية. أنها تعد نص مؤسس "للحداثة العالية" وفي الآن نفسه " نص ما بعد حداثوي"، فهو " تبيان وتلخيص ، وفي الوقت نفسه ، محاكاة ساخرة " لشاعرية الحداثة"، وهو يُعرف الحداثة ويدعمها ولكن، في الآن عينه،
يتجاوزها وينسفها( بناء ما بعد الحداثة، 55 ، ينظر أيضاً ، 42-58)
5- لاحظت لندا هتجون أن التناصية في نصوص ما بعد الحداثة هي" تمظهر شكلاني للرغبة في سد الفجوة ما بين ماضي القارئ وحاضره والرغبة في أعادة كتابة الماضي في سياق جديد....أن التناصية ليست محاولة لأفراغ التاريخ او تحاشيه. بل أنها، عوضاً عن ذلك ،تواجه على نحو مباشر ماضي الأدب. أنها تستعمل، وفي الأن عينه، تسيء استعمال الإيحاءات البينصية، فترسخ تلميحاتها القوية، ومن ثم تعمل على تقويض تلك القوة بوساطة السخرية.
6- في قسم أثاكا في عوليس أعد ليوبولد بلوم قائمة بعناوين الكتب المتنوعة التي شاهد أغطيتها الخلفية وهي منعكسة في مرآته من دليل مكتب بريد دبلن لثوم الى عناصر الهندسة الموجزة ولكن المبسطة (708 –709).
7- كما لاحظت لندا هتجون أن " ما بعد الحداثة تعتمد منطق ‘كلاهما / و’ لا ‘أما / أو ’( 49).
8- هتجون تؤكد أن " ما بعد الحداثة مشروع ثقافي ينطوي على تناقض ، مشروع متداخل على نحو وثيق في ذات الشيء الذي يسعى لمعارضته"(106).


*المقالة منشورة في مجلة الثقافة الاجنبية العدد الرابع ،2004

د. هناء خليف غني
اكاديمية ومترجمة من العراق
hanaakhleif@yahoo.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

تعليقاتكم
1. تحية وشكر
د. معن الطائي | 1/6/2010 الساعة 08:07
شكرا لدكتورة هناء على هذا الجهد المتميز و الترجمة الاحترافية التي اعادت بناء النص الاصلي بوضوح و دقة نقدية عالية. شكرشخصي لان هذا البحث سد نقص في دراسة اعمل على انجازها حاليا.
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث