السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
خفـّة المهمل وثقل التاريخ/قراءة في "ذاكرة الكتابة"
سعد محمد رحيم
خفـّة المهمل وثقل التاريخ/قراءة في "ذاكرة الكتابة"
مالك المطلبي


يتعقب مالك المطلبي في كتابه ( ذاكرة الكتابة: حفريات في اللاوعي المهمل )* بوساطة هذا الزائف والماكر وغير القابل للإمساك تماماً، وهو ما نسميه "اللغة".. يتعقب بعض ما ابتعد وتوارى واختبأ في الطبقات السفلية الوعرة، وشبه المعتمة للذاكرة.. يتعقب الواقعة، كما يظن الآن، ومثلما شهدها ذات يوم، أنها حصلت في التاريخ. التاريخ الذي يتفلت، أبداً، من سطوة إستراتيجياتنا الذهنية، وحيلنا القاصرة. الواقعة التي حطّت هناك، عند انعطافة ما، قديمة، من انعطافات الزمان ( وقطعاً فالخيال نفسه متورط لابد، ها هنا ). ليشكِّل ( المطلبي ) نصوصه التي هي تجسّدات لغوية، مكتوبة، لذبذبات الروح ( لاسيما في طفولتها ). جاعلاً، في النهاية، عين التاريخ المشبعة بالثقافة تغمز للطبيعة الغافلة، والطاعنة، أيضاً، في البراءة والنقاء.
يستعير الكاتب عين التاريخ، يتلبسها، ليؤسس بلاغته الناقصة. فهذا كتاب غير مكتمل. وروعته. كما أزعم، في عدم اكتماله. وما ينقص الكتاب هو من امتياز القارئ، فذلك حقه وحصته وفرصته في المشاركة. ففي الكتاب سحر غواية، في ذلك الجزء الفارغ والعصي منه، يغري القارئ كي يحاول تعقب طفولة روحه.. أن يمسك، وإنْ بأصابع الوهم، ما تبقى من إشعاعات الفرح الغابر في القيعان، نكاية بالحاضر.. نكاية بالتاريخ.
والمطلبي، في هذا الكتاب، هو الشاعر/ السارد الذي له لغته وأسلوبه وبلاغته. وهو الاركيولوجي الذي يحفر ليومئ إلى لحظات الإزاحات ( والانتقالات من عتبة وترسيمة إلى عتبة وترسيمة مغايرة ) في تاريخه الشخصي، وفي التاريخ الاجتماعي والسياسي لهذه البلاد التي اسمها ( العراق ). وهو الانثربولوجي/ البنيوي الذي يرصد أنظمة وأنماط العيش ( لمجموعته البشرية ) في علاقاتها وتحولاتها. إذن، يجب أن يحضر الأديب والأركيولوجي والأنثربولوجي، بأدوات هؤلاء جميعا، أو ببعضها، في شخص الكاتب ليكتب مثل هذا الكتاب.
للوهلة الأولى، يبدو القسم الأول من الكتاب وكأن لا علاقة له بالمتن اللاحق: رسائل الكتّاب غونتر غراس ( الألماني )، وكينزابرو ــ أوي ( الياباني )، ومالك المطلبي ( العراقي ). وأراده المطلبي مدخلاً بعدِّه ( وثيقة ) على الرغم من "كونها ( أي الوثيقة ) جزءاً من الوعي وليس جزءاً من الذاكرة" وأيضاً بدعوى أنها، مثل الفصول التالية، معطى أثري، وتحمل "طابع الترسبات ذاته من حيث وقوعها داخل اللغة". ومن وجهة النظر هذه كان من المنطقي أكثر أن يضع هذا القسم في النهاية ليؤكد نتيجة في ذهنه تتعلق بالعودة القسرية والقاسية إلى ما قبل لحظة التمدن التي بدأت لتوِّها.. إلى الطبيعة، وهذه المرة ليست البريئة والنقية بل التي شُوِّهت وتوحشت.. من المطبوخ الذي احترق قبل أن ينضج إلى النيئ المعجون بالدم. ولكن كان للكاتب مسوِّغ آخر، في ظنّي، مثلما سنرى.
وها هو غونتر غراس يشير إلى ألمانيا واليابان اللتان ( بعد خمسين سنة من انتهاء الحرب/ عند تاريخ كتابة الرسالتين الأولى والثانية )، ومع كونهما بلدين غنيين، فإن "خزينتهما الثقافية أُصيبت بفقر شديد.. وحتى الآن لم يتجاوزا الانقطاع الذي حل بحضارتيهما". ذلك الانقطاع في السياق العراقي يحدده المطلبي؛ لا بالحرب وإنما بتلك الإطلاقة التي تسمى ( ثورة ) والتي "كانت هي الحد الفاصل بين نمو طبيعي ونمو اصطناعي". إذ بدأ خيط الدم بالتدفق منذ عام 1958 وما يزال. ومن منظور تجربته الشخصية وعمره البيولوجي كانت سنوات طفولة المطلبي ( خمسة عشر عاماً ) قد وقعت في ضمن ما يطلق عليه عبارة؛ مرحلة النمو الطبيعي. أما ما تلا ذلك فصار بحسب تعبيره: "أشبه بمن استبدل عقله بتجمع للآراء المفبركة".
كانت دورة حياته هذه متناظرة مع دورة حياة مدينته ( العمارة ). فحتى الثالث عشر من تموز 1958 كان كورنيش تلك المقاطعة الذي لا يتعدى طوله بضع مئات من الأمتار "يضم ثلاث سينمات مشيدة على الطراز الفرنسي، كما يضم ناديين ليليين ( ملهيين )، وفي مركز المقاطعة، تصدر كل صباح جريدة ( صوت الجنوب ). كما كان هناك مسرح يقدّم على خشبته عروضاً أسبوعية وقد انخرطت فيه كثير من الفتيات". وبعد خمسين سنة. ومع نزول خيط الدم نحو الجنوب يرى المطلبي تلك المقاطعة ( العمارة ) "وقد تحولت إلى كومة من الغبار تتخللها أبنية متداعية".
لست أرى المطلبي في هذا الكتاب ساخراً، على الرغم من كم الكوميديا في نصوصه.. الكوميديا التي يتقن التعاطي معها ومن خلالها. وما أجده يكتب إلاّ عن لا معقول الواقعة العذراء في مقابلتها للامعقول الواقعة المنتهكة المؤلمة. وهذا ما يدفعنا للضحك.. إنه الضحك الذي يفرِّغ التوتر كضرورة قبل أن يُصاب المرء بالسكتة الدماغية أو الجنون. لا يستهزئ المطلبي بمخلوقاته التي يرغب باستعادتها من بئر ذاكرته مثلما يريد كينزابرو ــ أوي أن يستعيد قتلى جيش اليابان من سطوة الدولة، أولئك الجنود الذي أُجبرو على الموت بدور ( معتدين ) آملاً "بمصالحة بين عائلات ضحايا حرب الغزو والعدوان وعائلات الجنود الذين ماتوا في الحرب".
في نصوص كتابه، يخرق المطلبي القانون التقليدي للسرد، حيث يجري الصعود من النقطة الأقصى في زمن الذاكرة، وبمسار خطي/ خيطي، نحو نقطة أحدث.. ينحدر في الاتجاه المعاكس، وغايته الوصول إلى الرحم الأقدم لكينونة الذاكرة تلك. تاركاً لقارئه مهمة إعادة إنشاء السرد، فيما بعد القراءة، وترميم بعض ثغراته التي وضعت عن سابق قصد وتصميم.
ما يحققه المطلبي بهذه الإستراتيجية هو التخفف رويداً من الثقل.. الانتقال من ثقل الحاضر الذي شاخ قبل الأوان إلى خفة الطفولة.. من قلق الراهن ومرارته وجهامته وتساؤلاته المفرطة إلى وداعة الطفولة وحلاوتها وفرحها ويقينيتها الصافية.. من القعود حائراً بمفاصل متيبسة إلى الرقص.. من الألم والبكاء إلى النشوة والضحك.
السارد الجيد هو متلصص جيد على الحيوات والأشياء والأمكنة وتحولات الزمان. والمطلبي يبدأ بعد دراما الرسائل الثلاث التحري في تاريخ المقهى.. المقهى/ المكان، والمقهى/ الزمان.. أي المقهى وعاءً لجزء من التاريخ الثقافي والسياسي الشخصي والاجتماعي. فالمقهى عالم مستقل. طريقة حياة لها نواميسها وتقاليدها وعلاقاتها ، أي لها سرديتها الخاصة. وكان المقهى يوماً ما ( أعني عراقياً ) قبل عقود، ولعله ما يزال، وإن بدرجة أقل، حاضنة شهدت ورعت ولادة نصوص وخطابات وتكتلات ومشروعات وتيارات ذات طابع ثقافي، وأحياناً سياسي، أثّرت فيما وراء حدودها المكانية الضيقة.
هل نستطيع الزعم أن ثقافتنا المعاصرة هي ربيبة مقاهٍ؟. هل علينا القول أن معظم مثقفينا ليسو سوى أبناء مقاهٍ؟.
بحسرة وأسف يرى المطلبي كيف راحت المقاهي تندثر الواحد تلو الآخر "حشد من الحيوات بأمكنتها زال من البسيطة! ولم يبق منه سوى آثار مطمورة تحت جلودنا". ليست ذكريات المقاهي هي ما يهم المطلبي أولاً وإنما "تفكيك دال المقهى القديم، المكوّن من آلاف الخطى القصيرة التي امّحت في فراغ الكنبات، متحدة بملايين ضربات خرز السبحات، بملايين الكلمات التي تكوّن، دائماً، أرباع جمل!، بالزجاج الخارجي الممسوح، أبداً، بالفضول المتبادل بين الجالس والسائر، بالمشاريع الأدبية التي لا تنمو! بغريزة الشرب..". وللأجيال الأدبية العراقية في القرن العشرين ( ليس بالتصنيف العقدي/ العشري ) صار المقهى مختبراً لتجربة وجودية فارقة. وكما لو أن ذاكرة ثقافتنا في القرن المنصرم هي ذاكرة المقاهي ذاتها.. صارت استعادة وجوه الأدباء ( الأحياء منهم والأموات ) الذين بقوا في الوطن أو الذين غادروا ( مضطرين أو باختيارهم ) لازمة/ صورة ذهنية/ بصرية مستحوذة.. أنت لن تتذكر أو تتخيل عبدالأمير الحصيري أو حسين مردان أو سركون بولص ( في سبيل المثال، لا الحصر ) إلاّ جالسين في المقاهي ( أو داخلين المقهى أو خارجين منه ). وشخصياً كلما قرأت أو سمعت عمّن عرفوا بأدباء الجيل الستيني قفزت إلى ذهني صور مقاهي شارع الرشيد. فحركة أجيالنا الأدبية الحديثة في بغداد ترتبط بفضاء واقعي/ افتراضي هو فضاء المقاهي المتشكل كإمبراطورية تفرض شروطها الطبيعية والاجتماعية عبر انتظامها المكاني/ الجسدي. وبحسب المطلبي "تشكّل ( البلدية ) قدمي الإمبراطورية، و ( حسن عجمي ) و ( الزهاوي ) حوضها، و ( البرلمان ) سرّتها، و ( البرازيلية ) صدرها، و ( البيضاء ) وجهها". وتلك أسماء مقاهي شارع الرشيد.
ينتقل المطلبي من لاوعي المقهى وغريزته إلى ( لا وعي الفندق القديم ).. إلى حدث بعينه، يوم دخل، قادماً من العمارة، مع والده، للمرة الأولى، في صيف عام 1957 فندقاً بشارع الرشيد.. مكان آخر يثير نوستالجيا سرّية فتبزغ يافطته الملوّنة في أفق الذاكرة: ( فندق العمارة الدولي/ سعر المنام خمسون فلساً/ بإدارة الحاج عبود حسين التميمي ) .. في هذا الإعلان الصارخ المترع بالمفارقات "تعكس تسمية ( الدولي ) اللامحدود، المطلق، وهو نفس ما يفعله الشعر". في حين أن تسمية ( العمارة ) تجبر القادمين من تلك المدينة السكن في هذا الفندق تحديداً. ويستمر المطلبي في حل شفرة الإعلان ذاك "ولصق كلمة ( الدولي ) مباشرة يتدفق نوع من الكوميديا السوداء: ( سعر المنام خمسون فلساً ). إن لفظة الدولي هنا، ليست مقحمة لتجاوز ( خمسون فلساً ) فحسب، بل هي مرغمة، بقسوة وسادية على أن تسكن وسط هذا التلفيق".
أما نص ( تأسيس البنطلون ) فينطوي على بعد انثربولوجي بهيج.. تصبح تجربة العبور من ارتداء الدشداشة إلى ارتداء البنطلون موازية ومناظرة للعبور من نقطة قريبة من الطبيعة/ البدائية إلى نقطة تنتمي إلى الثقافة/ الحداثة بما يرافق ذلك من مفارقات مدهشة تبعث على الضحك. وهذا الكتاب يستدرجك في كثر من مواضعه وفقراته على استيهام الضحك.. لا الضحك بعدِّه ظاهرة بيولوجية/ نفسية وإنما بصيرورته موقفاً اجتماعياً ثقافياً. فأنت لن تضحك فقط لأن ( ما كان ) يخالف أفق توقعك كما رسمته الثقافة ( الآن ) وإنما ( ليس دائماً ) لأن ما هو كائن ( الآن ) ( وهذا ما يصدم أفق توقعك ) قد انحرف بفعل الثقافة أكثر مما يجب ( في الاتجاه الخاطئ ) عمّا كان تحت سلطة الطبيعة. وهذا ما سنلمسه كذلك في نص ( الرقص العام ).
إن حلم التلميذ مالك بنيل الجائزة الموعودة من قبل إدارة مدرسة المشرّح الابتدائية للبنين يدفعه إلى الضغط على والده ليفصّل له بنطلوناً على وجه السرعة، على يد خياط لا يجيد إلاّ خياطة الدشاديش. وهكذا سيحيل نفسه، في اليوم التالي، بمظهره الكاريكاتوري الغريب إلى موضع سخرية أمام أنظار مدير مدرسته ومعلميه وزملائه التلاميذ. وهؤلاء الأخيرين سيخلعون عنه بنطلونه ويخرجون به من المدرسة حاملين إياه على الأكتاف, وإلى جانبه مراقب صفه محمولاً هو الآخر على الأكتاف والبنطلون في يده يلوّح به مثل راية خفاقة. يؤكد المطلبي: "كانت تلك أول مرة يبرز فيها نتوء السلطة المغيبة.. سلطة الطلاب".
أعتقد أن نص ( صياغة العقائد ) هو أكثر نصوص الكتاب ازدحاماً بالدلالات. فعبر مجموعة من الحكايات التي يلتقطها من جعبة ذاكرته، يؤشر المطلبي الحدود الفاصلة التي ترسمها العقائد ( مهما كانت واهية وفاسدة وغير منطقية ) بين البشر، على الرغم من وجودهم في بيئة واحدة، وتداخل مصالحهم. وأحياناً، مصائرهم كذلك. ولأننا في بلدة تقع في نطاق الجغرافية ( السياسية/ العالمثالثية ) فإن البنية الفوقية ( منظومة القيم والمعتقدات والعقائد ) تنقلب، في الغالب، إلى بنية تحتية، تحدد وترسم شكل العلاقات الاجتماعية/ الاقتصادية. على عكس ما ذهبت إليه الماركسية التي وُضعت أسسها النظرية استناداً إلى تحليل طبيعة المجتمع والاقتصاد الرأسماليين في أوروبا القرن التاسع عشر.
يقسّم جسر المشرّح ( يخبرنا المطلبي ) المدينة بين عالمين ( المسلمون في الضفة الغربية والصابئة في الضفة الشرقية ) ليتقوقع كل منهما حول عقيدته إلى حد تحريم اللمس بينهما! حيث تعمل ثنائية الطهارة/ النجاسة كآلية عقيدية على فصل هؤلاء عن أولئك بدنياً وسيكولوجياً. وفي يوم ما يضطر الطفل ( مالك ) أن يشرب من ( حب/ خابية ماء ) الصابئة في مدرسته الابتدائية بعدما وجد الخوابي المخصصة لشرب المسلمين فارغة. وسرعان ما انتابه إحساس ممض بالإثم ( مثلما ترسخ في لا وعيه نتيجة التلقين الصارم ). لقد ارتكب المعصية الكبرى، وأخذه بعض أقربائه حين اعترف لهم بذنبه إلى نهر دجلة. وهناك ( يا للمفارقة ) أنزلوه في الماء سبع مرات على طريقة التعميد الصابئي ( التي راقب طقوسها خلسة، قبل ذلك، مرات عديدة ) ليطهِّروه.. يقول: "بعد سنين طويلة أدركت أني دخلت في التعميد: التطهير الرمزي بوساطة ماء النهر، أو النهر الجاري.. لأعرف أن ما كان يثير دهشتي من أفعال التعميد الغريبة لدى العقيدة الأخرى هو الذي أنقذني".
الكاتب الجيد ( وهذا ما ينطبق على مالك المطلبي ) هو من يلتقط ما لا يلفت انتباه أحد، جاعلاً إياه لافتاً للانتباه. فأحد اختصاصاته الأساسية هو المهمل.. المهمل الذي لا يثير فضول المؤرخ التقليدي ولا يهمّه. لكنه يظل قابعاً فيما وراء وعي الكاتب. في طبقة جيولوجية منسية من لاوعيه. مطموراً في انتظار أزميله هو الكاتب/ الحفّار/ السارد. وإذا كان السرد الخيالي تعقيباً، لا يخلو من المشاكسة والاستفزاز، على التاريخ المكتوب، فإن الرجوع إلى مخزون المهمل، والحفر في لاوعيه، سيعين في صياغة هوامش مرهفة ومرحة وجميلة تلطِّف المتن الخشن والمتجهم والمملوء بالقبح لنص التاريخ.


* (ذاكرة الكتابة: حفريات في اللاوعي المهمل) مالك المطلبي.. ديوان المسار للترجمة والنشر.. بغداد.. ط1/ 2007.

سعد محمد رحيم
روائي وناقد من العراق
saadrhm@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث