الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
أليف شفق: لا أمثل دور الإلهة مع شخصياتي
جلال فتاح رفعت
أليف شفق: لا أمثل دور الإلهة مع شخصياتي
أليف شفق





منذ صدور رواية (عشق) للكاتبة التركية (أليف شفق) في مارس 2009 وهي تسجل أعلى المبيعات في سوق الكتب لترتقي بذلك إلى مصاف أكثر الكتّاب المقرؤين في تركيا.
ولدت أليف في ستراسبورغ بفرنسا في العام 1971 من أم تعمل في السلك الدبلوماسي. أكملت دراستها في جامعة الشرق الأوسط / في أسكي شهر، قسم العلاقات الدولية، ثم أكملت دراستها العليا في نفس الجامعة قسم قضايا المرأة، ونالت الدكتوراه عن رسالتها في الحركات التصوفية مثل البكتاشية والمولوية.
(اليف شفق) معروف عنها أنها تغوص في هموم انسان المدينة المشتت بين الحضارة ومابين المجتمع الذي يحاول اللحاق بالتطورات التي تهدم قيمه وتزلزل معتقداته المتوارثة. أما في رواية (عشق) فهي كما في أعمالها السابقة تتناول مسألة الانسان الحائر الذي تعتوره هموم التقاليد الاجتماعية وأفخاخ العادات والتقاليد وتضع الحب في المقام الأول كسيف فاصل.. كسيف ديمقليس لينتصر للحقيقة.
رواية (عشق) هي رواية ذات نسيج مركب، وحبكة متشابكة متداخلة سعت فيها الكاتبة إلى سبر أغوار الحب وقواعده، وسبل الوصول الى العشق. ويمكن القول أنها رواية داخل رواية لأن أحداثها تدور في رقعة جغرافية شاسعة، وفي أماكن مختلفة متباعدة كل البعد، وكذلك في أزمنة متباعدة (الحاضرمثلا وما قبل قرون) بين أشخاص ينتمون من حيث الجذور إلى ثقافات متنوعة ومتضادة، لتسير في خطين أساسيين هما الشرق والغرب، وعلى نسق واقعي وواقعي غرائبي في بعض الأحيان. كما جمعت (شفق) كل المتضادات بين الحب بكل معانيه الجسدية وما بين الحب الآلهي في بودقة واحدة. تارةً تحقق في طرائق ووسائل التطبيع بين هذه الثقافات وتارة أخرى تنبري كداعية لتحاكم هذا التضاد القائم وتتحقق إن كان ثمة تلاقح يشدّ أحدهما نحو الآخر، أم كان يزيد من تغذية أواصر التجاذب والنفور بينهما أم يصب الزيت على بؤر الصراع ليزيد الحد الفاصل بينهما اتساعا وهولا.
أبطال رواية (عشق) هم (ايللا) ربة بيت أمريكية ذات أصل يهودي تعشق رجلا (هرطقيا) أسكتلندي الجنسية يقيم في هولندا، ثم يسلم فيما بعد ويتسمى باسم (عزيز زهارا) ومن جانب آخر هنالك (شمس التبريزي) و(جلال الدين الرومي*) و(كيررا) التي تقترن بجلال الدين الرومي وتتحول من الديانة الأرثدوكسية الرومية إلى الإسلام.
تصطحب (أليف شفق) قراءها في رحلة (العشق والتوحد) عبر قرون عديدة لتجسد هذا العشق تارة ككائن هيكلي تكسيه لحما ودما وتبعث فيه الروح، وتارة تنعطف به في دروب الحاضر في حب جسدي دنيوي، وأخرى تلبسه لبوسا آخروياً لاهوتيا. فتجد أن (ايللا) و (كيررا) تتماهيان في لحمة غريبة كما تنصهر شخصية عزيز زاهارا مع شمس التبريزي.
رواية عشق ليست رواية بسيطة من النوع الذي تقرأها ثم تنساها بعد زمن قصير، بل انها ممتعة وتدفع المرء إلى شِباك تساؤلات عديدة وشائكة.. ربما لهذا السبب تجد أن أناسا من أصحاب معتقدات متباينة وأعمار مختلفة ينصب اهتمامهم لقراءة هذه الرواية وينشدّون بها.
(الحلوى الورقية) آخر كتاب للروائية التركية (أليف شفق) أرادت في كتابها هذا أن تمد جسراً بين رواياتها التي بلغ عددها تسع روايات، وبلغ عدد كتبها الصادرة لحد الآن عشرة كتب. تقول أليف عن الحلوى الورقية: للكتاب مكانة خاصة في قلبي، وأعتقد أنه بمثابة محطة تذكير بالنسبة للقراء الذين تابعوني منذ صدور أولى أعمالي، وكذلك للقراء الذين اكتشفوني بعد صدور روايتي (العشق) في مارس 2009 وسيكون له نكهة مميزة لكل من سيكتشفني لاحقاً.
أعمالها هي:
1- بنهان (1998) 2- مرايا المدينة(2000) 3- المَحرَم (2000) 4- بيت بالاس(2002) 5- الأعراف (2004 باللغة الانكليزية) 6- مد وجزر(جمعت في هذا الكتاب مقالاتها في الأدب والثقافة وفي مسألة البحث عن الهوية وقضايا المرأة) 7- الأب واللقيط (2006) 8- الحليب الأسود(2007) 9- عشق (2009).. وأخيرا الحلوى الورقية (2010).
الحلوى الورقية هي نوع من الحلوى التي تعمل من العجين والسكر وبعض المطيبات تعمل على شكل دوائر ويتم تناولها عادة مع الشاي بين الوجبات وفي العصاري.
ربما قصدت (أليف) أن يكون الكتاب سهلاً خفيفا ومحلى بأنواع مختلفة مما عملته يديها في سنواتها الماضية مذ صدور كتابها الأول (بنهان)، فالحلوى الورقية عبارة عن مجموعة اقتباسات اختارتها الكاتبة من رواياتها، تجمعها كلها في بودقة واحدة تحت عنوان (الحلوى الورقية) وهي أشبه بمصطبة الحلوائي التي يجمع عليها بين أصناف متنوعة مما عملته يده.
(أليف شفق) في آخر حوار لها نشر في الثالث من شباط 2010 تقول: بعد تلك المشاعر المعتقة التي رافقت ولادة روايتي (عشق) وقفت لأنظر الى الوراء وتساءلت مع نفسي، ما أكثر المحطات التي اجتزتها، ويا لكثر ما مرّ تحت يراعي.. ويمكنني أن أطلق على الكتاب خارطة طريق، طريقي أنا! لأنني عندما أكتب أستنزف مشاعري إلى أبعد درجة، وأمسي في حالة من حالات التيهان والتوله حتى تنتابني حالة أشبه بالسكر.. أحيانا عندما أقرأ بعضاً مما كتبت تنتابني الدهشة وأتلهف لمعرفة كنه الأمر، أسأل نفسي، أنا كيف تسنى لي أن أكتب كل هذا؟ أردد ذلك مع نفسي دوماً، وأسأل نفسي كيف تمكنت من تسطير كل هذا الكلام؟ وأحيانا أجد نفسي أنني لا أتذكر بعض المقاطع، غير مصدّقة، إن كنت أنا كاتبة هذا الكلام حقاً!! وبالكاد تحضرني بعض المقاطع عندما يذّكرني الآخرين بها.. أما ما تبقى فقد غادر ذاكرتي وصار في طي النسيان.. وإني فخورة بجمهوري من القراء الرائعين.. فهم قد تماهوا مع كتاباتي الى درجة كبيرة حتى إنهم يقومون بتحليل بعض المرتكزات في أعمالي أفضل بكثير مما أفعله أنا.
الحلوى الورقية كتابي ، وكتاب القراء..
تستطرد أليف قائلة: في أحد الأيام التي خصصت للقاء بقرائي والتوقيع على نسخهم، كنت أطالع في الكتب التي جاءوا بها إليّ وقد خطوا تحت جمل ومقاطع من الرواية الفلانية.. كنت ألاحظها باهتمام حتى إن أحد المعجبين قال لي: وجدت في الرواية مقاطع هي تماماً تتطابق مع أفكاري، وما أردت أن أدونه في يوم ما. إنه أشبه بتوارد خواطر. وان أحدهم قال لي: ان العديد من المقاطع المختارة في كتاب الحلوى الورقية هي نفسها التي أشرت تحتها بالقلم الرصاص في أعمالك الأخرى، وتطابقت الى درجة كبيرة بمكان شعرت أنني أنا من أعد هذا الكتاب. في الحقيقة راق لي هذا الكلام كثيراً. ويمكن القول أنني فكرت بالقارئ عندما أعددت هذا الكتاب.
يبدو أن أليف (شفق) لا تحبذ التخطيط المسبّق لمصائر شخوصها كما يخطط المهندس لمشروع ما، ويعرف مقدما الكيفية التي سيكون عليها البناء.. فبالنسبة اليها يبدأ كل شيء بالهيام والغرق في التفكير بأمر ما، ثم تستجمع قواها وكل أحاسيسها وتشرع بالكتابة.
تقول (شفق): إلى يومنا هذا تحكمت في السرد وفي تقنية القص طريقتان.. احداها تؤسس الحبكة وما فيها من شخوص وعقد توضع مسبقاً ويجري الذهاب الى الحلول بشكل مدروس. ولا شك أن هنالك الكثير من الروائع التي ظهرت لنا بهذا الأسلوب الذي يحكم العقل بالدرجة الأساس.
فاذا صح لنا أن نشبه تحكيم العقل بحالة من الحالات التي تتصف بها المادةن ولنقل انها حالة الصلابة، فان الكتابة تحت تأثير الأحاسيس والمشاعر هي بمثابة حالة السيولة في المادة.. حالة السيولة والسيحان هذه هي التي تتيح للكاتب أن ينساب إلى كل الجهات، تجعل حالته الروحية تتخذ أشكالا متغيرة.. أحيانا أجهش بالبكاء وأنا أكتب، وأحيانا أضحك، وأجدني بعض الأحيان أتحدث مع نفسي. أظن أن هذه الحالات لا تمت الى العقل بأية صلة.
فعندما أكتب لا أضع حواجز بيني وبين النص الذي أكتبه، ولا أفرض نفسي عليه.. بمفهوم العبارة أنا لا أنصب نفسي الها على النص.
فهل تكونين أحد شخصياتك؟
- كلا .. بل أكون الشخوص كلها! أكون ذاك الذي أكتب عنه. فالمسألة ليست هي أن تجلسي لتكتبي عن نفسك فقط.. عندما أكتب عن أحدهم أتماهى معه، وأدخل في جلده، ألج دواخله و أسبر أغوار نفسه. ففي تركيا اليوم ثمة الكثير من الكتاب، يكتبون عن أحداث حياتهم ويسقطونها على أسماء ومسميات مختلفة. أنا لا أكترث لنفسي في الكتابة! على العكس فأنا أضجر من نفسي لدى الكتابة. تلك هي المسألة.. فبين الأدب والتصوف قاسم مشترك يسايره ويجايله وهو أن تكون لك القدرة على التخلي عن أناك.

ملاحظة من كاتب المقال:
* جلال الدين الرومي: فيلسوف وشاعر متصوف.ولادته سنة 1207 في (بلخ) بخراسان جنوب افغانستان حالياً. وفاته سنة 1273 . دفن في مدينة (قونيا) بتركيا. من كتبه: المثنوي، الديوان الكبير، الرسائل، فيه ما فيه، المجالس السبعة.


جلال فتاح رفعت
كاتب ومترجم من العراق- كركوك
jalalrifat@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث