الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
الأعزل والمتضامن/ابنة البير كامي تتحدث عن والدها
ترجمة: حسين عجة
الأعزل والمتضامن/ابنة البير كامي تتحدث عن والدها
كاترين مع والدها البير كامي عام 1944
هذه مقابلة مع كاترين كامي Chtherine Camus، ابنةالبير كامي ورسل فلكنسون Russell Wilkinson وقد حضر هذه المقابلة وشارك فيها روبرت غاليمار، أبن ناشر كامي الأول.



في كانون الثاني 1960 مات الكاتب والفيلسوف الفرنسي البير كامي في حادثة اصطدام السيارة التي كانت تقله مع صديقه وناشره ميشيل غاليمار Michel Gallimard. أثناء التنقيب في حطام السيارة عُثر كل مخطوطة غير مكتملة، ستحمل فيما بعد، كرواية، اسم "الإنسان الأول" Le Premier Homme. كان كامي قد حصل على جائزة نوبل للآداب عام 1957 من القرن المنصرم، وذلك على روايتين من رواياته الأكثر شهرة، إلا وهما الغريب L’étranger والطاعون Le Peste. بعد مرور خمسين عاماً على نشره للغريب، ما تزال هذه الرواية الأكثر بيعاً في فرنسا. بعد ثلاثين عاماً من وفاته، تمّ في النهاية نشر روايته "الإنسان الأول" بالإنكليزية أولاً، إذ قررت بنته، كاترين، نشر هذه المخطوطة إضافة إلى الرسائل التي كان الكاتب قد وجهها إلى معلمه الأول، السيد جيرمان M. Germain باعتبار أن تلك الرسائل تشكل جزءاً من العمل.
تُظْهرُ رواية "الإنسان الأول" تطور العمل أثناء كتابته، وذلك شيء نادر. أمّا الرواية، بحد ذاتها، فهي بمثابة تأمل عميق في السيرة الذاتية autobiographie عن الطفولة الفقيرة لكامي، في عائلة تعيش في الجزائر بلا أب، في مطلع القرن العشرين.
بالرغم من عدم اكتماله، يتمتع الجزء الأكبر من هذا النص على ذات الوضوح والحساسية اللتان تميزان البير كامي، كما يكشف بشكل جلي بأن أفضل عمل لهذا الكاتب كان في طريقه للتحقق قبل موته المأسوي والمبكر، في عمر 47 عاماً.
جاءت كاترين كامي وروبرت غاليمار إلى لندن في عام 1995 لكي يطلعا على أهمية "الإنسان الأول" عند الكتاب الإنكليز، وذلك فيما يتعلق بتقييمهم له ككاتب وفيلسوف سياسي في نهاية القرن العشرين.

رسل فلكنسون : في المقدمة التي كتبتيها لرواية "الإنسان الأول" تشيرين بأننا أصبحنا اليوم في مرحلة تستقبل بصورة أكبر عمل كامي. هل تظنين بأنه كان قد أُهمل في الأعوام الأخيرة ؟
كاترين : لم يتم إهماله من قبل قرائه أبداً، وقراءته واسعة الانتشار. فهو أكثر المؤلفين مبيعاً في كل منشورات غاليمار والحال ما زال كذلك منذ أعوام كثيرة. لم تنخفض مبيعاته، لذا فإن الحديث عن إعادة اكتشافه يترك انطباعاً بأنه لم يعد مقروءاً، وذلك ما لا صحة له. ليس لدي أي خوف عليه فيما يتعلق بالجمهور. لكني أخشى مما سيكتب عنه في الصحافة، ومع ذلك، هناك العديد من الإشارات التي تدل على أن المثقفين سيعودون إليه. ذلك لأن التاريخ قد أعطاهم الحق في هذا، مع سقوط الشيوعية. ففي الحقيقة، كان الأمر برمته يتعلق بالشيوعية. هناك خصوم لكامي، فهو قد فضح "الغولاغ" ومحاكم ستالين. يمكننا القول اليوم بأنه كان محقاً في ذلك. لكن أن يقول المرء، في تلك المرحلة، بأن هناك معسكرات اعتقال في الاتحاد السوفيتي، فذلك ما كان بمثابة كفر، شيء خطير للغاية. حين نفكر اليوم بالاتحاد السوفيتي لا ننسى تلك المعسكرات، بيد أن هذا الأمر لم يكن، ببساطة، مسموحاً به في ذلك الوقت. إذ لم يكن يحق لأحد من اليسار أن يقول هذا أو حتى يفكر به. أمّا كامي فقد أصرَ على أن التاريخ والحجة التاريخية لا يمكنهما أن يكونا الشيء الوحيد الذي ينبغي على المرء وضعه في الحسبان. كذلك لم يكن الأفراد واعين بأن التاريخ يمكن أن يخطأ بحكمه على الإنسان. هكذا نشرع نحن اليوم في التفكير.
رسل : هل تفكران، إذاً، بأن عمل كامي في طريقه للحصول على ما يبرره، بعد كل هذا الزمن من العزلة الثقافية ؟
روبرت غاليمار : كل هذا يعتمد على المرحلة. وبالدقة كان كامي قبل الحرب، ومع التحرير في عام 1945 مقروءاً ومحبوباً تماماً من قبل سارتر وكافة مثقفي ذلك الجيل. ففي مقابلة صحفية مع سارتر، جرت في الولايات المتحدة الأمريكية، سؤل عن مستقبل الأدب الفرنسي، وأجاب بأن المؤلف المستقبلي الأكبر سيكون كامي. ثم مر الزمن وتدخلت حجة سياسية أكثر من كونها أدبية، في اليوم الذي كتب فيه كامي كتاب "الإنسان المتمرد"، في عام 1955، حدثت القطيعة بينهما. وبالتالي تحول جميع المثقفين اليساريين، كلهم بلا استثناء أعداء له. ولأنه كان منبوذاً من قبل اليمين، لذا وجدَ نفسه في عزلة كاملة. بعد ذلك، في أعوام الثمانينات، ظهر ما نطلق عليهم في فرنسا اسم الفلاسفة الجدد، كبرننارد ليفي وكلوكسمان وكتبا بأن كامي كان قد قال أشياء لم يكن أحد يرغب في سماعها في الحلبة السياسية آنذاك. لقد قالا بأن الحق كان بجانب كامي وليس مع أولئك الذين سقطوا تحت تأثير سارتر، والخاضعين بلا أي شرط للشيوعية التي كانت في الاتحاد السوفيتي. بدءً من تلك اللحظة، شرعت آراء كامي تتبلور. فالمثقفون الذين لم يكن يحبوه حينذاك، أصبحوا اليوم يقدرونه. نعود ثانية، إذاً، إلى الأدب لكي نلاحظ بأنه كان واحداً من أعظم المؤلفين.
رسل : وهذا ما يقودنا للحديث عن نشر "الإنسان الأول"، كيف غير هذا الكتاب نظرتنا لعمل كامي ؟
كاترين : علينا أن نلاحظ أولاً بأنه لم يكتب من ذلك الكتاب سوى ثلث ما كان يرغب في كتابته. صحيح أن "الإنسان الأول" هو آخر كتبه، بعد موته، لكن إذا ما نظرنا إليه من زاوية أخرى، يمكننا القول بأنه عمله الأول، فنحن نجد فيه إشارات على التزامه وكذلك عن طريقته في الكتابة. أنه مزيج من الصرامة والحساسية، أي إرادة الكلام من أجل أولئك الذين لا يستطيعون التحدث بأنفسهم.
رسل : نجد في رسائله إلى "لويس جيرمان" Louis German (أستاذ كامي عند دراسته للفلسفة في الجزائر، والتي نشرت كملحق) وفي أماكن عديدة وكأن كامي لم يكن راضياً عن عمله على "الإنسان الأول"، بعد حصوله على جائزة نوبل، هل كان يشعر بأنه مرغماً على إنجاز عمله النهائي ؟
كاترين : لم يكن يكتب تحت تأثير جائزة نوبل. لقد كانت تلك الجائزة شيئاً سطحياً بالنسبة للفنان الذي يسكنه. فالجائزة ليست سوى شيئاً يُقدم من الخارج، أنها نوع من الاعتراف الاجتماعي. فيما أعتقد بأن الفنان الحقيقي تدفعه ضرورات داخلية. لا يمكننا الحديث عن الكتابة التي كان يرغب فيها، ذلك لأننا لا نمتلك من هذا الكتاب سوى بدايته. أنه لم يكتبه أبداً، لكنه كان بحاجة إلى كتابته. يبدو لي، حين نتفحص أسلوب "الإنسان الأول"، أن هذا الكتاب يشبهه هو إلى حد كبير كإنسان، أنه قريب جداً منه.
رسل : هل سنصل إلى فكرة أكثر وضوحاً عن أفكاره الفلسفية بعد قراءتنا لهذا العمل ؟
كاترين : ربما لا. ذلك لأن هذا العمل في حالته الخام. لكن قد نتمكن من رؤية أشياء كثيرة، إذا ما نظرنا إليه بهذه الطريقة، وتحت نفس الشورط؛ أشياء تخلو تماماً من أية فبركة فنية وبلا ملامح. قد يكون هذا الكتاب حقيقاً أكثر من غيره. كذلك أعتقد بأن كامي كان يرغب في كتابة شيئاً يشرح من خلاله منْ كان هو وبأية طريقة ميزَ نفسه عن المرحلة التي يُحال عليها. إذ طالما تمّ النظر إليه باعتباره أخلاقياً صارماً، لكنه كان قد حصل على "أخلاقه" تلك من ملاعب كرة القدم والمسرح. ثمة شيء حسي هنا، ولا يمكن تمريره عبر الأفكار. لقد شرعَ كامي في التفكير بفضل الإحساس. فهو لم يكن قادراً أبداً على التفكير من خلال المواضيع والنماذج الثقافية، ببساطة لعدم وجودها. لذا يحق للمرء القول بأن أخلاقيته كانت "مُعاشة" إلى أقصى حد، وذلك بغياب كل الأشياء الملموسة. فشيء كهذا لا يمكنه العبور من خلال التجريد. هناك من ينجذبون نحو أفكاره عن العبث، لكن ثمة من تجذبهم أفكاره المشمسة عن الجزائر، الحرارة، الخ...
رسل : ما دام أن "الإنسان الأول" يتحدث عن طفولة كامي في الجزائر، يبدو لي من الغرابة أن يتم التغافل عن علاقاته العميقة بالقومية الجزائرية، حين تُقدم عنه صورة تقليدية باعتباره كاتباً فرنسياً. هل تعتقدين بأن رواية "الإنسان الأول" ستجعلنا نعيد النظر بتقييمنا لأهمية الجزائر حين نقيم كامي ؟
كاترين : آمل ذلك. فكامي قد ولد في الجزائر وهو يحمل الجنسية الفرنسية، مع أن المستعمرين الفرنسيين كانوا ينفرون منه بسبب فقره. أمّا على الصعيد السياسي، فكان يميل إلى نوع من الاتحاد، لإيمانه بأهمية أن يكون هناك تمازج جماهيري وأن تكون الحقوق متساوية للجميع، ذات الحقوق للجماهير العربية والفرنسية، وبالتالي لجميع الناس الذين كانوا يسكنون الجزائر، كما هو الحال اليوم في جنوب أفريقيا (أو كما يحاولون القيام بذلك).
رسل : هل تعتقدين بأنه كان يعتبر نفسه في طليعة جنس المقتلعين، بسبب من غياب والده والازدواجية الثقافية لتربيته؟
كاترين : كلا، ليس على المستوى السياسي. أنه "الإنسان الأول" لأنه فقير، وهذا ما لا أهمية له حين يتعلق الأمر بالكائنات الإنسانية. كان يعرف جيداً الجزائر. ويشعر بنفسه منفياً في وطنه، لكنه كان يعيشه عبر اللغة. أنه أعزل ومتضامن. وهذا لا ينطبق على أولئك المنفيين الذين يعيشون في بلد لا تكون فيه لغته لغتهم. لم يكن لديه أمل كبير بأن الأمور يمكن أن تتحرك على هذا المنوال، لكنه كان يرغب في ذلك. لقد أنفجر عنف كبير في الجزائر، وحينما يوجد مثل هذا العنف، لن يظل هناك مجالاً للتأمل. لم يكن هناك حلاً وسطاً. فإذا ما نظرنا اليوم للموقف في البوسنة، مثلاً، يمكننا القول بأن الصرب والكروات والبوسنيين قد مارسوا الكثير من الرعب، حداً يجعلنا نتساءل كيف يمكن لهؤلاء الناس من العيش معاً، بعدما فعلوا كل ما فعلوه. لقد بلغ العنف درجة أصبح فيها الكل يعيش ضمن كراهية الآخر. ولم تبق أية إمكانية للتفكير، أو موقف تصالحي. لم يكن بمقدور أحد القول : "هؤلاء الناس يخطئون هنا، لكن الحق معهم هناك". وذلك ما كان بمقدوره أعطاء إمكانية أخرى للجماهير، أو حتى لشخصين اثنين فقط، لكي يكونا إنسانيين ويعيشا سوية. فنحن لا يمكننا العيش إلا عندما تُحل المشاكل ويتبين لنا ثراء الاختلاف فيما بيننا.
رسل : "هل كان كامي يحاول، إذاً، عيش ذلك التناقض وإن يكون في ذات الوقت أعزل ومتضامن" ؟
كاترين : ومع ذلك، من الواضح بأن كامي لم يكن يستطيع العيش كإنسان محايد. لقد كان منخرطاً بروحه وجسده في فعل المقاومة. لذا قاوم النازية. وكان يحتفظ دائماً بالتزام عميق لمقاومة كل أشكال الشمولية. غالباً ما يتمّ نسيان إن كامي كان معادياً شرساً لحكم فرانكو، وحتى النهاية. لقد رفض السفر إلى أسبانيا، وترك منصبه في اليونسكو، ذلك لأن اليونسكو قد قبلَ بأسبانيا فرانكو ومنحَ ممثلها فرصة إلقاء خطابه. كان كامي متحدياً –وهذا لا يمكن أن يكون حيادية أبداً- لقد عاش معركة الإنسان الملتزم. لم يكن، بطبيعة الحال، وجودياً، لكنه كان ملتزماً. رجل معركة. إذ ليس من قبيل المصادفة أن يكون رئيس تحرير جريدة المقاومة التي تحمل عنوان "المعركة" Le Combat.
رسل : وكيف يمكننا التمييز ما بين التزامه والتزام الوجوديين ؟
كاترين : لم يكن وجودياً!
روبرت : كان يرفض دائماً أن يكون وجودياً.
رسل : مثال آخر على الأعزل والمتضامن يتمثل بصداقته لسارتر واحتفاظه بمسافة عن الجماعة الوجودية ؟
كاترين : لقد بدأنا اليوم فهم كيف كان ذلك قد حصل. بيد أن المرء لا يشرع بفهم أشياء كهذه إلا حينما تصفعه بقوة. كل واحد منا لديه آمال وجود إنسانية أفضل، والكثير من الوجوديين، بما فيهم سارتر، توجهوا في البداية نحو الشيوعية. كذلك كان الكرم يحتل مكانة في آمال الناس. إذ ينبغي القبول أولاً بكل شيء قبل تحسينه. عندما سؤل سارتر إذا ما كان يفضل العيش في نظام شيوعي، أجاب – "كلا"- لكنه نظام جيد بالنسبة للآخرين، أمّا فيما يتعلق بيَّ أنا، فلا. لقد صرحَ بذلك! لذا يصعب القول إلى أي حد كان موقفه يمثل موقف المثقف. فكيف يمكننا التفكير بأنه لا يمكن لأحدهم عيش حياته في ظل نظام شيوعي، ومع ذلك فإن هذا النظام جيد بالنسبة للآخرين ؟ شيء غاية في الصعوبة، ومع ذلك كان سارتر قد بلغه. أمّا كامي، فلا؛ وهذا بالدقة ما نواجهه نحن اليوم، أعني نواجه الإيديولوجي المحض، الذي لا يعير أهمية للقرينة الإنسانية. وذلك ما ينطبق على الاقتصاد أيضاً. فالاقتصاد كان يسعى إلى الارتكاز على النظرية، لكن من دون أن يضع في حسبانه الاعتبارات الإنسانية، أو لا ينظر لمعيار "الإنسان". غير أن المرء ينتهي مع هذا برطم رأسه بالجدران، ذلك لأنه لا يمكن لشيء كهذا مواصلة التحرك. أي أنه غير صالحاً حين يتم التخلي عن الإنسان. وهذا ما يجعل كامي اليوم أكثر شهرة، فهو كان يقول دائما : "نعم، لكن هناك الإنسان". أنه الشيء الأول؛ "ذلك لأني أنا نفسي إنسان"، وذلك هو التضامن.
رسل : هل يشكل كتاب "الإنسان الأول"، إذاً، "جسره" ما بين التجربة الحياتية والفلسفة ؟
كاترين : ما تقدمه المقالة التي كتبها سلفاً عن "الإنسان الأول" هو الشعور بالإذلال. أي قبول تلك التناقضات. ذلك لأن البحث عن تفسير لها يعني الموت. الكذب هو الموت بالنسبة لكامي. لهذا يُقتل الابن في دراما "سوء التفهم". لقد قتلته أمه وشقيقته لأنه كان قد كذب عليهما. فهو لم يقل لهم أبداً منْ يكون. قتلتاه لأنهما لم تتعرفا عليه. لكن كامي كان قد قال أيضاً بأنه لا يمكن لأي شيء أن يكون حقيقي إذا ما كان الإقصاء مفروضاً. لذا فنحن مرغمين على القبول بالمتناقضات، إذا ما كنا غير راغبين بأبعاد أشياء بعينها عن الحياة، عن طريق المسلمات. فإذا ما قام أحدهم بوضع منظومة فكرية ثم قال "هنا تكمن الحقيقة، وعلى هذا الدرب وحده"، فأنه يقوم في الواقع بتفريغ باقي الدروب ويقتل الحياة نفسها. لذا فإن الأمر يعتمد على الفرد. لم تكن المؤسسة بذاتها ما هاجمه كامي، إذ كان غالباً ما يقول : "إذا كان هذا صالحاً، فليكن". كان هدفه الأساسي هو معونة الناس على العيش. ذلك ما هو مهم. شخصياً أعتقد بأن الشيء الأكثر أهمية بالنسبة للفنان هو مس أكثر ما يمكن من التيارات.
رسل : لقد أهدى كامي كتابه إلى أمه، هل تعتقدين بأن رواية "الإنسان الأول" تقدم لنا صورة أكثر وضوحاً عن أفكاره المتعلقة بالأنثوية ؟
كاترين : صحيح أن النساء أقل ظهوراً في أعماله الأخرى. فهن يحتلن مكاناً هامشياً تماماً. لكن الأنثوية، نعم، أنها أكثر حضوراً. في الحقيقة، لا يتوجه "الإنسان الأول" نحو النساء فحسب، بل وأيضاً على صعيد الأسلوب نحو عناصر تلك الأنثوية، وكذلك في الملاحظات التي كتبها. ففيها يمكن للمرء العثور على قصة حب حقيقية، قصة حب لطفولته الأولى. أن "مارسو" (بطل رواية "الغريب") و"ماري" لم يحصلا على شيء كبير من الحياة. لكن هناك "دورا" في مسرحية "العادلون"، وغيرها في مسرحياته الأخرى، لكنهن غير معروفات كثيراً.ومع ذلك، أعتقد بأن الأم تمثل عند كامي شيئاً أكبر من كل ذلك. أنها الحب المطلق. لهذا كان كتاب "الإنسان الأول" قد كُتب من أجلها، وأهدي إليها ضمن العبارات التالية : "إليكِ، أنتِ التي لن تستطيعين أبداً قراءة هذا الكتاب". أن الحب شيء جوهري في "الإنسان الأول"، ذلك لأن كان كامي يحب تلك الأشياء التي لم يخترها أبداً، كما يحب تجارب طفولته بطريقة واقعية تماماً. أن فقر عائلته يعني بأنه لم يكن هناك أي شيء يمكن التفكير به غير مشكلة ماذا سيأكلون، كيف يمكنهم الحصول على ما يلبسونه. ليس ثمة من شيء آخر عدا هذا في عائلته. لذا من الصعب أن يضع الآخرون أنفسهم في مكانه. يمكنني القول بأنه كان مختلفاً. بالضرورة. كان يحس مواقفه. نفهم، إذاً، لماذا يواجه المثقفون، الذين لم يعيشوا تجاربه، صعوبة في فهمه. بيد أني أعتقد بأن ذلك جعله أكثر تسامحاً، ما دام أنه قد عاش جانبي الأشياء، فيما لم ير منها الآخرون سوى جانباً واحداً. أنهم يتخيلون الفقر، لكنهم لا يعرفونه. وهذا ما يدفعني حد القول بأنهم يحملون نوعاً من سوء الطوية حيال الطبقة العاملة. ذلك هو الأفق الذي لم يكن بمقدورهم تبنيه، ليس كما كان سارتر يود تبنيه، ولكن ببساطة لأنهم لم يكنوا يعرفونه. ولم يعرفوا أيضاً كيف يتوجهوا إلى تلك الشغيلة. أنهم لا يفهمون شيئاً كهذا، ومن هنا مصدر سوء طويتهم. كان كامي أكثر منهم قرباً للفقراء.
رسل : هل أن ذلك الاقتراب كان نابعاً من مذلته الخاصة، التي نجدها في رسائله الموجهة إلى السيد "جيرمان"، معلمه الأول والمنشورة في نهاية "الإنسان الأول" ؟
كاترين : في "الإنسان الأول" يحتل موقع معلمه المرتبة الأولى. فكامي يظهر لنا بالدقة الكيفية التي كان عليها هو. أنها رواية سيرة ذاتية autobiographique. والمرأة التي يصفها في هذا الكتاب هي نفس المرأة التي عرفتها أنا. غير أن الرجال يظهرون أهمية كبرى لمسألة العزوبية؛ لقد كتب كامي خطابه حين أستلم جائزة نوبل كخطاب أمتنان لمعلمه. فالاعتراف بالآخر وتثمينه أشياء موجودة. لذا كتبه لكي يظهر نتيجة كل ما قدمه له أستاذه. ولكن أيضاً من أجل أن يقول بأن هناك العديد من السيد "جيرمان"، الموجودين في كل أنحاء العالم. لهذا قمت بنشر تلك الرسائل، حتى أعطيها مكانتها ضمن العمل الأدبي. لكني لن أتمكن القيام بأي شيء، أو حتى التفكير به باسم ما كان يمكن لأبي قوله. أنه فنان، وكان يعتبر نفسه فناناً. لذا تحمل مسؤولية الكلام من أجل أولئك الذين لا يمتلكون لا الوسائل ولا فرص الكلام.

حسين عجة
كاتب وروائي وشاعر عراقي يعيش في باريس
hussainagah_010744@yahoo.fr
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث