الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
حلم وردي في زمن معتم
حاتم محمد الصكر
حلم وردي في زمن معتم
حاتم محمد الصكر
هل من مكان للحلم وردياً كان أو بلا لون في وطن جريح عاش كل تلك الكوارث والنكبات والنزف المتواصل؟

تحس الكاتبة العراقية ميسلون هادي بحرج ذلك الوعد الحلمي فتخفف تفاؤلها الذي قد يوحيه عنوان روايتها الأخيرة “حلم وردي فاتح اللون” حلم يمتد طويلا وممزقا على مدى صفحات الرواية، ينتظره القارئ بشغف، كما ترقبه الدكتورة فادية أستاذة الطفيليات من بيتها الأسطوري بقِدمه ووحشته، لكنها مع ذلك ترممه لتسكن فيه بعد عودتها من التدريس في الجبل الأخضر بليبيا، وتنظر من عزلتها تلك ـ وعبر دورها كساردة ـ مشاركة في الفعل متغيرات الشارع العراقي والبيوت المجاورة التي يسكنها نساء ورجال حرصت الكاتبة أن يكونوا ممثلين لشرائح المجتمع العراقي متعدد الإثنيات والأديان والمذاهب، ولئن تباعدت الأهواء والأحلام بين الناس شيئا فشيئا فإن الرواية تبني عبر عالمها الورقي المتخيل مصالحات كثيرة بين البشر قبل أن تسكن نفوسهم البغضاء وتصفية حسابات لا ذنب لهم فيها غالبا.

بشر في معازل اضطرارية بسبب العسف والاحتلال والخوف من الموت الممتد على أرضية الشوارع وأسطح البيوت وعبر النوافذ، مقاومون للاحتلال وأحلامهم بالحرية والخلاص في فصول الرواية تتكفل الساردة بعرضها بعد أن تفرغت لحياتها الخاصة وغدت وحيدة في زمن موحش وقاس تحف به نذر الموت في كل خطوة من الغرفة التي ترصد فيها الخارج حتى الطريق إلى الكلية وبيوت الجيران.

الحب لا يتأخر كثيرا، وهذه سمة تميز ما كُتب من روايات حول راهن اللحظة العراقية الملتبسة، فهو يأتي كحلم أو ذكرى من ذلك الزمن الذي كانت فيه النفوس رائقة متفرغة للمحبة وتداعيتها، لكن الحبيب ليس إلا ضيفا طارئا، إنه ياسر شاب مطلوب من الأميركيين لأن صديقه المترجم وشى به فتصحبه أمه ليختبئ في بيت فادية، وكما يحصل في السرد المتصل بالقهر والخوف لا ينمو هذا الحب إلا بصعوبة، بل لا يظل منه إلا ما يظل في حلم: لمسة عابرة متأخرة تختزل دفقة حب ستفضحه الرسائل التي يكتبها ياسر من سجنه حين لم تنفع تخفياته في أحد أعياد الصابئة.

لقد كان حبا (من النظرة الأخيرة) تقول الساردة حين تسألها صديقتها إن كان حبها لياسر من النظرة الأولى.

وذلك هو حال المحبين في زمن التبعثر والوحشية وما يحيط بهم من مظاهر حشدتها الكاتبة بمهارة: تقاليد وأعياد وطقوس وتفاصيل أمكنة ومداهمات المحتلين للبيوت والصدف التي تهب المطارَد فرصة الحياة فينجو من الاعتقال ويستمرئ حياة البيت وحب فادية التي ضاقت بوجوده في البداية، وفي آخر رسائله من السجن يكتب جملة واحدة: أريد أن أرجع إلى البيت ـ أي الوطن في معنى من المعاني.. وهو ما تؤكده الروايات العراقية المتمثلة راهن الوطن والحالمة بغده.


نشر الموضوع في جريدة الاتحاد الاماراتية ضمن عمود (استطرادات) اليومي للناقد والاكاديمي حاتم الصكر.
الجمعة 2/نيسان ابريل 2010

http://www.alittihad.ae/columnsdetails.php?category=6&column=27&id=18022&y=2010
مقالات اخرى للكاتب
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث