الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
مقدمة رواية "إختراع موريل" لأدولفو بيوي كازاريس
خورخه لويس بورخيس، ترجمة عدنان المبارك
مقدمة رواية "إختراع موريل" لأدولفو بيوي كازاريس
خورخه لويس بورخيس


حوالي عام 1882 سجل ستيفنسن في ملاحظاته أن القراء البريطانيين يستخفون بالروايات الرومانسية وبرأيهم أن المسلية أكثر من غيرها هي الرواية الخالية من حدث أو ذات حدث غير منته وغير مطوَّر أيضا. ويحاول خوزيه أورتيغا ي خاسيت ، في ( لا أنسنة الفن La deshumanizacion del arte ) من عام 1925 ، تحليل الإحتقار الذي لاحظه ستيفنسن ، وفي الصفحة رقم 96 يذكر أنه في الأزمان الحاضرة من الصعب جدا إختراع قصة أو حدث قادرعلى جذب إهتمام مناطق عليا في مخيلتنا ، وفي الصفحة رقم 97 يقول إن مثل هذه الفكرة غير ممكنة عمليا ً. عدا ذلك يدعو في جميع الصفحات تقريبا الى الرواية البسيكولوجية حيث يذكر أن المغامرات عاجزة عن توفير المتعة وإذا كان ذلك ممكنا فستكون متعة للأطفال وحدهم. ومما لاشك فيه أن مثل هذا الرأي كانت له الغلبة في عام 1882 ، وعام 1925 بل حتى في عام 1940. بعض الكتاب ( و يسرني أن أعدّ أدولفو بيوي كازاريس واحدا منهم ) لا يتفق مع الرأي المذكور أعلاه. وهذه هي الدوافع التي يعتمد عليها الخلاف.
الدافع الأول ( وأنا لا أريد التأكيد على بعده المليء بالمفارقة ولا التقليل من أهميته ) هو الضوابط المميزة لروايات المغامرات. فالرواية (البسيكولوجية) التقليدية محرومة من هذه الضوابط. والروس وتلامذتهم قد أظهروا ، الى حد الضجر ، بأن ليس هناك أشياء غير ممكنة : توجد حالات إنتحار سببها الفائض من السعادة ، والقتل بدافع الرأفة ، والناس الذين يغرم بعضهم ببعض الى حد أنهم يقررون الإفتراق النهائي ، أما الوشاة فهم يفعلون ذلك بدافع التواضع أو الحب... وهذه الحرية التامة تساوي الفوضى التامة. من ناحية أخرى تطمح الرواية البسيكولوجية في أن تكون ، على السواء ، واقعية : تفضل أن ننسى تصنعّها الكلامي كي تعمل من كل تفصيل أمرا غير ضروري ( أو من كل أنعدام للدقة بسبب العجز ) ولهجة جديدة للإحتمالية. هناك صفحات ، و فصول بكاملها عند بروست لايمكن قبولها كأفكار مبتكرة إلا أننا نقبلها مثلما اليومي العادي وغير المجدي. أما رواية المغامرات فهي لا تجهد في أن تكون إنعكاسا للواقع. إنها نتاج مصطنع ، وعلى كل أصغر تفصيل أن يكون مبرَّرا. والخشية من أن تكون نسقا من الأحداث مثل ( الحمار الذهبي ) و( رحلات السندباد السبع ) أو ( دون كيخوته ) َتفرض عليها عقدة ًمخترعة بصورة دقيقة.
ذكرتُ هنا دوافعَ ذات طبيعة فكرية ،إلا أن هناك أخرى ذات طابع إمبيري . ويلاحظ الجميع بصورة كئيبة أن قرننا ليس قادرا على إختراع قصة مثيرة للإهتمام ، ولا أحد يجرؤ على إظهار أنه إذا كان هذا القرن يملك علوا ً ما على القرون السابقة فعلى هذا العلو أن يكون القصص بالذات. إن ستيفنسن ذو أهوائ أكبر وهو أكثر تسلية ونجد عنده عقلا أكثر صفاءا ، ولربما حتى أنه يستحق قدرا من صداقتنا أكبر من صداقتنا لتشيسترتن لكنه يملك ُعقدا ً أسوأ. و كان دي كينسي De Queincy قادرا ، أثناء ليلة فزع فظيع ، على حفر متاهة عميقة ، إلا أنه لم يحدد أنطباعاته فيما يخص ما لا يُنطق والسرمديات المكررة لنفسها unutterable and self-repeating في الأعمال التي يمكن مقارنتها بكافكا ، وعن حق يذكرأورتيغا ي خاسيت أن " بسيكولوغيا " بلزاك لا تقنعنا والشيء نفسه ينبغي قوله عن قصصها. وما يسلي شكسبير وثربانتث هو الفكرة المليئة بالتناقضات الداخلية عن فتاة يافعة قادرة وبدون أن تفقد شيئا من عذوبتها على التظاهر بأنها صبي. أن هذا الطراز من المؤثرات لا يخلق لدينا أيّ إنطباع كما لوأنها لاتحمل أيّ بذرة للحداثة ، كذلك فهي لا تصنع أوهاما بأن الأمس يختلف جوهريا عن اليوم أو سيختلف عن الغد عند الأخذ بعين الإعتبار أن أيّ عصرلا يمكن أن يفخر بروايات تهزنا مثل ( المحاكمة Der prozess)، و( دورة اللولب " 1 " The Turn of the Screwأو( رحلة فوق الأرض " 2 " Le voyageur sur la terre) ومثل تلك التي كتبها أدولفو بيوي كازاريس في بوينوس آيريس.
إن القصة ذات الطابع البوليسي – النوع التقليدي الثاني لقرننا والتي لاتعرف كيف هو إستخدام القصة - تروي أحداثا غامضة ُتبرَّر فيما بعد وتصوِّر أحداثا قد عُقلنت. في روايته ينجح أدولفو بيوي كازاريس في قضية ربما هي أصعب. يظهر لنا أوديساغرائب ٍ يكون مفتاحها الوحيد الهلوسة أو الرمز و بعدها يحل اللغز تماما بفضل قرار واحد لا غير هو في الحقيقة فنتازي لكنه ليس فوق طبيعي. والخشية من عدم تقديم الإيضاحات بصورة مبكرة أو جزئيا تمنعني عن التناول التفصيلي لمضمون الكتاب ، ولكثير من تفننات التنفيذ الدقيقة . يكفي القول إن بيوي يجدد الفكرة التي نبذها القديس أوغسطين و أوريغينيس Origenes والتي قام لويس أوغست بلانك Louis Auguste Blanqui بعقلنتها ، كما عبّر عنها بصورة جميلة و ُمنغمة دانتي غابرييل روسيتي Dante Gabriel Rossetti :
I have been here before
But when or how I cannot tell :
I Know the grass beyond the door
The sweet , keen smell ,
The singing sound , the lights around the shore …

[ قبلها كنت هنا / لكن متى وكيف ، أنا عاجز عن القول : / أنا أعرف هذا العشب وراء الأشجار / هذه الرائحة الحلوة الحادة ، الصوت المغني ، الأضواء عند الشاطيء... ] "3"
في اللغة الإسبانية ليست كثيرة ً أعمال المخيلة المعقلنة أوأنها نادرة بصورة غير إعتيادية. فالكلاسيون إستخدموا المجازات والسخرية المبالغ فيها ، ووقعوا أحيانا في التشتت اللفظي ، وبين الأشياء القديمة قد يكون أفضل مثال إحدى القصص من fuerzas externas ) Las ) " 4 " أو غيرها بقلم سانتياغو دابوفي Santiago Dabove "5 " الذي صار اليوم منسيا عن غير حق. والعنوان ( إختراع موريل ) – وهو إيماءة الى مخترِع آخر من إحدى الجزر : مورو Moreau " 6 " - يهدي لأرضنا ولغتنا نوعا جديدا.
كنت قد بحثت ُ مع المؤلف تفاصيل مضمون روايته ، وقرأتها لأكثر من مرة . وليس إنعداما للدقة ولا مبالغة إذا ُسميّت بالرائعة .


إحالات المترجم :

* Adolfo Bioy Casares كاتب أرجنتيني ( 1914 – 1999 ) له أعمال أصيلة يتناول فيها مواضيعا ذات أبعاد بسيكولوجية وفلسفية. ويستغل في العنصر القصّي العقد الفنتازية والأخرى القائمة على عنصر الإثارة أيضا. كان من أقرب أصدقاء بورخيس ونشرا سوية الكثير من النصوص بأسماء مستعارة. ورواية كازاريس ( إختراع موريل La invenction de Morel ) نشرت للمرة الأولى في عام 1940 وقد ترجمت الى لغات كثيرة.
1 - رواية هنري جيمس.
2 – رواية جوليين غرين .
3 – مطلع قصيدة ( سطوع فجائي Sudden Light ) لهذا الشاعر والمصور الإنكليزي الإيطالي الأصل (1828 – 1882 ).
4- مجموعة قصص فنتازية للكاتب الأرجنتيني ليوبولدو لوغونيس Leopoldo Lugones (1874 – 1938 ) صدرت في عام 1906 .
5– سانتياغو دابوفه ( 1874 – 1938 ) كاتب أرجنتيني ألف القليل من القصص الفنتازية.
6– إيماءة الى رواية هـ .ج. ويلز ( جزيرة الدكتور مورو ).


عدنان المبارك
روائي وناقد ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك
iraqstory@mail.dk

مقالات اخرى للكاتب
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث