الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
الهبوط الى الجحيم/ دراسة في الروايات الاخيرة لدوريس ليسنغ
باتريك بارندر- ترجمة : د.هناء خليف غني
الهبوط الى الجحيم/ دراسة في الروايات الاخيرة لدوريس ليسنغ
دوريس ليسنغ



تعد دوريس ليسنغ من اهم وابرز روائيات الافكار في القرن العشرين، فقد تابع القراء في ارجاء العالم نتاجها الروائي في العقود الثلاثة الاخيرة بتحولاته المتعددة من الشيوعية التقليدية الى الفمنستية واللاعقلانية والصوفية واللاتحليلينفسية واخرها الروحانية الكونية. وقد قادها احساسها الانتقائي بالاشكال القصصية من الواقعية الاجتماعية الى ما بعد الحداثوية والفنطازية الميثولوجية وما اسمته "قصص الفضاء". تعد (المدينة ذات الابواب الاربعة)(1969) من بواكير الروايات التي تظهر فيها ليسنغ (حسب مقولة احد شخصياتها) بوصفها "لا تمثل شيئاً سوى- كاساندرا"، عرافة القدر الذي تتوقع ليسنغ اجتياحه الحضارة الغربية قبل نهاية القرن العشرين. بداهةً، ان موقع ليسنغ كروائية نبؤية معروف حالياً ومحتفى به، على الرغم من تأليف العمل البراغماتي نسبياً (المفكرة الذهبية)(1962) وما زال لأحد اهم رواياتها واشدها تأثيراً. حقيقةً، ليس ثمة تقييم موضوعي لأعمالها بمقدوره التغاضي عن خصائص التساوق والجموح الكوني للرؤية التي تتكشف عنها رواياتها.
العقلانية واللاعقلانية هي متضادات جدلية لا محض متضادات منطقية في بنية العقل الغربي. وبقول مختلف، ومثلما اتاح العالم الفرصة لأنتهاكات المنطق، التي بلغت ذروتها في الشعور بالهلع من كارثة نووية مرتقبة، فأن التفكير المعاصر اللاعلمي يمثل نتاجاً جلياً لعصر التنوير المنشغل على نحو مثير بالنظريات التنظيمية للأنسان والتأريخ، والافتتان بالمشاهدة الدقيقة ومبرهنات الحواس. ان وجهة نظر دوريس ليسنغ ليست استثناءاً، فعلى الرغم من اختراعاتها الكوزمولزجية المذهلة، لم تأت (شيكاستا) (جونثان كيب، 1979) وهي الاولى في سلسلة "روايات الفضاء" (كانبوس في ارغوس: حقائق ارشيفية) بجديد يخالف رؤية التأريخ المعاصر لليسنغ المبينة سلفاً في (المدينة ذات الابواب الاربعة) وخليفتها (جلسة للهبوط الى الجحيم)(1971) و(مذكرات ناج)(1974). حقيقةً، ان تكرار ظهور مارثا هس (مارثا كويست) وشخصيات اخرى في (المدينة) بأدوار ثانوية في (شيكاستا) لهو خير دليل على الوعي الذاتي الذي تحاول ليسنغ عبره التوصل الى بنية فلسفية وتأريخية ودينية شاملة. لذا، يبدو لزاماً، اعتبار اعمالها الاخيرة وقراءتها مجموعة واحدة قبل دراستها، على وفق تنويعاتها الشكلية، منفصلةً. ان ليسنغ تفكر في نظامها الرؤيوي باسلوب يوازي في جديته جدية الشاعر والمسرحي الايرلندي، وليم بتلر ييتس- وربما فاقته في ذلك. ومع ذلك، فليس بمقدوري تحديد الاسلوب الذي سيعتمده النقد الادبي في التعامل مع هذا النظام عدا كونه اما تنبؤات خاطئة (او ربما خاطئة جزئياً) او أختلاق شعري. فأذا كانت ليسنغ، حقاً وصدقاً، العرافة التي تدعيها، فأن اعتماد أي اسلوب اخر خلا الايمان الاعمى او التملق سيكون، حتماً وقاحة. في 1957، في ذروة طورها الليبرالي الشيوعي السابق، كتبت ليسنغ مقالة للتعليق على كتاب توم ماشلر (اعلان) حيث عزت مهمة الكاتب في المجتمع الى امتلاكه/امتلاكها "الصوت الشخصي الصغير." ما زال صوت ليسنغ شخصياً والى جانب موضوعات عداوتها وتعدد اوجه اهتماماتها فهو ما زال صغيراً خافتاً. ولكنه اضحى بأضطراد صوتاً كتابياً منتحباً في برية اختارت بنفسها الاقامة بها. وهدفي الاول في هذا المقال هو تسليط الضوء على الطبيعة التنبؤية التي تجود بها رواياتها الاخيرة.
البشر، حسبما تعتقد ليسنغ، مخلوقات خاطئة. ان الامر لا يتعلق ببساطة في شيوع مظاهر الانحطاط والانهيار في تأريخ القرن العشرين، فسجل التأريخ البشري بأكمله، في حال فهمناه بصورة صحيحة هو سجل مدوي للانحطاط والانهيار من مستوى الثقافة والرقي الذي شهدته العصور المبكرة والبربرية ظاهرياً. لقد تركت الحضارة ما قبل التاريخية لبنائي الميغاليث* بصماتها الواضحة في "اللاوعي الجمعي" للجنس البشري، ولذا، ثمة دوماً فرصة لأحياءها واستعادتها في "الفضاء الداخلي" للهلوسات والرؤى والاحلام. ثمة انواع ثلاثة من الصور، مستمدة كما يبدو من اللاوعي الجمعي، ما فتأت تتكرر في اعمال ليسنغ، وهي صورة البحر او صورة الرحلة الغرائبية الجريئة الى او عبر البحر، والفردوس الارضي، الارض التي يتعايش عليها الانسان بسلام وتناغم مع الحيوانات واخيراً صورة المدينة المثالية التي تتخيلها بطلة ليسنغ الاوتوبايوغرافية، مارثا كويست، في لحظة تجل رؤيوية اثناء مراهقتها التي قضتها في مزرعة زامبية. "تأملت [كويست] الارض المحروثة عبر الطريق الى تلال دمفريس واعادة تصوير ذلك البلد البكر في خيالها. هناك ارتفعت غيمة بيضاء متلألأة فوق الشجيرات الخفيضة والاشجار الصغيرة. يالها من مدينة نبيلة، مربعة الشكل ومحاطة
بصفوف من الاشجار على طول شوارعها المزدانة بالورود. كانت مزدانة بالنافورات المتدفقة واصوات الناي تصدح ومواطنوها يتنقلون سودهم وبيضهم وسمرهم بوقار ووسامة. وهذه المجموعات من الشيوخ تتوقف وتبتسم بحبور عند رؤية الاطفال-الاطفال الشماليون ذوي العيون الزرق والبشرة الناعمة يلعبون بمرح مع اطفال الجنوب ذوي البشرة البرونزية والعيون الغامقة. نعم انهم يبتسمون ويغمرهم الفرح ويرحبون بهولاء الاطفال متعددي الاباء الذين يركضون بين الورود والمجازات والمسالك، عبر الاعمدة البيضاء والاشجار الطويلة لهذه المدينة القديمة والرائعة(مارثا
كويست)(1952).
للوهلة الأولى، يبدو ذلك للقراء رؤية تنبؤية للقدس الجديدة متعددة الاعراق التي تمهد لتحول مارثا من قيم المستوطنين البيض الى قيم الاشتراكية والشيوعية. ولكن عند التفكير بتمعن، يمكننا تمييز المدينة "القديمة والمذهلة" بدقة اكبر. انها "المدينة الاولية الاصلية" التي ظهرت للمرة الأولى في الازمان ما قبل التأريخية؛ المدينة التي قال عنها لويس ممفورد انها تشكل "اساس الفكرة والمعتقد الطوباوي"1. هذه المدينة هي التعبير المرئي للجمال والنظام-انها تمثيل رمزي للنظام الكوني ولذا، فرؤية مارثا تمثل ذاكرة عرقية لمدينة الشمس المثالية التي الهمت
العواصم الامبراطورية والاسطورية في افريقيا والشرق الادنى. في هذا السياق، اود التنويه ان قراءة كهذه، التي تبدو متكلفة ومفروضة اذا اهتممنا بمارثا كويست حصراً، تغدو حتمية متى ما قرأ المرء روايات مثل (جلسة الهبوط الى الجحيم) و(شيكاستا). في الرواية الاخيرة، اضافت ليسنغ الى ارضها ما قبل التأريخية "مدناً هندسية" متجانسة مع البيئات الطبيعية المحيطة والكونيات. و’الانسجام‘ هنا لا يوظف بمعناه المجازي، فكما في عوالم افلاطون، ثمة تناسق حرفي يجسد اكتمال الواقع الترانزدنتالي المتعالي.
اذن، الارض كانت مكتظة بمدن سماوية مشيدة تحيطها الحدائق والنافورات، وفي (شيكاستا)، تمتد التكوينات الصخرية الميغاليثية التي تؤلف الوسيلة الأمثل للتواصل مع الكونيات. (ان العبادات الدوريدية الكهنوتية التي خبرتها الصخور لا يعود تأريخها الى هذه الفترة المبكرة، بل الى محاولات لاحقة منحطة وبائسة لتقليد ومحاكاة حضارة ضائعة).اما المناطق الريفية المحيطة بالمدن فهي جنة لالاحمة حيث لم تعد الحيوانات اكثر وحشية من الانسان نفسه. وحتى في حالتنا الخاطئة حالياً، فأن القدرة على حب الحيوانات والمرح معها- مثل عجل البحر في احلام كيت في (الصيف قبل
الظلام)(1973)، وهوغو، الكلب/القط الغامض في (المذكرات) هي مظهر من مظاهر النعمة الالهية. وفقاً لذلك، ثمة امكانية لدخول الفردوس الارضي ثانيةً، على نحو خاطف، في لحظات النشوة الجنسية. في اتصالها الجنسي بجاك، العاشق الاشد خبرة في سلسلة ليسنغ الطويلة من العشاق في (اطفال العنف)، تمر مارثا بتجربة تصوفية فريدة حيث "شاهدت امام جفنيها صورة رجل وامرأة يمشون في مكان مرتفع تحت السماء الزرقاء يمسكون الاطفال بأيديهم والى جانبهم جميع انواع الحيوانات الوحشية، ولكنها لم تكن وحشية ابداً، الاسد والنمر والغزال والنمس والحمل جميعها بدت هادئة وديعة كحيوانات اليفة تمشي مع الرجل والمرأة والاطفال.عندئذ، ارادت مارثا الصراخ بالتياع، التياع لا هدف له ولم يكن ثمة ما يبرره (المدينة ذات الابواب الاربعة).
أزاء رؤية العصر الذهبي هذه، يمتد منظر الارض القفر الملوثة للحضارة الصناعية الحديثة التي صورتها ليسنغ بصيغ الفناها في نشرات الكوارث البيئية مثل (الربيع الصامت) لراشل كارسون. تتكشف رواية (الهبوط الى الجحيم) (التي كتبت، كما يبدو، تحت التأثير المباشر لرواية كارسون) عن رؤية مؤثرة للمدن المهجورة والانهار العفنة والبحار الملوثة ببقع النفط والاحشاء الداخلية البشرية ممزوجة بجثث الطيور والاسماك الميتة. قطعاً، هذا هو الجحيم الذي يشير اليه العنوان: مكان ينبغي عزله عن بقية ارجاء العالم (مثل ثولكاندرا في رواية (خارج الكوكب الصامت) لسي اس.
لويس).
ان الانهيار والضياع وادراك الجحيم على الارض تشكل سيرورة فردية وجماعية في آن. ففي المستوى الفردي، يؤلف التشظي والتصدع ثيمة ليسنغية شائعة جداً سبق وعالجتها ببراعة متناهية في روايتها الاولى (العشب يغني)(1950). تقول ملت في (المفكرة الذهبية)"ما ان يفتح المرء الباب حتى تحييه صرخة حادة ويائسة" ، "هذا هو السر المظلم في زماننا". هذه الغرف التي "تفقد النساء عقولهن فيها" عادةً ما تحوي قصاصات الجرائد وحقائق مدونة حول الحرب الباردة وسباق التسلح ومعالجة الامراض العقلية، انها ليست لواعج داخلية واقعية بقدر ما تمثل تجسيداً لرهاب الاحتجاز او الخوف من الاماكن المغلقة. ثمة مثال اخر دال هو دكتور كرول، عالم التحليل النفسي النازي السابق، الذي غطى جدران غرفته اثناء اقامته مريضاً في مستشفاه الخاص بصور غوياوية عن "المقابر والجماجم والجثث ومشاهد الحرب والدمار والبنايات المقصوفة والنساء الصارخات والمنازل المحترقة والاشخاص الذين يسقطون هلعاً من النوافذ المحترقة مثل النمل في اللهب (انها ’عين الرب في الجنة‘). ليس غريباً، في هذا السياق، تغلغل الشعور بالاضطهاد الذي تميل شخصيات ليسنغ الى الاصابة به بصفتهم ضحايا نموذجيين لكابوس القرن العشرين، في ثنايا الوعي السردي لليسنغ. هل ثمة
سبب اخر، عدا هذا الشعور بالاضطهاد، يبرر توكيدها، الذي تعرضه بلا ادنى دليل يسنده في الواقع، في الاقل، في ثلاث من رواياتها الاخيرة، ان غالبية مشاريع تطوير اسلحة الفضاء تجري في السر وان العديد من الصحون الطائرة التي شوهدت من الارض ما هي الا سفن فضاء امريكية او روسية تقوم بمهمات عسكرية؟ الا ان نباهة ليسنغ وتيقظها للعواقب الوخيمة لسباق التسلح وما اطلق عليه أي بي ثومبسون "منطق التطرف" لم يحول، لسوء الحظ، دون استغراقها احياناً في الافتراض الوسواسي ان كل فكرة عامة بديهية هي فكرة خاطئة وكل بيان حكومي هو اكذوبة لخدمة المصالح الخاصة. ان
الشعور بالاضطهاد لا يشيع في رؤى ليسنغ او رؤى سارديها حسب، بل ان هذه الرؤية هي قدرية غالباً، فأيمان ليسنغ بعجز الانسان ولا اهميته لا يمثل تعبيراً عن شعور مؤقت بالقنوط والاحباط، بل انه، كما يبدو، احد المكونات الاساسية في نظام ديني وفلسفي شديد الرسوخ. ولا يتصل الامر بفشلنا بقدر تعلقه بسقوطنا؛ السقوط الذي حدث قبل بداية التأريخ المسجل. بداهةً، بالكاد تصلح القدرية، بالطبع عدا الانواع الدنيوية العلمانية منها، ان تكون موضوعاً لقصة واقعية. ومع ذلك، فالشعور ان قدرها قد تحدد في مكان اخر يستولي على مارثا في اعقاب التجربة التصوفية التي مرت بها اثناء العلاقة الجنسية المبينة آنفاً. ان رؤيتها للعصر الذهبي يعقبها هاجس داخلي مفزع بشأن الحياة الفعلية التي ستحياها في لندن كأحد افراد عائلة كولدرج. وبينما هي متمددة في السرير في طور الاستفاقة من رؤيتها الثنائية، تحدثت الى شريكها بذات النبرة المتشككة الساخرة للبطلة الواقعية، فقالت:"هل فكرت يوماً- نحن نتخذ القرارات طوال الوقت: ولكن كيف؟ انها تتخذ دوماً بالاحالة الى- نحن نتخذها استجابةً لشيء ما لا نعرف عنه شيئاً؟ "كلا! انا اتخذ القرارات!" "آه! انت سيد قدرك." ولكن احداً لم يسخر من جاك، فلا يمكن السخرية منه".
وهذه الاشارة العابرة، لانها لا تعدو كونها ذلك، الى فكرة ان حياتنا ليست ملكاً لنا تتطور على نحو مدهش في الروايات الاخيرة. في رواية (الهبوط)، يمر البروفسور جارلس واتكنز بتجربة شيزوفرينية تتكشف عن رؤية تصوفية للأرض واليات عملها كما يشاهدها المسافر في السماوات: "شاهدت كيف تقع الحروب والمجاعات والزلازل والكوارث والفبضانات والاهوال وتحدث الاوبئة والطاعون واسراب الحشرات والجرذان والاشياء الطائرة ثم تنتهي وفق الضغوط الناجمة عن مجموعات الكواكب والشمس والقمر. ولكن، وعلى نحو مماثل لحياة الجنس البشري، فأن التحكم بحركة اسراب الجراد وانتشار الفيروسات تتم في مكان اخر. ان حياة الانسان، تلك القشرة الخارجية من المادة لم تكن يوماً مرئية حتى ينقض المرء بأندفاع، تماماً كالطير الذي يندفع بقوة داخل المياه وخارجها للقيام بجولة استطلاعية سريعة على قطيع السمك المتلألأ المتجمع حول الاطراف العريضة للموجة. هذه القوة والحجم والصحة المميزة لنبض الحياة قد احدثها ونظمها المشتري والزهرة وعطارد وزحل ونبتون واورانوس وبلوتو وتحركاتهم حول الشمس، مركزالضوء الذي يغذيهم جميعاً. ان الانسان، ومضة الحياة تلك، يتقلص عدداً ويتضاعف سواء اكان محباً للسلام او قاتلاً-مكبلاً بالاغلال.
اذا كان علم الفلك يوفر جانباً واحداً من الضبط الخارجي للشؤون البشرية، فأن الجانب الاخر يتصل بالاهتمام الذي تبديه القوى الاستخباراتية الخارج ارضية بهذا الكوكب. في نهاية (المدينة ذات الابواب الاربعة) استبشرت مارثا وبعض زملائها اللاجئين في احد الجزر الارضية خيراً بمستقبل البشرية في اعقاب مقابلتهم "اناس من الشمس". ناج اخر من الكارثة القادمة، الساردة اللامسماة في (المذكرات)، تجرب رؤية متسلسلة لجوانب الحياة في بلد الاحلام في الجانب الاخر من حائط غرفة المعيشة. ان ظهور واختفاء الرؤية مستقل تماماً عن ارادتها الواعية، اذ قالت مبينة، "بعد كل هذا، لم تكن ابداً نفسي التي قررت وجوب احداث تغيير في حياتي اليومية المعتادة، فقد حان الوقت للأنتقال من حياة الى اخرى، لست انا الذي اضعف جدار ضوء الشمس، ولست انا التي اعدت ساحة العرض خلفه. لم املك الخيار يوماً. وكان الشعور بأني فعلت ما مطلوب مني وكما يجب القيام به قوياً جداً، وكذا الشعور بأني انجرف بعيداً، وتم اقتيادي وعرضي والامساك بي في تجويف راحة يد هائلة احاطت بحياتي بجدار سميك واستخدمتني لأغراض لم يكن بمقدوري فهمها، انذاك، كنت شديدة الشبه بخنفساء او دودة الارض."
هذه لم تكن هلوسة اطلاقاً، ففي نهاية القصة، تتمكن الساردة من المشي عبر الجدران الى الامان في ظل رعاية امرأة من البعد الاخر.
في (الهبوط)، يغادر واتكنز الارض في سفينة فضاء بلورية، يصغي فيها الى العقل الجمعي للكون ويحضر جلسة يقرر فيها جنس الغرباء الصالحين، محدثي التجانس الكوني، دعم مواطنيهم المقيمين في الارض. اللافت للأنتباه قرار واتكنز، حال خروجه من المستشفى العقلي، انكار التجربة الشيزوفرينية ليعود الى ممارسة حياته الطبيعية. بيد ان الشخصيات الاخرى في الرواية تبقى مخلصة الى مقررات ’الجلسة‘ حتى وان كانوا لا يعون حقيقة كونهم وكلاء لهذه القوة الغريبة. وعوضاً عن الاستمرار في محاولاته التعافي من اوهام جنون العظمة، يختار واتكنز، وهو احد ’المختارين‘، التخلي عن حصته في الحقيقة التنبؤية.
في (شيكاستا) يُمنح غرباء ليسنغ هوية محددة، فهم مبعوثون من كانيبوس. انهم الامبراطوريون الطيبون الذين يؤمنون انهم مكلفون بمهمة تنمية الذكاء والتعاون عبر المجرة. لقد كان الفشل والاخفاق نصيب محاولتهم وحلفائهم السيرانين الذين اقاموا مستعمرات لهم على الارض نتيجة الاقترانات سيئة الطالع للنجوم والافعال الخبيثة لمواطني الشامات، وهي احد الامبراطوريات الكونية التي تناصبهم العداء. تُعرف المادة التي جلبها الوكلاء الكانوبيون للأرض بـ((SOWE (مادة نحن الشعور). جدير بالملاحظة اختيار ليسنغ ما يعرف حالياً في حرفتها بـ "اوبرا الفضاء" وسيلة مجازية مناسبة لتجسيد التبصرات والايماءات الحميمة التي وجدت افضل تعبير لها في (الهبوط) و(الذكريات) بصيغ الفنطازيا الميثولوجية. الا ان ذلك لم يكن اختياراً موفقاً تماما، فمنذ (المدينة ذات الابواب الاربعة) كانت ليسنغ صريحة تماماً في مطالبتها بالمزيد من "قصص الفضاء" (اعتقد انها تعمدت تحاشي استعمال مفردة "قصص الخيال العلمي" وهو خيار موفق تماماً، هذه المرة، اذا اخذنا بنظر الاعتبار وجهة نظرها الايديولوجيةً). في مقدمتها لـ (شيكاستا)، وصفت ليسنغ هذا الجنس الادبي بـ "الاشد اصالة بين الاجناس الادبية حالياً." ولتفادي سوء الفهم، اود القول ان المراجعات النقدية الاكثر حصافة لـ (شيكاستا) التي اطلعت عليها-المراجعات التي لم تتأثر احكامها كثيراً بالسمعة المدوية لدوريس ليسنغ- نشرت في مجلات قصص الخيال العلمي المتخصصة. سأعود لمناقشة اخفاق (شيكاستا) لاحقاً في هذه المقالة. ربما، ينبغي عند حديثنا عن صوفية ليسنغ تكرار ما قاله الناقد جي ك. جسترتون ذات مرة بحق روايات دكنز: "ان سرية ليسنغ في (المدينة ذات الابواب الاربعة والجلسة والمذكرات) ذا حساسية عالية، ولكن السر ذاته (شيكاستا) هو سر مروض. تعد كانيبوس، من بين اشياء اخر، تجسيداً مثالياً للأمبراطورية الارضية التي هاجمتها ليسنغ في (شيكاستا) بأزدراء يوازي في حدته ما قامت به في رواياتها السابقة. لقد تمكنت ليسنغ، بعد عشرين عاماً من نفيها وحرمانها من دخول وطنها الام، روديسيا الجنوبية، من خلق حضارة خارج ارضية لا تذكرنا بشيء بقدر تذكيرها ايانا بالاهداف الرسمية للأمبراطورية البريطانية "بمهمتها التحضرية." ان انشطة وفعاليات المبعوثين الكانوبيين على الارض تجعلهم، احياناً، يبدون من أفضل انواع الحرس باللباس المدني.
ان الهدف الظاهري من كتابة (كانيبوس في اراغوس: حقائق ارشيفية)، التي صدر منها مجلدين في وقت كتابة المقالة، هو الكشف عن تأريخ التدخلات الكانوبية السيرانية في الارض ومناطقها المجاورة. لقد تقرر توطين جنس من العمالقة من كوكب اخر في الارض، يتولون مسؤولية بناء المدن بمعداتهم الصخرية فضلاً عن تطوير حضارة ارضية الى حد يمكن به اقامة رابطة او اتصال ذهني مع بقية اجزاء الامبراطورية. ان اسطورة ليسنغ عن الاصول البشرية- وهي بديل سخي عن اسطورة الشيوعية البدائية- التي اعتنقتها في بداية حياتها- تستند بشدة الى النظريات الاركيولوجية الحديثة التي
تبين الانجازات الفلكية والرياضية والمعمارية المبهرة لاسلافنا من العصر الحجري (تكلف احد الشخصيات في (الهبوط)، وهو عالم اثار محترف، بمهمة واحدة فقط هي شرح افكار ليسنغ). وعلى نحو مماثل لأرخ فون دانكن وغيره من المنجمين الذين احتلت كتبهم قائمة افضل المبيعات، تؤكد ليسنغ التناقض الواضح بين المباني المشيدة بالصخور الميغاليثة والفرضيات الاساسية للأنسانية الغربية. فعوضاً عن تمثيلها منجزاً تكنلوجياً يفخر به الانسان، شيدت هذه المباني من قبل الغرباء الراسخة صورتهم في الذاكرة الشعبية بوصفهم عمالقة او آلهة اشد تطوراً منا. ومن هنا تبرز
الحاجة الى كانيبوس(نجم سهيل) وسيرس(الشعرة اليمانية) وشامات.
يمثل فشل الرابط الذهني في عمله وانتهاء العصر الذهبي إحداثاً غامضة. بتكلف واضح، يذكر السارد ان "السبب الرئيس في هذه الكارثة يكمن في المعنى الذي تنطوي عليه الكلمة الانكليزية (dis-aster=كارثة)، بمعنى حدوث خطأ في النجوم. وفق ما تقدم، تغير اسم الكوكب من روهاندا المثمرة الى شيكاستا المذعورة. ان التحول في التكوينات الفلكية تؤكد ضرورة اخلاء العمالقة، فالشامات الحسودة الغيورة التي لا تفلح الا وسط الفوضى والاضطراب، تعمل حالياً على قدم وساق. بعض العمالقة يقاومون الاخلاء بينما ينسى الارضيون سريعاً ولاءهم للقانون الكانوبي فيرتدوا الى اصولهم
الوحشية. وسرعان ما تُنسى الاسرار القديمة، وتفسح الحقبة ما قبل التأريخية المجال لظهور التأريخ المسجل، ويزداد جنوح شيكاستا سوءاً. وبعد مضي عدة الاف من السنين، تبلغ الازمة ذروتها- حقيقة بالكاد تثير دهشة القارئ المتمرس لروايات ليسنغ- في النصف الثاني من القرن العشرين. على الرغم من ذلك، شهدت شيكاستا في تلك الايام المظلمة من الغضب الفاشستي المحدث والفوضى الدولية وكوارث التلوث وحروب العالم الثالث، ظهور العلامات الاولى للاستيقاظ من الكابوس طويل الامد لما يُسمى بالحضارة. وهذه العلامات، في (المذكرات) و(الهبوط) و(المدينة ذات الابواب الاربعة) نشأت من التجمعات الغريزية واللاسياسية للأفراد الذين اكتشفوا اشتراكهم في تجارب رؤيوية يتآمر المجتمع التقليدي للقضاء عليها. وهنا ينبغي ان نتذكر انه في سلسلة (اطفال العنف)، تضفي ماركسية ليسنغ اهمية شديدة على نشاطات زمرة سياسية صغيرة، هي الحزب الشيوعي الزامبي، على اساس انهم يمثلون طليعة الوعي السياسي في ظل الكولونيالية. في رواياتها اللاحقة، استبدلت ليسنغ المجموعة الصغيرة من العسكريين السياسين بانواع اخرى من الطليعين: مجموعة من العارفين او المتنورين. ونظراً لأستعارتي عبارة من روائي كتبت عنه ليسنغ بأعجاب شديد، اقترح تسمية مجموعة كهذه كاراس. الكاراس، كما بين السارد، في رواية كيرت فونغوت الاب، (مهد القطة) (1963) احد انواع الفرق التي ينتمي اليها الافراد الضائعون الذين لا تربطهم ببعضهم أي صلة تذكر. يتولى الرب تنظيم عمل هذه الفرق لتحقيق ارادته دون معرفة افرادها بطبيعة ما يفعلونه. الا ان بأمكان المرء ان يتعرف، بطريقة ما، على زملائه في الفريق الذي ينتمي اليه. ولذا، وجد بعض افراد عائلة كولدرج، في (المدينة) انفسهم يعملون معاً، غريزياً،ً بأساليب تمكنهم من النجاة من المجزرة القادمة. مارثا التي تعاني ازمة هوية كانت احدى افراد الكاراس الذي ينتمي اليه ال كولدرج، وهنا نشأت الهواجس الداخلية المخيفة التي دفعتها الى العيش معهم. (الجلسة) وصف لكاراس اخر وثمة كاراس اخر في (المذكرات). في (شيكاستا) يسعى المبعوث الكانوبي جوهور، الى ممارسة الضبط الواعي على كاراس يضم افراده الناجون من عائلة كولدرج. المهمة الرئيسة التي يود افراد هذا الكاراس اداءها هي تنشئة جيل جديد من الاطفال ذوي القدرات الخاصة. هولاء الاطفال هم ثمرة التغيار الاحيائي للجنس البشري، انهم نسخ للأنواع الجديدة التي كلفت بمهمة استعادة الرؤية العقلية لشيكاستي العصر الذهبي. بلا اوامر او خطط مكتوبة تعينهم، يبدأ هولاء الافراد بأعادة بناء المدن الهندسية القديمة.
وبذا، يتألف التأريخ الارضي لدوريس ليسنغ من العصر الذهبي والسقوط، ونمو الحضارة الشريرة التي ستدمر نفسها في نهاية الامر، ليعقبها نوع من النشور او البعث. ان المسيحية الموروثة لهذا النظام بالكاد فلتت من انتباه ليسنغ رغم ميلها الى تبني المواقف الاشد مسكونية (عالمية) تجاه مسألة أنه ليس ثمة "سوى كتاب واحد في الشرق الاوسط" (مقدمة الى شيكاستا). واذا استثنينا آليات القصص الفضائية التي وظفتها ليسنغ مثل الامبراطوريات المتصارعة والعمالقة الطيبون والمبعوثون المتخفون، فأن ما يتبقى هو المسيحية الاخروية الى جانب الدور الذي يؤديه الكاراس الذي
يجسد بوضوح التزام ليسنغ بمناهج الصوفية. ويتوكيدهم الحدس الروحي اكثر منه العقيدة واستخدام الحكاية الرمزية اكثر منها الكتاب المنهجي او كتب التعاليم الدينية، يميل الصوفيون الى ادراج انفسهم في خانة النخبويون، هذا اذا لم يؤلفوا جماعة سرية (رغم كون الماسونية احد المؤسسات الاوروبية التي يدعون رعايتها). تقتبس ليسنغ من منهج الارتقاء الصوفي في احد مقولاتها البليغة في (المدينة)، وهذا هو عذري للأستشهاد به في هذا المقال "يؤمن الصوفيون، بأرتقاء الانسانية، بطريقة معينة، الى مصير ما. نحن جميعاً نشارك في ذلك الارتقاء. فالاعضاء تأتي للوجود
بفعل الحاجة الى اعضاء بعينها. والطابع العضوي لبني البشر ينتج تشكيلة جديدة من الاعضاء في أستجابة منه لهذه الحاجة. وفي عصر الانتقال عبر الزمن والفضاء، تبدي تشكيلة الاعضاء اهتماماً بهذا الانتقال عبر الزمن والفضاء. فما يعتبره الناس العاديون متقطعاً ودورياً في القوى التنبؤية والتيليباثية، يراه الصوفيون الارهاصات الاولى لهذه الاعضاء. والفرق بين مجمل الارتقاءات الحادثة حتى هذه اللحظة والحاجة الحالية للأرتقاء اننا قد مُنحنا، في غضون العشرة الاف سنة الماضية، فرصة الارتقاء الواعي. لقد كان هذا الارتقاء المؤله اساسياً وجوهرياً بحيث
يعتمد مستقبلنا عليه2.
ونظراً لأعتياد الصوفيين التحدث بالامثولة والحكايات الرمزية، ينبغي الانتباه الى حقيقة ان الاقتباس من كتاب ادريس شاه (الصوفيون) يمثل بذاته حكاية مجازية تصب في مصلحة العقلانيين الغربيين. ولأنتماءها الى الحزب الشيوعي في مرحلة الشباب، ابدت ليسنغ مؤخراً استعدادها المشاركة في الدعاية للصوفية في بريطانيا. لقد تولت دار اوكتافيون للنشر المتخصصة في طبع ونشر المؤلفات الصوفية نشر (مذكرات ناج) واحتفظت بحقوق نشرها. حتماً، سيضع القراء استنتاجاتهم الخاصة بشأن حيوية ومقبولية تشكيلة ليسنغ للشرق الادنى والغرب، فضلاً عن السذاجة، او خلافها،
التي صادقت ليسنغ بموجبها على مزاعم المنجمون المعاصرون. ما يهمني هو النتائج الفنية لهذه الاعتقادات وقد حان الوقت لتبيان طبيعة شبكة التطور القصصي لليسنغ. وعلى الرغم من مديونيتها الادبية للورنس وكونراد، تعد (العشب يغني)، قطعا،ً احد ابرز الروايات المبكرة واكثرها اكتمالاً منذ الحرب العالمية الثانية. فالعنوان، المستمد على نحو واع، في جزء منه في الاقل، من قصيدة ت. اس. اليوت "الارض اليباب"، هو التجسيد الاول لأساطير الكارثة في روايات ليسنغ. انها رواية ذات رؤية سياسية متساوقة تماماً، فالانهيار المأساوي لماري تيرنر، زوجة المزارع
الروديسي التي تُقتل في نهاية الامر على يد خادمها، تسلط الضوء على التفاصيل الخفية لعلاقة السيد/العبد التي تشكل الاساس الذي شُيد عليه المجتمع الكولونيالي، فضلاً عن أستحالة قول الحقيقة حول تلك العلاقة وفق منظور المستوطنين البيض. لقد نجحت (العشب يغني) في الاستمرار بوجه التغيير السياسي ومرور الوقت. انها رواية مميزة حقاً لا بسبب ثيمها وافكارها المحبوكة ببراعة حسب- ثيم الكولونيالية والعزلة العاطفية والهوس العرقي والجنسي- وانما لأجل ما يمكن تسميته ’حضرانية ليسنغ، ومزجها الواثق للخطوط السردية. ان النطاق السردي لليسنغ يمتد من
الذاتوي الصارم المشتمل على الاحلام والهلوسات المميزة لرواياتها الى نبرة النقمة والغضب السياسي، واخيراً وليس اخراً الموضوعية العقلانية. في نهاية هذه السلسلة، لا نجد توظيفاً مذهلاًً للأستعارة حسب (تذهب البطلة للعمل في واحدة من تلك المدن الصغيرة الغافية المتناثرة مثل ثمر الزبيب، وانما تنوعاً مبهراً اكسب ليسنغ سمعة مستحقة لحكمتها وقدرتها على النفاذ الى صلب العلاقات الانسانية. وفقاً لليسنغ "للنساء قدرة استثنائية على الانسحاب من العلاقات الجنسية، وتحصين انفسهن ضدها، بأسلوب يدفع الرجال الى الشعور بالخذلان والاهانة دون ان يكون
لديهم شيء ملموس وحقيقي يشتكون منه. ربما لم يكن زواجاً سيئاً بعد كل ذلك؟ ثمة زواجات لا تحصى حيث الزوج والزوجة منحرفين وخاطئين في اعماقهما، ومع ذلك فهم منسجمان تماماً ومناسبان لبعضهما، اذ يجعل كل منهما الاخر تعيساً بالاسلوب الذي يودانه، بالاسلوب الذي يتطلبه نمط حياتهما."
وعلى الرغم من صعوبة الادلاء بتصريحات جريئة كهذه قبل فرويد، ليس ثمة شك في نبرة الصوت التي قيلت بها. انها نبرة سارد القرن التاسع عشر الواثقة- ربما تولستوي او جورج اليوت او شارلوت برونتي- والى هذا التراث الروائي تحديداً تنتمي روايات ليسنغ الى حد (اطفال العنف). الا ان التراث الواقعي الذي استهوى ليسنغ بفعل غرائزها الخلاقة وعقيدتها الماركسية، اضحى ينطوي على اشكالية عميقة بالنسبة لها. في هذا السياق، تمثل (المفكرة الذهبية) اعترافاً من ليسنغ انه بمواجهة المجتمع والوعي المتشظيين في الحياة المعاصرة، فأن التساوق والرؤية الشاملة اللتان
ميزتا رواية القرن التاسع عشر لم تعد خصائص محتملة. ولذلك، فانتقالة جديدة تبدو ضرورية. تعد (المفكرة الذهبية) وهي الاشهر بين روايات ليسنغ حالياً، سلاحاً اسطورياًً في ترسانة "تنشئة الوعي" بشأن القضايا السياسية والتحليل النفسي والفمنستية والبُنى القصصية. وليس ثمة شك في اهمية الرواية وموقعها في الارث الروائي المعاصر، ولكني لاحظت غياباً للأتفاق ملفتاً للأنتباه، وربما حتى للنقاش الجاد حول نجاحها الفني.حقيقةً، عادةً ما عُد هذا النجاح من المسلمات البديهية، وتم تأكيده في افكار ومناقشات غير مباشرة. اما حقيقة تمثيلها تجميعاً موزاييكياً لأجزاء متشظية رائعة فتعتمد دليلاً ماثلاً لا على طبيعتها الغرائبية المتفردة حسب، وانما مصداقيتها الفائقة ازاء الروايات المعاصرة وبضمنها روايات ليسنغ الأَخر. ولذا، لا يمكن للمرء ان يعرض احكامه القيمة بشأنها سوى ببعض التردد والخوف. (المفكرة الذهبية) بلا شك تقف معلماً بارزاً في مسيرة انتشار الوعي الذاتي القصصي في الرواية البريطانية المعاصرة. انها بحق مثال لما يمكن ان نطلق عليه التفكيك الخلاق. رغم ذلك، فهي ليست الرواية التي تقول الحقيقة كاملةً عن ذاتها، ولا يتعدى حدود انجازها في هذا المجال ما حققته روائع الواقعية الكلاسيكية. ربما ما زالت اكثر نضجاً واستعداداً للتفكيك النقدي من هذه الروائع. فغالبية القصص المنفصلة التي تسردها الرواية، في اجزاء "النساء المتحررات"مثلاً والمدونات المتنوعة، تعاني نواحي قصور واضحة. "النساء المتحررات" حيث يطلق تومي النار على نفسه بعد قراءة مدونات انا، هي مليودراما عائلية صغيرة. كما ان علاقة الا وبول في قلب "المدونة الصفراء" مشحونة بفنطازيا المجلات النسوية (الكوزموبوليتية او وفق اسلوب الفتاة اللعوب، البليغيل) وهكذا، من حين لاخر، يتدخل الراوي لرثاء نواحي الضعف والقصور في هذه القصص، وليذكرنا بعدم دقة وموثوقية السرد القصصي. تعد الفكرة القائلة ان تجميع النص والتعليق عليه يسهم في اثراء مجموع الاجزاء فكرة جذابة تماماً، ولكن وبعد قراءتها لعدة مرات، شعرت انها مجرد وهم. هذا لا يعني القول بخلو (المفكرة الذهبية) من لحظات البراعة الخلاقة. فسلسلة فندق ماشوبي التي تقع في زامبيا في فترة الحرب- وهي اعادة تنظيم للمواد الموظفة في اثنتين من روايات سلسلة (اطفال العنف) هما(موجة من العاصفة)و(الارض المحجوزة) -رائعة بمقدار روعة اعمال ليسنغ الأخر. وعلى نحو مماثل لحضورها اللافت للنظر والمتقطع في (اطفال العنف)- تبرز في هذه السلسلة وجهة النظر التشيخوفية غالباً عن تداعي المجتمع الاستعماري الابيض وانهياره، انهيار يجد التعبير الامثل له في المجموعة الصغيرة من الشيوعين الشباب التي ينتمي اليها السارد نفسه.
في نهاية سلسلة فندق ماشوبي، تكتب انا في مدونتها ان "الشعور بالحنين يستبد بها." السلسلة تصور العبثية السياسية والاخلاقية لمجموعة من الثوريين الذين يبقون معاً لمجرد انهم رفاق على الرغم من فقدانهم الايمان، الى حد كبير، بأهمية ما يقومون به- ومع ذلك ثمة ما يبرر هذا الشعور بالحنين لأنهم في انتظارهم لنهاية الحرب، ليس لهم خيار سوى تأجيل مواجهة مخاوفهم الداخلية. وعلى الرغم من الامتيازات التي يتمتعون بها في زامبيا، فأن حياتهم شبيهة بحياة السجناء في معسكر اعتقال فخم للغاية. فالسخرية والاستهزاء وتمثيل الادوار اموراً مألوفة تماماً اليهم.
كما ان استلهام ليسنغ البارع للتفاعلات والعلاقات التي تجمع افراد هذه المجموعة المتنافرين في طباعهم تلقي بظل غامض غير مدرك على الاجزاء الاخيرة من (المفكرة الذهبية)، التي تصور انا، المقيمة، حالياً في لندن،وهي تناضل بجد لأعادة بناء هويتها. الا تمثل تجاربها المتنوعة كشيوعية مخدوعة وكاتبة من طراز رفيع ومريضة سايكولجية وناشطة اجتماعية وعاشقة وعشيقة فاشلة التي بلغت ذروتها في تجربة الانهيار النفسي، الا تمثل عدداً متزايداً من الادوار موازية من حيث عجزها عن الاقناع لدور "صديقة القائد" الذي أدته في فندق ماشوبي؟ (المفكرة الذهبية) هي
أستكشاف للوعي المنهار والحياة المتشظية لبطلة محبطة عاجزة عن استخلاص أي معنىً لوجودها. ومع ذلك، فهذه ليست الطريقة التي يطلب منا قراءة الرواية بها، الرواية التي تسلط الضوء على احد عمليات الارتقاء النفسي الايجابية، وفي الآن عينه المبدئية والمؤلمة. لقد حاولت انا تجريب حياتها لغاية معينة، وهذه الغاية تتبدى للعيان في الجزء الختامي من "المفكرة الذهبية."
في ’المدونة الزرقاء‘ كتبت انا "ليس لدي وقت لأولئك الذين لم يخوضوا التجارب مع انفسهم، والذين هربوا متعمدين الى الاطراف الخارجية،". وعلى نحو مماثل لانتمائها الى الحزب الشيوعي الزامبي في الاربعينيات، فقد افردها التجريب الذاتي في لندن في الخمسينيات كواحدة من الطليعين الشاغلين لأحد مراحل النمو في الوعي المعاصر. في احد الايام، تحدثت انا بسخرية مع عشيقها الامريكي، بول غرين، "تقول اني ما انا عليه لأن الولايات المتحدة هي كذا وكذا سياسياً، انا الولايات المتحدة الامريكية. وانا اقول اني امثل موقف النساء في الزمن الحاضر." ان الشيء
الاكثر اثارة للدهشة في تجريبها الذاتي هو قوة وجموح مواقفها الرافضة، والاهم من ذلك، بما انها فنانة مبدعة، رفضها وتخليها عن أبداعاتها الفنية. تمر انا بهذه التجارب عبر عملية الاسقاط الداخلي. ففي ذروة نوبة الجنون التي تستولي عليها، تقول انا "فلم ماشوبي، فلم بول والا، فلم مايكل وانا، فلم الا وجوليا وفلم انا ومولي. جميعها، كما ادرك الان، افلام تقليدية حسنة الصنع، كما لو انها اعدت في الاستوديو، هذه الافلام التي كانت اكثر شيء اكرهه، قمت بأخراجها بنفسي. جهاز المسلاط استمر في تشغيل هذه الافلام بسرعة، ومن ثم توقف عند المقدمة، يمكنني سماع
ضحكته الساخرة لدى ظهور عبارة "أخراج انا وولف". بعد ذلك، بدأ بعرض مشاهد اخر وكل مشهد مليء بالاكاذيب الزائفة والملفقة والغبية. صرخت في وجه مشغل الجهاز: "ولكنها ليست لي. لم اخرج هذه الافلام." عندها اوقف المشغل الجهاز وهو يشعر بالملل، اختفت المشاهد وانتظر ان اثبت خطئه. لقد كان امراً مريعاً، فقد وجدت نفسي امام أعباء خلق النظام من الفوضى التي غزت ارجاء حياتي. لقد مر الوقت ولم تنشأ ذاكرتي. وعجزت عن التمييز بين ما اختلقته وما عرفته، وانا اعلم علم اليقين ان ما اختلقته كان خاطئاً وزائفاً. لقد كان الامر اشبه بدوامة، برقصة فوضوية مثل رقصة الفراشات البيضاء في وهج الصيف على الوادي الرملي الرطب.
ان قوة انكار انا مؤثرة تماماً، ولكنها لن تتمتع بالمصداقية ً ما لم تمتلك المؤلفة شيئاً افضل لتضعه محل هذه القصص الملغاة. هل يمكن لهذا الشيء الافضل ان يكون الشكل المتشظي المُدمر-ذاتياً لـ (المفكرة الذهبية)؟ هذا ما يريد بعض النقاد منا اعتقاده. ومع ذلك، فلا ينبغي ان نهمل حقيقة اختتام هذه الرواية بمقطع مؤثر عن القيم مماثل في اسلوبه للقصص السابقة التي ادانتها بتهمة الزيف. ان تجربة انا الخاصة بنوبة الجنون بالاشتراك مع شاؤول (او هل اسمه الحقيقي ملت؟) تعرض بوصفها حدثاً حاسماً سيغير مسار حياتها في المستقبل. انها لتجربة مرعبة، ذلك التصدع في الشخصية مثل "التصدع في السد" الذي قد يكسب المستقبل عبره شكلاً مختلفاً تماماً. في قصتها "شرنقة الجنون"، تضطر انا المثالية سياسياً والناشطة الاجتماعية الى الاقرار بالطابع التدميري والانوي في شخصيتها. فالعنف ليس مجرد حدث خارجي بالنسبة لها، لذا، فهي تدرك "ان القسوة والحقد والـ ’انا انا انا‘ التي يرددها شاؤول وانا كانت جزءاً من منطق الحرب." ان عملها كاتبةً يلزمها بتقصي طبيعة هذا الاكتشاف، أي "السر المُظلم في زماننا." ان فكرة الكتاب السري-سواء الرواية غير المنشورة التي يحتفظ بها كل شيوعي في جيبه السري او الصرخات المجهولة لطلب
المساعدة التي تعج بها مجلات النساء والاحلام التي روتها انا للمحلل النفسي او المدونات ذاتها-هي احد الثيم الرئيسة في (المفكرة الذهبية). لقد شرع روائيو القرن التاسع عشر، امثال شارلوت برونتي وجورج اليوت، في استكناه المشاعر الصامتة والمسكوت عنها على نحو واع، والكشف عن "العذابات الممضة للقلب،" وعرضها للعامة. وقد فعلوا ذلك في سياق رؤية حياة متكاملة بنيوياً. على غرار ذلك، تستكشف (المفكرة الذهبية) حدود الصمت المعاصر، وهي تقوم بذلك باسم جمالية العلاج الذاتي كما لو ان الكتابة عن مشاكلها ومناقشتها كان كافياً بالنسبة لأنا وربما موازياً
لحلها. أذن، فـ (المفكرة الذهبية) رواية انتقالية ذات نهاية مفتوحة غير متكاملة. أن التجربة التي تتحدث عنها لم تتخذ الشكل النهائي لها وربما، كما يعتقد البعض، لم تُفهم تماماً. ان شعور انا بأنها حققت تقدماً في استكشافاتها الداخلية لم تحظى بتوكيد مستقل، اذ توصلت ليسنغ فيما بعد الى مقاربة منظمة ومتساوقة لفهم العالم، بحيث يبدو اسلوب البحث الذاتي اليائس الذي تمثله المفكرة قديماً وغير مقبول. جدير بالملاحظة، ان اللاتساوق الشكلي لهذه الرواية الذي حظى بتقدير كبير، عاود الظهور في بعض رواياتها اللاحقة (وفي شيكاستا تحديداً) حيث يشعر القارئ
بالدهشة لأتخاذ ليسنغ هذا اللاتساوق لمجرد توكيد الشكوك بالاسلوب الامثل لرواية القصة.
بعد (المفكرة الذهبية)، عادت ليسنغ الى الواقعية التقليدية لفترة من الوقت، مثلاً في روايتها (الارض المحجوزة)، الرابعة في سلسلة (مارثا كويست)، التي اعادت تسميتها بـ (اطفال العنف). اما الروايات الثلاث السابقة فهي (مارثا كويست) و(زواج مناسب) و(موجة من العاصفة). وبعد اربع سنوات من ذلك، اختتمت (اطفال العنف) بـ (المدينة ذات الابواب الاربعة) وهي احد الروايات المتميزة بأسلوبها الواقعي شبه-الاوتوبايوغرافي. تغطي احداث الرواية عقدين من الزمن (1950-1970) بينما يتألف الملحق من مجموعة من الوثائق من فترة "ما بعد الكارثة،" اذ وضعت ليسنغ جنباً الى جنب انهيار الحضارة الاوروبية وذكريات ابطالها (ومنهم مارثا كويست) اللذين نجحوا في النجاة منها.
ان المشكلة الشكلية الرئيسة التي تعاني منها (المدينة ذات الابواب الاربعة) مهمة حقاً: كيف يمكن الاستمرار في اثناء انتقال المشهد القصصي من بلد لأخر؟ في زامبيا، تُعرف مارثا بصيغ الصراع المتفاقم بين الموقع الاجتماعي المتميز لوالديها وولائها للشيوعية. اما في لندن،فتضطر مارثا المخدوعة سياسياً والمنزوعة الجذور استعمارياً، الى تشكيل هويتها الاجتماعية من الصفر. فضلاً عن ذلك، فأن الاستعارات السردية تستمر في تذكيرنا بمعاناة مارثا واضطرابها اجتماعياً وسايكولوجياً. في منتصف الرواية، تزورها امها التي فشلت في استعادة علاقتها بمارثا،
فتوجهت لمنزلها لتموت هناك. فاذا قدر لذلك ان يكون خاتمة لصراع الام-الابنة المتواصل منذ الطفولة، فأنه يبين كذلك المدى الذي نجحت فيه مارثا، في لندن، في العثور على عائلة جديدة تستمر معها في ما تبقى من (المدينة ذات ). واخيراً، يحوي الملحق رسالة من أربعة عشر صفحة من مارثا، تذكر فيها ما جرى في عقدين من المنفى في احد الجزر الارضية (ربما كان بمقدور ليسنغ الادلاء بتفاصيل اكثر دقة عن تجارب مارثا في الشيخوخة؟) ثمة تغيرات عديدة حدثت في بؤر الاهتمام ووجهات النظر في (المدينة ذات)، وعادةً ما تم معالجتها بطريقة خرقاء تعوزها البراعة. ومع ذلك، فالمحصلة النهائية هي قصة واقعية بموضوع متشعب لم يحاول معالجته أي من الروائيين البريطانيين المعاصرين.
كولدرج هي العائلة الجديدة لمارثا التي تؤدي فيها ادواراً متنوعة مثل مدبرة المنزل والسكرتيرة وزوجة الاب والرفيقة والعاشقة. ينتمي مارك ولندا كولدرج الى عائلة او عشيرة ممتدة تحوي بين افرادها سيدة مجتمع ووزير عمالي وعضو برلمان يساري ومقدم برامج لقاءات تلفزيونية وعالم في الفيزياء النووية فر الى موسكو وناشر منحرف جنسياً وبيروقراطي ثقافي. مارك روائي ومخترع للمدن الخيالية ولندا المصابة بالشيزوفرينيا ستتصل في (شيكاستا) بالمبعوث من كانبيوس. لقد تعمدت ليسنغ توظيف المنهج الواقعي في مسرحة حياة الافراد في المراحل المختلفة للتطور
الاجتماعي الى اقصى طاقاته، فعائلة كولدرج هي التجسيد الاسمى للانتلجنيسيا الليبرالية التقدمية- اذا استثنينا بضعة خراف سوداء هم افراد فريق الكاراس الذين تمكنهم جهودهم المشتركة من النجاة من المذبحة القادمة.
الكولدرج عائلة جذابة مؤلفة من افراد نموذجيين ولكن الرواية لا تصرح بالكثير عن طباعهم وميولهم. فالهدف من خلقهم، وهذا واضح تماماً، هو مسرحة التأريخ الاجتماعي الحديث لأنكلترا التي تعلق عليه ليسنغ بأسهاب في قصتها السردية. على الرغم من ذلك، لا يقدم ال كولدرج شيئاً خلا رؤية واعية متنوعة ذات بعدين للحياة في انكلترا. ليس لذلك صلة بجهل ليسنغ بما يجري خارج الميتروبولس العاصمة (فتنقلات رواتها بين الاقاليم توجزها ستيلا في "رجل وامراتان" التي "تركت لندن في منتصف النهار وبحوزتها طعام لا يمكن الحصول عليه في اسكس"- والتي لم تجد صعوبة في الرحيل،
مرة اخرى، عن اسكس في القطار الاخير الى شارع ليفربول). فضلاً عن ذلك، فأن رؤيتها للمشهد الاكاديمي والسياسي الانكليزي غير مقنعة تماماً. كما ان شخصية جارلس واتكنز، الاستاذ في كامبرج، في (الهبوط) تفتقر للمعقولية. اما فيوب كولردج، وهي نائبة وزير وتتحمل مسؤوليات عديدة في الحكومة الجديدة، فتجمع التواقيع على رسالة لأرسالها الى جريدة التايمز بشأن الشؤون الخارجية فضلاً عن "بيان توكيد" تنوي ارساله الى جريدة ’نيوستيتمان‘ حول سلوك رجال الشرطة. في الحياة الواقعية، فأن الوزيرة التي تعير اسمها الى حملة صحفية ضد البوليس، تُقال حالاً من منصبها. علاوة على ذلك، يتبين لنا بوضوح ضيق القاعدة الاجتماعية التي استندت اليها (المدينة)، فأفراد الطبقة العاملة الممثلة بالعائلة التي تدير محلاً لبيع السمك ورقائق البطاطا والخادمين الشيخين من الريف والممثل الهاوي والبحار السابق الذي اضحى صاحب خمارة، يتم محاكاتهم بسخرية لاذعة مماثلة لما في العديد من الروايات البرجوازية في أواسط القرن التاسع عشر. كما تعاني بنية عائلة كولدرج من عيب فاضح يتعلق بخلوها من ممثل حقيقي لأنكلترا المحافظة- ولا حتى من فئة رجل الاعمال الشوفيني الذكوري المتجسد بريجارد في (المفكرة الذهبية). من الواضح ان الخصائص المميزة لـ (المدينة) ليست خصائص الواقعية الاشتراكية. كما انها لا تندرج في خانة النقد الاجتماعي رغم قدرة ليسنغ على القيام بذلك احياناً، فساندرا، وهي احدى العرافات التي تميل لندا كولدرج الى مرافقتها-"لا تؤمن بالصحون الطائرة من الكواكب الأخر حسب- اذ يؤمن الجميع تقريباً بذلك- ولكنها تتراسل تيليباثياً مع عاشق شيطان كان قائداً لأحدى هذه الصحون". ان قراءة هذه الهجمة المنفصلة بوصفها تعبيراً عن الاحتقار العام للمعتقدات الغربية خاطئة للغاية. ليسنغ جادة تماماً في مسعاها لأقناع قراءها بعبثية السياسات، وبنفس مقدار الجدية جادلت ان انفصام الشخصية والظواهر النفسية هي المنفذ الاهم للبقاء والخلاص. ان التمظهر الاسمى لعبثية السياسات، كما تراها مارثا، هو الحملة لنزع السلاح النووي التي طالبت به تظاهرات الدر ماستون. لقد لخصت ليسنغ هذه التظاهرات التي شكلت نقطة تقارب قصصية مناسبة لأفراد عائلة كولدرج في شخصية المرأة الشقراء مع الطفل التي شاركت في المظاهرة من الدر ماستون الى لندن بلافتة كتب عليها "كارولين تقول لا." تذكرنا ليسنغ في اكثر من موقع ان قوة كارولين وزملاءها الناشطين اضعف بكثير من الحشد المتجمع لمشاهدة مباراة الكتيبة الاولى في كرة القدم. حقيقةً، لقد اسهمت قوة المؤسسات وسلطاتها، بدون شك، في الحد من فاعلية المعارضة الساعية، في المقام الاول، الى تحديها. هذه القوة تتبين بجلاء في "تخصيصات وزارة الدفاع الامريكية في 1961-رقم هائل جداً بحيث يبدو بلا معنى للعقل العادي، تماماً مثل قياس المسافة بالسنين الضوئية." بداهةً، هذه الموعظة عن العبث السياسي لن تقنع الشخص الذي لا ينتمي سلفاً لتيار ليسنغ. فثمة احتمال بقيامها بالشيء نفسه، أي إلقائها موعظة حماسية مماثلة حول الافول السابق لاوانه للأشتراكية والشيوعية، قبل فترة طويلة من ذلك، ربما بمئات السنين.
هذا الاقتناع بعبثية السياسة يحرر مارثا ويدفعها الى متابعة ابحاثها حول ما اسماه جي اج. ولز "المنطقة العقلية"، انها تستمع لاصوات وتبدأ باستراق السمع لأفكار من حولها، وتصاب بأنهيار عصبي وترى في الاشخاص المحيطين بها غرباء، انها بأختصار تهبط الى الجحيم وتناضل ضد وحش الكره-الذاتي وتتعقب مراحل الصليب. وبعد شفائها، تدرك قرابتها للندا التي شُخصت مريضة عقلية منذ طفولتها. فكلتاهما حساستان وتتمتعان بقوى خاصة (التي كانت الشغل الشاغل للجنس البشري)، ولذا، امتلكتا، منذ تلك اللحظة، اسلوباً اكثر فاعلية واشد مباشرية من كارولين لقول لا. في
اثناء ذلك، تابع مارك كولدرج اهتمامه العقلاني بالبقاء، فقد ابتكر ووصف المدينة المتخيلة ذات الابواب الاربعة- الصورة المخزونة في الذاكرة الجمعية التي لا يعرف الناس عنها شيئاً. بدأ مارك مع شريكه في العمل، جمي وود، بالتنقل في عوالم قصص الخيال العلمي. وينجح جمي، كاتباً، الذي لم ترقى قصص خياله العلمي الى مستوى اهتمام النخبة الفكرية، في احتلال قائمة افضل المبيعات، فهو يستمد حبكاته من موجودات "احدى المكتبات المغمورة" التي تحوي رفوفها كل الاشياء التي ترفضها المؤسسات الثقافية والاكاديمية الرسمية." لدى قراءتها هذه الكتب، يستبد بمارثا الاحساس بالتوحد الجوهري الجامع للمقاربات التنبؤية. ويبدو كما لو انها وجدت، بطريقة ما، مفتاح الحل والطريق الامثل للاساطير. الا ان اهتمامات مارك تبدو اشد عملية، فأفتتانه بأمكانية الاستبصار جعلته يكرس جهوده لوضع خطة للبقاء وبفضل الظهور المناسب في توقيته للمليونير الامريكي، يبدأ بأنشاء سلسلة من المستوطنات في الصحراء التونسية. ولكنه يبقي متشككاً الى النهاية، اذ قال ذلك بنبرة متشائمة "لا يمكنني ان اتحمل ذلك المزيج المُنفر من السخرية والقديس يوحنا والف ليلة وليلة الذي يحظى بأهتمام (لندا ومارثا وفرانسس على التوالي). بيد ان انتقاله الى تونس كان خطوة سابقة لآوانها- فالطاعون الاسود قتل غالبية المستوطنين-وليس من الضروري ان نأخذ تذمره بجدية كبيرة، فهو ذلك النوع من الرجال الذي يرتدي بدلة تويدية انيقة ومظلة وعصا صيد في تظاهرة الدر ماستون.
ثمة جوانب متعددة ينطوي عليها هذا الامر، كمياً، في الاقل، ولكننا سنوجز الحديث عن (المدينة) التي تمثل ميلودراما مرتبكة ومكتظة بالافكار. لهذه الرواية ما يماثلها في الروايات الانكليزية السابقة، نحو القراءات المحلية المتأججة للشعراء الفكتوريين ورؤساء الوزراء. ونظراً لتماثلها من حيث قدرتها على التضليل مع الفن والتأريخ الاجتماعي، تظهر الرواية هوساً شديداً بالعرض البارع والاحادي الجانب للأيديولوجيا المعاصرة. بيد ان مواهب ليسنغ ومواهبها لا يعتمد على هذا البناء المتداعي، على المدينة المكتظة بصناديق ملتحمة بحبل متهرئ قديم.
فـ(المدينة) ما زالت المنبع الذي نهلت منه ليسنغ افكار رواياتها اللاحقة. ان هذا التجريب المتواصل في الشكل السردي قد فتح الافاق امامها واخذها في اتجاهات لم يتوقعها قراءها الاوائل. تعد (جلسة الهبوط)، روايتها التالية نقطة تحول محورية تخلت فيها عن النمط القصصي الموظف في (المفكرة الذهبية). ان وصف ليسنغ لهذه الرواية بـ "قصة الفضاء الداخلي" يجعلها منفتحة امام نمطين بديلين متجانسين من القراءة. وهي، بعد ذلك، رواية سايكولوجية، اذ تروي حكاية الاضطراب الذهني المؤقت لجارلس واتكنز، الذي عُثر عليه هائماً على وجهه في الامبانكمنت وهو يعاني من فقدان الذاكرة. يُعاد بناء التأريخ الشخصي لواتكنز بواسطة سلسلة من الوثائق والرسائل والتعليقات والملاحظات، أي ان النمط المتبع هو "الاوتوبايوغرافي" فضلاً عن محاورات الدكتور-المريض العلاجية، وذكرياته مع زوجته واصدقائه ومعارفه الذين ينتشرون في ثنايا المونولوج الداخلي لرحلته الشيزوفرينية، [احد المصادر المحتملة لهذا الحدث قصة ار دي لينغ "رحلة الاحلام العشرة" في (سياسة التجربة)] التي تستهل ليسنغ الرواية بها. ومع ذلك، فـ (جلسة) هي رواية خيال علمي، اذ تتضمن تنويعاً على الرحلة الكونية المتخيلة في بعض القصص القصيرة لولز وقصة ستابلدون
(صانع النجوم). وقد اعتمدت ليسنغ الى حد ما على المزج بين الاساليب الادبية سواء اكانت النمط الشيلي للعروض الكونية عندما تحمل الشخصية الرئيسة بعيداً في الصحن الطائر او "اوبرا الفضاء" التي شاعت في القرن العشرين في ’الجلسة‘ الفعلية لواتكنز وزملاءه المبعوثين في رحلة "الهبوط الى الجحيم." ينفي واتكنز، فيما بعد، مشاركته في (الجلسة) ويوافق على العلاج بالصدمة الكهربائية لأزالة الاثار المتبقية للأضطراب العقلي الذي اصابه. ليس ثمة شك في ان ذلك هزيمة روحية، فـ (الجلسة) لا تمثل، بأي حال من الاحوال، مزاوجة موفقة بين الرواية السايكولوجية ونمط
قصص الخيال العلمي. ان تصوير عائلة واتكنز والوسط الاجتماعي مألوف اكثر من كونه مُلهم، ورغم وجود اثنين من افراد العائلة ما زالوا يحظون بالمعرفة العليا التي قمعها واتكنز، فأن أسلوب خلقهم تقليدي تماماً.
تعد (الصيف قبل الظلام) اخر التقارير الواقعية لليسنغ حول الحياة المعاصرة، فكيت براون، ربة المنزل التي تقطن الضواحي، تعيش ايام تفتحها الاخيرة، او فرصتها الاخيرة لأستكشاف هويتها الخاصة قبل حلول الظلام المتمثل بمظاهر الموت او الشيخوخة والازمنة الكوارثية التي تنتظرنا. هذا الاستكشاف الذاتي يمر بمرحلتين مهمتين هما المرحلة الفاصلة الفصامية وحلمها المتسلسل بعجل البحر حيث توظف كيت مشاعر الامومة لديها للحفاظ على حياة الحيوان المحتظر. انها رواية الانحطاط الاجتماعي- ان مقت ليسنغ الواضح لغالبية جوانب الحياة المعاصرة يترك انطباعاً حاداً- مشوباً باشارات صامتة حقيقية الى المخزونات العقلية والروحية التي ما زال بمقدور الجنس البشري النهل منها عند حدوث الكارثة.
(مذكرات تاج) هي وصف تخيلي بارع للكارثة ذاتها، فالراوي الذي تهيمن وجهة نظره المحدودة على احداث الرواية هي امرأة تعيش بمعزل في مجمع للشقق شمال لندن. وتعد قصتها الرصينة والمؤثرة نقيضاً حيوياً لـ (الصيف قبل حلول الظلام)، بما ان تجاربها تتمتع بالمباشرية المميزة للأحلام وهي ابعد ما تكون عن التعميمات الجامحة المميزة لأسلوب ليسنغ في تناول التأريخ الاجتماعي. ان اسباب انهيار القانون والنظام والبنية الاجتماعية، واخيراً مجمل القيود والكوابح المتحضرة حول الساردة اللامسماة تبقى غامضة، اذ تمتنع ليسنغ عن التفصيل فيها، وهذا لوحده احد
الابتكارات المدهشة. فالحكاية تركز على صراع الساردة لتنشئة ربيبتها، املي في الوقت الذي تنهمك به في متابعة سلسلة الرؤى الغامضة للحياة "خلف الجدار." قطعاً، ان رؤى كهذه تنتمي الى التنبؤية الشعبية الى جانب الخزين المكتبي لمؤلفات الاركانا والابوكريفا(اربعة عشر سفراً تلحق احياناً بالعهد القديم) التي اتلفتها مارثا في (المدينة ذات الابواب). ثمة نسخة اخرى للاسطورة المعاصرة التي تتناولها ليسنغ في (مذكرات ناج) في كتاب (البحث عن الاسرار القديمة (1974)) لسالي والان لاندسبيرغ ". يرى ال لاندسبيرغ حدوث انقطاعات في الفضاء-الزمن-وهي فكرة عرضوا
توضيحها بتوظيف المقايسة التالية: "ثمة مبنيان للشقق بمدخلين في شوارع مختلفة قائمان ظهراً لظهر في منهاتن. في حال اراد ساكني احد هذه الشقق زيارة جيرانهم الذين يشتركون معهم بالجدار ذاته، عليهم استخدام المصعد مرتين والمشي سيراً على الاقدام حول المجمع، وقد يختارون تأجير تكسي. وهذه هي الطريقة التي نتحرك بها في الفضاء العادي ثلاثي الابعاد. الا ان الترحال عبر البعد الرابع سيكون مكافئاً للأنتقال عبر الجدار المشترك دون الحاق الاذى لا بأنفسهم ولا بالمبنى. وهنا يكمن التفسير الحقيقي- او هكذا يُطمئن ال لاندسبيرغ قراءهم-حول كيفية "ظهور ومن
ثم اختفاء هذا العدد الكبير من القادة الدنيويون العظماء، كما تذكر الاساطير، لقد ذهبوا في ابعاد اخرى."4 هذا السيناريو الجذاب والمثير للأنتباه شديد الشبه بالاحداث في (مذكرات ناج). فجأة، يظهر رجل في شقة الساردة ليسلم املي اليها، فتتولى الساردة تنشئتها وفي الوقت نفسه مراقبتها وهي تنمو في البعد الاخر خلف الجدار. ومن ثم يظهر حيوان اليف، هو الكلب-القط، هوغو، لمصاحبتهما. في سن النضوج، تتخذ املي صديقاً لها جيرالد- القائد بالفطرة الذي يتجمع حوله زمرة من الاطفال المشردين. المجتمع ينهار، الا ان الحياة على الجانب الاخر من الجدار تستمر هادئة
وديعة. واخيرا، تنهار الجدران، والشخص الوحيد الذي تبحث عنه الساردة يقيم في الجانب الاخر، اما الساردة واملي وهوغو وجيرالد(عازف المزمار المرقط، الذي تتبعه جماعة من الاطفال)، فيواصلون المسير الى الخلاص. هذا كل شيء رغم ميلنا الى الاعتقاد ان سبب مواصلتهم المسير لا البقاء حسب، وانما الوصول الى عالم رعوي مثالي مماثل لذلك العالم الذي سبق وتخيلته الساردة واملي. "وهكذا تحدثنا عن المزرعة ومستقبلنا معاً، كان الامر اشبه بالحكاية حيث نمشي جنباً الى جنب. عندئذ، ستبدأ الحياة على هذه الارض، الحياة كما يجب ان تكون، كما تم تخيلها- ولكن من قبل
من؟ ومتى؟ وكيف؟" ان (مذكرات ناج) هي قصة رومانس متعمدة، وعدم الاجابة عن اسئلة من قبل من ومتى واين؟ يبدو جوهرياً لنوعيتها. حقيقةً، لا يمكن اثارة هذه الاسئلة بجدية تامة.
الرحلة الثانية التي قامت بها ليسنغ في مضمار الرومانس الصرف اجناسياً، والواعي ذاتياً هي رواية (الزيجات بين مناطق ثلاثة واربعة وخمسة) (جونثان كيب، 1980). تروي هذه الحكاية قصة امرأة تفضي بها معاناتها واخلاصها في اداء الواجب الى نوع من الخلاص الذي يقع في منظر طبيعي قديم وميثولوجي. هذه المرأة هي ملكة بالوراثة، انها الايث((AL.Aith وليست المرأة الحسية. المنطقة الثالثة التي تتولى حكمها الملكة هي يوتيبيا كلاسية رعوية (عقيمة كلاسيكياً). وبغية كشف البلاء الذي حل بارضها، تنفذ مرسوماً يقتضي منها الزواج من ملك المنطقة الرابعة، وهو بربري جنسي قررت الملكة البدء بأعادة تنشئته عاطفياً وحسياً، وبدوره بدا متردداً في تركها عندما طلب منه الزواج بالملكة المحاربة في المنطقة الخامسة. المنطقة الرابعة دكتاتورية اقطاعية ذا حكم مركزي حيث تعيش النساء حياة الذل والخنوع، اما المنطقة الخامسة فهي بلد الفلاحين والتجار التي يشيع فيها الرعب من البدو المهاجمين. تمثل هذه الزيجات تلاقحاً عبر ثقافي، تحرر على اثره سكان المنطقة الثالثة من خنوعهم وتظاهرهم بالرضا ونما فيهم الطموح لأكتشاف الافاق والتحرك نحو المنطقة الثانية، المعروفة بـ"مملكة ساردي القصص" (المناطق تقع في سلسلة من السهول المتجهة
للأعلى). وبعد عملية تطهير طويلة الامد، تبدأ الملكة الايث واتباعها، بعد استيقاظهم من غفلتهم وقناعاتهم المهادنة بالتحرك اعلى الممر-نهاية يمكن رؤيتها بوصفها اعادة كتابة جمعية وحماسية لمسرحية ابسن (براند). اما رعاية النظام الشامل لهذه البلدان المتخيلة فتوكل الى ايدي المراقبين الطيبين المعروفين بـ’المعيلين‘ وكما في (مذكرات ناج)، لا يتم الاجابة على اسئلة من قبل من؟ ومتى؟ واين؟
بيد ان الاجابة معروفة لدينا هذه المرة. فاـ (الزيجات) بصفتها المجلد الثاني من سلسلة (كانبوس في ارغوس: حقائق ارشيفية)، تدفعنا الى الاعتقاد ان المعيلين هم حكام الامبراطورية الكانوبية. ثمة مناطق ستة، في واقع الامر، مرتبة في دوائر متحدة المركز حول الارض، والمنطقة ستة (غير المذكورة في الزيجات) تسكنها الارواح البشرية في انتظار التناسخ او التجسيد المتجدد. هذه المعلومة وغيرها تذكر في الصفحات الافتتاحية لـ (شيكاستا)، الرواية التي لا تندرج ضمن جنس الرومانس وانما التأريخ القصصي للخيال العلمي. المقصود من كتابة (شيكاستا) ان تكون "تجميعاً
للوثائق المنتقاة لعرض صورة عامة جداً عن شيكاستا لغرض اطلاع طلاب السنة الاولى من الحكم الاستعماري الكانوبي." وعلى غرار (المفكرة الذهبية) فأن (المدينة) و(جلسة الهبوط) تُعد امثلة اخرى على الرواية لا بوصفها مدينة طوباوية وانما مدينة اكواخ.
ان فكرة تمثيل (شيكاستا) نوعاً من انواع الكتب المنهجية الكانوبية لا تستدعي منا، ولو للحظة، تعليقاً للتصديق. اذ لا نحظى منه سوى بفكرة جد بسيطة عن الكانوبيين، كما ان طلاب السنة الاولى الذين يقصدهم الكانوبيين هم افراد من سكان الارض الناطقين بالانكليزية والذين ولدوا في النصف الثاني من القرن العشرين. ولتقدير الملاحظة السابقة حق قدرها، سأقوم بترجمتها الى اللغة الكانوبية، فالافراد الذين تم تأليف هذا الكتاب وجمعه لهم هم اعضاء من الجنس المحلي السائد في شيكاستا الذين ولودا في فترة ما في اواسط قرن الدمار. انهم من مواطني القارة
الشمالية المعزولة وبلد اخر في الاطراف الشمالية الغربية لكتلة البر الرئيسة. ( يمكن القول هنا ان اهمية الجغرافية-ذلك المفتاح لفهم اساسيات النمو الكويكبي-تفلت تماماً من انتباه هذه الحيوانات الطيبة). وهذا البلد الواقع في الاطراف الشمالية الذي يؤلف جزيرة صغيرة نسبياً، تمكن بسبب خصائصه شبه الحربية ونزعته التملكية من التغلب والسيطرة على جزء لا بأس به من الكوكب، رغم ما مُني به في الفترة الاخيرة من خسائر. عندما لا يكون افراد الشعب في هذا البلد مشغولين في تشكيل واقامة الصلات الثنائية اللاشخصية او في حراسة جهاز يعمل على توفير مواد
تلقينية متماثلة على نحو آني في كل وحدة حية او عاملة، تجتمع الجيوش الثانوية العظيمة للشباب في مؤسسات التعليم والتدريب العالي. هذا الكتاب المؤلف موجه تحديداً الى المبتدئين في هذه المؤسسات (تأريخ شيكاستا، مجلد4321، ملخص الفصل، مقتطف).
ثمة تأثير ثانوي خلفه قرن الدمار يتصل بالتدمير الذي احدثته شيكاستا وتأثير مفهوم الكانوبيين الحكماء الاقوياء غالباً على الاسلوب النثري لليسنغ. لا انوي هنا الاستمرار في تحليل اللاتساوق الاسلوبي للرواية. يتساءل القراء بتفاءل عن احتمالية تمثيل السلسلة التي تنتمي لها الرواية نقداً اجتماعياً طناناً على حساب الغرباء المتسلطين حسني النوايا. هل سيجسد هولاء، في نهاية الامر، فانطازيا الخبث البشري الكمبيوتري الذين تدفع رطانتهم البيروقراطية الى توقعها؟ لسوء الحظ، تتخلى ليسنغ عن البحث الذاتي الفني اللازم لجعل وجود غربائها محتملاً
فضلاً عن افتقارها للخفة والبراعة السردية المميزة لكتاب قصص الخيال العلمي المحترفين الذين برعوا في تقديم شخصيات اكثر معقولية؟ كما ان ذلك لم يكن تمرينها الاول في السرد من وجهة نظر خارج ارضية. فعلى غرار العديد من اعمالها اللاحقة، يمكن تعقب هذا الجانب الى (المدينة) حيث تشاهد مارثا، اثناء نوبتها الشيزوفرينية، شوارع لندن مليئة بالمخلوقات الوحشية التي لا تجمعها واياها أي هوية مشتركة. لقد تخيلت نفسها تكتب تقريراً يبدأ كالاتي: "هذا الكوكب تحديداً مكتظ بحيوانات ارتقت على نحو معيب،" وقد واصلت ليسنغ ذلك التقرير في قصتها القصيرة " تقرير
حول المدينة المُهددة" المنشورة في مجموعتها القصصية لعام 1975(قصة الرجل الاعزب). هذه المدينة هي سان فرانسيسكو التي اكتشفها شعب الغرباء والتي ستعاني، حتماً، من زلزال شديد قبل 1976. لقد اخذوا على عاتقهم تحذير سكان الارض من هذه الكارثة، الا ان سكان المدينة لم يبدوا كثير اهتمام رغم تعرضهم لزلزال مماثل في 1906. ما السبب في هذه اللامبالاة الغبية؟ الجواب واضح، فعلى الضد من الاجناس البشرية الرئيسة في الكواكب المعروفة، هذا النوع غير قادر على الاتيان بفعل عقلاني وواحدة من الخصائص التي اضرت بهم كثيراً لجؤهم الى ما يسمى ’الفكاهة‘.
بالامكان، رغم كونه امر غير معقول تماماً، قراءة "تقرير حول المدينة المهددة"، بوصفه نقداً اجتماعياً لاذعاً للادعاءات المتبجحة العبثية لهذه "المخلوقات الذكية الغريبة." حقيقةً، لا يمكن قراءة (شيكاستا) بوصفها المطول لتجارب المبعوث الكانوبي، جورج شربان، على الارض ومحاولاته معالجة مخاطر الانهيار الاجتماعي على وفق هذه الطريقة، فالسذاجة الانثروبولوجية التي وسمت الرواية واضحة تماماً. ان اسلوب الدمج الذي وظفته ليسنغ بين الهجمات اللاذعة على الامبريالية الارضية والفنطازيا الرومانسية للامبراطورية الطيبة والعالمة الواقعة "هناك" في
الفضاء، تمثل حسبما اعتقد، خداعاً ذاتياً لا يملك المرء الا الشعور بالاسف حياله خاصة بعد نصف قرن من كتابة قصص الخيال العلمي التي تعالج ثيمة الأمبراطوريات الكونية. بالامكان انهاء هذا النقاش بتفسير ساردها الكانوبي حول الطريقة التي تبلورت بها الحياة البشرية، كما نعرفها، في شيكاستا. اذ كانت هذه الحياة محصلة لقرار اخضاع الكوكب لخطة "الدعم الشامل والاولويات رفيعة المستوى والتنمية القسرية." بالنسبة للعديد من قراءها، فأن لغة كهذه لا تذكرنا بشيء بقدر تذكيرها ايانا بالتدخل الامريكي في فيتنام.
لدوريس ليسنغ حياة مهنية استثنائية، فالرواية الانكليزية منذ الحرب العالمية الثانية لربما بدت اقل اشراقاً وغنىً بدونها، فأعمالها ستبقى معلماً بارزاً في المشهد الادبي لا في بلادها حسب، وانما في العالم اجمع، خاصة بعد حصولها المستحق على جائزة نوبل للاداب. ان سمعتها ومكانتها الادبية تترسخ بأضطراد. ان رواياتها من مثل المدينة، وهي خير رفيق للمرء فكرياً وعاطفياً ناهيك عن محاولاتها كتابة ’قصص الفضاء‘ ستحظى بالمزيد والمزيد من القراء والمعجبين. بداهةً، من السهل التركيز على نواحي القصور في اعمال كاتبة استثنائية مثل ليسنغ، الا ان التناقضات العميقة التي تسم رؤيتها وبراعتها السردية هما الخصائص التي ينبغي اخذها بنظر الاعتبار في تقييمنا النهائي لها. يندر ان تشعر ليسنغ بالطمأنينة والاقتناع بالادوات التي تستخدمها. انها روائية بالفطرة وقد كاد اختراقها للسواتر الدفاعية الاجتماعية والفردية ان تتحول الى بغض شديد للجنس البشري. وعلى الرغم من تبنيها الفلسفة اللاعقلانية في العقد الماضي، فأن نفاذ صبرها مع افراد الجنس البشري واقتناعها بوجود معيار ذا معنى يمكن ازاءه قياسهم بوصفهم "ذا منعة ضد العقل" او "ارتقوا على نحو معيب،" هما في واقع الامر افكار العقلاني المتطرف. ولذا، يطفوا على سطح البعض من اعمالها الاخيرة الشعور بالغضب والاستياء، انه الحنق الذي يستبد بالنبي الذي لا يجد من يصغي لرسالته مهما كان الشكل القصصي الذي يغلفها. قطعاً، ان تحولها بعيداً عن الواقعية في العقد الماضي ترك اثاراً سلبية وكذلك ايجابية مؤثرة. فشكل الرومانس في (مذكرات ناج) و(الزيجات بين مناطق ثلاثة واربعة وخمسة)، قد حرر ما اسماه ارنولد بـ "السحر الطبيعي"، المشتبك في صراع دائم مع رغبتها بالقاء بيان سياسي وفلسفي مؤثر. في مضمار الفنطازيا، جمعت ليسنغ بين اهتمامها بالهلوسات وحالات الاحلام والفهم العميق للعلاقات البشرية نحو علاقة الزوج والزوجة والاب والطفل المميزة لأفضل رواياتها الواقعية. ومع ذلك، ينبغي رفع القبعة احتراماً لها لا بسبب مكانتها وحكاياتها الجدلية المحيرة، وانما لأجل قصص الرومانس المتقنة والمتساوقة التي تقف شامخة بين اقرانها مثل المدينة في الصحراء.


1- لويس ممفورد،"اليوتيبيا: المدينة والماكنة،" (الطوباويون والفكر الطوباوي)، المحرر. فرانك أي. مانويل (سوفنير برس)1973، ص 3-24.
2- ادريس شاه، (الصوفيون). لندن: دبليو. اج. الن، 1977، ص 54.
3- من المثير حقاً معرفة ما يفكر به الناقد القومي الاسود في زمبابوي اليوم بـ (اطفال العنف) ورواياتها الافريقية الاخرى. اعتقد ان (موجة من العاصفة) او (الارض المحجوزة) لم تعد مثار اعجابه وذلك لتناولها دور مارثا في الطليعة الثورية كناشطة طليعية ثورية. ان ما تجسده هذه الروايات بالنسبة له هو الانحطاط والتوهم الذاتي الداخلي التي عاني منها مجتمع المستوطنين البيض وبضمنهم العناصر الاشد تقدمية.
4- الان وسالي لاندسبرغ، (بحثاً عن الاسرار القديمة)، نيويورك: بانتام بوكس، 1974، ص 185-6.

هوامش المترجمة:
*الميغاليث: حجر غير منحوت استخدم في كثير من الاثار الراقية الى ما قبل التاريخ.
**الدوريد: كاهن عند قدماء الانكليز.


المصدر: Critical Quarterly, vol.22, number 4, Winter 1980

*المقالة منشورة في مجلة الثقافة الاجنبية العراقية، العدد الثاني لسنة 2008 .

د. هناء خليف غني
اكاديمية ومترجمة من العراق
hanaakhleif@yahoo.com

مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث