الإثنين, 11 كانون الأول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
الأدب الـعــالـمـــي الـجـديـــد
نجم والي
الأدب الـعــالـمـــي الـجـديـــد
نجم والي

من الأجوبة الطريفة التي حصل عليها صاحبي من أحد الناشرين الذين أرسل لهم نسخة من روايته التي كتبها مباشرة في اللغة الألمانية: "لقد قرأنا مخطوطتك بإمعان. نعتذر عن عدم طباعتها، لأن برنامجنا مزدحم حتى نهاية الأربعة أعوام لاحقة." لهذا الحد يبدو الجواب طبيعياً،


لأنه لم يكن أول جواب تسلمه صاحبنا الذي لا يزال يصر على تجريب حظه بالكتابة بالألمانية مباشرة، لكن الجواب هذا يضع من الناحية الأخرى، كما يقول المثل الشائع، النقاط على الحروف، عندما يضيف:" لقد أعجبتني روايتك مثلما أعجبتني النسخة التي أرسلتها لي من قبل. بصراحة أقول لك أنك مع الأسف لا تعيش في إنكلترا وتكتب باللغة الإنكليزية مباشرة".
ليس ذنب صاحبي أنه يعيش في ألمانيا منذ قرابة ثلاثين عاماً، أكثر من نصف عمره قضاه هنا. وإذا كان صاحبي وجد في ذلك الجواب بعض العزاء وبعض الفكاهة، فإن فرنسا كانت فهمت ما يدور حولها قبل صاحبي، عندما بدأت الحكومة هناك تتشدد بتطبيق قرار كانت أصدرته قبل أكثر من عقد من الزمن، وكما يبدو إنه أصبح روتيناً، والذي يلزم كل المحطات الإذاعية في فرنسا بتكريس أربعين بالمائة من برامجها من بضاعة الأغنية الفرنسية. موسيقى الروك المحلية التي تغني بالإنكليزية لا تدخل في الحساب طبعاً. الأمر الرسمي ذلك والذي تعيد تقييمه كل عام لجنة خاصة شٌكلت لهذا الغرض هو جزء من حملة كبيرة من أجل الفرانكفونية. من غير المهم الآن، سواء وجدنا القرار مثيراً للإعجاب أو للفضول؛ المهم هو أن القرار ذلك وهذا ما يقوله المختصون، حقق في البداية نجاحاً متواضعاً، تضاءل مع مرور السنوات، ومن رأى الحفل الغنائي الذي أقيم على هامش فوز مرشح اليمين المحافظ الفرنسي، نيكولا ساركوزي، قبل ثلاث سنوات سيتذكر كيف أن الغناء باللغة الإنكليزية تسلل في تلك المناسبة وفي حفل انتخابي لرئيس فرنسي محافظ، فمن كان يتخيل أن يحدث قبل ذلك؟ أن تغني مغنيتان أميركية وبريطانية تحية للرئيس الجديد، مباشرة بعد غناء النشيد الوطني الفرنسي من قبل المغنية الفرنسية التي كانت يسارية ذات يوم، ماري ماتيو؟ رغم أن المحاربين "الفرانكفونيين" وللطرافة لا يريدون الاعتراف بهزيمتهم.
لكن ما هو وجه الغرابة في ذلك، إذا أصبحت اللغة "الفرانكفونية" للعالم الحديث اليوم هي اللغة الإنكليزية، بلا منازع. في كل فنادق ومطارات هذه الأرض، في كل المؤتمرات والكومبيوترات، اللغة الإنكليزية هي السائدة. بعض الأحيان يبدو الوضع مرعباً، لدرجة أن المرء سيكون سعيداً لو لم يكن يعرف التحدث باللغة الإنكليزية، لكي يترك لنفسه حرية التمتع بلغة حركة الإشارات "العالمية"، في البلدان الغريبة.
على أية حال لا يقتصر التكلم باللغة الإنكليزية على سائق التاكسي وعالم الفيزياء، إنما يرن صدى اللغة الإنكليزية من منغوليا المغولية حتى الصَعيد المصري. الإنكليزية هي أيضاً لغة أدب يُمكن تسميته للمرة الأولى حقيقة أدباً عالمياً. أدب يكتبه غالباً مؤلفون، مكان ولادتهم ليس نيويورك أو لندن، إنما بومباي، سانت بطرسبورغ، أو شنغهاي. الأدب العالمي ما بعد الكولونيالية مكتوب بالإنكليزية، وليس الأدب الإنكليزي.
الشاعر الكبير ديريك والكوت الذي يعيش في ترينداد وأيضاً في مدينة بوسطن الأميركية، صرح ذات مرة، في إحدى مقابلاته الصحفية: "أنا في الأصل ودون تقيدات أديب كاريبي. ليس هناك أحد يستطيع أن يجعل اللغة الإنكليزية ملكاً له. اللغة الإنكليزية تعود إلى الهجرة.". ملاحظة والكوت القيمة، نجد تكملة لها في مقال للناقد الأدبي الإنكليزي المولود في أوكسفورد من أبويين هنديين بيكو إيير، يطرح فيه فرضية جريئة، يذهب فيها ابعد من صاحب النوبل ديرك والكوت، إذ يقول، "أن المواطنين السابقين من سكان المستعمرات الإنكليزية السابقة ‘احتلوا دائماً مكان الصدارة في الأدب المكتوب بالإنكليزية". إيير يحصي قائمة طويلة من الكتاب الذي حصلوا على أهم جائزة أدبية في بريطانيا، جائزة البوكر، لنكتشف معه أن نسبة كبيرة منهم، لم يولدوا من أبوين إنكليزيين: مثلاً، سلمان رشدي من الهند، ميشائيل أونداتجة من سري لانكا، آرافبيند آداجا..وغيرهم. "هنود يصفون لندن التي تشبه بومباي أكثر مما تشبه بومباي نفسها؛ كتاب رواية يابانيون لا يستطيعون قراءة أية رواية يابانية؛ صينيون يكتبون عن صين لا يعرفونها إلا في قصص أمهاتهم ـ هؤلاء كلهم نماذج لكل أولئك البشر الذين لا يملكون وطناً جديداً جداً أو وطناً قديماً جداً، إنما يملكون وطنين على نصف الطريق في الوقت نفسه "، كما كتب إيير.
المكان الذي يشكر له هذا الأدب إلهامه وقوة بواعثه هو العالم كله ـ عالم أصبحت فيه هجرة الشعوب روتيناً يومياً وتصادم الثقافات حالة طبيعية. كاتب مثل جوزيف برودسكي (الشاعر الروسي الأصل الحائز على جائزة نوبل والذي مات في مقتبل الشباب) أو حنيف قريشي أو كازو إيشيرو، كل أولئك الذين يكتبون في الإنكليزية هم كوسموبوليتيين بسبب ضرورات الحياة، بسبب متطلبات الحاجة، صدفة أو بقناعة، وهم كتّاب معروفون في العالم وأدبهم مترجم إلى لغات عديدة. لكن ولكي نعود مرة أخرى إلى ديرك ولكوت، "ليس من حق أي أحد أن يكون فخوراً باللغة "الفرانكفونية" الإنكليزية. أنها أمر واقع، تاريخها أيضاً هو تاريخ الاستغلال". من جانب آخر أن مثال سلمان رشدي، التي تقترب الفتوة ضده من عامها العشرين (على ما أعتقد)، يؤكد أن نجاح الأدب العالمي لا يحدث دائماً بصورة مجانية.
الأدب العالمي هو :"ثروة مشتركة للإنسانية، وعلى كل واحد منا أن يفعل ما يقود بالإسراع على مجيء هذا العصر" هذا ما كتبه الألماني غوتة وهو يتحدث عن "الأدب العالمي" الذي لم يعرف آنذاك شيئاً من كل ما حملته العولمة في زماننا.
من أجل الرجوع إلى صاحبي الذي عندما سألته لماذا لا يهاجر هو الآخر إلى لندن ويتقن الإنكليزية بعد أن يئس من الكتابة بالألمانية، لكي يكتب فيها، فربما نجح هناك، أجابني: "لا تعتقد أن المشكلة هي في سني الذي تجاوز الخمسين بست سنوات"، المشكلة هي حسب ما أكده لي، إن صديقته الإنكليزية الجديدة بعد طلاقه من زوجته الألمانية، يقع بيتها في حي إلينغ اللندني، ولن يتعلم الإنكليزية بسرعة، لأن الكثير من أبناء جلدته الذين يرطنون لغته يقطنون هناك، وهو بانتظار أن تبيع صديقته بيتها هناك، لينتقلوا إلى حي آخر. حتى ذلك الوقت على الأدب العالمي أن يسير قدماً من دونه!


نجم والي
روائي عراقي مقيم في برلين
najemwali@hotmail.com

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث