السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
كتاب السِيَر المؤسطرة أو سِيَر حياة فرجينيا وولف
هرميون لي/ ترجمة: عدنان المبارك
كتاب السِيَر المؤسطرة أو سِيَر حياة فرجينيا وولف
فرجينيا وولف


أنا أعمل الآن في بيوغرافيا جديدة لفرجينيا وولف بالرغم من إدراكي بأنها ستكون صيغة أخرى لحياتها. ومؤلف رواية جديدة عن حياة مثل هذه الشخصية المشهورة يمكنه الإعتماد على إمتياز ( النسيان ) ، نسيان سياق معين وقائم. ولايوجد مثل هذا الشيء المسمّى بالبيوغرافيا الموضوعية أوالمحايدة خاصة اذا تعلق الأمر بفرجينيا وولف. فحول شخصية هذه الكاتبة نشأت أساطير كثيرة ، وأعمالها تثير منذ أمد بعيد الكثيرمن الآراء المتضاربة. ولكل واحد رأيه بفرجينيا وولف. وفي الأحاديث حول موضوع كتابي أسمع ، بإستمرار ، مثل هذه الأسئلة : أحقيقة هي أن فرجينيا وولف تعرّضت الى تحرّشات جنسية في طفولتها؟ وهل كان ليونارد زوجا طيبا ؟ ولربما كان فظيعا ؟ وهل كانت هي من النوع المدّعي ؟ وكيف كان مرضها النفسي ولماذا إنتحرت؟ ( الأسئلة عن نزعتها النسوية وآرائها السياسية وأعمالها تلقى بصورة أكثر ندرة ). ولكل قاريء تصوّره عن الكاتبة ورأيه فيها. وهكذا لايمكن كتابة بيوغرافيا ( ساذجة )عن مثل هذه الشخصية.
ولا تنتهي المشاكل بهذا القدر من الأسئلة والتصورات والآراء التي تدفع كاتب سيرة فرجينيا وولف الى أن ينتبه دائما الى أمرين: ماذا وكيف يكتب. إن وولف هي مؤلفة سيرة ذاتية من نوع غير إعتيادي ومرّكزة على ذاتها بعمق. وتبدو كما لوأنها تكرر لى نفسها ذات الإستشهاد :( لكم أنا مثيرة للإهتمام في نفسي! ). وهي تدرك بأنها حين تقوم بمحاولات مستمرة لوصف ذاتها إنما تقوم بمجازفة معيّنة وبدل توقع العمق ونفاذ البصيرة يمكنها أن تحقق حسب، الإنطباع بالإسراف في التشبع الذاتوي، وفي أضعف الأحوال عليها أن تعامل نفسها بصورة جادة. وهي هنا تذكر بمغنية تختبر دائما حالة أوتارها الصوتية. وأناها تقوم هنا بدورالمادة والأداة في الوقت نفسه. وليس بصدفة أن فرويد أهداها في أثناء لقائهما الوحيد في عام 1939 زهرة النرجس. وبقدر ما تبحث، في يومياتها ، عن الجواب على السؤال حول كيفية تسجيل ( الأمزجة العنيفة لنفسي )، تحتفظ في رواياتها بإعتدال غير إعتيادي فيما يخص هذا السؤال. وكانت قد أفزعتها الهيمنة المفاجئة في أدب المودرنزم ل( الأنا الملعونة والأنانية ) ولذلك تجنبت بشكل واضح أي إحالات شخصية سافرة. وعندما بدأت تكتب رواية ( الأمواج ) سجلت : ( يمكن تسميتها بسيرة ذاتية ) ولكن عندما اخذت تكتسب هذه الكتابة شكلا سجلت هذه الملاحظة :( ستكون هذه طفولة ولكن لا يمكن أن تكون طفولتي ). وهكذا على كاتب سيرتها أن يدبّر حاله مع هذا العراك المتواصل مع الأنوية المفتوحة وحالات التكتم الشديد.
وما يزيد من حرج موقف كاتب مثل هذه السيرة هو أن أحد المواضيع الرئيسية في تمحيصات الكاتبة كان عقم جميع المحاولات البيوغرافية . ف( فن البيوغرافيا ) على حد تعبيرها، يخلق وهم الإكتمال. وهي تسعى الى إقناعنا بأن حياة الإنسان يمكن إخضاعها للوصف ووضع حصيلة لها وتغليفها بصورة رشيقة وبيعها. ولكي يمكن إيضاح مصائر البطل التالية يكفي اللجوء الى المعرفة الجيدة بتأريخ عائلته ( ولايهم هنا إذا كان هو تأريخ الإرث الفكري أم القهر الجنسي ) وبفضل خليط مناسب من الوقائع والسياق الإجتماعي المحدّد جيدا وتحليلات المؤلفة نحصل على صورة للشخصية هي واضحة ومتماسكة وصائبة. وكل هذا يبدو مقنعا بالرغم مِن أن فرجينيا وولف سعت طوال حياتها الى إثبات فكرة أن البيوغرافيا نفسها هي أمرغيرمعقول ( وكلمتها المفضلة هنا هي : كلام فارغ ). وما هو السبب ؟ هو أن أبطالها يكررون لمرات كثيرة بأننا لانملك حياة واحدة فقط بل حيوات كثيرة . ( كان هناك تحت تصرفها إحتياطي ضخم من الذوات هو أكبر بكثير مما نحن قادرون على وضعه، فالبيوغرافيا تعتبروافية إذا تمّ التعامل مع ست أو سبع من الذوات في حين أن الشخص قد يملك منها آلافا كثيرة ). والرؤيا المتعلقة بذات سائلة غير مستقرة قد قدّمت بشكل مزاح في ( أورلاندو ) خاصة أن وولف قد ركزّت الإنتباه في نهاية العشرينات أي في الفترة التي كتبت فيها، الى جانب ( أورلاندو ) ، ( الى الفنار ) و( الغرفة الخاصة ) وبدأت بكتابة ( الأمواج ).
في تلك الفترة كانت وولف تسأل نفسها بدون توقف : هل من الممكن أن تصف نفسها. وتكتب :
( إذا تعلق الأمر بالنفس : لماذا قلت بأنني سأدعها بسلام ؟ لا اتذكر. غير أن الحقيقة تعتمد على مسألة عدم إمكانية الكتابة عن النفس مباشرة. فحين تنظر أنت إليها تختفي هي ولكن يكفي أن تنظرالىالسقف، الى غريزلي ( أي الكلب )، الى واحد ( رخيص ) من حديقة الحيوان بالإمكان رؤيته ( عبر السور) من جهة ريجينت بارك ، لكي تقفز النفس من مكانها.وكما قفزت بعد ظهرهذا اليوم. وحينما نظرت وأنا سارحة الذهن ، الى ثور البيزون أجبت ( حرف" أيل" ) بصورة تلقائية سأسجل ذلك ، ولكن أي شيء ، في الحقيقة ، أردت تسجيله؟ ).
أحدهم، أي من هو ( سارح الذهن ) يكون مفصولا عن أناه ويكون – كما قيل عنها غالبما – غير صاح تماما. وبهذه الطريقة كان بمقدورها أن تفاجيء أناها وتمسكها متلبسة بالجرم.وطالما أنها قد إستطاعت أن تعرف شيئا عن نفسها وبطريقة واحدة لاغير : أن تخرج من نفسها أو أن تلقي نظرة على نفسها من طرف العين يكون أكثر صعوبة على الآخرين مسك الأنا. إن أكثرية الأحداث الجارية في حديقة الحيوان، حديقتهاالخصوصية الداخلية، بقيت غير مرئية للمراقبين من الخارج. وعلى سبيل المثال تلك الرؤية من أيلول عام 1926 عندما شاهدت زعنفة تبرز من بحر بالغ الكبر وخال ، خيّل بصورة ما أن تلك الزعنفة تخرج من وولف نفسها وفي مكان ما خارجها. و كما لاحظت هي فأي كاتب سيرة لايقدر ، بالتاكيد ،على أن يعرف بهذه الحادثة ، والأمر المؤكد أكثر من غيره هو أن هذا الكاتب غير قادر على تفسيرها. وبعدها بعام واحد واصلت التفكير بغموض( لحظات من الرؤية ) كهذه. ( أكيد أن أي كاتب سيرة لايقدرعلى أن يكتشف واقعة جوهرية من حياتي حصلت في نهاية عام 1926: بالرغم من ذلك فهؤلاء الكتاب يعتبرون أنفسهم بأنهم يعرفون الناس الذين يكتبون عنهم ). وحتى هي نفسها لا ( تعرف ) شيئا عن مثل تلك اللحظة لكي تعثرعلى تعبير لغوي لها : أيّ صورة عليّ أن أستخدمها لكي أعبّر عما أقكر به ؟ يبدو حقا أنه ليس هناك من وجود لمثل هذه الصورة ).
وفي يومياتها حاولت بشتى السبل مسك أناها حتى أنها أدخلت عناوين منفصلة على كتاباتها المكرسة لحياتها الداخلية : ( الفن والفكر ) ، ( دماغي الخاص ).وسجلت ملحوظاتها عن أرجوحة أمزجتها والتي كانت تتحرك بين الإلتزام والتراجع :(إلتحفت بشخصي مرة أخرى ، وبإحكام )، ( كنت ألهو بعقلي وأراقب ما الذي سيفعله. وحتى لو كانت ملموسة في هذه الكلمات نرجسية إستمنائية من نوع خاص فنحن نتعامل هنا مع محاولة جادة وجريئة أيضا للأجابة على السؤال: هل يمكن لأحادية الذات أن تقودنا الى ( واقع ) ما وهل من الممكن تسجيله.
إن السعي المذكور الى العثور على هيئة لغوية للأنا الخاصة، مما يبدو واضحا في الروايات والمقالات والنصوص ذات الطبيعة السياسية والأخرى الخاصة بالسيرة الذاتية أوفي السيرالأخرى ، قد أصبح أحد أهم البواعث في إبداع فرجينيا وولف. وموضوع ملاحظاتي سيكون التحدي الذي تلقيه فرجينيا وولف بوجه كاتب سيرتها. وانا أجهد في الإجابة على السؤال حول أي إمكانيات وفروض للسيرة تجدها الكاتبة ملزمة، كذلك بأي وسيلة يقدر كاتب السيرة على القيام بذلك.
وقالت فرجينيا وولف في بداية محاولاتها الأدبية في عمر الخامسة والعشرين ، الى صديقتها فيوليت دكنسن بأنها ( كاتبة سيرتها او بالأحرى كاتبة أساطير). وكرست للصديقة سكتشا بعنوان ( غاليري الصداقة ) ، وفي الرسائل من الفترة ذاتها سمّي أيضا ( الحياة أو الأسطورة ) . وكانت تلك الكتابات هي الصيغة المبكرة ل( أورلاندو) .والعناصر الفكاهية في هذا السكتش ( وكانت ذات طابع شخصي صرف أحيانا ) قد تركزت بالدرجة الرئيسية على البطلتين والسيرة والمؤرخين وعلى ما يحدث فعلا ( عندما تكتب أنت سيرة حياة إمرأة ). أن المحاولات الإنطباعية لتسجيل ( لعب المخيلة الحر) لدى المؤلفة يكتسب في الأخير هيئة قد وضعت في واقع من الحكاية اليابانية عن أميرات من صنف الساحرات مما يعتبر قصة نسوية تقليدية يمكن روايتها للطفل قبل أن يغفو.
ويكشف ( غاليري الصداقة ) عن صلة قربى بأعمال أخرى للكاتبة لم تنشر عندما كانت على قيد الحياة ، أي أعمال فرجينيا ستيفن ( وولف ) من تلك الفترة ، والتي إعتمدت على سيروهمية وسبقت نقدها لفن البيوغرافيا التقليدي الذي كانت قد وجهته في الفترات التالية. والأسئلة التي تطرحها على نفسها في هذه القصص المبكرة - وكانت تخص مسألة كيف ينبغي على فن البيوغرافيا أن يتكيف لموضوع المرأة الذي يملك مثل هذا القدر الكبير من الخصوصية - قد وجدت تطويرا لها سواء في مقالات الفترة المتأخرة من حياة وولف أو رواياتها. وفي المقالات أكدت وولف على حق المخيلة في التصرف الخلاق بالمادة التأريخية. وهي حين مزجت المعلومات التأريخية بالإستشهادات وأفكارها الخاصة قد خلقت بورتريهات إنطباعية للموتى. وهذا هوسبيل آخر أيضا ، في كتابة السير.
و غالبما كانت تتكشف قوة مخيلتها القادرة على إحياء شخصيات من العصور القديمة ، في المقالات المكرسة لحياة ( نساء الماضي العظيمات ). وعلى سبيل المثال هناك بورتريه ماي وولزستونكرافت والذي يمكن أن نقرأ ، بسهولة ، من ملامح وجهها ( الذي هو حازم وحالم و شهواني وذكي في ذات الوقت ) بأن ( حياة عاصفة بإنتظارها ) :

( في كل يوم وضعت نظريات جديدة حول موضوع كيف ينبغي أن تحيا، وفي كل يوم كانت ترتطم بصخرة الخرافات و الأحكام المسبقة لمحيطها. كذلك كان هناك في يوم شيء في داخلها يأمرها برفض المفاهيم القديمة وصياغتها من جديد ، وهي لم تكن منظرا ما مبالغا في الدقة وذا دم بارد ).

ولكشف التعارض لنأخذ ، كمثال، دروروثي ووردزورث : عندما نقرأ ( قصصها البسيطة والملهمة لكن المسيطر عليها والطلقة لكن الخاضعة لقانون صارم) نلمس كيف تقمع هجمات الميلانخوليا وتدرّب ( حاسة الملاحظة والتي هي في حالة توتر دائم ) وكيف ( تتعمق في حياة الفقراء كما لو أنها تخفي ذات السر الذي تخفيه المرتفعات). ودوروثي وكولدرج ووردزورث يقومون بتجوال لساعات في طقس سيء وغرضهم الوصول الى شلال وجدوا من الضروري رؤيته :

( وفي الأخير وصلوا الى الشلال. وحينها إستيقظت الرغبة القوية والمكثفة في دوروثي. وأخذت تعمّق طبيعته وتقارنه بالشلالات الأخرى ، وبكل حميّة المكتشف و نزاهة المختص بالطبيعة وإعجاب العاشق وذهوله عثرت على أحوال الشبه والإختلاف. لقد إستحوذت عليه، ومنذها رقد في ذاكرتها الى الأبد ).

وبالضبط تصرفت فرجينيا وولف بذات الطريقة مع أبطال أدبها.
وها هي جيرالدين جيوزبيري وجين كارليل - وعن صداقتهما الصعبة يمكن قول الكثير بل الأكثر، لو لم تشعر فرجينيا وولف بأنها مرغمة على أن تكون ( متكتمة).وكانت الإثنتان مشدودتين بالعديد من خيوط ( الود والنفور ) وب( بتلك المرونة التي تمكن من البقاء). ( وعندما نتصفح رسائل السيدة كارليل والتي تعود الى مراسلات بين إمرأتين مختلفتين لحد كبير ولكنهما مخلصتان الواحدة للأخرى ، نسمع صدى ما دافئا بيتيا ، شيئا كمواء القط أو ضجيج الماء الفائر المخصص لإعداد الشاي ) – هذا ما كتبته فرجينيا وولف في عام 1929، في فترة عملها المكرس لكتابة ( اورلاندو ) و( الغرفة الخاصة ) كذلك حين صادقت فيتا ساكفيل – ويست . وجميع هذه المحاولات البيوغرافية الإنطباعية هي في الجوهر مثال جيد على السيرة الذاتية المخفيّة.
وفي هذه البورتريهات البيوغرافية الحدسية القريبة من العمل الأدبي تسعى فرجينيا وولف الى إثبات ما حاولت إظهاره في أول ( بيوغرافيا مؤسطرة ) أي أن المخيلة قد تكون مادة مشروعة للبيوغرافيا شأن المصادر التاريخية . وفي ذات الوقت يرتسم موديل معيّن للجواب على السؤال : كيف ينبغي على البيوغرافيا أن تتصرف أزاء (موتيف ) سير النساء غير المروية .
وفي رسائلها الى الأصدقاء ترجو فرجينيا وولف دائما أن يبعثوا لها قصصا عن حياتهم. إنها تريد ، بهذه الصورة أن تسد الثغرة :( لغاية الآن لا نملك الكثير من سير النساء الحقيقية. وهذا الشيء هو من مطالعاتي المفضلة ). وفي أثناء كتابتها لذكرياتها في عام 1940 إعترفت لأثيل سميث ( وهذه كاتبة للسير لاتغلب ) قائلة : ( فكرت مساء امس بأنه لايوجد شيء يسمى ببيوغرافيا للمرأة. لاشيء هناك يمكن مقارنته بروسو. و أنا أفترض بأن سببب ذلك هو الحشمة والتواضع ). ( الحشمة والتواضع ) : الكوابح و الرقابة الذاتية. وجميعها تتحكم بكتابة المرأة عن نفسها. وهذه بالذات إحدى العقد الأكثر حيوية التي شغلت بال فرجينيا. وفي عام 1927 لاحظت أنه من اللائق الإعتراف، بكامل لوذعيتها التأريخية والبيوغرافية :( لايزال معلوما القليل فقط حول موضوع المرأة ).
إن البرنامج النسوي لفرجينيا وولف والذي طوّرته طوال حياتها ووجد التعبير الأكثر إمتلاء ومباشرة في كتاباتها من الثلاثينات يملك عدا كل شيء طبيعة أدبية. وهو ينبثق من رغبتها في أن ( تثوّر البيوغرافيا ). إن وولف تطمح ، وهي تفكر بنفسها والآخرين ، في العثورعلى الجدة في اشكال ونماذج للكتابة عن شيء سمّي في ازماننا ب( سير للنساء لم ترو بعد) . وفي ( الغرفة الخاصة ) تكتب وولف ، وهي تراقب بعين المخيلة ، عن ( سيّدة متقدمة في العمر كثيرا ) تعبر الشارع بصحبة إبنتها. وتفكر الكاتبة بجميع تلك الذكريات المنوّمة وغيرالمستغلة لدى العجوز، وتشعر ب( الثقل الكبير للصمت ولهذا التجمع للحياة والذي لاسابق له ويبقى بدون تسجيل )، كما تفكر بضغط ( تلك السير المجهولة تماما ) التي لم تسجل لغايتها وينبغي تسجيلها الآن.
إن ( الغرفة الخاصة ) و( ثلاثة جنيهات ) هما أيضا مقالتان مكرستان لفن البيوغرافيا. وتسأل فرجينيا وولف أي شيء يمكننا أن نعرفه عن حياة النساء من الأشكال التقليدية للسير ؟. وأي شيء يكون ممكنا معرفته بفضل الأشكال الجديدة للسيرة والأخرى الذاتية ؟ وكان التتويج ل( الغرفة الخاصة ) تلك (السيرة الباهرة والأستاذية ) المعروفة عن شقيقة وهمية لشكسبير كانت عبقرية شأن شقيقها ولكن بسبب جنسها حكم عليها بحياة ذليلة ومليئة بالألم والخيبة. وهذه ( السيرة ) هي يوتيبية بالقدر الذي تكون فيه تأريخية ، وفي نفس الوقت تكون وصفا تراجيديا لحياة النساء في ذلك الزمان وفانتازيا تحررية تخص ما قد تكونه الحال آنذاك لو قدر لها ان تكون بصورة أخرى .
وفي ( ثلاثة جنيهات ) تتكرر كلمة ( بيوغرافيا ) في كل صفحة تقريبا. ولابد من الأخذ بتقنية القراءة ما بين السطور لكي يمكن فهم معنى حياة شقيقة شكسبير المفترضة ، وفي هذا المقال يصبح هذا الأمر إحدى الستراتيجيات النسوية الرئيسية لدى المؤلفة. وتسعى وولف الى أن تمنح البيوغرافيا أشياء عدة ، ومنها بشكل خاص تلك السير ( المكتنزة بالمضامين و التعليمية ) الفكتوريانية،ولكي يكون ممكنا إكتشاف القصة الثانية المخفية وراء الواجهة الرسمية. وتكتب : ( للنظر بإنتباه الى ما هو مخف واذا لم يكن في النص نفسه فهو بين جمل السيرة ) ، ( تملك البيوغرافيا الكثير من الأبعاد وهي لن تطرح أبدا جوابا واحدا بسيطا على السؤال ). وتذكر السيرة من ( ثلاثة جنيهات ) بنبوءة ونصّ ملغز ينبغي أن نستشف منه خطابا مستترا وبالغ النفع. و سيكون هذا رواية عن كفاح النساء من أجل فرص التعليم وموقفهن من الحرب ومحاولات التحرر المهني وكذلك عن كل ما كان محرّما على المرأة. و لاتنبذ وولف، هنا، المزاح ، فهي القائلة بأننا بحاجة الى إمرأة تكتب سيرة الرب فإذا كتب الرجل هذه السيرة ( فستتحول هي بسرعة الى قاموس بيوغرافي أكليروسي ). وفي كل الأحوال تكون ( ثلاثة جنيهات ) قبل كل شيء تحليلا منفعلا لآليات التفرقة التي يمارسها الرجل ولفرض الرقابة والقمع على صوت النساء . وولف إنتهلت الكثير هنا من مصدر تلك النبوءات .
وفي الرسالة الى فيتا ساكفيل – ويست من الفترة التي ظهرت فيها الفكرة الأولى حول كتابة ( أورلاندو ) تعترف وولف :( أدركت فجأة بأنني قادرة بين عشية وضحاها على أن أثوّر كتابة السيرة ). وبطل هذا الكتاب، اورلاندو، يتحول الى بطلة ، في حين أن الكتاب نفسه ، و يبدو سيرة لكن ظاهريا فقط ، قد تبيّن أنه رواية تهزأ من فروض ( الحشمة والتواضع ) والتي تحكم حياة النساء وسيرهن. وتلهو وولف بكل وضوح ، بعناصر العلاقة بين البيوغرافيا و الوهم الأدبي ( وعندما انهت كتابة ( أورلاندو ) سجلت : تعجبني فكرة كتابة سيرة ناس أحياء ). إن كاتب / كاتبة سيرة أورلاندو أحد شخوص الرواية ، وفي السباق المستمر وراء البطل / البطلة نجد أن ما يرافقه / يرافقها هو الوعي بالتقاليد البيوغرافية التي لاتلائم دائما ،وبأحسن صورة ، الغرض المنشود :( ... علينا الإعتراف بإرتكابنا ألف فعل غير مسّر يرى مسجّل الحياة الجيّد أن هدفه هو تجاوزها ).( فالآن ينشط عقله عبر قفزات عنيفة من الحياة الى الموت وبدون أن يتوقف عند أي شيء وسط ، ومحظور على مسجّل الحياة التوقف بل يجب أن يركض بأسرع ما يمكن لكي يصطف مع الأقدام الأخرى (...) مع الأفعال (...) مع الكلمات التي عبدها أورلاندو في تلك الفترة من حياته (...).
وفي روايات أخرى تعامل فرجينيا وولف عقدة التبعية القائمة بين البيوغرافيا والوهم بصورة جادة للغاية . ففي رواية ( الليل والنهار ) تمثل البيوغرافيا ضغط الماضي والتقاليد : البطلة مسحوقة بتركة جدها المشهور وبمهمة لم تنجز كانت مهمة حياته ، وهي تجهد في ذات الوقت ( شأن المؤلفة ) في العثور على لغة ما متباينة قد تستطيع فيهاأن تعبرعن حياتها الخاصة. وفي (غرفة جاكوب) يتبين أن عراك كاتب السيرة من أجل ( الإصطفاف مع الأقدام الأخرى) هو عمل مؤلم وغير مجد إذ أنه يطارد /تطارد بدون إنقطاع ، بطلا يختفي ولا نتعرف عليه الا في حركات غير منتهية وذكريات الآخرين العابرة . وفي ( الأمواج ) تفسح الجهود اليائسة التي تبذلها ست شخصيات تريد أن تطرد كاتب السيرة ولكي تروي عن حياتها بنفسها ، المكان لمونولوج المؤلفة التي تجابه المتاعب عندما تروي تأريخها الخاص، إذن كيف عليها أن تتعامل مع تواريخ أبطالها..
وليس هناك من شك في أن هذا الإهتمام بإشكالية البيوغرافيا يملك في حالة فرجينيا وولف صلة وثيقة بنظريتها الأدبية . ففي العقدين الثاني والثالث من القرن تعمل الفكر في مسألة أي نوع من الروايات تريد كتابتها ، وفي أخرى أوسع : شكل الرواية المعاصرة ( النظرية والتطبيق غير منفصلين هنا ). وهي تبدأ دائما بالتمحيصات المتعلقة بموضوع الشخصية وما يميزها وإمكانية مسك جوهر طبيعتها. وفي ذات الوقت تفزعها فكرة أنه بعد نبذ كامل الهيكل التقليدي للرواية والذي يحول ، برأيها ، دون الوصول الى شخصية البطل لايبقى أمامنا إلا ( الكلام المفرط عن الذات ) حيث يقاد الأدب الى الصيروة سيرة ذاتية سافرة وغير مقيّدة بأي شيء. وفي تجاربها النثرية المعروفة من بداية العشرينات - ( قصة لم تكتب ) و ( مستر بينيت و مسز براون ) والتي سعت من جديد الى حل مشكلة ( البطل الأدبي ) ، تريد إقناعنا ب( التعامل المليء بالتفهم لكل ما هوتشنجي وغير واضح وجزئي وغيرموّفق) في المحاولات التي يقوم بها الأدب المعاصر من أجل سبر نفس السيدة براون وهي المرأة التي تجلس قبالتنا في مقصورة عربة القطار. ومن ذات المصدر ينبع نقدها لعقلانية السير التقليدية و تلاحمها الظاهري ، فغالبما تخفق هذه السير في التعبير عن ( ماهو تشنجي وغير واضح وجزئي وغير موفق ) في حياة ابطالها . وفي عام 1930 لاتترك فرجينيا وولف في نقدها لسيرة جديدة لكريستينا روزيتي أي مجال للشك فيما يتعلق ب( الوهم القديم ) لدى كاتبة السيرة :

( ها هو الماضي وجميع سكنته محبوسون بطريقة سحرية في حوض أسماك مسحور. يكفي النظر والسمع ، أن تسمع وترى وها أن هذه الشخوص الصغيرة - وقاماتها أصغر من الطبيعية – تأخذ بالحركة والكلام بينما نقوم نحن بتنظيمها في مختلف النماذج التي تعيها ، فهي قد عاشت وكانت تظن بأنها قادرة على الحركة وفق إرادتها. وعندما تتكلم نأخذ بمنح كلماتها شتى المعاني التي حلمت بها ، فهي عندما كانت حيّة فكرت بأنهاتعبّر، ببساطة ،عما يرد الى خاطرها.ولكن يكفي الغوص في البيوغرافيا لكي يبدو كل شيء بصورة مختلفة .)

ولماذا على الحياة المقدّمة في البيوغرافيا أن ( تختلف ) كثيرا عن الحياة الفعلية لبطلها؟ أن حجج فرجينيا وولف تذكر هنا بجوابها على السؤال: لماذا ينبغي علينا أن نغيّر أسلوب تقديم الشخوص في العمل الأدبي ؟ في كلتى الحالتين تدرك هي جيدا بأن عليها أن تكتب في مرحلة إنتقالية ، فكلا حقلي الفن يخضع للتحولات ويحصل هذا ، بمعنى ما ، بفعل إبداعها. وعليه : ضد أي شيء تتمرد هي ، وأي شخصية من البيوغرافيا تنبذ؟. إن فرجينيا وولف نشأت في ظل ميثولوجيا ( الناس العظام ) وحياتهم و اعمالهم والتي كان أبوها قد رعاها. وبيت طفولتها كان مملوءا بالناس العظام ، فقد كان يزوره هاردي وجيمس وميرديث ، ومما لاشك فيه أن الجو المناسب لزيارة الكبار كما يرى ليزلي ستيفن، كان يسود في البيت. والنموذج لكاتبة السيرة ، التقليدية كان لفرجينيا وولف حياة أبيها: ( معجم البيوغرافيا الوطنية )، وهو مجموعة سير رسمية للعظام ( بالدرجة الرئيسية لرجال الدولة ، وللنساء بصورة أكثر ندرة ). وفي الصفحة الأخيرة من ذكرياتها التى لم تنته من تدوينها ( سكتش الماضي ) تلاحظ وولف عند الكلام عن ( الناس الكبار ) الذين كانوا يترددون ، في طفولتها ، على بيتها العائلي لتناول الشاي بأنه لكم يبدو غريبا وبعيدا في الزمن عام 1940 وذلك الفهم للعظمة : ( أن التصورالذي غرسه فينا الأبوان هو اليوم منسي تماما ). وفي الحقيقة لم تصرف وولف النظر أبدا عن هذه الفكرة المذكورة وكل ما في الأمر أنها تستغلها لأغراضها الخاصة. وبالرغم من أنها تسجل في يومياتها ، في كل فرصة سانحة ، سكتشات بيوغرافية مكرسة ل( الناس الكبار) - وحصة الرجال فيها أكبر من حصة النساء بكثير- أمثال كينيز وإليوت وسيكيرت وييتس وأرنولد بينيت وتوماس هاردي وه.ج. ويلز ، الا أنها خالية من التقديس ومكتوبة بصورة شخصية وبعمق. وهي بمثابة نقض تام لشعارات ( معجم البيوغرافيا الوطنية ). وولف تهاجم فكرة ( العظمة ) نفسها بهذه الصورة . وكعادتها تنظر الى ما وراء واجهة الصورة العامة للشخصية ساعية الى مسك جوهرها .
كانت فرجينيا وولف مسحورة ببوسويل. وبوسويل كان يؤمن بالعظمة ولذلك إعتبر أنه يجدر تسجيل كل كلمة للدكتور جونسون. عدا ذلك كان أنويا ومارس عبادة الأبطال. وكتبت فرجينيا عنه مرات عديدة ، وسجلت ، بتفهم ،غروره وفضوله وطاقاته، فذلك ( الوعي المكثف بذاته ) وقابلية تسجيل كل شيء ، أي الصفات التي لم تكن تنقصهاهي بالذات. وفي الأساس لكان كاتب سيرتها قادرا علىأن يكررالكلمات :
( إنه لأمر غريب كيف نسعى ، بفضول كله حماس، الى أن نكتشف مشاعر بوسويل ، وعلى الدوام يبدو أن ليس هناك من شيء أصعب من التعامل مع الناس الأحياء ،إذ يكفي النظر جيدا لكي ينجح السعي بالتأكيد. ولكن عند محاولتنا القول على أي شيء يعتمد السرّ نفهم على الفور لماذا كان بوسويل عبقريا .)
ولدى بوسويل إكتشفت وولف الجواب على السؤال: كيف بالإمكان أن تسحر الشخصية الحيّة على الورق ؟ وفي كل مرة تذكربوسويل في يومياتها تكرر كيف أراد هو أن يسجل ما يقوله الناس وكيف يتكلمون:( لقد أخبرت لايتون [ ستراتشي ] بأنه عليّ أن أجرّب تسجيل أسلوبه في الكلام ، وهذه الفكرة قفزت بمناسبة الحديث عن بوسويل ). وتحت تأثير بيوغرافيا بوسويل القديمة تكتب هي في عام 1934: ( أرغب أن أسجل المجرى الفعلي للمحادثات ، ولكن هذا عمل شاق جدا ). وغالبما تعيد خلق مقاطع كاملة من الأحاديث وتبدي الشكاية من الصعوبات التي تجابهها في هذا المجال.
ويدهشها ( الصدق العنود ) لدى بوسويل. وبالضبط نجمت عن هذا (الصدق ) إحدى القضايا الأساسيةالتي وضعتها أمامها سيرالناس من جيلها. وكانت لا تطيق فروض الرقابة الذاتية والتي ورثها جيلها من عصر( الستائر والزخارف وآداب السلوك ) ، فالسير العامة ل( الناس الكبار) مليئة بالإحترام ، ويكفي هنا أن نذكر سيرة أبيها التي كتبها ف.دبليو. ميتلاند الذي لم يذكر ولو بكلمة واحدة عن تصرفاته في المحيط العائلي. وهذه ( الأسفار النصبية ) – كما أسمى أطفال ليزلي ستيفن الرواية التي كتبها لهم أبوهم - التي تنشأ تحت رقابة عيون الأرامل والأصدقاء والأقارب الذين ما زالوا على قيد الحياة ومحبي الإنسان الراحل، كانت ( خاضعة لفكرة الخير ) وفي المحصلة كانت تذكر ( بالتماثيل الشمعية المحفوظة اليوم في كنيسة ويستمنستر والتي كانوا يحملونها آنذاك في موكب الجنازة السائر عبر الشوارع ).
وفي أثناء حياة فرجينيا وولف وتحت تأثير التحليل النفسي والحروب و التحولات الإجتماعية وردود الفعل أزاء العادات التفكيرية من القرن التاسع عشر ( وكذلك تحت تأثير هجوم لايتون ستراتشي على مباديء كتابة السير التقديسية الفكتوريانة ) حصلت ثورة حقيقية في أسلوب كتابة السير والذكريات. ولكن عندما وجدت في أطار هذه الثورة سيرة حياتها أو حياة أصدقائها شعرت وولف باأها تمر بحالة تمزق تدفعها الى الخيار بين الفروض الماضية والتقاليد الجديدة.
( أنا أتأمل مسألة : ماهو مصير ( سيرنا ) ؟ هناك مسألة ( إي.أيم. أيف ) حول غولدي والتي تكون بالنسبة لي فكرة مجهضة تماما ). هذا ما كتبته في عام 1934، وكانت تقصد سيرة غولدزوورثي لويز ديكنسن التي كتبها فورستر متجاهلا عقد الشذوذ الجنسي لدى ديكنسن . وفي سنوات الثلاثين كان اصدقاؤها يتناقشون حول هل ينشرون رسائل ستراتشي التي كانت بالغة الصراحة في هذا الموضوع أم لا. أما هي فإعتبرت نشرها فكرة جيدة ، وحتى أنها كانت تفكر بكتابة سيرته أيضا وبعد الإنتهاء من تاأيف كتاب عن روجر فراي . وبعدها تكتب : ( ولكنه أمر جيد كماأعتقد ، حين تنشأ بيوغرافيا صريحة وغيرمقصوصة . المهم أن لاتكون ردّ اعلى النقد . وهل هي سدوم بعد ذلك ؟ ) . وسدوم كانت مصطلحا إستخدمه أعضاء الجماعة من بلومزبري عند الكلام عن الشذوذ الجنسي الذي كان مشكلة على الدوام. وفي أثناء تأليف الكتاب عن روجر فراي تراسل فرجينيا وولف كاثرين فيورز وهي صديقة من زمن الطفولة وإبنة جي. أي . سايموندز . وكاثرين تلقى صعوبات جمة في إخراج رسائل أبيها (غير المنشورة ) ، من ( مكتبة لندن ) ، فهي تريد أن تكتب بيوغرافيا له جديدة تكون ( مفتوحة ) أكثر من صيغة هوراتيو براون التي خضعت للرقابة . وبراون تجاوز تماما لواطية سايموندز. ووولف تؤيدها تماما في جهودها. وتكتب : تسرني فكرة أنه لسنا مرغمين على السكوت طويلا وتضيف قائلة بأنها ( أثارت ) بنفسها ( مواضيعا محرمة ) في البيوغرافيا عن روجر فراي. رغم ذلك لم تلحظ في الإتصالات مع كاثرين توترات معينة ، ففي الكتاب عن فراي إستخدمت عند الكلام عن سايموندز كلمة ( بورنوغرافي ).
وفي الجوهر وجدت فرجينيا وولف ومعاصروها أنفسهم عند عتبة الثورة التي حوّلت البيوغرافيا الى صنف أدبي شائع ومباشر وقائم على القيل والقال والهدم ولايعرف الرقابة بأي شكل كان كمالايعترف بكتمان الأسرارولا غض النظر عن الميول الجنسية وحالات الضعف ولا إبقاء أي لغز بدون حل . وبالرغم من حالة قلق معينة ( " إنه أمر جيد وكما اعتقد أن تنشا بيوغرافيا مفتوحة وغير مقصوصة " ) مضت وولف في إتجاه هذه العملية ، ومما لاشك فيه أنها كانت تنتمي الى مجموعة الأشخاص الذي بدأوا تلك العملية بكتاباتهم .
الا أنها افلحت جزئيا في شق هذا المجرى من الكتابة الشخصية غير الخاضعة للرقابة، عن الحياة البشرية . ورسائلها الى كاثرين فيورز من فترة تأليفها للكتاب عن روجر فراي تشير الى أنها شعرت بأنها مقيّة بقوة أيضا مثل مؤلفي السير من العصر الفكتورياني. وفرجينيا مغرمة بمطالعة السير ولكن عندما تبدأ بكتابة هذا الصنف المفضل لديها تشعر بأنها تجابه عملا شاقا للغاية. ( العمل الشاق ) كلمتان تتكرران في يومياتها مرات كثيرة في سني كتابة سيرة روجر فراي :( لهو أمر غريب هذا العمل الشاق عند كتابة السيرة .إنها قراءتي المفضلة ولكن كتابتها تجري بمثل هذه المشقة ). وتطرأ على ذهنها شتى الأفكار المتعلقة بكيفية التخلص من شكل البيوغرافيا التقليدي أو كيف بالإمكان بث الحياة فيه كأن تبدا الكتابة من النهاية والتوجه صوب فترة شباب البطل ؟ أووصف العديد من ( الأيام النموذجية ) ؟ أو تقسيم الكتابة الى ( بضعة اشخاص يصف كل واحد منهم فترة ما من حياته ؟). لكنها تشعر مع مرور الوقت بأنها مهمومة أكثر فأكثر. والمشكلة تعتمد جزئيا على نزاع الوقائع مع ( رؤياها) الخاصة:( ياللشيطان ، كيف عليّ أن أكتب عن الجنون والحب في نثر صاح وفوق هذا مزوّد بتواريخ ؟).
غير أن المشكلة الرئيسية بقيت بالنسبة لها وحتى عند نهاية الثلاثينات ، هي الحاجة الى الإبقاء على الكتمان. لم تقدرعلى الكتابة الصريحة عن زيجة فراي الولى وغرامياته وحبه الى شقيقته. وفي عام 1939 عند قراءة ( يوميات ) أندريه جيد الذي لم يخف مثليته تتشكى وولف ( وهي مدهوشة لحد معين لصراحتها) :( إذا كان هو قادرا على قول هذا كله فلماذا لا أقدر أنا على كشف حقيقة متواضعة نسبيا حول موضوع فراي وغرامياته ؟). وتفترض بأن السبب هو الفارق بين إنجلترا وفرنسا. ففي إنجلترا لايزال كاتبو السيرة من جيلها يشعرون بتأنيب الضمير على الذنوب التي تؤلمها عندما كتبت مقالة عن مصوّر آخر هو والتر سيكيرت. وفي نص مليء بالمديح من عام 1934 تسمّيه وولف بكاتب السيرة العظيم الذي إستطاع في بورتريتاته أن يمسك ( طبيعة الأشخاص المركبة و المعقدة ) – ( كل الحياة التي تألقت من هذا الوجه وليس غيره) – وبدون اللجوء الى مساعدة ( ثلثمئة أو أربعمئة من صفحات التوفيقية والسكوت والأحاديث المبتورة والمبالغة و الترهات والتزييفات الفاضحة التي تسمى ، عادة ، بالسيرة ).
ومن الأقوال المتفرقة لفرجينيا وولف حول موضوع السيرة يمكن إلتقاط بضعة أصول – توصيات . فهي كانت تطمح في أن تكون البيوغرافيا ( الحديثة ) خالية من مظاهر الرقابة وأن لاتخشى الحقيقة وتكشف عن موقف من البطل شخصي ومحروم من التقديس. لقد أرادت العثور في البيوغرافيا على على الخلفية الإجتماعية المحددة بصورة جيدة وأن لا تفتقد فيها التفاصيل البينّة والتسجيلات للأحاديث والفصول المسلية. وعلى البيوغرافيا أن تذّكر بالقيل والقال، وفرجينا وولف كانت أستاذة في هذا المجال. فبفضل القيل والقال كانت هناك صفات غير حسنة في شخصيتها : الخبث والحسد وإنعدام الإخلاص وكلها أصبحت قوتا لتلك الصفات التي نقدرّها فيها : المخيلة ، حس المراقبة ، سرعة البديهة ،النشاط الحيوي. وفي الثرثرة بأسرار الناس لايمكن فصل الدوافع غير النبيلة عن الذكاء الكبير. وبشكل خاص برفقة اصدقائها اللواطيين حصلت وولف على مسّرة قوية ، و تكاد أن تكون إيروسية ، عند التعرض لسيرة الآخرين ( إستخدم كريستوفر ريكز الذي لايضمر بالتأكيد المودّة لبلومزبري تعبير( كومة من القيل والقال ) وآخر : ( الثار بالثأر). لقد ألهبت مشاعرها أفكار المجازفة والمنافسة. ( في فكرة إلهامية حول تقديم عرض هواة مسرحي لمؤلف كونغريف قام ستراتشي في عام 1908 بأداء دور تاتلي ، أما فرجينيا فمثلت دور المرأة الإنجليزية .) ومسرحية القيل والقال السعيدة كانت تناسب بصورة رائعة ميل فرجينيا الىأحوال المراقبة الحادة و المحكمة ل( أيّ أناس يلتقي الإنسان بهم في عالمه الصغير ) "1"– وبذلك يذكر الأمر بفن البيوغرافيا .
والبيوغرافيا شبيهة بالشائعة – ومثل الوهم الأدبي - و المفروض أن لاتكون كشفا لشكل غير متبدل للشخصية بل تسجيلا للتبدلات الطارئة على الإنسان. وطالما أننا نخضع للتحولات المستمرة كانت أمرا قاتلا بالنسبة لهاجميع حالات التعميم والإجمال. ( العادات تغيّر تدريجيا وجه حياتنا كما يغير الزمن طلعتنا ، ولو أننا لا نلحظ ذلك ) . ومن المفروض على كاتب السيرة أن يمسك تلك اللحظات . ( الأنا التي تتغيربإستمرار هي الأنا التي تحيا ) ، ونلقى لديها ذات الإحالة الى بيوغرافيا هذه الأنا. وإذا لم تقف الحياة الإنسانية في مكانها كذلك لايمكن أبدا للرواية عن هذه الحياة أن تكتسب هيئتها الأخيرة . إن معرفتنا عن الشخصيات الإنسانية تتبدل كما تتبدل التصورات عن حدود التعبير الأدبي . وكاتب السيرة هو مثل مكتشف أرض جديدة ( إنه مرغم على أن يكون في المقدمة شأن طير الكناري الذي يسبق عامل المنجم ولكي يتأكد من خلوالهواء من الغاز السام . على هذا الكاتب أن يكشف عن الزيف والكذب وحضور التقاليد التي ولى زمانها ) . وكذلك ( توجد هنا مثل هذه القصص التي على كل جيل أن يرويها من جديد ). وتقصد فرجينيا وولف هنا شيللي ولكن قد تصلح جيدا هذه الملاحظة لكي تخص حياتها أيضا.
وبالفعل فالروايات التالية عن حياتها لم تتخلف عن الأوقات المتبدلة. وليس لفرجينيا وولف سيرة حياة واحدة بل أكثر من واحدة . وخلال 55 سنة مرت منذ وفاتها كان كل جيل يقرأ حياتها من جديد مشككا بما ثبّته السابقون. وحسم الأمر ، جزئيا ، المصير النشري الذي لقيته تركتها الأدبية. فنشر رسائلها ويومياتها ومقالاتها ومخطوطاتها غيّرت ، جوهريا، صورتنا عن الكاتبة كمثقفة مرهفة الحس منتمية الى الأوساط العليا ومؤلفة بضع روايات لجأت فيها الى تقنية تيار الوعي ( هكذا كانوا ينظرون إليها في الثلاثينات والأربعينات ) ، إذ حل محل تلك الصورة الإقتناع بأن فرجيننيا وولف تنتمي الى تلك القلة من كتاب اللغة الإنجليزية الأكثر خصبا وإبداعا ومعرفة وإتقانا للمهنة. والتصوير الجيد لهذا التغيّر هو ردود فعل النقاد على ( يوميات كاتبة ) التي نشرت في عام 1953 . وكان ليونارد وولف قد قام بأختيار مادة النشر من يومياتها التي عرفنا منها بورتريها لفرجينيا ذات تركيز ذهني غير إعتيادي وجادة وشغوفة بالبعد الجمالي في الخلق.وقد أوجز فيليب لاركن كتاب ( يوميات كاتبة ) بكلمة واحدة :"متعب "، وكتب أيضا : ( يبدو الأمر كما لو أنها كانت في حالة تأهب طوال الوقت ، أو إنها في تأهب لكي تكون في حالة تأهب ) . أما هنري غرين فلاحظ في اليوميات ( صرخة يأس واحدة لم تتوقف أطلقها شخص عذبه عمل فاق طاقته[...] وفي تلك الصفحات البالغ عددها 365 لم تذكر هي شيئا عن الإبتسام ). ولكن بفضل البيوغرافيا التي كتبها كونتين بيل ونشرت في السبعينات وكذلك النشر الكامل لليوميات والرسائل عرفنا فرجيينا وولف أخرى بعض الشيء، فرجينا الميّالة الى المزاح والخبيثة ومحبة الرفقة ومليئة بالطاقة الحيوية – إنه بورتريه بعيد بالتأكيد عن صورة فرجينيا ، تلك الجمالية المعذبة.
وفي ذات الوقت ، بدءا بالستينات ومع تجارب الحركات الإجتماعية والمناوئة للثقافة والراديكالية والنسوية بدأت تبرز صورة لوولف أخرى مؤسطرة : رائدة جريئة للثورة ، بطلة الكفاح السحاقي ضد القمع، باحثة راديكالية للثقافة أو مؤرخة لأحداث في حياة النساء لم ترو"2" . كذلك إنساق كاتبو سيرتها للمواقف المتبدلة أزاء التحليل النفسي وسياسة الحياة العائلية . وفي السبعينات إعتبرت وولف ، وتحت تأثير لينغ المناويء للعلاج النفسي، ضحية المواقف القمعية أزاء المرض النفسي ، ومنذ بداية الثمانينات الى نهاية التسعينات إحتل المكان المركزي في بيوغرافيا وولف عنصر التحرش الجنسي من فترة طفولتها. ومحاولات أسطرة شخصية وولف كضحية أو بطلة ، كانت تتصدى لهجمات النقاد المعادين للكاتبة والمنتمين الى مدرسة ليفيز ( وخاصة في بريطانيا )، فهؤلاء لم يجدوا في وولف غير كونها ممثلة نموذجية للنخبوية الضارة والأحكام المسبقة والرضا عن النفس وكلها كانت ما ميّز أعضاء جماعة بلومزبري. وفي كانون الثاني / يناير من عام 1992 عندما إنتهت فترة حماية حقوق التاليف لأعمال جويس و وولف إندلعت معركة حقيقية بين أنصار رؤيتين متنافستين للحداثة ( وكانتا كاريكاتوريتين بشكل غروتسكي ): الفريق الأول رأى في الحداثة ، وقبل كل شيء ، الديمقراطية والأيروسية والدينامية والملحمية وعنصر الإتصال الشفاهي . والفريق الثاني كانت الحداثة لديهم عالم الإنطباعات الرهيفة والشفافية وإلإيقاعات المنسابة التي تخلقها المرأة.

وعندما تخضع حياة ما لهذا القدر من التفسيرات المؤسطرة يبدو أمرا محتوما أن معظمها سيتركزعلى نهاية تلك الحياة . غير أن المتاعب مع البيوغرافيا تنتهي كلها بالصورة ذاتها. وفي النتيجة يشعر كاتب السيرة بضغط بالغ الكبر لكي يفسر حياة بطله كلها من خلال موشور موته ( ويكون هذا الضغط أشد إذا كان هذا الموت إنتحارا ). وتحت تأثير التقاليد المسيحية التي ألقت بثقلها الكبير على تاريخ كتابة السير في ثقافة الغرب – ويكفي ان نذكر هنا إهتمامنا الذي لايضعف أبدا ،ب( الكلمات الأخيرة ) للمحتضر – نطمح عادة في أن يكمل الموت ، بطريقة ما، معنى حياة الميت . وكما كتب فرانك كيرمود حينها تبرز ( حاجتنا العميقة الى نهايات واضحة ) . ونحن نقرأ على مضض عن موت بطل البيوغرافيا كحدث طاريء محروم من أي مضمون خاص (وهكذا ينبغي علينا ان نتعامل مع هذا الأمر) ، ولايعدو كونه حدثا من سلسلة أحداث ، ونحن لايمكننا أن نقبل( حرمانها من الدراماتيكية ) كما ذكر جينيه الذي إستشهد أدموند وايت بأقواله. نحن بالأحرى نشعر بحاجة قاهرة الى مسرحة الموت وتفسيره ، بل تفسيره القائم على التشويه. وفي رواية ( ببغاء فلوبير ) يهزأ جوليان بارنز من أفكار ناقد مجهول إسمه ادمون ليدو و حين تجاهل العقيدة الإعمق والأكثر وضوحا لدى ( إنسان تكون رواقيته عميقة مثل تشاؤمه )، كان قد تسبب في نشوء أسطورة إنتحار فلوبير :
[ إن ما كتبه ليدو يبدو بهذه الصورة : شنق فلوبير نفسه أثناء الإستحمام . وهذا يبدو أكثر مصداقية من القول بأن التيار الكهربائي صعقه او بلع الحبوب المنوّمة ، ولكن رغم كل شيء ... هذا ما حصل : نهض فلوبير وأخذ حماما ساخنا وهاجمته نوبة من الصرع لكنه إستطاع أن يزحف الى الأريكة الموجودة في مكتبه ، وهناك وجده الطبيب الذي كتب بعدها شهادة الوفاة . هكذا كانت الحقيقة . والمسألة هي منتهية . والكاتب الأول لسيرة فلوبير تكلم مع الطبيب الذي أكد على أن ماحدث كان بهذه الصورة . وصيغة ليدو تفترض مثل هذه السلسلة من الأحداث : غطس فلوبير في الماء الحار وبعدها شنق نفسه بطريقة لم توضح لغاية الآن ، ثم نزل وأخفى الحبل وزحف الى مكتبه حيث سقط هناك على الأريكة ، وعندما قدم الطبيب حاول أن يموت متظاهرا بأنه تعرض لهجمة الصرع . إن كل هذا مضحك حقا ].
( المسألة إنتهت ) ، ( هكذا كانت الحقيقة ) – الموت كواقعة عارية يجابه بأفعال ليدو ( المضحكة ) التي كان الغرض منها خلق أسطورة بيوغرافية . وكتاب السيرة المعاصرون لايزالوا غير قادرين على التخلص من فروض التعامل التقليدي مع الموت تماما شأن فرجينيا وولف التي شعرت بأنه تتجاذبها التقاليد القديمة والأخرى الجديدة فيما يخص كتابة السيرة. و البعض من هؤلاء الكتاب يضفي شحنة عاطفية على موت البطل. والفقرة الأخيرة من بيوغرافيا جين أوستن المنشورة في عام 1984 والتي كتبها جون هالبيرين تبدأ بما يلي :
[ منذ الساعة السابعة مساء من اليوم السابع من تموز /يوليو حين أدت الصلاة المكرسة للموت، وحتى الساعة الرابعة والنصف صباحا عندما فاضت روحها بين يدي شقيقتها كانت جين أوستن تبدو كإنسان فقد وعيه . بالتأكيد سوف لن نعرف أبدا أي أفكار ( هذا إذا كانت تفكر عموما آنذاك) كانت تمور في عقلها الآخذ بالإنطفاء و في تلك الساعات الأخيرة. لربما كانت تحلم بتشاوتن ...؟ ولربما جرت أفكارها صوب تلك الرحلة العاصفة في خريف عام 1800...؟] وعلى هذا المنوال يواصل المؤلف الكتابة : [ أكيد أن البوارق الأرضية الأخيرة لعقلها كانت تتوجه صوب كاساندرا... التي أستلقت هي بين ذراعيها كما لو أنها قد إستلقت في المهد ، كاساندرا ، كاساندرا ].
وبعض كتاب السيرة المعاصرين يبحث، من أجل تفادي مثل هذه المظاهر لعاطفية مبتذلة متقادمة ، عن سبل جديدة للتعامل مع هذه النهاية المحتومة : الموت . ويبدأ بيتير آكرويد سيرة ديكنز بنزع قناع الشمع عن وجهه بعد الوفاة ، وبهذه الصورة يخلق صورة أسطورية تالية لديكنز، ويستند هنا على ذلك الربط المتكرر في نثر ديكنز بين عنصري الموت و فترة الرضاعة . كذلك يربطها بمخاوف الكاتب الذي كان أكثر ما يخيفه عودة الموتى من العالم الآخر. وريتشارد جونسن يضع في مقدمة كتابه عن صاموئيل جونسن وسافيج نص نعي وهمي مما يسمح له بالإنتقال الى إمعان الفكر بمسألة كيف أنه [ مع مرور الوقت بدأت الحالات التالية لإعادة القراءة والتفسير ل( حياة الإنسان ) يتراكم بعضها على بعض مثلما تتراكم طبقات شيء جيولوجي معقد]. ومؤلفو الكثير من السير الأحدث ، ولنكتف بذكر أندريو موشن في كتاب ( فيليب لاركن ) ، يهربون من العاطفية الى وصف مفصل قاس للعذابات الجسدية عند الإحتضار. وآخرون يسعون الىتقويض الأساطير التي تقادم عهدها ونبتت حول المعطيات عن موت البطل ، مثلا تشكك جوليت باركر بتلك الرواية التي يغرم بتكرارها حول كيف لم ترد أميلي برونتي أن تستلقي في الفراش قبل الموت :( يبدو أنها حكاية محتملة بقدر ضئيل ولاتجد تأكيدا عليها في أي من طروحات العصر ) ويؤكد مؤلفو النوع الأحدث من سير شخصيات من القرن العشرين تتضارب الآراء حولها وأكثر من غيرها ( ستالين ، فرويد ، باوند) بأنه منذ لحظة موت البطل تكتسب أسطورته قوة أو تأخذ شكلها النهائي ويصعب للغاية فيما بعد عزل الأسطورة عن الحقائق ).
وموت فرجينيا وولف يشجع على خلق الأساطير والتفاسير . فمنذ طفولتها المبكرة كانت تعيش في ظل موت أقرب الناس إليها. وبدون كلل كانت تبحث عن السبل التي تكفل لها تحويل الشوق الى موتاها وإنبهارها بالموت الى مادة خلق أدبي. وبالرغم من ذلك وكون أحد أكبر إكتشافاتها هو مفهوم الرواية ك( رثاء ) ، فقد سعت وولف الى التشكيك بالطريقة التقليدية لتقديم الموت في الأدب . و تشهد على ذلك الإشارة العابرة ( وبدت كأنها قد جاءت مصادفة ) الى موت السيدة رامزي في رواية ( الى الفنار ) ، وذلك الغياب اللحوح لكل من جاكوب وبارسيفال ، أو في الاخير تلك المحاكاة الساخرة لمشهد موت الأم في رواية ( السنون ).
وليس من الصعب الإشارة الى الأسباب المحتملة لموت فرجينيا. فأثناء الحياة تعرّضت مرات عدة الى إنهيارات عصبية رافقتها فكرة الإنتحار . وبعد نشوب الحرب وجدت نفسها في وضع نفسي بالغ الصعوبة : بيتها اللندني صار أنقاضا وفي كل يوم كانت تسمع قاذفات القنابل الألمانية المحلقة فوق لندن كذلك كان هناك خطر غزو ألماني. وكانت هي وزوجها ليونارد يعرفان بأن إسميهما موجودان في القائمة السوداء الهتلرية وشأن الكثيرين من أصدقائهما كانا يجريان الإستعدادات الى الإنتحار إذا حانت الساعة. وفي الريف كانت فرجينيا تشعر بعبء الوحدة . وكانت مهمومة بعد الإنتهاء من كتابة الرواية التالية ( ما بين الفصول المسرحية ) التي اعتبرتها معدومة القيمة تماما . وفي سيرتها الذاتية كانت تعود الى التجارب المؤلمة من الطفولة . وهذه كلها حقائق معروفة . وبالرغم من ذلك فأي منها لاتوضح بصورة تامة ما الذي حدث في الثامن والعشرين من آذار / مارس عام 1941 في تلك اللحظة المفزعة و الغامضة لإنتحارها في نهر أوز .
لكن حقيقة أن الكاتبة ماتت بهذه الطريقة وليس غيرها يثير حاجة عامة الى الإيضاحات ، ولذلك لاغرابة في أن الإيضاحات والأساطير أخذت تنشأ بالضبط منذ اللحظة التى أذيع فيها خبرموتها . وغذا الأساطير حدث جاء مصادفة: خطأ إرتكبه قاضي التحقيق في سبب الوفاة . فقد فسّر بصورة خاطئة، رسالة تركتها فرجينيا قبل أن تودع الحياة . وفي إحدى رسائلها الى ليونارد كتبت فرجينيا :( أشعر بأنني سأدخل من جديد في دوامة الجنون . وأظن بأننا سوف لن نقدر مرة اخرى على تحمل هذا الزمن الرهيب ) . وفي المحكمة قرأت الرسالة هكذا :( اشعر بانني قد جننت . أنا لا اقدر على تحمل هذا الزمن الرهيب ) . وفيما بعد وصلت هذه الصيغة الى الصحف. وقد اثارت غضب زوجة الأسقف لنكولن التي بعثت برسالة الى صحيفة الصنداي تايمز معلقة على ملاحظة قاضي التحقيق ذاك بأن ( السيدة وولف كانت قد أحست بصورة أقوى من الآخرين بالبربرية الشائعة لأزماننا ). كما كتبت أن ( هذا الشيء يحقرأولئك الذين يؤدون واجبهم من أجل الخير العام ومضحين بكل شيء).
وبهذه الصورة أخذت رواية جديدة مكانها بين الأساطير حول موت فرجينيا وولف، وهي رواية عن ضعف المقاومة النفسية لدى الكاتبة التي تركت أبناء وطنها وهم يعانون من ظروف الحرب. والصورة نفسها أي صورة الكاتبة الجمالية المفرطة الحساسية التي لم تتحمل بسبب هشاشتها البالغة هجمات الواقع ، قد إستنسختها في الاسابيع التي أعقبت رحيلها ،مراسيم التكريم لفرجينيا التي أداها الكتاب الإنجليز ( والرجال منهم بالدرجة الرئيسية ). وكانت الذروة هنا عدد شهر آيار / مايو من مجلة ( هوريزون ). وعندما ظهرت رواية ( ما بين الفصول المسرحية ) عادت الكتابات النقدية الى صورة الكاتبة الرقيقة ذات المخيلة الفائقة وحتى أن ناقدا أسماها ب( ضحية الحرب ) . ومنذها يدور نقاش لا يهدأ حول موضوع إنتحار فرجينيا وولف : كيف يمكن قياس مسؤولية ليونارد عما حدث ، وإلى أي عمق تصله فترات طفولة الكاتبة كسبب من أسباب إنتحارها ، كذلك هل كان الجنون هو السبب أم قد يكون الإنتحار عملا من أعمال الشجاعة العقلانية والواعية . بإعتقادي أنه من المفروض على كاتب السيرة ان يتمسك بأكبر قدر ممكن من النزاهة في سرده للوقائع أو حين يعيد تشييد جميع المعطيات والتفسيرات المتوفرة لديه. ولكننى إذا توصلت الى القناعة بانني لم أبق أي لغز ولا سرّ بدون كشف فهذا لا يعني الا أنني أنا نفسي وقعت ضحية أسطورة البيوغرافيا والتي هي الأكثر غواية وزيفا .







إحالات المؤلفة :

1- أنظركتاب:إ. كوسوفسكي سيدويك E.Kosovsky Sedgwick( أبستيمولوجيا المخدع Epistomology of the Closet ) حول موضوع الثرثرة أو القيل والقال كشكل ل( التقييم المؤقت ) يصلح للمقارنة بما حقق في روايات بروست وجويس : ( خلق وتفنيد وبعث وتدمير مئات المراتب القديمة والجديدة والتصورات المتعلقة بكل النماذج البشرية الممكنة ).
2 – يتهم حاليا النقد المراجع لفرضيات التأريخ المبكر للحركات النسوية ، وغرضه التغيير حسب ، فرجينيا وولف بأنها خلقت في رواية ( الغرفةالخاصة ) نموذجا يبالغ في التركيز على شخصية المؤلف كما ينقصها الإنسجام مع السياق . إنظر المقالة النقدية لكاترين تيرنرK.Turner في عدد كانون الثاني / يناير 1995 من دورية( Essays in Criticism ) .
3 – مثلا يكتب ألان بولوك Alan Bullock في مؤلفه من عام 1994 ( ستالين وهتلر : حياتان متوازيتان ) عن الإحتضار المفزع لستالين الذي بدا ( لاعنا ) لكنه حافظ على (صورته ) الى النهاية . ويكتب بيتير غي
P.Gay في مؤلفه من عام 1988 ( فرويد : حياة لزمنناFreud : A Life for Our Time ) عن اللحظات الأخيرة من حياة فرويد والحركات التي قام بها ليلخص معنى الحياة : ( إستقبالات ، وداعات ، تخليات ) حيث ( سيطر الرواقي العجوز الى النهاية على حياته ). كذلك قام همفري كاربنتر H.Carpenter بمهمة تكاد أن تكون مستحيلة وهي عزل (الحقائق ) عن (الأساطير ) و(من البداية الى النهاية ) وذلك في كتابه من عام 1988 ( شخصية جادة : حياة عزرا باوندA Serious Character : The Life of Ezra Pound).

هرميون لي
باحثة أدبية إنجليزية عملت لسنوات طويلة في جامعة يورك وتدرّس حاليا في نيو كوليج في أكسفورد. و سبق أن نشرت الكثير من الدراسات والأبحاث الأدبية بينها مونوغرافيا عن فيليب روث في عام 1982. وفي عام 1999 نشرت بيوغرافيا فرجينيا وولف. وتنشر لي مقالاتها ودراساتها في العديد من الدوريات الأدبية الإنجليزية. وتعود هذه الدراسة المترجمة التي نشرت في ملحق التايمز الأدبي، الى عام 1999.

عدنان المبارك
روائي وناقد ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك
iraqstory@mail.dk
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث