السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
لتعش السيرة الأدبية…برغم كل شيء
جون أبدايك/ ترجمة عدنان المبارك
لتعش السيرة الأدبية…برغم كل شيء
جون أبدايك


- لم تنشأ لغاية الآن سيرة جيدة لروائي جيد . ولم يكن ممكنا أن تنشأ. فإذا كان هناك شيء له قيمته فهو إسم فرقته العسكرية .

(من دفتر ملاحظات فرنسيس سكوت فتزجيرالد).


- لايملك الشعراء سيرة . فسيرتهم هي حياتهم.

(من مقالة أوكتافيو باث عن فرناندو بيثوي).


ينبغي أن يكون السؤال الأساسي الذي يخص السيرة الأدبية هو :( أي فائدة لنا منها ؟ ). قد يأتي كاتب السيرة بشيء جوهري للوقائع التأريخية طالما أن المؤلف ، سواء أكان شاعرا أم ناثرا , قد كرس حياته كلها للتعبير عن ذاته وكانت المادة الأساسية للوصف والتي خدمته هي الأحداث النقدية والمثيرة ؟ إن معظم الكتاب يملك طرازا هادئا من العيش ، وحتى إذا لم تكن الحال هكذا فهم يثيرون إهتمامنا بسبب الكلمات التي دوّنوها ، بأكبر وثوق ، في لحظات الهدوء . وبمعزل عن مسألة بأي شيء سحر بايرون معاصريه يبقى هو بالنسبة لنا مثيرا للإهتمام كمؤلف لـ(دون جوان) وتلك القصائد الأخرى التي لاتزال تصلنا بالرغم من أنها تبدو مفتعلة قليلا . كذلك هناك سبب آخر وهو تلك الرسائل التي تهز المشاعر، وكانت قد كتبت بحمية . وهناك سحره الفيزيقي وعرجه المثير للعطف وهروبه من إنجلترا موسوما بالنبذ، وا لفجور الذي ولغ فيه في القارة ، و الإلتزام النبيل بقضية إستقلال اليونان و موته المفجع في مقتبل العمر في ميسولونغا في عام 1824 – و لغطى كل هذه المادة عفن إرشيفات التأريخ الأشد عتمة لو لم تكن هناك إنجازات بايرون الأدبية التي تميزه عن عشرات الأفراد القلقين والديناميين من عصر الرومانسية العاصف , و هومن خلال كلماته لايزال حيا وبفضله تنشأ سير جديدة .
بالرغم من أن كتب السير الأدبية نادراما تحقق أكبر المبيعات فالكثير منها لا يزال ينشر، وبعضها يحقق أحجاما بالغة الكبر. ويستحق الأحترام كاتب السيرة البريطاني مايكل هولورويد الذي كسر رقمه القياسي الشخصي عندما نشربعد كتابه المؤلف من جزئين والمكرس للايتون ستريجي كتابه عن سيرة جورج برنارد شو بثلاثة أجزاء . أما سيرة حياة هنري جيمس من تأليف ليون أيديل فقد نشأت خلال إحدى وعشرين سنة وجاءت بخمسة أجزاء أكبرها الخامس .
وفي الإسطبل أحتفظ بالمنشورات المجانية التي اعتبرها بالغة النفع و ثمينة جدا ولذلك لا أتبرع بها الى الكنيسة ولكن لا أعتبرها في الوقت نفسه ثمينة لكي أحشرها بين الكتب التي تنوء بها الرفوف في كل مكان في بيتي. وعلى رفوف الأصطبل المكتظة بالكتب ألاحظ أعمالا متكونة من خمسمئة صفحة ومكرسة لأدموند ولسن وسيمون فايل وجويس كاري وأخرى من ستمئة صفحة عن أوسكار وايلد وآيفي كومبتن – بيرنيت ، ومن ستمئة وخمسين صفحة عن نورمان ميلر ، وهناك مجلدات تتألف من سبعمئة صفحة مكرسة لجان جينيه وصاموئيل بيكيت ، وأخرى من ثمانمئة صفحة عن زولا وبجنبها مجلد ضخم كسر الرقم القياسي في الوزن الثقيل ( ألف ومئتي صفحة ) وكرس لجيمس ثوربر . والعمر الطويل يبقى على صلة معينة بسمك الكتاب . وفي قسم الشعراء الملعونين يوجد كتاب مهدى إلي ويتكون من ألف وخمسين صفحة مكرسة للشاعرة سلفيا بلاث التي رحلت في عمر الثلاثين بينما خصص للشاعرة آن سيكستون التي عاشت أطول بست عشرة سنة ، كتابا يزيد على السابق بمئة صفحة . ولكن إنخفض عدد الصفحات الى أربعمئة في حالة ديلمور شفارتز الذي عاش خمسين سنة. وبالصورة نفسها عوملت دوروثي باركر التي دمّر الكحول حياتها ولكن يا للعجب عاشت طويلا. وأمثال هؤلاء السكنة يقطنون في إصطبلي .


إن السؤال المطروح في البدء : ( أي فائدة لنا منها ؟ ) يجّر إنتباهنا الى دوافع المستهلكين وليس المنتجين . نحن نقرأ السير الأدبية -أي من يفعل منا ذلك - لدوافع شتى أولها ، وقد يستحق أكبر إحترام ، هوالرغبة في إطالة أمد العلاقة الخصوصية مع المؤلف وتعميقها من أجل الإسهام ، وهو الآن مغاير ، في المتع المجرّبة أثناء المطالعة بحضور صوت وعقل من أحببناه . والمثال علىهذه الإطالة هوذلك الكتاب المشهور من تأليف جورج دي. بينتر عن سيرة مارسيل بروست والذي قرأته في شبابي بعد فترة قصيرة من الخروج من وهدة ( في البحث عن الوقت الضائع ) وعندما لم يفارقني الإلتهاب والظمأ بعد . وكتاب بينتر يسمح لنا بدخول قصر الرواية من الأبواب الخلفية بشكل ما ، وبهذه الصورة يصبح كل ما كان فيها حرية وما هو غير محدد ويفتقد الحسم ومشبع بصورة رائعة بالشعر والحساسية الذاتية ، ملموسا وبينا ودقيقا . على بينتير أن يتحول الى باحث و مخبر لكي يبني شيئا كان بروست قد نسجه من الذاكرة. وكما يبدو فالبناء هو نفسه لكن مع مبان رائعة أضيفت اليه.
يعيد بينتر الى الحياة أشخاصا مهمّين كانوا قد أهملوا ، وأبسط مثال هو روبير الشقيق الأصغر للكاتب. إنه صادق ، هنا ، وذو نهج تحليلي في الأماكن التي حلق فيها بروست في أعالي اللامحدّد ، وعلى سبيل المثال في قضية لواطية لراوية.

وكومبريه المسحورة حيث تطعم الخالة ليوني مارسيل الصغير قطع الحلوى الصغيرة المغموسة بالشاي بينما يعصف به الحنين وينتظر متى يسمع صوت فتح البوابة الصغيرة معلنا بأن السيد سوان قد خرج والأم تقدرالآن على الصعود الى فوق وتقبيله قبل أن ينام - كومبريه أصبحت إيلييه مدينة صغيرة على الخارطة بالقرب من شارتر ، بتأريخها وخارطتها ومبانيها . ويتبين لنا أن شخصية الخالة ليوني منمذجة تماما وفق شخصية اليزابث آميو خالة بروست ، وبيتها لايزال قائما لغاية اليوم ، وكذلك يصف بينتر مخدع مارسيل الصغير مستخدما ، جزئيا ، قاموس بروست ولكنه يبدي، عامة ، عناية اكبر بالتفاصيل :
( حجب فراشه ساتر عال أبيض اللون، وكان في النهار مغطى بلحف ذات زهور و أغطية مطرزة كان عليه أن يضعها على الكرسي قبل ان ينام ، "حيث قبلت هي أن تقضي الليل ". وعلى المنضدة الصغيرة جنب الفراش كان هناك كوب من زجاج أزرق وإناء للسكر وإبريق للماء شكلت كلها مجموعة كان على أرنستين ان تفرغها ، بتوصية من الخالة ، في يوم قدومه ، " فالطفل قد يريق الماء ". وعلىالموقد كانت تموء ساعة تحت غطاء زجاجي ثقيل لدرجة أنه كلما توقفت الساعة عن الدق كان ينبغي إستدعاء الساعاتي ، وعلى الفوتيل إستلقت أغطية بيضاء ضيقة مطرزة بالورود ، " ليست بدون أشواك" ، ففي كل مرة يجلس عليها كانت تعلق به ... ).
والى آخره في هذا الأسلوب الغريب لكن اللطيف، عندما يتحول عالم بروست الى عالمنا الخاص. والرئيسي من (الأسلوبين ) والذي ينظم بروست بمساعدته رحلة الراوية يكتسب فجأة تعبيره الغارق بالتفاصيل. ويكتب بينتر :
( خيّل لمارسيل الصغير أن طريقي نزهة العائلة المفضلين يمضيان في إتجاهين متعاكسين تماما ولدرجة أنه لم تكن في العالم نقطتان مستقلة الواحدة عن الأخرى ومثلما هي الحال مع أهداف النزهات والتي يصلون اليها . وسواء أكانوا خارجين من الباب الرئيسي أم من بوابة الحديقة فهم على الدوام ينعطفون بإتجاه ميرغليز من ناحية و بإتجاه سان – أيمان من الناحية الأخرى .. في الرواية أبدل بروست ، لأسباب متعلقة بوقع الكلمة ، ميرغليز الى ( ميزغليز ) ، ولأن هذا الطريق مضى آنذاك عبر ( بري كاتالان ) التي حوّرها سابقا الى حديقة سوان وبالتاكيد كانت هي ( جهة سوان ) المعلومة ).

إذن تصبح السيرة طريقة مشاركة خصوصية أخرى مع الرواية ممتزجة بالغبطة التي يمنحها النظر في تفاصيل مخترعة
بفعل اللعبة التي تقلب الواقع ،.كذلك فهي غبطة لا يوفرها لنا الا مثل هذا الكاتب المتميز و سيرته الذاتية الضخمة التي هي من تحف الفن. و مما لاشك فيه أن محبّي بروست مهتمون ببينتر . فهو شيء شبيه بما يحصل في عملية التحويل الى عالم فعلي . ولايمكن هنا أن نقارن هذه السيرة بالأخرى الشهيرة عن جيمس جويس والتي كتبها ريتشارد أيلمان بالرغم من أنها تتكرس لعمل مكثف وشخصي بشكل بارز ، وأن فصولها المادحة وتلك الأستشهدات المختارة من جويس بصورة جميلة تنتظم في شيء من نوع الأنثولوجيا . ونحن نقرأ أيلمان وليس فقط من أجل زيارة دبلن جويس بل لكي نفهم كيف فعل جويس خالق معجزات كالمودرنزم ، هذا الشيء : أخرج من الوقائع العادية للعاصمة الأيرلندية السكيرة التي تعج بالقساوسة ، فنا غير إعتيادي وشاملا نلقاه على صفحات ( الدبلنيون ) و( صورة الفنان شابا ) و( يوليسيس ) و (سهر الفينيغانيين ).
وكما أتذكر من قرائتي لكتاب أيلمان والبالغ ثمانمئة صفحة ظهرت ( يوليسيس ) لجويس أولا كقصة وسكيتش عن أحد سكان دبلن ، وخلال ثمان سنوات من كتابتها وحتى قبل نشرها ببضعة أسابيع كان المؤلف يبعث من منفاه الأوربي الى الأصدقاء والأقارب في دبلن برجاءات كثيرة حول أمور من الواقع المحلي. كتب الى العمة جوزفين موري رسالة ضمنها السؤال حول أسرتي باول وديلون وهي شخوص نموذجية لأعضاء عائلة مولي بلوم فيما بعد : ( خذي ورقة عادية وقلما وإكتبي جميع السخافات اللعينة عن هؤلاء الأشخاص إذا أسعفتك الذاكرة ). وقد أتعبها بالأسئلة المتعلقة بالصغائر مثل : ( هل بإستطاعة الإنسان العادي أن يجتاز سور البيت رقم سبعة في ( إيكل ستريت) من جهة السلالم أو الشارع وتسلق أوطأ قضيب في السور كي تكون قدماه على إرتفاع قدمين او ثلاثة عن الأرض وبعدها القفز بدون أن يتعرض الى أصابة ؟). إن ( يوليسيس ) عند مواجهتها مع عادية الحياة المعاصرة قد حشرت بعدد كبير من السخافات التي يراد منها محاكاة أحداث الأوديسه ، و تضخم المحتوى يلقى معادله البطولي في تضخم الشكل.
لربما الكتاب وحدهم من يهتم بتفاصيل الصنعة وكيف يفلح الآخرون في كبح جماح عنصر التكوين. الا أنني أتذكر من مطالعتي للسير الأدبية التفاصيل الطرائقية بالدرجة الرئيسية : كانت آيفي كومبتون – برنيت تكتب وهي جالسة على حافة كنبتها وأوراقها كانت تدسها تحت الوسادة ، وأيديث وارتون كانت تكتب في الفراش وترمي الأوراق على الأرض ثم تجمعها السكرتيرة و تكتبها على الآلة الطابعة ، وأما جويس كاري فكان يكتب الرواية بدون أي خطة ، و بإعتقاده أن مختلف الأحداث والشخوص ستتصل فيما بينها بطريقة ما، وهمنغوي كان يكتب ، واقفا، بأقلام رصاص مبرّية جيدا ، ونابوكوف كتب على قصاصات من الورق طولها خمس بوصات وعرضها بوصتان ، وجون كيتس كان يرتدي أحسن بذلاته قبل ان يجلس لكتابة أشعاره ، وعندما يداهم هنري جيمس صرع الكتابة يملي كلامه على الكاتبة على الآلة الطابعة ، أما أسلوبه النهائي فهو نتيجة تسجيل أمين لإطالات في الكلام و توصيفات وحوارات وأحاديث.

ويكتسب السؤال : ( كيف فعل / فعلت هذا ؟ ) في حالة وليم شكسبير شكلا عنيفا : ( هل هو من فعل ذلك ؟). قبل بضعة أعوام خرجت من البيت - والكتاب يفعلون ذلك على مضض كبير دائما - وإشتريت كتاب دينيس كاي من عام 1992 وهو سيرة شكسبير. وكنت كلي فضول كيف يتمكن عالم معاصر من جمع الأدلة المتعلقة بالهوية التأريخية لأكبر كاتب للغة الإنجليزية. ووفقا لتوقعاتي إقتنعت بأن إبن موظف في المحكمة وأحد سكنة مدينة صغيرة ، وكان أكبرالأبناء ، قد حصل على تعليمه وفق ذلك البرنامج الكلاسي المجهد لمدرسة ( كنغز نيو كوليج ) في سترافورد ، وكشخص في مقتبل العمر كان مرغما على قران أُسرع فيه ، وعلى أكبر إحتمال سافر الى لندن وأصبح ممثلا وكاتبا مسرحيا ، و خلال عشرين سنة ونيف كتب أشهر المسرحيات والكثير من أشهر الأشعارفي لغته الأم .
وخلافا لمتحمسين معينين لنبل المحتد أنا لم أشك بأن أحد أبناء الطبقة المتوسطة ( أم شكسبير كانت من عائلة أردين التي عدّت من عوائل المزارعين الغنية ) سينتمي الى الرابطة الحرفية للممثلين وتعينه جدته ككاتب مسرحي و مطالعاته المناسبة ونكات الشارع في خلق كون أدبي. ويتواءم المقال الهجومي الشهير لروبرت غرين حول ( الغراب المتسلط المتزين بريشنا والذي يتصور نفسه بأنه يقدر جيدا كأجود واحد من بينكم ، أن يملأ الشعرغير المقفى بالكلمات الطنانة ) حالتنا هذه تماما. والنبلاء المعدمون كانوا دائما مهد الكتاب المتسلطين.
وعلى أي حال ينشأ عدم تناسب مربك بين فقر المادة البيوغرافية التي فحصت وبين وزن المادة الأدبية المرتبطة بإسم شكسبير. وإنعدام التناسب الشبيه بهذا نلقاه في حالة جين أوستن الشخصية الأدبية الكبيرة الأخرى التي نعرف عنها ، كما يبدو ، القليل لدرجة أن كلير تومالين كانت مرغمة على أن تحشو أحدث سيرة لأوستن بغنى التفاصيل المتعلقة بموضوع العصر الذي عاشت فيه هذه الكاتبة. والبيوغرافيا الأدبية تصطدم في جميع الحالات بهذا الجدار من الجبرية ، إذ لا توجد هناك مقدمات منطقية واضحة تدلل على أن إبنة قس تعيش في عزلة ينبغي أن تكون عبقرية أدبية في حين أن المئات ليست من العباقرة . وبالإمكان أن تغرينا تعميمات تأريخية معينة تخص ، مثلا ، الشعر الأليزابثي أو الدراما اليونانية أو الرواية الروسية ولكن ظهور موهبة كبيرة هي مسألة تخّص لعبة الإرادة والحظ على صعيد المايكرو، وهي لا تخلو من المجازفة. ويمكن القول عن حالة الثقافة عند نهاية القرن التاسع عشر بأنها كانت مريضة ولكن كانت حينها بدايات جويس وبروست وييتس .
والسير الأدبية غالبما نقرأها في مزاج التشخيص الطبي كما لو أننا كنا حاضرين في جناح المرضى من الرجال والنساء . ونظريات التحليل النفسي حول التعويض ، والمقال المؤثر لأدموند ولسن ( الجرح والقوس ) قد جعلت كتاب السيرة حسّاسين ازاء العلاقة بين الدافع الخلقي ( بفتح الخاء) والشعور بالنقص في ميدان آخر. فعلى كل كاتب من كتاب سيرة كافكا أن يتفرغ لقضية أرقه مثلا أو خوفه غير الطبيعي من أبيه أو تعامله المتناقض مع يهوديته ، وفي الأخير عدم قدرته التي عمّقها مرض السل ، على إقامة علاقة حب مع المرأة ، بإختصار: كامل هذا الشلل النفسي الذي وجد له تعبيرا دراميا في مسخراته الشهيرة التي تناولت حالات الإحباط المعاصرة. وملفيل وهاوثورن، كاتبانا من القرن التاسع عشر المرتبطان بأواصر صداقة من النوع الصعب ، هذان العملاقان يستفزان كتاب السيرة بأسرار حياتهما العاطفية. إن هشاشة ملفيل النفسية وميوله المثلية وخراقته في القيام بدور الزوج والأب تنسجم بصورة ضعيفة مع مزاجه وقوة أفضل أعماله وجلده الذي لم يفارقه طوال عمره المديد والمليء بالخيبة.
وكتب هاوثورن الذي كان في شبابه يهيم كالروح في ساليم ، في غرفة الأشياء العتيقة تحت سقف بيته. وكان يخرج من البيت على الغالب عند الغروب ، وبرفقة أمه الخجولة بشكل غير طبيعي وشقيقته الحازمة التي أشيع عنها بأنها كانت زوجته من الناحية الفعلية. وكيف تلقي كل هذه الأمور غير المألوفة ، بثقلها على لا إعتيادية أعماله وتشبعها بتركيز غامض وإيمان يصعب مسكه ، بالفنتازيا ولعبة المخيلة ؟ إن قواميس التحليلين النفسي والأدبي تزداد شبها فيما بينها . ومن ناحية أخرى غير مسموح لنا أن ننسى بأن هؤلاء المعوّقين نفسيا يستحقون إهتمامنا ، إذ أن أعمالهم هي التي تزوّدنا بالحقيقة والشعر والتسلية. فالجرح كان موجودا ، والقوس القوي أيضا ، أما الهدف فقد تحقق.

ومثل هذا الإستعراض لا تفصله الا خطوة واحدة عن السيرالمكتوبة بأسلوب لايتون ستراتشي والتي تهزأ بأبطالها وتسوّد صفحتهم . ولربما نقرأها كي نشعر بأننا أحسن من الكتاب المشهورين. وقيل ان مارك شورير كان يكره سنكلير لويس قبل أن يؤلف كتابه الضخم عنه ، و بالتاكيد كان جيمس أتلاس يحمل ذات المشاعر في علاقته مع ديلمور شفارتز . وقد حصل لي أن كتبت عن بيوغرافيا فرنسيس سكوت فتزجيرالد من عام 1994 بقلم جيفري مييرز. وهذا مقطع منها :
( قبل أن يجمع السيد مييرز الوقائع لم نكن نعرف حقا الى أي درجة كان فتزجيرالد المخمور مكدِّرا . فرّدا على الضيافة الباذخة التي قدمها الزوجان ساره وجيرالد مورفي ( رمى بأقداح النبيذ الفينيسية المذهبّة الى جدار الحديقة ). وبعد هذه الفضيحة منع من دخول البيت ولكنه في إحدى المرات رمى ببرميل قمامة الى باحة البيت عندما كان الزوجان يتناولان الغداء. وعندما كان خارجا بصحبة بعض الأصدقاء من كازينو جوان – لي – بين ، رفس صينية عليها سكاكر و جوز كانت تحملها فرنسية عجوز. كان يدخل في شجارات وعراك يخرج منها بأسوأ حال. وخبث القرود وحميّتها إكتسبا عنده شكل التخريب والمناكدة. كتب بأحمرالشفاه على فستان ثمين لزوجة صديقه جون بيشوب ، والعشاء برفقة همنغوي وولسن حوّله الى عرض للإذلال الذاتي .وأنا أستشهد هنا بما كتبه ولسن في يومياته : ( جلس سكوت بيننا وقد أسند رأسه على المائدة تماما مثل" الهوقل" أثناء " الشاي المجنون " ، وبعدها إستلقى على الأرض ثم توجه الى المرحاض لكي يتقيأ ، وأمرنا بأن نتماسك بالأيدي ، وسألنا هل نحن نحبه ثم أخذ يهيننا ).

وبعد قراءة مثل هذا الإيجاز ألا نشعر، مرة والى الأبد ، بأننا في حل عن واجب النظر الجاد الى سكوت فتزجيرالد ؟ إلا أن مييرز يقدّم ، وعلى الأقل تفسيرا طبيا ما . فهو يقول إن فتزجيرالد كان يعاني ، مثل أدغار ألان بو ، من مرض قلة السكر في الدم . ومايكل شيلدون في كتابه عن غراهام غرين من عام 1995 لايفسر بطله ، عامة ، و بالطبع يصوّره ، و بكل حنق، ككاثوليكي غير صادق وزوج خائن ومازوكي جنسي ومجنون سادي وموهبة نضب معينها. وفي تهمتين مقتضبتين ومبرقعتين هما مألوفتان في نوع معين من السير القائمة على عنصر الإثارة وذات المستوى الواطيء ، أصبح غرين قاتلا فعليا لإمرأة عثر على جثتها مقطعة الى أجزاء في برايتون في عام 1930 . وإرتكب الجريمة بالتعاون مع صديقه الحميم كيم فيلبي خائن بلده ! والأكثر من ذلك يجزم شيلدون بأن غرين صادق الدكتاتوريين و( الأغنياء المعجبين بالنكات الفارغة ) .
ومثل هذا الهجوم يقوم به ، على أية حال ، باحث لم يلتق أبدا ببطله. فهذا ولحسن حظه قد رحل ولاشيء يجرح شعوره الآن ، كذلك لا يمكن محاكمته قضائيا . وفي السنوات الأخيرة ظهرت في أمريكا كتب يمكن تسميتها بكتب يهوذية. وفيها تشيع الزوجات السابقات أو الأزواج السابقون أو الأصدقاء بورتريهات هي أقل تمجيدا مما يمكن توقعه. وكلير بلوم التي تمثل دور الزوجة السابقة لفيليب روث والمضطهدة تقدّم ، بعدالفشل السريع لهذه الزيجة ، زوجها السابق كإنسان نوراستي وبحاجة الى العلاج السريري ، كما أنه زان وأ ناني فظ ورجل بائس ميّال الى الإنتقام في الشؤون المالية. وعندما إعتبر بول تيروكس أن صديقه ومرشده الفكري منذ ثلاثين سنة في . أس . نايبال ، يتجاهله روى عنه كل شيء يتذكره وبدون ان يهمل الكثير من الملاحظات العنصرية والقاسية والأخرى التي تدعي بكراهية هذا الكاتب للمرأة إضافة الى أخرى أطلقت ، كما بدا لنايبال نفسه ، في أثناء أحاديث خصوصية .
و بأسلوب باهر جدا يتذكر جويس مينارد علاقته بجي. دي . سالنجر ، ويعاملها كجزء من عملية متعبة للتطور الذاتي ، وهو يكشف هنا عن أكثر الحيوات الخصوصية الممجّدة في أمريكا. وقّدّم سالنجر كإنسان غريب الأطوار في قضايا الطعام ، و طالب متحمس للطب الداعي الى إعطاء المريض القدر الأدنى من الدواء . كذلك كان من انصار نظرية رايخ عن الطاقة الكونية ومحبا للأفلام القديمة والتلفزيون المعاصر كما كان شخصا يطلق بكل سهولة احكاما تحقيرية على الآخرين كما كان لديه ميل غير سليم الى الصبيات. ويقوم مييرز بوصف عجزه عن ممارسة الجنس الطبيعي ولجوئه الى الآخر المنحرف. و يستشهد هنا بقول لسالنجر يبدو جوهريا أكثر مما نظن : ( أن عملية النشر قضية مؤسفة بشكل لعين . والبليد المسكين يستدرج اليها... ومن الأفضل أن يسير في "ماديسن آفينيو " عاريا ) .
وهناك خصوصية أخرى هي موضع التمجيد وتعود الى المحرر المخضرم في ( نيو يوركر ) وليم شون . إنها قصة عاصفة أخرى نشرتها ليليان روس أعقبت بوقت قصير كتاب روزماري ماهوني ( قصة محتملة : صيف واحد مع ليليان هيلمان ) تروي فيها قصة تجدر بالإهتمام . وقد جاءت تسجيلا لتجربة فتاة لا تتجاوز العشرين من العمر كانت مدبرة شؤون بيتية لدى هيلمان . وتضمن الكتاب أحوال مراقبة قاسية لكبرياء هيلمان في عمر السبعين وكأمرأة مرهبة ومتقلبة المزاج وجاحدة للجميل ومهووسة بفكرة الطعام وسكيرة ومنفرة جسديا ( ذات منقار – خطم لسلحفاة بحرية تستريح في قعر المحيط وعين واحدة نصف مفتوحة لشخص يعاني من عسر الهضم وتبحث عن لصوص تحت الماء ولربما عن الطعام ثانية ).
ونحن كمستهلكين لمثل هذه الكتب والمقالات نساهم بصورة ما في خلقها. و كمحبين للأدب نكون محبين للحقيقة ونتألم حين تضيع ، على سبيل المثال ، الرسائل والأوراق التي حرقها هنري جيمس وولت ويتمان . ونحن نرغب بالطبع في قراءة يوميات سيلفيا بلاث والتي أتلفها أرملها الطيب الذكر تيد هيوز. من ناحية اخرى لبقيت شهرة صاموئيل جونسون كبيرة وحتى لو لم يقض بوسويل مثل هذه الساعات الطويلة في محادثات غير شكلية معه ، ولكنني أجرؤ على القول إن هذه الشهرة لما كانت كبيرة الى تلك الدرجة بدون هذه السيرة التي تظهر لنا إنسانا من لحم ودم ، وهي أيضا تمثالية لحد كبير. والتعرف على الحياة الخصوصية للكتاب الذين نعرفهم هو أمر له سحره. وحتى إذا كانت تلك المعلومات قد صارت قصصا مخترعة وإثارات غير مفهومة بطبيعتها الا أنها تبدو اكثر حقيقية. وفي عصر إنعدام الثقة بالفن نحن نميل بالأحرى الى التصديق بالفوتوغرافيا وليس اللوحة الفنية ، وكلما كانت الصورة الفوتوغرافية أكثر تلفا وأقل تصنعا تبدو أكثر مصداقية. وهو أمر ممكن تماما بأننا ندين المؤلف عندما يستغل حياته الشخصية لأغراض معينة ، وبهذه المناسبة يستغل حياة المحيطين به ، ونحن نغتبط حين يفقد هو/ هي السيطرة على تلك الأغراض .
وفي هذا الموقع أرغب القول بأنني لا أريد تماما ، إذا طرح علي الإقتراح عامة ، أن أكون موضع علاج بيوغرافي مزمن. إن حياة الكاتب هي كنزه و ذهبه ورصيده المصرفي والباحة التي يسرح ويمرح فيها ولذلك تدهشني اللهفة التي أبداها صديقاي وليم ستايرون وجويس كارول أوتز ، الى التعاون عند كتابة سيرة كل منهما والتي صد رت مؤخرا. وطالما أحيا لا أريد أن يلهو أحدهم في باحتي ويقلق أطفالي و ينهال بالأسئلة على زوجتي السابقة ويتنصت على زوجتي الحالية و يبحث عن يهوذيين بين اصدقائي وينبش في قصاصات قديمة إصفر لونها و يستشهد بكامل المقالات النقدية السيئة التي أتمنى أن أنساها، وفي الأخير يمزج هو كل هذا قليلا .
ولكن ليس على البيوغرافيا أن تكون للقاريء المحايد كابوسا فقط. والحقائق سواء أكانت أقل أم أكثر شحة أوعارا أو تأكيدا، تربط بالون المؤلف أو مجموعة بالوناته بالأرض. أما تتبع الصلات والعلائق فيقول لنا شيئا عن جوهر الإبداع الفني. وتخلق حياة الكاتب التي تنسج من داخلها حياة أخرى ، فرصة لدراسة العقل والجسد أو الداخل والعالم الخارجي ، أو الحلم والواقع وككل في الوقت ذاته . وكم من الأفكار المبتكرة عثر عليها ليون إيديل ، وهي علائق لاتخلو من المعنى بين نفسية جيمس الآخذة بالتطور وبين جسد إبداعه ، الحي الذي يزداد وزنه. إن هذه الفرقة من الناس الذين راهنوا على جيمس ، إذا إستخدمنا صياغة فتزجيرالد ، تشكل كلا واحدا لدرجة معينة ، وإذا كانت البيوغرافيا الأدبية تملأ حولياتها بشخصيات مستفزة ( بكسر الفاء ) فهذا يجعل تلقينا للأدب أكثر إمتلاء ، أي أن دوره هو مفيد من كل النواحي .

* * *

عدنان المبارك
روائي وناقد ومترجم عراقي مقيم في الدنيمارك
iraqstory@mail.dk
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث