الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
قراءة في كتاب "استبداد الصورة: شاعرية الرواية العربية"
د. محمد المسعودي
قراءة في كتاب "استبداد الصورة: شاعرية الرواية العربية"
د. محمد المسعودي



عن منشورات مركز الصورة بطنجة، وبتقديم جميل للدكتور محمد أنقار صدر كتاب :"استبداد الصورة: شاعرية الرواية العربية"، وهو الكتاب الذي انتزع به صاحبه الناقد والباحث الدكتور عبد الرحيم الإدريسي جائزة الكتاب بالمغرب التي تمنحها وزارة الثقافة لسنة 2009. ولعل هذا التتويج بالجائزة فخر لها لأنها تسعى إلى العدول، ولو نسبيا، عن منطق الزبونية والمحسوبية في منحها لمثقفين مكرسين أزلا وأبدا لنيلها وبقرارات حزبية وبتدليسات شللية، وبذلك فهي لن تزيد الباحث عبد الرحيم الإدريسي قدرة أو كفاءة، كما لن تُنقص من مكانته إذا لم ينلها، وإذا لم تُشر إليه بعض الصحف المُغرضة التي لا تنوه إلا بفائزي أحزابها.
فما المقصود بالشاعرية في الرواية؟ وما حدودها الاصطلاحية؟ وما مقومات شاعرية الرواية العربية؟ وما الإمكانات التي يتيحها الجنس الروائي لاشتغال الشاعرية والصوفية بين ثناياه؟ وما علاقة كل ذلك باستبداد الصورة؟
هذه أسئلة تثيرها قراءة كتاب الناقد والباحث عبد الرحيم الإدريسي الجديد، وقد لا تستطيع هذه القراءة الخوض في كل تلك الأسئلة وفي كل ما تناوله في صفحاته التي تربو على 340 صفحة، ولكنها ستركز على جانبين هامين في الكتاب، وهما:
الجانب الأول: التصور الذي يطرحه الباحث بصدد "الشاعرية" وعلاقتها بالرواية.
الجانب الثاني: علاقة الشاعرية بالصوفية وبالصورة ومدى إسهامهما في تشكيل فنية الرواية العربية.
1.حدود الشاعرية الروائية ومقوماتها.
أ.حدود الشاعرية الروائية.
ينظر الباحث والناقد عبد الرحيم الإدريسي إلى الشاعرية باعتبارها إشكالا نقديا يحتاج إلى منحه الأهمية في التناول النقدي نظرا إلى الالتباس والتداخل اللذين يحدثهما في مقاييس نظرية الأدب. ويدعو إلى ضرورة الاحتفاء بها قصد ترجيح إجراء نقدي يعيد لفاعليتها طاقتها النصية وقدرتها النوعية والسياقية في تناول نقدي رحب. إن الشاعرية معيار نقدي وإجراء منهجي يهيئ أدوات الكشف عن أبعاد النص الروائي الجمالية والإنسانية، ولهذا ينبغي أن نتوسل بالحد النوعي لتخصيصه بنسق جنس الرواية؛ وكما يرى ج.إ. تادييه أن الإنشائي poétique تتبنى التجنيسية بوصفها وظيفة نصية ودليلا على وجود صيغ سردية متنوعة، وأفقا معرفيا يدعو إلى إعادة النظر في التعيينات النوعية الخارجية، واعتبار انتهاك المحددات التجنيسية واحدا من وظائف الإبداع ومغامرة دائمة نحو الجديد لتوسيع أفق التجنيسات الأدبية وتحويرها.
من هذا المنظور تصبح الشاعرية واقعة نصية تحفل بالكثير من النوعيات المتاخمة للقصيدة والرواية على السواء. فوضع الأجناس الأدبية لا يقوم على تقابلات فظة بين الشعر والنثر، ولكنه يرجع إلى توزيع متفاوت لهذه الوظائف الموجودة أصلا في اللغات، فتصير وفق ذلك كل رواية قصيدة بدرجة ما، كما تتضمن كل قصيدة كروموزومات سردية.
افتراض أن طاقة التجنيس la genéricité بوصفها مكونا جماليا ومعيارا للقراءة تشكل سندا ضروريا لضبط المحكي الشاعري وسماته الجمالية. وينبني هذا الافتراض على أربعة أركان:
1.اعتماد الشاعرية معيارا في دراسة المحكي الروائي.
2.الاستناد إلى طاقة التجنيس بوصفها آلية تخصيص الشاعرية بقواعد الجنس الروائي.
3.افتراض أن التجنيس مكون نصي ومعيار إجرائي.
4.الوعي بالمشكلات والمزالق التي تترتب عن إسقاط قواعد الجنس الروائي وتجاوز محدداته التكوينية.
وفي ضوء ما سبق يمكن القول إن الشاعرية هي "مجموعة من الإمكانات التعبيرية والتصويرية الرحبة التي يجسد تكوينها الظاهر أو المقدر المعاني والدلالات المرادة. وتصبح تلك الإمكانات صيغا جوهرية وتكوينية تنتسج بين مكونات النص الروائي."
إن توفر الشاعرية في مستوى الجملة فقط، وفي حدود الأفق اللغوي والبلاغي المباشر لا يحقق شاعرية النص الروائي، لهذا يجب على الناقد أن لا يغفل الخصائص الكلية الشاملة للجنس الروائي. ولا يتم الإمساك بهذه الكلية ذات الطابع التجريدي الغائب إلا بمقاربة وحدات مقطعية وأجزاء تعد مفاهيم إجرائية تتميز بالحضور المباشر داخل النص وتمتد أفقيا بصورة لا تتعدى سماتها الشاعرية ما قبلها وما بعدها من الأجزاء والمقطوعات. فالاقتراب من هذا المكون الجمالي لا يمكن اشتقاقه من متواليات جمل ومقاطع، نظرا إلى تعذر إخضاع السياق الكلي لحدود تلك المتواليات، وإنما يتحقق ذلك الاقتراب من استدعاء وظائف جمالية لها القدرة على الامتداد، باعتبارها حلقة فيه، وعلى إنارة المحكي واستشراف عوالمه.
انطلاقا مما سلف يمكن أن نخلص إلى النتائج الآتية من خلال محاولتنا ضبط تصور الباحث للشاعرية وحدودها:
• الشاعرية مكون نصي وفي الآن ذاته منظم للمتتاليات السردية الروائية.
• تمتزج الشاعرية بماهية المحكي ومكوناته.
• تضبط الشاعرية تطور العمل الأدبي وحيويته وتفاعله.
• وجود الشاعرية شرط في أن يتخذ النص صورة من الوجود الجمالي والإنساني، تميزه عن الإنتاجات الثقافية الأخرى، حتى إذا افتقد في نص محكي ما، فإنه يكف عن أن يكون عملا أدبيا.
ب. مقومات الشاعرية الروائية.
تنبني الشاعرية الروائية على مقومات ثلاثة: المجاز والاشتباه والإضمار.
1.المجاز:
معنى ظاهر لا يكون في الغالب مرادا ومعنى غير ظاهر يكون مرجحا، ولا ينفك عن مرتكزات سياقية قلما حظيت بالاعتبار. وتكمن العلاقة بين المجاز والشاعرية في كونه يدل على إدراك مختلف لمقومات التكوين الجمالي، إدراك يسعى إلى تقدير مقومات أسلوبية أخرى لكشف أصول التكوين الشاعري في النص الروائي، وهي مقومات تتخطى الجملة إلى السياق النصي ومحددات الجنس الأدبي. فالمجازية يراد بها ذلك التركيب البلاغي الشاسع الذي "يقر بالانزياح اللغوي/المعنوي والتفنن في الصنعة الأدبية إقرارا يسع لا نهاية التعابير الإنسانية وإمكاناتها المطلقة، ويجعلها استنادا إلى السياقات الجمالية لجنس الرواية تنطوي على شحنات مجازية قوية، تخفي في ثناياها أخصب مظاهر التصوير وأكثرها فجائية".
2.الاشتباه:
يقضي هذا المقوم أن لا تختلف معاني الإمكانات التعبيرية باختلاف مرتكزاتها السياقية فحسب،بل أن تحتمل التردد بين معان متقابلة وهي مسندة بإطار سياق واحد، لا يرجح منها معنى ما إلا بمضاعفة وسائط القراءة وتشغيل القدرة النقدية وطاقة تذوقها. ولا يعني هذا الكلام أن الاشتباه إبهام، وإنما هو تردد ينم عن حيوية خاصة في التصوير الشاعري، تجعله قادرا على التقلب الشفاف مع تقلب سياق القراءة وأفقها. ولا توجد درجة أبلغ في التقلب والتبدل من أن يحول المعنى إلى ضده، فتكون شاعرية الشتباه السبيل الوحيد للتعبير عن إمكانية احتمال المعنى وجهين ضدين، لذلك فشاعرية الاشتباه دليل ثراء المعاني لا دليل اختلاط فيها، ودليل إيجاز في الإمكانات التعبيرية لا دليل استغلاق فيها.
3.الإضمار:
يحصل من اختصارات مختلفة في تكوين المحكي الشاعري على أساس وجود اشتراك بين النص والمتلقي في أصول تداولية مخصوصة. وترد ظاهرة الإضمار إلى جوهر الطبيعة نفسها، إذ إن منطوق الخطاب غالبا ما يكون فاقدا الشفافية الكاملة لمطابقة الواقع أو عكس حالة الأشياء. إن تكوين شاعرية المحكي الروائي تكوين كامن، أي أن المعاني والسمات الجمالية مغيبة وغير مدركة بصورة تامة. وهو تكوين مجازي كامن ومضمر، وترتبط معانيه بخلفية تخيلية مشتبهة ومخصوصة. وتعد سمة الانشطار أحد مظاهر التكوين الشكلي للمحكي الشاعري تحقق أقصى صور الإضمار وإمكاناته.
2.حدود الشاعرية الصوفية وإمكانات الرواية.
يرى الباحث أن التكوين النصي الذي يستند في تشكله إلى المجاز والاشتباه والإضمار، هو بالذات التكوين الذي يعب من معين التصوف. فكل مقوم من مقومات المحكي الشاعري يمثل جانبا من التكوين الشاعري بصورة مخصوصة ومميزة:
- مقوم المجاز يشكل عالما مدهشا وخاصا.
- مقوم الاشتباه يشكل عالما غامضا.
- مقوم الإضمار يشكل عالما مستترا.
وإذا قابلنا بين التكوين الصوفي وهذه العوالم ألفينا أن لصوره ومعانيه من الإدهاش والخصوصية والغموض والاستتار ما يصعب افتراض وجوده في تكوين نص آخر. وبذلك تصبح الكتابة بسبب الاستدعاء الصوفي مليئة بالغرابة والغموض والتناقض والتفكك ومولعة بالشطح. وتلك وضعية روائية لا يراهن تصويرها على تمثل القارئ المحكي وفهمه، إنما يكفي أن يعدى بوقع التوتر والحيرة. والشاعرية الصوفية تمعن في تصوير رؤيا الفناء الدنيوي بغرض الوصول والتعرف والتحرر من سطوة الحياة المادية؛ فاستيحاء الشاعرية الصوفية في المحكي الروائي لا يعني استيحاء الشطح، وإنما هو استيحاء موقف ورؤيا يتوخيان خلاص إنسان معاصر يطوقه الشقاء والاغتراب من كل جانب.
والتصوير الصوفي في الرواية طاقة شاعرية تُستثمر انطلاقا من التكوين الأسلوبي الخاص الذي يخضع لمرتكزات السياق النوعية. ويُفترض أن الغاية المتوخاة من ذلك التشكل الأسلوبي والسياقي وضع المتلقي إزاء صور روائية تستوعب كل اقتضاءات الجنس الأدبي الذي تتشكل في سياقه وتنهل من مكوناته وسماته الجمالية ما يُمكنها من استثارة معايير القراءة النوعية. ولبيان هذا الافتراض الجمالي يقف الكاتب عند نماذج من روايات نجيب محفوظ تتباين من حيث سماتها الأسلوبية وأجواؤها الواقعية والإنسانية، ولكنها في الوقت نفسه لا تخلو من صور صوفية وظيفية. ويمكن أن نتبين صورا صوفية وروحية عدة ضمن تكوين إبداع نجيب محفوظ الروائي في وجوه متباينة، يوجزها عبد الرحيم الإدريسي فيما يلي:
1/ الوجه الأول: تكوين الشخصية الروائية من حيث جانبها الديني، ويسند التصوير الصوفي، هنا، في نحت ملامحها الإنسانية دون أن تستقل بمعنى محدد في ذاته. وهذا ما يُضفي على الصورة الكلية للشخصية الروائية بعدا إنسانيا وواقعيا ما كان ليتحقق لو أُسقط، وبه تستكمل صورة الحي الشعبي في الرواية الواقعية معالمها.(الشيخ درويش ورضوان الحسيني في "زقاق المدق"- الشيخ متولي عبد الصمد في "بين القصرين".)
2/ الوجه الثاني: تصوير قوى التدافع الفكري والقيمي في سياق تكوين مضامين النص الروائي وصوره، حيث يتبلور هذا الوجه الصوفي في صور شخصيات إنسانية ذات نفسية فريدة مثل "عامر وجدي" في "ميرامار".
3/ الوجه الثالث: يقترب من صورة الصوفي الذي تسمو به رؤيته المثالية وتستنكف به عن الدخول في صراع العصر وقلقه، ويصبح تصوفه مهربا وعزاء. وهذا ما نتمثله في رواية "اللص والكلاب" من خلال شخصية الشيخ جنيدي صاحب الموقف الثابت الدال على انسداد الحوار وانعدام اللغة المشتركة بينه وبين سعيد مهران...
4/ الوجه الرابع: ويتعين في صور إنسانية رقيقة تشع في تكوين النص إشعاعا رمزيا وتتكفل بنسج رؤية كلية للمسيرة الإنسانية وتحبك قصة تطلع الإنسان إلى السماء. وذلك ما نجده في رواية "ملحمة الحرافيش"، حيث الجو الروحي والصوفي الشفيف لنشأة شخصية عاشور الناجي، وقدرة الذات على الرؤية الشاملة واللوذ بالتكية والتجاوب الروحي مع أناشيدها والتفكر الطويل فيما وراء أسوارها. كل ذلك دمغ "ابن الحارة" بعالم الغيب وبكل ما ينطوي عليه من أسرار وخفايا النفس الإنسانية. وبهذه الشاكلة حاول الباحث وضع الشاعرية الصوفية في سياق إشكالاتها النصية والجمالية، فافترض أن التصوير الصوفي يمتلك إمكانات أسلوبية وروائية يتمكن بواسطتها من تلوين المقومات الشاعرية بالإدهاش والخصوصية والغموض، كما ألمحنا سابقا، الأمر الذي يلح على أهمية ضبط مدى تساند السمات التكوينية مع سياق الجنس الروائي ومكوناته؛ ذلك أن التصوير الصوفي يستقصي تجليات الوجدان الخالص إلى درجة اللاتحدد والإبهام واستيهام أحوال الغيب. وفي هذا الصدد يؤكد الباحث أن بلاغة التكوين الصوفي في النص الروائي تمعن في التوسل بالمجاز "الباطني" الذي يدفع الصور إلى التقلب مع تقلب الأحوال الوجدانية ومقاماتها، ويحصر سياق فعاليات التلقي في سلوك تجربة تلك الأحوال والمقامات من جهة ثانية.
وعبر فصول الكتاب يرحل الكاتب محللا مبينا تجليات الشاعرية في تشكلاتها المتنوعة والغنية، وفي تقاطعاتها الفنية والدلالية، وقدرتها على الإسهام في تشكيل صور النص الروائي في تداعياتها الرمزية والدلالية العديدة، في نصوص روائية ذات قيمة فنية عالية تمتح من سياقات ومشارب شتى، وهي: أفراح القبة لنجيب محفوظ، والزمن الموحش لحيدر حيدر، وحدث أبو هريرة قال لمحمود المسعدي، والزمن الآخر لإدوار الخراط، وسيرة الشيخ نور الدين لشمس الدين الحجاجي، وجارات أبي موسى لأحمد التوفيق. وعبر ضبط ضوابط التصوير الشاعري الصوفي وسماته الجمالية في هذه المتون الروائية استطاع الباحث أن يثير موضوعات جمالية ومعرفية متداخلة بفضل استثمار مكونات وسمات فنية قلما وُظفت طاقاتها في مجال نقد الرواية إلا لدى باحثين قلة من طلبة الروائي والناقد محمد أنقار ومن ارتبط به وهم من أسماهم القاص والباحث عبد اللطيف الزكري ب"النقاد الجدد".


د. محمد المسعودي
ناقد واستاذ جامعي من المغرب
messoudimohamed@yahoo.fr




مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث