الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
الرواية التركية بين ياشار كمال وأورهان پاموك/خرافات الريف وأساطير المدينة
جلال فتاح رفعت
الرواية التركية بين ياشار كمال وأورهان پاموك/خرافات الريف وأساطير المدينة
يشار كمال واورهان باموق



عندما أُعلن عن فوز الكاتب التركي (أورهان پاموك) بجائزة نوبل انقسمت الصحافة التركية والرأي العام التركي الى معسكرين. كل معسكر له رأي يستند إليه. رأي يقول أن الجائزة منحت للكاتب بسبب إدلائه بتصريحات سياسية ضد بلده، تلك التصريحات التي أثارت حفيظة الأوساط القومية المتزمتة داخل تركيا، ورأي آخر رحب بهذا القرار كون (أورهان پاموك) بنظر أصحاب هذا الرأي يستحق هذه الجائزة فعلاً . وهللوا لپاموك واحتفوا به لأنه أول تركي ينال هذه الجائزة.
(أورهان پاموك) و (ياشار كمال) يصنّف كل واحد منهما ضمن عالم مختلف من حيث الجذور والنشأة والانتماء، ويمتاز أسلوب كل واحد منهما بتفرد خاص من ناحية استخدامهما للغة التركية. وهذه الخصوصيات هي التي تجعل الواحد منهما متميزاً عن الآخر! وإن كان الاثنان يتقاسمان العيش حالياً في اسطنبول الثرية بتاريخها والغنية بتنوعها الحضاري.
(ياشار كمال) (1923- ....) ابن قروي من الأناضول نزحت عائلته من جوار بحيرة (وان) وسكنت قرية (حميدة) (كوكجلي) حاليا التابعة لمدينة (آدانا = آضنه) عركته الحياة القاسية في الريف في مقتبل العمر وصار يختلف على الكثير من الأعمال من مزارع أجير، عامل في محلج للقطن ، سائق جرار إلى أمين مكتبة، وتجوّل في سني شبابه بين قرى الأناضول يجمع القصص والملاحم الشعبية والمراثي والأقوال المأثورة . اعتقل لأسباب سياسية لأول مرة وهو في السابعة عشرة من العمر.
عندما كتب أولى قصصه كان مثله مثل من يفلح في أرض بكر ذلك لأنه لم تكن هنالك لغة روائية واضحة المعالم، والنماذج الموجودة منها لم تكن مؤهلة لتستوعب التجارب الجديدة التي بدأت تظهر هنا وهناك في العقود الأُوَل من حياة الجمهورية بعد تأسيسها في 29 اكتوبر1923 .
الحقبة التي نتحدث عنها هنا هي أربعينيات القرن المنصرم، ففي تلك الحقبة بدأت الحركة التجديدية الأولى تضرب بقوة أبواب الشعر التركي حيث خلقت هذه الحركة لغة جديدة وتمكنت على أيدي روادها (ناظم حكمت، آتيلا ايلخان، مليح جودت آنداي و أورهان ولي كانيك) من تهشيم القوالب المتعارف عليها في الشعر والموروثة عن الأدب الكلاسيكي الذي كان سائداً في ظل الإمبراطورية العثمانية، في حين ظل السرد الروائي التركي محكوما بقوانينه القديمة الى نهاية الأربعينيات على الرغم من ظهور تجارب روائية طرقت مواضيع جديدة في الحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية . إلا أن هذه التجارب لم تستطع تغيير وسائلها القديمة، بسبب لجوئها الى تقليد الموجة القادمة من أوروبا كطريقة مثلى لعكس صورة حضارية عن الواقع بعد نشوء الجمهورية الجديدة على أنقاض ما تبقى من الأمبراطورية العثمانية. وظلت تلك التجارب تراوح بلا طائل في شرنقة البحث عن الجديد ومحاولات التميّز إزاء القديم ، فكان من الطبيعي أن يبحث الكتّاب الجدد عن أدوات جديدة لخلق عوالمهم .
إذا ألقينا نظرة عامة الى تاريخ الأدب التركي نجد أن أول رواية أجنبية مترجمة الى التركية هي رواية (مغامرات تليماكوس) لفرانسوا فنيلون، ترجمها (يوسف كامل باشا) ونشرت في العام 1862، أما أول رواية تركية منشورة فهي رواية (حب طلعت وفطنة) للمؤرخ الأديب (شمس الدين سامي) (1) نشرت في العام 1872 .انطلاقا من هذا يمكن القول أن الرواية كانت حديثة عهد لدى الأتراك إلى ذلك الوقت، ولم تكن هناك لغة روائية واضحة المعالم في الأدب التركي. فالشعر على العموم كان هو الجنس الأدبي الطاغي، والتقليعة التي كانت سائدة آنئذ هي أن المثقف العثماني كان عليه أن يتقن استعمال المفردات العربية والفارسية لكي يستخدمها في شعره. أما النثر فقد كان خليطاً غير متجانس أيضاً، ويفتقر الى التجربة ومواضيعه لاتمت بأي صلة وثقى بحياة الناس ولغتهم ، ومنهم سكان ريف الأناضول. اضافة الى أن تداول هذا النوع من النثر كان محصورا بين طبقة المتعلمين في المدينة من الأفندية والباشوات، فكان النثر التركي القائم في واد ولغة العامة من الناس في واد آخر. أما الريف فكانت له لغته الخاصة وهي لغة غنية بمفرداتها وتراثها وهي اللغة التي استعان بها (ده ده قورقوت) في تدوين حكاياته قبل نشوء الدولة العثمانية (لذلك عدت الحكايات الحجر الأساس للغة التركية) (2) وكان على الجيل الأول من الكتّاب في مرحلة مابعد تأسيس الجمهورية التركية أن يكتشف اللغة، مثله مثل مغامر عليه أن يكتشف الغابة العذراء وكذلك كان يتوجب عليه أن يشق دربه فيها.
كانت (التركية) المتداولة في الريف التركي لغة ثرة، غنية بنسيجها المرصع بالملاحم والشعر والتوريات والمراثي. وأهم ما يميزها هي أنها لم تكن مدوّنة بل كانت متداولة ومتناقلة من جيل الى جيل آخر. وبعد المؤتمر الأول للمجمع التاريخي التركي في العام 1932 بدأ الاهتمام ينصب باتجاه تدوين هذا التراث المتناقل (اصطلح على تسميته بالأدب الشفاهي) وجمعه لتفادي ضياعه. وبسبب وفرة المتناقل منه، وكثرة الواقع منه تحت طائلة تأثيرات التزويق والتهويل والتلفيق، وتباين عملية سرده من موقع جغرافي إلى آخر.
الأدب الشفاهي في تاريخ الأدب التركي يحتل مساحة شاسعة أكبر من مساحة الأدب الكلاسيكي (الذي تعورف على تسميته بأدب الديوان المحشو بالألفاظ الغريبة- فارسية وعربية) الطاغي في المدن، بينما كانت هنالك لغة نقية وبسيطة في الريف يتناقل بها الأدب الشفاهي. هذه اللغة المنتشرة في الريف هي اللغة التي كتب بها (يونس أمره)(3) أجمل أشعاره في التصوف والعشق الإلهي، وهي نفسها التي تغنّى بها الشاعر والمغني (كاراجا أوغلان) (4) وصدح بأجمل أغاني الحب بصحبة آلته الموسيقية.
الرعيل الأول و ياشار كمال:
حين ترسخت لدى (ياشار كمال) القناعة بأنه هو والآخرون من الرعيل الأول ممن ساهموا في وضع اللبنات الأولى لرواية الريف كان يتوجب عليهم أن يخلقوا لغة روائية جديدة على أنقاض القديم ويسخّروا مفرداتها في أعمالهم ويستفيدوا من غنى تراثها الذي يحتوي على كم هائل من الأساطير والملاحم والقصص الشعبية . ولابد أن العديد منهم بدأوا يحلمون بأن تنبهر بهم أوروبا ذات الثقافة المبعثرة متصوروين أنها ستمجدهم ، وستنحني لهم متقبلة مشاكل ريفهم . وقد جذبت الأعمال المبكرة عن الريف التركي أنظار الأوساط الأدبية في أوروبا حين نشرت مقابلة للكاتب (محمود ماكال) بعد صدور روايته (ضوع الأرض).
عندما أمتهن (ياشار كمال) في شبابه جمع وتدوين الحكايات والقصص من أفواه القرويين واظب أيضاً على قراءة الملاحم بين الناس، واشتهر بين حشد من المغنين والقراء حتى وجد نفسه شاء أم أبى ملتصقا باللغة المتداولة في الريف. فكان واحدا من اولئك المغنين الجوابين في الريف ينقل الى الفلاحين في أماسي الغناء والطرب ما سبق أن سمعه اثناء تجواله وما تجود به قريحته في خلق الجديد من الأغاني حتى عرف بينهم بطريقته الخاصة لا في الغناء وحسب بل في سرد الحكايات أيضاً . كل واحد من هولاء القراء عُرِفَ باسلوب خاص يختلف به عن الآخرين . أما القص أو سرد الحكايات فقد جذب انتباه (ياشار كمال) بقوة في وقت مبكر من سني حياته ، وأخذ يؤدّيه بشكل مختلف عن أقرانه. وهذه هي الصفة المميزة لهذا الكاتب، فلا يمكن أن يعبر بهذه اللغة عن بيئة أخرى، ولا عن مواضيع خارج ذلك المحيط. وبالاضافة الى ذلك تفاعل مع هذه اللغة وصارت جزءً منه لا يستطيع أن يغيّر من أشكالها. وليس من المعقول أن يكتب عن (ممد الرفيع) باسلوب الكتابة الذي كان شائعا في الثلاثينيات من القرن الفائت، أو أن يستعير لغة سكان المدن. ففي القوانين التي وجدت في (چوكور أوڤا) وتعارف عليها أناسها يمكن أن يفرد الانسان من وقته الكثير لتأمل شروق الشمس مثلاً ، كما أنه من المألوف جدا أن تُروى ملحمة مطولة على مسامع أناس يتحلقون حول نار اوقدوها في البراري، ويمكن للكاتب الذي يعنى بالريف أن يصوّر في عشرات الصفحات شخصا ما كامنا بين أجمة العليق ينتظر أياما طويلة ليظفر بغريمه. أو يصور قرية لم ينل أهلها أية فرصة من التعليم ويجعلهم يستندون على ما تمنحه الأساطير من قوة لهم في مواجهة أية مشكلة يواجهونها. وقد تنبه (ياشار كمال) فيما بعد الى:(أن طريقة خلق اللغة وبناءها ومميزاتها تفرض نفسها أحياناً على مضمون العمل الأدبي في الكتابة الروائية)(5)
أما جيل الكتاب الجدد الذين برزوا في الساحة الأدبية في الربع الأخير من القرن المنصرم فقد أخذوا يغيرون وجهتهم ويولون جل اهتمامهم بالذات البشرية، والتعبير عن هموم الإنسان المعاصر وتوقه للاتصال والتفاعل مع الآخرين وثقافاتهم. وكان هذا الرعيل في أمس الحاجة لخلق أسطورته الخاصة المعاصرة داخل بيئته.
يذهب الكاتب الناقد (طارق دورسون) (1931-...) في وصفه لهذه المحاولات الجديدة إلى أنها (محاولات لهدم اللغة) في معرض حديثه عن آخر ما توصلت اليه الرواية التركية، كما يبدي سخطه بشكل آخر ويعبّر عن رفضه في تقبل الجديد بقوله: (هل يتوجب علينا أن نمحق مآثر المعلمين الأوائل وأن نهضم حقوق كتاب من أمثال أورهان كمال و كمال طاهر ، من أجل أن نتقبل أورهان پاموك !) وهذا بالفعل ما ذهب اليه مواطنه الكاتب والروائي (سليم ايلري) في معرض حديثه عما تمخض عن آخر معطيات الرواية التركية الحديثة .. يقول (ايلري) : بعد أن ورثنا تراثا عريقا وماضياً يمتد على مساحة زمنية أكثر من مئة عام هي عمر الرواية عندنا، بعد كل هذا المنجز المتراكم وصلنا اليوم الى نقطة أجد صعوبة في فهمها، وكل ما يمكنني قوله هو أن لغتنا تقتل باسم الرواية. (6) الأمر الذي دفع البعض من النقاد الى رفع أصواتهم معتقدين أن الكتّاب الجدد قد رفعوا أزاميلهم لهدم اللغة ؟ أية لغة؟ هل المقصود هنا هي (اللغة) التي جاءت مع الرواية الريفية ؟! أم انهم يقصدون اللغة الجديدة التي نجح (ياشار كمال) في خلقها بالأمس قبل أكثر من نصف قرن؟
إذاً هل يشعر رواد هذا الجيل - حالهم حال نقّادهم - أنهم اكتشفوا اللغة الروائية الجديدة وكتبوا بها (أروع أعمالهم) ليأتي بعد ردح من الزمن جيل آخر ليهدم ما بنوه في خضم محاولة خلق أسلوب آخر جديد في الكتابة وفي التعبير عن نفسه وعن هواجسه وعن مشاكله المعاصرة التي هي أصلا بعيدة عن مشاكل الريف ولا تشبهها لا من قريب ولا من بعيد !؟ ترى هل يشعر (ياشار كمال) هو الآخر أن اللغة الجديدة في السرد التي أوجدها (أو خلقها) قبل نصف قرن تقتل اليوم في مطلع الألفية الثالثة؟
العديد من أصحاب الرأي الثاني الذي هلل لمنح الجائزة لأورهان پاموك في نفس الوقت لا يخفون مشاعرهم ازاء (پاموك) الذي يمضي وأزميله بيده ليهدم القديم ويصنع جديده الخاص به. أما أوروبا فقد اتخذت قرارها بأنه أي (أورهان پاموك) جاء ليضفي لمساته على تلك اللغة وينقلها اليهم، كما استطاع أن يبهرهم بمدينته اسطنبول بأحيائها وأزقتها الخلفية، بتاريخها وماضيها القريب وحاضرها كمدينة كوزموبوليتية لتصبح بالنسبة الى أوروبا عاصمة للثقافة لعام 2010 ممثلةً حلقة وصل بين حضارات الشرق والحضارة الغربية.
لا أحد يستطيع أن ينكر تفرد الكاتب (ياشار كمال) في صنعته الروائية وبراعته في خلق الشخوص. تقول آن فيليب : (لا أحد يضاهيه في وصف منظر ما، كأن يكون اشراقة شمس ، انتشار رائحة أو اظهار شفقة. حقا انه مبدع في فن الرواية)، وبشهادة المترجم الألماني (كورنيلوس بيسخوف) الذي ترجم معظم أعمال الكاتب الروائي (ياشار كمال) وبعض أعمال كتاب أتراك آخرين مثل (جتين اونر) و (خلدون تانر) يصرح بحضور الكاتب الألماني (غونتر غراس) في حفل خاص بجمعية (HAKM) الثقافية للمغتربين الأتراك في ألمانيا، يصرح بيسخوف قائلاً : (قمت بترجمة بعض قصص (أورهان پاموك) تلك المتعلقة بالسينما.. إنه كاتب يستحق جائزة نوبل، ولا أظن أنها منحت له لأسباب سياسية. فعلى العكس مما أشيع فان ثمة علاقة حميمية تربط كلا الكاتبين ياشار وپاموك.. ولكنني على الرغم من كل هذا أرجّح أعمال (ياشار كمال)، لأنه يستخدم اللغة التركية بشكل رائع. أما لغة پاموك فهي ليست قويمة بما في الكفاية وترجمتها سهلة، أما ترجمة أعمال (ياشار كمال) فهي صعبة.. وقد لاقيت صعوبات بالغة لدى ترجمتي لأعماله) (7) .
أول رواية تركية حديثة تترجم الى العربية
في مطلع السبعينيات من القرن المنصرم قمتُ بترجمة العديد من أعمال الشعراء والكتاب الأتراك أمثال ناظم حكمت، أورخان ولي كانيك، آتيلا ايلخان، مليح جودت آنداي، جلال سلاي وحسن حسين وعزيز نسين، ظهرت أغلبها في الصحف العراقية، كما نشرت لي ترجمة الرواية الشعرية " لماذا قتل بينرجي نفسه؟ " لناظم حكمت في بيروت (8). وبعد جهد متقطع دام أربع سنوات، تخللته توقفات عديدة بسبب الحرب، أتممت ترجمة رواية (الأرض حديد ، السماء نحاس) للروائي التركي (ياشار كمال) . هذه الرواية هي الكتاب الثاني في ثلاثية (ماوراء الجبل). الكتاب الأول هو (الدعامة الوسطى) والثالث والأخير هو(عشبة الخلود). تم تعضيد الرواية من قبل وزارة الثقافة والاعلام ونشرت ضمن سلسلة منشورات دار المأمون للترجمة والنشر في العام 1991 بغداد - العراق .
ترجمة هذه الرواية جعلتني أطّلع على خفايا الكتابة لدى هذا الكاتب، ولغته الرائعة، أسرار صنعته الروائية ومدى مطاولته في الكتابة. كما كانت بالنسبة لي بمثابة الباب الذي أطللت منه على أعماله القصصية والروائية ومقالاته التي جمعها فيما بعد في كتابه الموسوم بـ (الملح الذي في العسل). ثم رحت أسبر أغوار عوالم غيره من الكتاب الأتراك الذين اشتهروا في أواسط القرن السابق أمثال: (صباح الدين علي 1907 - 1948 ، أورهان كمال 1914- 1970، كمال طاهر 1910 - 1973، فاكير بايكورت 1929 - 1999 وعباس سايار 1923- 1999) وقد منحتني سنوات الغربة في تركيا التي أنهيتها بملء إرادتي في العام 2005 فرصة الإطلاع على الكثير من النشريات حال إصدارها ومتابعة تأثيراتها وأصدائها في الأوساط الأدبية فقرأت رواية (مشرب النمل- 2002) و رواية (ديوك الغسق- 2002) لياشار كمال و رواية (الثلج- 2002) و(الذكريات والمدينة- 2003) لأورهان پاموك حال صدورهما.
وفي منتصف الثمانينيات كنت قضيت بضع سنوات في مدينة انطاكيا الحدودية التي تبعد عن حلب مسافة نصف ساعة، هنالك قرأت رواية (ممد الرفيع /الجزء الرابع) (9) عندما نشرت في العام 1987 وكنت قد قرأت الجزء الأول منها بالتركية ثم قرأت ترجمتها وكانت على ما أعتقد قد ترجمت من لغة أخرى هي الفرنسية. تلك السنوات أكسبتني الخبرة في قراءة الواقع التركي، فكانت على الدوام تراود ذهني أسئلة تتعلق بـ (ممد الرفيع) ولا أجد جوابا لها. كنت اسأل نفسي:
الى متى يمكن للكاتب (ياشار كمال) أن يتواصل مع هذا الريفي (ممد الرفيع) الثائر على ظلم الاقطاعيين وملاكي الأرض ؟
في كل مرة نجد أن (البطل - ممد) يظهر في الرواية عائدا من آخر غيبة له ويستمر كمتمرد على القوانين، يقتل الآغاوات، يقاتل جنود الدرك ويعتصم في الجبال. يتنقل هنا وهناك ويظهر عندما تستدعي الحاجة الى ظهوره من أجل تحقيق العدالة أو الاقتصاص من الظالمين . وفي نهاية الرواية وفي خضم مطاردته من قبل جنود الدرك يغيب كالمعتاد في أحد الوديان أو بين الأجمة في سهل (چوكور أوڤا). وفي كل جزء جديد ينبش الكاتب سهول وهضاب (چوكور أوڤا) ليبعث الحياة في (ممد) من جديد، وهكذا تدور الحياة وهذا البطل يظهر ثم يختفي. ومع كل جزء جديد من الرواية تتوالى عملية ظهوره وغيابه ولعل آخر غيبة له من دون رجعة هي في نهاية الجزء الرابع حيث ذهب ولم يعد. وفي الجزء الرابع اتضح أن الكاتب أخذ يؤله البطل ويضفي القدسية على شخصيته وعلى حصانه. وهذا الغياب والتقديس ذكرانا دوما بالغياب المأساوي والأسطوري للبطل في ملحمة (كور أوغلو) الشعبية (10).
هذا الظهور والغياب المتكرر لبطل الرواية ابتداء من الكتاب الثاني وإلى نهاية الكتاب الرابع صار مبعثا للملل حتى فقد البطل بريقه ولم يعد ظهوره مقنعا ولا غيابه. فقد بدا ياشار في محاولات اعادة بطله أنه ينوي إضفاء طابع روحي فوقي لتفاصيل عودته، وكأنه ينحو في ذلك منحىً هو أقرب إلى إضفاء صفة الألوهية على بطله الذي يفترض أنه بطل ثوري. وبلا شك أن (ياشار كمال) في الأجزاء الثلاثة من رواية (ممد الرفيع) قد بلغ ببطله الى الحد الذي لم يعد أحد يرتاب من كون البطل هذا محاربا يساريا مثلما يصوره الكاتب نفسه.
وهذا كان هو الهدف المطلوب للوصول إليه من قبل بعض الكتاب العقائديين بمباركة من بعض الدارسين والنقاد. حتى أن الناقد (دميرتاش جيهون) أعطى رواية (ضوع الأرض 1944 ) لـ(رشاد أنيس) حق ريادة رواية الريف في الأدب التركي. وهذه الرواية تصور الصراع في تلك السنوات انطلاقا من مفاهيم نظرية بحتة فيما يخص حيازة ملكية أدوات الإنتاج، وذهب الى تشبيه الفلاحين بالطبقة العاملة (كطبقة مسلوبة الأرض وهي بالتالي لا تملك أدوات الإنتاج) والإقطاعيين بسبب حيازتهم على الأرض وكأنهم مالكو أدوات الإنتاج وأن الصراع الدائر في الريف إنما هو صراع طبقي وان الثورة ستندلع من الريف. فاذا أنعمنا النظر مليا في هذه المسألة سنجد أن (ياشار كمال) كان مصدقا بهذه النظرية أيضا في بادئ الأمر إلا أنه فيما بعد حاول خلق أسطورته الخاصة به كما يقول المخرج السينمائي الإيطالي بازوليني : (على الإنسان المعاصر أيضا أن يخلق أسطورته الخاصة به) فراح يختبر أدواته مسقطا مفاهيمه السياسية على مشاكل الريف ملبساً إياها لبوسا سحريا أسطوريا مستوحى من الأدب الشفاهي الغني في الأناضول، مثلما نجد ذلك واضحا في روايته طائر الزقزاق، لتكون مقنعة ومبهرة، ولكي تكون مستساغة ويمكن تقبلها من قبل الآخرين . وهذا دفعنا أيضا الى أن نسأل هل يتخلى (ياشار كمال) عن بطله (ممد الرفيع) ويكف عن نزعته في إسقاط مفاهيمه (الثورية !) على مشاكل الفلاح . فأين أختفى (ممد الرفيع) ؟ وكيف نشأت رواية الريف وما الذي حصل لها ولفرسانها من الكتاب؟ وما هو موقعها في الوقت الحاضر ؟
رواية الريف
يمكن القول أن رواية (كارا بيبيك 1890/ للكاتب: نبي زادة ناظم ) ، ورواية (الباشا الصغير – 1910 للكاتب أبوبكر حازم) و رواية (البرية - 1932 للكاتب (يعقوب قدري) هي التي كونت الحجر الأساس لرواية الريف في الأدب التركي. ويذهب (گوندوز آكينجى) في دراسته للسمات المشتركة في الروايات الثلاث الى : " أنها اشتركت في سمة واحدة هي تصوير معاناة القروي التركي على حقيقتها، وهو يرفل في أسمال الفقر والجهل وإهمال إدارة الدولة له وتغاضي المتنورين عنه " (11) .
من الناحية التاريخية تعد رواية (كارابيبيك) أول رواية (ريفية) في الأدب التركي، أول عمل أدبي يصور واقع الحياة في الريف التركي في قرية اسمها (بيملك) (12) ويقدم صورة واقعية لما يجري هناك ، وما يعانيه الفلاح من بؤس وتخلف في واقع مرير لا تتوفر فيه أبسط شروط الحياة . وعلى الرغم من الوصف الدقيق لواقع القرية المذكورة في الرواية أعلاه ، واتيان أسماء قرى مختلفة على خارطة الريف في الأناضول (ربما للدلالة على أن الكاتب ملم بتفاصيل الحياة في الريف) إلا أنها لم تكن مقنعة بما فيه الكفاية، كما أنها لم تستطع انقاذ الرواية بوصفها كتبت من قبل رجل غريب عن الريف ، علاوة على إنها لم تبعد النقاد الذين تناولوا الرواية بالدراسة والتمحيص من النظر الى كاتبها المولود في اسطنبول بعين الريبة، على أنه كتب روايته هذه من دون أن تتسنى له فرصة رؤية القرية ذاتها التي كتب عنها. وقد تعارف النقاد على اطلاق أحكامهم اللاذعة على مثل هذه الأعمال في الحقبة التي نشطت فيها حركة نقدية موازية للتطور الحاصل في الرواية والقصة التركية ، وخاصة بعد ظهور مجلات مرموقة مثل مجلة (الأدب التركي) ومجلة (وارليك) ومجلة (الأدب والفن) ومجلة المجمع اللغوي التركي وبروز أسماء لامعة من النقاد أمثال عاصم بزيرجي، بهجت نجاتيكيل، رؤوف موتلوآي، فتحي ناجي، كوندوز آقينجي، عدنان بينك ، مهمت بايراك و رمضان كابلان .. وغيرهم ، تعارفوا على نعت هكذا كتاب بقولهم : أنهم يكتبون كما لو كانوا شاهدوا الريف في احدى سفراتهم من بعيد، أو من خلال نافذة قطار . الأمر الذي دفعنا الى تصنيف كتّاب رواية الريف الى ثلاثة أصناف :
الصنف الأول : هم الكتاب الذين نشأوا في الريف وعاشوا معظم حياتهم في القرى وكانوا في تماس مباشر مع الفلاحين مثل (ياشار كمال)، فاكير بايكورت، محمود ماكال و عباس سايار .
الصنف الثاني: هم الكتاب الذين نشأوا في المدن الصغيرة التي تنتشر قرى كثيرة بالقرب منها وتعرفوا على معظم شخصياتهم الريفية إما في الأسواق العامة أو في المقاهي وإما تعرفوا عليهم في السجون وعاشوا معهم ردحا من الزمن هي على الأكثر مدد محكومياتهم. وان أغلب هؤلاء الكتاب كانوا يساريين حوكموا والقوا في السجون بسبب كتاباتهم وانتقادهم للسلطات. وهنالك في السجون كانت تتأصل أواصر علاقات حميمية مع سجناء ريفيين يقصّون عليهم أخبار القرى فتكون تلك الأخبار مصدر الهام لكتابة قصص وروايات أبطالها ريفيون وأحداثها واقعية بحتة. الكتاب الذين يندرجون ضمن هذا الصنف هم : أورهان كمال، كمال طاهر، صباح الدين علي و(سمّاك هاليكارناس) (13) .
أما الصنف الثالث فهم إما شاهدوا الريف من نوافذ عرباتهم حين المرور به – على حد زعم بعض النقاد - أو أنهم اقتطعوا بعض الوقت وذهبوا الى الريف في سفرة قصيرة، وكتبوا عما سمعوه هناك ووضعوه في قوالب جاهزة كأن تكون قوالب اجتماعية أو سياسية لا لشيء إلا من أجل أن يتم وصفهم على أنهم كتاب واقعييون يهتمون بالريف .
مجريات وتفاصيل الحياة في الريف كانت مواضيع أثيرة لدى الكتّاب المندرجين تحت هذه اليافطة، والشخصية الفلاحية كانت تعد مصادر إلهام لهم . ومن جهة أخرى كان نتاجهم له جمهور عريض ويلقى صدى واسعا في الأوساط الأدبية في الداخل والخارج على حد سواء . لذلك نرى تهافت المترجمين على أعمالهم حيث تمت ترجمة الكثير من الأعمال الروائية لمختلف كتاب الرواية الريفية التركية الى الكثير من لغات العالم وبالأخص الإنكليزية والفرنسية والألمانية، وكان يجري حديث مستفيض في الأوساط الأدبية بأوروبا عن أعمال (ياشار كمال) بالأخص، وتمكن هذا الكاتب أن يبهر العالم بأسره بشخوصه وأجوائه السحرية عن (چوكور أوڤا) ، وأن يوضع في مرتبة كتاب أمريكا اللاتينية أمثال جورج أمادو وميغويل انغل وغيرهم، وبسبب ذلك رشح مرارا لنيل جائزة نوبل ولم ينلها لحد الآن.
يمكن القول أن نموذج البطل الريفي لقي رواجا في الأدب التركي وعلى وجه التحديد في الرواية التركية، في الحقبة الممتدة بين 1950 الى منتصف العقد الثامن من القرن المنصرم، لأن هذا النموذج - أكان بطلا أم صعلوكا - كان يعد مثالا جذابا بالنسبة للكثير من الكتاب المتنورين وغيرهم ممن تخرجوا من (معاهد الريف)(14) . فالأوضاع المعاشة في الأناضول وكل جوانب حياة القروي معاناته وعذابه، والجهل والتخلف اللذين كان يعيش في كنفهما أمست مواضيع في غاية الإثارة، وأدرجت في صلب اهتمامات هؤلاء الكتاب فراحوا ينقلون صورا واقعية عن الريف وكأنها ملتقطة بآلة تصوير فوتوغرافية. كما عمدوا الى تناول مواضيعهم تحت تأثيرات فكرية متباينة ايديولوجية واجتماعية أو نتيجة معايشتهم للفلاحين أو لشعور انتمائي الى هذا الوسط لسبب بسيط هو انحدار البعض منهم من اصول ريفية. واتفق العديد من النقاد على جمع هؤلاء الكتّاب تحت يافطة (كتاب الرواية الريفية) كما تعارفوا على تسمية أعمالهم الروائية بـ (رواية الريف) .
مواضيع الريف وأبطاله الذين يعيشون في ظل الحرمان والجور كانت مواضيع جديدة وغير مألوفة في الرواية التركية آنذاك، فأخذت تلقى رواجا في الداخل، ووصلت أصداء بعضها الى خارج تركيا (15) لأنها كانت تعكس صورة حية وواقعية عن مآسي الانسان في ريف الأناضول . في حين أن الروايات التي كانت تستلهم مواضيعها من وقائع حرب التحرير القومية التي خاضتها الأناضول ضد قوات الحلفاء قد فقدت بريقها بعد تأسيس الجمهورية التركية . كما فقدت مواضيع التضحية والإيثار والحب الجارف أو الحب الرومانسي بين الفقيرة والغني والخ من المواضيع الاجتماعية هالتها ، ولم تولها العامة اهتماما كافيا. كما أن مداخلات العديد من الكتاب البارزين في النصف الأول من القرن العشرين في تركيا من أمثال الكاتبة (خالدة أديب آديوار 1884-1964) و (رفيق خالد كاراي 1888-1965) و (رشاد نوري كول تكين 1889-1965) و (يعقوب قدري كاراعصمان أوغلو 1889- 1974) أو (بيامي صافا – 1899- 1961) في البحث عن هوية الانسان الجديد بشكل عام (والحضري على وجه التحديد) في عهد الجمهورية لم تلق صدى واسعا بين الأوساط الأدبية أو بين عامة القراء لأن خرافات الريف كانت جديدة وطاغية على ذهنية قطاع واسع من المتلقين . واقتصر الاهتمام بعنصر المدينة بين النخبة الثقافية دون غيرها، حتى ان رواية الكاتب (رشاد نوري) الموسومة بـ (تساقط الأوراق – 1930) رغم جرأتها في تناول مسألة جيل القوميين المتعصبين الذين عبأوا الناس لدحر الحلفاء وكان لهم نصيب كبير في احراز النصر وترسيخ دعائم الجمهورية ، وقيام الدولة بتصريفهم ونسيانهم لم تلق هذه الجرأة في انتقاد الدولة نجاحا مثلما لقيته موضوعة الريف. ورواية (يعقوب قدري) الموسومة بـ (آنقرة-1934) صوّر فيها الصعوبات والمآسي التي سبقت المخاض أثناء ولادة الجمهورية التركية و روايته (بانوراما 1953-1954) التي صور فيها محاولات الانسان للبحث عن ضالته في مرحلة ما بعد تأسيس الجمهورية ، وكذلك نزوعه الى البحث عن ذاته ومشاكله الاجتماعية في المدينة لم تحظ باهتمام بالغ مثلما حظيت به مشاكل الفلاح المتجسدة في الرواية الريفية . حتى أن الأعمال الأدبية التي تناولت مواضيع وطنية وبطولية كانت هي الأخرى قد أهملت وفقدت بريق جاذبيتها على ما كانت عليه ابان سنوات حرب التحرير ضد الحلفاء الذين مزقوا أوصال الدولة العثمانية .
تأصل أدب الريف (قصة و رواية) فيما بعد وأخذت تتبلور أركانه وسماته كجنس أدبي ، وصار محط أنظار مختلف الكتاب من أجل تحقيق الانتشار ، الأمر الذي دفع العديد من الكتاب الى أن يجربوا أقلامهم في هذا المضمار من أجل عكس تصوراتهم أو ايديولوجياتهم واقحامها من باب الدعاية السياسية لحلول الخلاص من الفقر والعذاب الذي كان يعيشه الفلاح الأناضولي . ويبدو أن الحاجة كانت ملحة من أجل إظهار مشاعر التحدي ، وأن الجرأة وحدها لم تكن كافية ، فمجرد الحديث عن الريف ومشاكله وما يعانيه الفلاح من ظلم واضطهاد كان يعد تحديا للسلطة بشكل أو بآخر .
معظم سكان المدن الكبيرة في تركيا يمتلكون جذورا فلاحية ، وينظرون إلى الفلاح المسحوق بعين العطف وكانوا بشكل أو بآخر على اطلاع بدرجات مختلفة بالقوانين الجائرة التي كانت تحكم الريف والمتمثلة في سطوة الاقطاعيين وملاكي الأراضي . وفي الغالب كان يفرض هؤلاء الإقطاعيون قوانينهم الخاصة على السكان ممن كانوا يعيشون على أراضيهم ، إضافة الى أنهم كانوا ضحايا القوانين المجحفة للدولة .
ملاك الأراضي الكبير كان يشتري الأراضي ويتساوم أيضا على قرى بأكملها تقع ضمن تلك المساحة المشتراة فيتفق أن يشتري الملاّك الأرضَ والقرى المتواجدة عليها برمتها بما عليها من بشر ودواب ، فتغدو كل القرى وسكانها الذين يقطنون على أراضيه وكل ما يدب عليها وما ينبت فيها ملكا مشاعا له يتصرف فيه حسب هواه ويبيعه متى شاء . ولذلك كان نوع من أنواع العبودية في طريقه الى الترسخ في العلاقة بين الفلاحين ومالكي الأراضي في الأناضول. والدولة التي ضحوا من أجل انتشالها من براثن الأعداء وساهموا في قيامها كانت تتواجد دائما بقوانينها ومؤسساتها الى جانب ملاكي الأراضي.
كانت هذه الحقيقة جديدة بالنسبة الى سكان المدن في عهد الجمهورية الجديدة وهم قريبون اليها وتدوّي أصداء شعاراتها في أرجاء منازلهم وكانوا قد ساهموا في وضع منهجها ولكنهم لم يعودوا يقوون على كبح جماحها. سكان المدينة كانوا غير مصدقين بما يعانيه أبناء جلدتهم في الريف ومن الغرابة أن يمتلك أحدهم حق التصرف بكل كيانك وممتلكاتك ويصادرك أو يبيعك متى شاء ! تلك كانت موضوعة في غاية الأهمية شغلت بال المتلقي في المدينة، ولم يستطع كتاب الرواية المعاصرون في بحثهم الدؤوب عن هموم الانسان الجديد في عهد الجمهورية أن يتوصلوا الى استمالة القراء اليهم كليا، أو جذب الأنظار الى نتاجاتهم كما فعل كتّاب الرواية الريفية . فكانت للرواية الفلاحية قصب السبق في جذب أنظار العامة ، وكانت بمثابة تحدي لسلطة القوانين الجائرة وصرخة أمام مأساة كانت قائمة يشكل الحديث عنها من المحظورات التي تؤدي الى السجن أو النفي.
هذا لا يعني أنه لم تكن هنالك تجارب روائية حداثية متأثرة بآخر الموجات التي ظهرت في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية ، وأخرى تمجد بالماضي التركي المليء بالمآثر القومية ، إلا أن هذه التجارب لم تكن أوفر حظا من سابقاتها الجريئة . وعلى الرغم من كثرة الأسماء اللامعة من الكتّاب الذين تلقوا تحصيلا دراسيا عاليا في فرنسا أو في المانيا، ورغم كثرة الأعمال الروائية التي ظهرت لهؤلاء ولغيرهم في مجال البحث عن هوية الانسان الجديد ومعاناته وهواجسه ، إلا أنها ظلت حبيسة داخل اطار اهتمامات الشريحة المثقفة بهمومها هي دون غيرها. أما كتاب رواية الريف فكانوا لفيفاً جاء من خارج هذه الشريحة واكتسحها في أواسط الخمسينيات من القرن المنصرم حتى أرغم بعض الكتاب من نجوم مدارس أخرى ودعاة آخرين الى خوض تجربة الكتابة عن الريف . لذلك لاقت الرواية الفلاحية التي تعنى بالريف وبالفلاحين أو ما أصطلح على تسميته بـ (رواية الريف) رواجا منقطع النظير حتى تركت آثارها على هذه الحقبة الممتدة من 1950 إلى 1980، وصارت من أهم المواضيع التي دار حولها البحث والجدال فيها على صفحات المجلات الأدبية والصحف أو في المحافل الأدبية ابتداء من مطلع الخمسينيات وصولا الى منتصف الثمانينيات.
تفتيت لحمة الريف التركي
فرضية حدوث التغيير في تركيا ابتداءً من الريف قد أسقطت بحل سحري جاء من الخارج وأفرغت الكثير من النظريات من محتواها بما فيها مفهوم معالجة أوضاع الريف عن طريق الكتابة عنه. هذه العملية بدأت مع الطلب الذي تقدمت به المانيا الى الحكومة التركية رسمياً في أواسط السبعينيات لتسهيل إرسال أيدي عاملة من تركيا اليها، فبدأت هجرة منظمة للقرويين من ريف تركيا الى ألمانيا. حتى أن العديد من القرى لم يبق فيها غير المرضى والمقعدين والمسنين وغير الصالحين للعمل. وقسم من البقية الباقية من فلاحي الأناضول ممن بقي متشبثا بأرضه لأسباب أخرى لم يجد مخرجا آخر في مراحل لاحقة سوى النزوح الى المدينة بحثا عن فرصة للعمل. الأمر الذي أدى إلى إحداث خلخلة في وضع الريف وفي البنية الفوقية للانسان الريفي، وحولت اهتماماته الى جوانب أخرى.
الريف كان يعد مصدر القوة البشرية التي تمد الصراع الذي احتدم بين اليمين واليسار في السبعينيات، فمن الناحية السياسية كان على الدولة أن توجد قطبا ايديولوجيا ثالثا إزاء قطبي اليمين واليسار لتقليم مخالبهما ولتشتيتهما معاً. وتمكنت من تنضيب مصدرهما الذي كان يمدهما من الريف، اضافة الى أنها تمكنت من خلق وتغذية النزعات الراديكالية فكانت الفكرة الدينية هي أنجح سبيل لتحقيق هذا الهدف. هنا برز دور أجهزة الدولة المختلفة فعمدت الى تغذية النزعات الدينية في الوسط السياسي خفياً، وساعدت هذه المؤسسات في تكوين الجماعات الدينية وتغاضت عن خروقات تنظيماتها المتطرفة في أساليب كبح جماح القوى الناشطة من اليسار وكذلك اليمين، حتى نمت وتحولت هذه التكوينات إلى بعبع بات يهدد النهج العلماني الذي أرسى دعائمه (آتاتورك) في تركيا. كما صارت تقض مضجع السلطات نفسها فيما بعد. فالكاتب والموسيقي والسينمائي (زولفو ليفانلي) تطرق لتلك الحقبة مشيرا الى التناقضات الحاصلة بعد أن قامت السلطات برعاية مثل هذه التوجهات حتى صارت خارج نطاق سيطرتها وشكلت في مرحلة متقدمة بلاءً مستعصياً (16) .
وفي خضم هذه التغييرات ظهر الوجه الآخر للشخصية الريفية وتحولت في نظر الكثيرين من حمل وديع كان يرزخ تحت نير الظلم والاستغلال الى ذئب فتاك في شوارع المدن . شخصية (ممد الرفيع) المتمرد القروي تحوّل هو الآخر الى كيان أكثر عنفا وبأشكال ومسميات مختلفة (17) ليس من شأننا هنا الخوض فيها.
إلا أن وتيرة التطور كانت تجري في الريف التركي بشكل مغاير تماما. مع بداية التسعينيات كان قد تم الاجهاز - من قبل الريفيين أنفسهم - على هذه المفاهيم، وأن الثورة والتمرد الريفي قد فقدتا الكثير من معانيهما وصار الفلاح نفسه حطبا في طرف ثالث أخذ يظهر في حلبة الصراع بشكل أكثر تهورا وبخطوات ثابتة. وهذا الطرف هو: التنظيم الاسلامي. وبدأت حملات تصفية المفكرين والمثقفين المتنورين في صفوف اليسار واليمين على حد سواء. وعلى سبيل المثال تم حرق عشرات المثقفين والمفكرين من قبل الأهالي في محافظة سيواس تحت أنظار السلطات، وكاد (عزيز نسين) أن يقضي في ذات الحريق الذي أشعله متزمتون قرويون في فندق (ماديماك) الكائن في مركز محافظة سيواس (18). كان هذا ايذاناً بانتهاء موضوعة الريف في الأدب التركي وظهور عنصر جديد هو المدينة أو ابن المدينة ثانية ، المتحضر الباحث عن هويته وعن موقعه بين الثقافات المتداخلة في حوار أبدي تحت مسميات عديدة مثل حوار الثقافات أو حوار الأديان أو الشمال والجنوب.. والخ .
هنا توّلدت أسئلة جديدة بالنسبة لهذه الشخصية وكاتبها (ياشار كمال) تتعلق بما سبقتها من سلسلة أفكار، منها هل يضع الكاتب حداً لهذه العملية المتكررة لظهور البطل الثائر في الريف؟ وهل ينقله ليظهر في مكان آخر – كأن يكون هذا المكان هو المدينة – بعد أن تحولت مراكز الصراع من الريف إلى المدينة؟ أم سيغير الكاتب أدواته أبطاله ، ويقلب كل شيء رأسا على عقب ليكتب عن حياة جديدة لانسان (حضري أو نصف حضري) متفتح الأفكار له هموم مختلفة عن هموم الفلاح ؟ كأن ينقله الى المدينة المزدحمة ! وهل يضع الكاتب حداً لحياة بطله الاسطوري (ممد الرفيع) !
في نهاية الثمانينيات كثيرا ما وقع بصري على قرويين جاؤوا من ريف الأناضول إلى اسطنبول مكدسين في ساحة (طوب قابو) على هيئة جموع ينتظرون فرص العمل . كنت أسأل نفسي وأنا أطوف بناظري في الوجوه هل أجد بينهم من يشبه (ممد الرفيع) ؟ كنت أتوقع أن أراه بين هذه الجموع مدحورا جائعا يبحث عن العمل لسد حاجته! وكنت أقول لنفسي في بعض الأحايين : (ربما سافر ممد الرفيع الى ألمانيا للعمل هناك). هذا كان يعني لي أن ممد الرفيع انتهى في آخر غياب له الى طريق لن يعود منه أبدا. أو أن (ياشار كمال) قد اقتنع أخيرا بأن اعادته ستكون كارثة على شخصية هذا البطل لأنه سيكون مضطرا على الاجابة على الكثير من الأسئلة المحرجة بالنسبة اليه ككاتب.
وبعد آخر محاكمة للكاتب (ياشار كمال) في الثمانينيات أُضطر لقبول شرط عدم إدلاء أي تصريح بصدد بني قومه الأكراد أو الكتابة عن ريف الأناضول كثمن لقاء إسقاط الحكم عنه ، السبب الذي دفع الكاتب الى الانتقال للكتابة عن الملاحم والأساطير الشعبية ، وابتعد كلياً عن أجواء (جوكورأوفا) ليكتب عن محيط آخر مختلف تماما عن بيئة نشأته الأولى. ولا أدري لماذا فضّل الكاتب أن يكتب عن الناس عند سواحل البحر الأبيض وبحر ايجة أو البحر الأسود! وعلى سبيل المثال كانت أحداث روايته (مشرب النمل) تدور في منطقة ساحلية قريبة الى البحر الأسود. يمكن أيضا الاشارة الى روايته قصة جزيرة أو زعل البحر. فهذه الروايات تدور في أماكن خارج (چوكور أوڤا) وبعيدة عنها ولا تمت اليها بأية صلة شبه من الناحية الجغرافية أو الأثنية.
التصنيع والانقلابات
التصنيع والتوجه الرأسمالي خلقا حالة جديدة في المجتمع في تركيا في نهاية السبعينيات، حيث استدعت الحاجة الى أيدي عاملة رخيصة وهي متوفرة في الريف فعلاً ، فاستدعت الحاجة الى تشجيع الهجرة من الريف الى المدينة (19) وفيما كانت البنى الفوقية في ريف الأناضول قد أخذت طريقها صوب التغيير الفعلي بدأ الريف يهبط الى المدينة ويَسم الأفكار والنزعات فيها بأوجاعه ومعاناته ويزيد حدة الصراع ألما وقسوة ، وكما أسلفنا أن الدولة قد انتبهت الى أن الريف قد أصبح المعين لرفد الصراع الدائر في المدن بالقوة البشرية الهوجاء، وبلغ الصراع أوجه في نهاية السبعينيات. ومن الجدير بالذكر أن مجمل منطقة الشرق الأوسط كانت في حالة غليان – وهذا موضوع آخر مختلف عما نحن بصدده - فكان الانقلاب العسكري الذي حدث في 12 أيلول1980. وعلى الرغم من أن الكثير من المحللين السياسيين الأتراك وغيرهم كتبوا عن الأضرار الناجمة عن الانقلاب إلا أنه صار بمثابة الخطوة الأولى لبدء التغيير والتوجه الفعلي الى التصنيع وفعلاً تم ذلك بمساعدة قروض صندوق النقد الدولي (IMF) . وهكذا يمكن القول أن من أهم نتائج الانقلاب العسكري الذي حدث في 1980 هو: أنه جاء بتركيا ووضعها على أعتاب تغيير جديد هو أشبه بالثورة الصناعية والتوجه الى تقوية التجارة الخارجية ، في وقت كانت جميع الدول المجاورة لتركيا إما فقيرة أو شمولية، ولم تكن مؤهلة لتزدهر فيها الصناعة أو لينمو فيها الرأسمال، وهكذا خطت تركيا طريقها صوب الرأسمالية، وتم تحويل الاقطاعي الى صناعي ناشىء بعد تشجيعه على تصفية ممتلكاته في الريف وتسهيل حصوله على مقومات الانتقال الى التصنيع.
ضمور رواية الريف
ان مجرد التكهن بأن (ياشار كمال) لن يغامر بايقاظ بطله الريفي (ممد) ليستمر في حياته في الريف الخاوي أو الظهور مرة أخرى ليس كافيا للقول بان الرواية الريفية بدأت بالانحسار، بل الأهم من هذا وذاك هو أن هذه التطورات الأقتصادية والاجتماعية وضعت الريف على أعتاب تغيير جذري، بدأ يغيّر قناعات الكثير من الكتاب الذين تبنوا في حقب معينة مفاهيم ثورية لحل مشاكل الريف والفلاحين. فلو قُدر لـ ((ياشار كمال) ) أن يكتب الجزء الخامس من رواية (ممد الرفيع) لكان غامر بصيته أولا ككاتب ولظهر لنا البطل نفسه غير مقنع، ولأدار الريف كله على الاطلاق ظهره له. وكان الكاتب يعي جيدا أنه كان يتوجب عليه أن ينتقل الى المدينة بهمومها وابطالها المتنوعين ويحكي عن أزقة اسطنبول أو أية مدينة أخرى مكتظة بالسكان، إلا أن أهم ما يمكن سوقه بهذا الصدد هو أن (ياشار كمال) ربما تنبه الى عدم استطاعته تناول البطل الحضري بهذه اللغة التي خلقها وخلق بها أبطاله وخرافاتهم المستقاة من البيئة الريفية. ففي أكثر من مناسبة يبدى الكاتب رأيه صراحة وبشيء من الشوق الى كتابة موضوع تشكل المدينة محوره بقوله: (حقا تختلف اسطنبول الأمس كثيرا عن اسطنبول اليوم. حاولت الكتابة عنها، كيف نُخِرَتْ وكيف بدأت تغترب وكيف صارت مبتذلة. لو قمت بالكتابة عن اسطنبول كتبت عنها على نحو أقسى. سأكتب عن چوكور أوڤا وعن اسطنبول.. وحتى إذا تمكنت من تحقيق ذلك الأمر فإنني سأكتب على نحو مختلف تماما لأنني أنا الآخر قد تغيرت كثيراً. فالإنسان المعاصر لا يتخلى عن نزعته في خلق اسطورته، ففي اسطنبول تخلق مئات الاساطير يوميا..آه لو أجد متسعا لكتابة كل ذلك !) (20)
هذه الأسباب والتطورات مجتمعة ساهمت في ضمور رواية الريف وأفول نجم كتابها، وعلى رأسهم الكاتب (ياشار كمال) الذي كان يعد من أبرزهم (21) حيث ظل يصول ويجول لأكثر من عقدين من السنين كفارس من فرسان رواية الريف، شبهه الكثيرون بوليم فوكنر أو بأرسكين كالدويل أو جون شتاينبيك .. والخ .. جاء الى اسطنبول ليكون قريبا الى أوروبا وتصور أنه سيفتحها من جديد كبطل يساري اسبارتاكي أو تكون له اسطنبول بمثابة دبلن بالنسبة الى (جيمس جويس) الذي خلق اسطورة مدينته في (أناس من دبلن).
ظلت مسألة الكتابة عن (اسطنبول) المدينة محض أمنية لدى (ياشار كمال) ، ويبدو أنها لن تتحقق بعد سني حياته التي قاربت التسعين. ويبدو أن السيف قد سبق العذل فقد أجابت أوروبا (ياشار كمال) بالاسهام في حل المعضلة التي كان الريف التركي يعاني منها باستقدام مئات الألوف من فلاحيه اليها، وبذلك أخمدت آوار تلفيق الخرافات الريفية ، لأن أوروبا كانت بحاجة الى عنصر مغاير أكثر ألقا وأبلغ تأثيراً ، فوجدت الأكاديمية السويدية تلك القيم في أدب مواطنه (أورهان پاموك) لأنه بارع في تحويل أصغر صغائر مدينته وتفاصيل حياتها الى أساطير جديدة بمفاهيمها الكونية، ورأته أكثر استحقاقا لتقديمه الى الصف الأول من بين المرشحين المزمنين لكي ينال جائزة نوبل . وبينما فقد (ياشار كمال) وجهة بوصلته في هذه المدينة (اسطنبول) ينبري الكاتب (أورهان پاموك) ليتقدم اليها من اتجاهات عديدة، يزيل عن وجهها غبار التاريخ بفرشاته ويدعونا للنظر الى تلالها السبعة (22) ومن فوق تلك التلال الى عموم تركيا، تارة بمنظار تاريخي وتارة بفرشاة رسام أو منقب آثار وتارة أخرى بعين رجل مغترب ليكتشف الجديد فيها بعد سنوات الغربة. يقول پاموك: في رواية الثلج حاولت النظر إلى المجتمع في تركيا من منظار السياسة ، وفي رواية (أنا اسمي أحمر) نظرت إليها بمنظار فن الرسم ، أما في (الكتاب الأسود) فقد تحدثت عن اسطنبول واستعرت بعض الشيء منظارا هو مزيج من ثقافة وتاريخ لتسليط الضوء على المجتمع التركي بذاته. (23)
ومن الجدير بالذكر هنا أن پاموك قد كتب عن مواطنه (ياشار كمال) في كتابه (الألوان الأخرى) (24) منوهاً عن معضلة جميع كتاب رواية الريف ويضيف على ذلك بقوله : عندما كتبت مقالتي عن (ياشار كمال) في كتابي الموسوم بـ (الألوان الأخرى) .. ربما يشمل هذا جميع الفنون ، وبالأخص فن الرواية . هناك اشكالية معينة في مسألة السرد الروائي وهي : أننا نتحدث عن أناس ما ، عن الجانب الروحي لهم ، أفكارهم ومشاكلهم الثقافية فما هي المسافة الفاصلة بين العوالم الروحية للكاتب وبين معاناة هؤلاء الناس؟ ففي أعمالي هنالك دوماً واحد من الأبطال تجده قريبا إليّ على نحو أساسي . وأتماثل معه ذاتيا في بعض الاحيان عندما أكتب رواياتي .. أما إن كان ذلك يصف عالما بعيدا جدا عن عالم القارئ – مثلما في روايات (ياشار كمال) ، أو في الروايات التاريخية – هنا الجانب الروحي المتمركز لمن هو ، للبطل أم للراوي ! وهل يكون هذا العالم أقرب الى روح القارئ أم أقرب الى روح الانسان الذي يجري الحديث عنه ! إن كان أقرب الى روح الناس الذين هم وحياتهم موضوع للسرد سوف تكون الرواية عصية على الفهم من قبل القارئ . تكون أشبه بالفارقة التاريخية (25) وعلى الرغم من أن كتابي يندرج في جنس الروايات التاريخية فأنا قريب الى القارئ. هذا ما كنت أقصده.. لأن الأبطال فيها بعيدون، يتحركون في الماضي، ولكننا عندما نقرأ الكتاب لا نشعر بأنه بعيد عنا زمنيا لأننا نسبر أغوار الشخوص بمغالطات أكبر مما هم عليه، وأكثر فوضى مما كانوا عليه في الواقع .
النظريات جذبت انتباهي طوال سنوات حياتي، ولكن الآن تجذرت تجارب حياتي ، فالأشياء التي تعلمتها وكتبتها متعكزا على النظريات أكسبتني ثقة بالنفس في تأمل الحياة. كما ترسخت لديّ خبرة الكتابة عن الحياة دون الاستعانة بالنظريات وحتى من دون أن تكون لي الحاجة الى فورة ايديولوجية، أو الى هوس سياسي أو إلى هياج ثقافي . الآن عندما أبدأ بكتابة عمل جديد لا أبحث عن أفكار ما ، ولكنني باستطاعتي أن أبدأ على الفور من المكان الذي وصلت اليه ، من المحطة التي توقفت فيها آخر مرة . (26)
(أورهان پاموك)
اسمه فريد أورهان (پاموك) ولد في العام (1952) وعاش طفولته في حي (نيشان تاش) باسطنبول كابن مدلل لعائلة متوسطة الحال. وبعد أن حاز أبوه رب الأسرة على مقاولة لتنفيذ أعمال حكومية ، ارتقت العائلة الى مصاف العوائل الثرية ولتتهيأ ظروف مادية مناسبة له فيما بعد لينال تعليما كافيا، وليتمكن من السفر مرارا الى أوروبا. عاش جل سنوات حياته باسطنبول وفي أولى أيام شبابه في السبعينيات كان شاهداً لمعارك تصفية حساب بين القوى السياسية والاجتماعية على طريقة جنونية وتحت مسميات مختلفة (يسار ويمين ، قديم وجديد ، تقدمي أو رجعي) وانعكس ذلك جليا في أعماله . بدأ الكتابة في 1974 وكتب أول رواية له هي (العتمة والضوء) في العام 1979 فاز بها بالجائزة الأولى في مسابقة جريدة (ميلليت) في الرواية وفي 1982 نشر نفس الرواية تحت عنوان (جودت بيك وأولاده) وفازت بجائزة (أورهان كمال) للرواية . وفي العام 1985 أصدر روايته الموسومة بـ(القلعة البيضاء).
رواية جودت بيك وأولاده رواية تجسد حياة أسرة تسكن في حي (نيشان تاش) باسطنبول وتصور تقلباتها على مدى ثلاثة أجيال متعاقبة ، وفيما تصور اختلاف الطيف الداخلي الملون لهذه العائلة ينشدّ القارئ اليها وتمنحه ذات النكهة التقليدية التي يلتذ بها لدى قراءته لأية رواية تقليدية أخرى . جودت بيك من التجار المسلمين الأوائل ، رب أسرة يمتلك دكانة صغيرة في عهد السلطان عبدالحميد في مطلع القرن العشرين كان يحلم بتنشئة عائلة معاصرة بمفهومها الأوروبي. رجل مهووس بتوسيع تجارته وبتكوين ثروة، وفي ذات الوقت. وعلى الرغم من انحداره من أصول ريفية بحتة يدير ظهره لجذوره التقليدية ويبذل قصارى جهده من أجل تحقيق رغباته. هذه القصة بتسليطها الضوء على أساليب العيش في العمارات والخروج الى التبضع ومن جلسات الاستماع الى الراديو الى أجواء الأسواق في العصريات انما تمثل بشكل أو بآخر تصويرا لطراز الحياة الجديدة ابان عهد الجمهورية. انها رواية نضج منفلتة حملت پاموك وجاءت به على أعتاب شهرة مبكرة .
أما رواية البيت الصامت فهي عن ثلاثة أحفاد أحدهم يرغب أن يكون مؤرخا، والثاني يريد أن يكون ثورياً أما الثالث فيحلم أن يصبح ثرياً. يذهب الثلاثة معاً الى زيارة جدتهم من أبيهم الساكنة في قصبة ساحلية هي (جنت حصار) القريبة الى اسطنبول. يسكن الأخوة الثلاثة في نفس المنزل الذي ابتناه جدهم قبل سبعين عاما حينما أرسل الى المنفى في هذه المنطقة . في أثناء مكوثهم هنالك وبينما ينكشف ماضي الجدة المثقل بذكريات أعوامها التسعين تذكر أحفادها بموسوعة انكب جدهم على كتابتها طوال سنوات غابرة من حياته، معتقدا أنه باستطاعته أن يردم الهوة ما بين الشرق والغرب. وفيما يحاول اولاء الشهود بتأملاتهم الصامتة في هذا المنزل أن يمدوا جسرا بين الأجيال في حين تجد الأولاد الذين أولوا العائلة اهتماهم غارقين في لهو ومرح نزق .
يقول عن نفسه: إنني أنحاز كليا الى الرأي القائل بأن الأعمال التي تكتب بفكرة واحدة (أحادية) تنقلب بعد ردح من الزمن الى مجرد دعاية يحاول الكاتب فيها بكل وسائل فن الاقناع أن يلقن القارئ بمعتقداته . أما الأعمال القيمة فهي تلك التي يسعى الكاتب الى طرح الأفكار التي لم يتأكد بعد من صحتها ، وقلقه إزاءها، معاناته وآلامه وهواجسه الروحية المتأتية بسبب هذه الريبة. ( وما لجوئي الى الكتابة إلا من أجل اكتشاف البؤر المظلمة المتولدة في الجانب النفسي لدى المجتمع وفي دواخلي أنا بالذات. ما أعنيه هنا هو خيطان من الأفكار يقعان على النقيض من بعضهما في بعض المواقع .. وينكران بعضهما البعض في جوانب معينة أخرى (27) . مرة أخرى يثبت الكاتب (أورهان پاموك) أنه بارع في خلق أسطورته من المسائل والمشاهدات التي قد تبدو لنا بسيطة وغير جديرة بالاهتمام. آخر رواية له هي من هذا الصنف وهي رواية (متحف البراءة ) عن عاشق يلملم أشياء حبيبته المنسية هنا وهناك من الأماكن التي مارسوا فيها علاقتهم الغرامية المحرمة ليحتفظ بها ويقيم بها متحفا يطلق عليه أسم البراءة ليحاكم أمام سلطة الحب كل القوانين الموضوعة من أجل الاقتصاص من علاقات الجنسين، ويخلق بأشيائه هذه أسطورته المدينية .. يقول :
تدور معظم أحداث رواية (متحف البراءة) ما بين 1975 والى 1985، ولكن الأحداث تنزلق حتى تصل إلى العام 2005 أي يمكن القول انها حكاية حب تنتشر على مساحة من الزمن تبلغ نحو ثلاثين سنة ، وهي أن (كمال باصماجى) سليل العائلة الثرية التي تسكن في منطقة (نيشان تاش) واختص عملها في قطاع النسيج - وبينما أقول هذا أبتسم بعض الشيء - يبلغ من العمر ثلاثين عاما. وهنالك قريبته من بعيد الآنسة (فوسون) لم يكن يمت بصلة القرابة الى العائلة ولكن أمها تناديه قريبنا دلالة على قرابته البعيدة للعائلة.. ويبدو أن هذه العائلة تندرج ضمن الفرع الفقير لهذه السلالة الغنية. في تلك الحقبة وفي مناطق تعد راقية مثل حي (نيشان تاش) علية القوم من سيدات المجتمع الراقي اللآئي كن يضجرن من طول الجلوس في المنازل كن يتهافتن في ذلك الزمان على فتح محلات لبيع الملابس (بوتيكات) ، بدلا من افتتاح كاليرهات فنية على سبيل المثال. أما (فوسون) فكانت فتاة أرتضت العمل في احد تلك المحلات من أجل ملء الفراغ الذي كانت تعيشه نتيجة فشلها في الامتحانات التمهيدية للقبول في الجامعة، وكذلك من أجل كسب بعض المال. إلى جانب (كمال) الابن المدلل لعائلة ثرية هنالك (سيبل) الفتاة البرجوازية التي تشبهه في الانتماء لعائلة ثرية تنتمي الى ذات المجتمع الراقي. نالت (سيبل) قسطا من التعليم في أوروبا - أقول هذا وأبتسم بعض الشيء أيضا – فبداية الرواية تصف هذه الآجواء بخفة وبمرح تارة وبشيء من الجدية تارة أخرى. هكذا تبدأ الرواية ببساطة .. بينما كان (كمال) على وشك الاقتران بـ (سيبل) ينجذب انتباهه دون سابق انذار الى (فوسون) ومن هنا يبدأ أصل الحكاية في هذا الكتاب، حيث تتحول تلك العلاقة الخاطفة إلى حب جارف، وتستمر هذه العلاقة الغرامية لمدة عشرة أعوام. نراقب تطور العلاقة و(سيبل) ليست بعيدة عنها تراقب مجريات تلك العلاقة عن كثب. أنها حكاية حب نراقبها لمدة عشرسنوات وهي من النوع الذي من الصعوبة التصريح به. انها حكاية حب ممنوع في مجتمع كمجتمعنا، واذا توجب علينا أن نكون أكثر دقة، مجتمع كمجتمع تركيا، وإن شئت لنقل كما في أي مجتمع شرق أوسطي بامكانكم اقامة علاقة حب بكل بساطة إلا أن التصريح بها في غاية الصعوبة. ففي مجتمع كمجتمعنا ابان السبعينيات لم نكن قد عرفنا الـ (flört) كما كان شائعا في الغرب وهي فترة التعارف بين الجنسين حيث تتاح لهما الفرصة بالخروج الى النزهة اثناء مرحلة الخطوبة وقبل الزواج، ومن ثم يمكن بلوغ مراحل متقدمة في علاقة التعارف هذه وهي مثلا امكانية ممارسة الحب قبل الزواج .. وموضوعات احتماعية مثل مسألة الحفاظ على البكارة (28).
پاموك كاتب حاذق لا شك وأنه يخطط للبقاء في الأذهان الى 2010 حيث سيأتي أغلب مفكري أوروبا للأحتفاء بمدينته أسطنبول كعاصمة أوربية للثقافة. اذا علمنا أنه أعلن أن (متحف البراءة) كمتحف سيقيمه باموك في ذلك التاريخ تماماً. والى ذلك التاريخ ربما سيخرج لنا باموك اسطورة أخرى جديدة من جعبته.



المراجع والمصادر

(1) شمس الدين سامي (لقبه فراشيري) أديب ومؤرخ عثماني ألباني الأصل ولد في ألبانيا 1 حزيران 1850 وتوفي في اسطنبول في 5 حزيران 1904 وهو مؤلف قاموس الأعلام 1901 وهي أول موسوعة تركية. له أيضا القاموس التركي الفرنسي ، والقاموس العربي التركي . هو وأخوه عبدول فراشيري ألفا أول قاموس في اللغة الألبانية 1886. أما أخوه نعيم فراشيري فهو أحد رواد الشعر الألباني الحديث .
(2) مخطوطة كتاب ده ده قورقوت – ترجمة وتحقيق جلال فتاح رفعت (پولات) وزارة الثقافة / دار الشؤون الثقافية العامة بغداد 2007 ) ص. 7.
(3) يونس أمره : (Yunus Emre) شاعر متصوف عاش في القرن الثالث عشر (1240-1321) حسب مخطوطة ديوانه الشعري المحفوظة في مكتبة بيازيت الحكومية .
(4) كاراجا أوغلان : (Karacaoğlan) (1606-1679) شاعر شعبي جوال عاش في القرن السابع عشر أرتبط اسمه بملحمة الحب الشهيرة (آصلى كرم) في الأدب التركي..
(5) حوار مع (ياشار كمال) في الأدب والسياسة. حاوره فتحي ناجي. نشر في مجلة (آيدنليك) بتاريخ 1-2 مايو 1993.
(6) مجلة (هجه) في عددها الخاص عن الرواية التركية 65/66/67 في 2002)
(7) http://www.radikal.com.tr/haber.php?haberno=131196
(8) لماذا قتل بينرجي نفسه رواية شعرية لناظم حكمت قمت بترجمتها عن التركية ما بين 1974و 1978 عندما كنت في العراق ثم تسربت المخطوطة الى الخارج وقام أحد أصدقائي بنشرها تحت اسم مستعار هو (أوزدمير) صدرت عن دار الفارابي 1981.
(9) رواية ممد الرفيع – الجزء الأول منها صدر في العام 1955 الجزء الثاني 1969 الجزء الثالث 1984
(10) ملحمة شفاهية عرفت بين الناس في بلاد الأناضول منذ أربعة قرون خلت كملحمة شعبية عن بطولات شاعر عرف بلقب كور أوغلو . اختلف الباحثون في تحديد شخصية كور أوغلو ، وهنالك رأيان في هذا الصدد ، الأول يقول أنه كان شاعرا وجنديا من جنود الانكشارية (1578- 1590) وشارك في حملة بغداد في صفوف الجيش العثماني الذي قاده السلطان مراد الثالث لتحرير بغداد، والرأي الثاني يذهب الى أنه هو (علي روشن) من رجال أمير منطقة (بولو= كلاوديوبولس قديما – تبعد عن اسطنبول نحو 260 كم) يغضب الأمير على أبيه الذي كان يعمل سائسا عنده ويعاقبه بأن يسمل عينيه ويرميه في وادي عميق في البرية ، فيثور الابن انتقاما لأبيه. ويذيع صيته بين الناس ويعرف بـ (كور أوغلو = ابن الأعمى) ويتناقلون قصصا عن بطولاته وشجاعته وعدله، يسلب الأغنياء للاقتصاص منهم ويوزع غنائمه على الفقراء. ترسل الإمبراطورية العديد من الفرق لمحاربته إلا أنه ينتصر عليها ويهزمها جميعا. وعندما يكتشف البارود وتستعمل البنادق في محاربته يقول كلمته الأخيرة :
اكتشف البارود فاختل ميزان الشجاعة
فعلى السيف الأعوج أن يصدأ في غمده .
يقولها ويمتطي حصانه الأشهب ويغيب في الوديان بين الجبال . ويظل الناس في المنطقة الممتدة من البلقان الى أواسط آسيا يرددون أشعاره ويصوغون قصصا بطولية خارقة ينسبونها إليه ، ويحكون عن قصة حبه مع الجميلة (نيكار هانم) وتضحياته من أجل هذا الحب.
(11) الرواية التركية باتجاه الريف .كوندوز آقينجي . سلسلة الآداب التركية رقم /17 . جامعة آنقرة/ منشورات كلية اللغات والتاريخ والجغرافيا – سنة 1961 .
(12) قرية تابعة الى قضاء كاش (Kaş) ضمن أعمال محافظة آنطاليا المطلة على البحر المتوسط.
(13) سمّاك هاليكارناس (Halikarnas Balıkçısı) أسم مستعار للكاتب (جودت شاكر كابا آغاجلي) معظم أعماله القصصية والروائية عن صيادي السمك وعوالم البحر الأبيض وبحر إيجة . (1890- 1973)
(14) معاهد الريف أسست في الثلاثينيات في مراكز الأقضية لاستيعاب طلبة الأرياف. ألغيت فيما بعد في منتصف الستينيات. مهمت بايراك : معاهد القرى وأدب الريف / دار نشر اوزكة - آنقرة . 2000
(15) برونو آرتشيريو - مقابلة صحفية مع محمود ماكال في مجلة L’europa letteraria e artistica 1975
(16) أنظر حديث الكاتب والموسيقي والمخرج السينمائي زولفو ليفانلي في لقاء تلفزيوني لقناة (Kanal-D) بتاريخ 28/11/2007 في برنامج نظرة شابة. أجري الحوار بحضور آلاف من الطلبة ونقل مباشرة من قاعة جامعة (انادولو) في مدينة أسكي شهر/ تركيا .
(17) الارهاب الانفصالي في عهد أوزال . تأليف نوزات بولوجيراي. منشورات دار تكين . الطبعة الأولى 1992.
(18) في 2 تموز 1993 كان هنالك مؤتمر ثقافي وفكري عن حياة وآثار الشاعر المتصوف (بير سلطان عبدال) في فندق ماديماك الكائن في مركز محافظة سيواس ، ولم تكن هنالك أي من المظاهر التي قد يتصور البعض أنها مظاهر تدل على أن المؤتمرين يمارسون أو يصرحون تصريحات منافية للتعاليم الإسلامية حين هجم متزمتون على الفندق أثناء انعقاد جلسة من جلسات المؤتمر وأشعلوا النار فيه بدعوى أن المؤتمرين ملحدون. وحدثت هنالك مذبحة رهيبة حيث قامت الجموع الهائجة بقتل الناجين من الحريق ببشاعة أما رجما بالحجارة أو ضربا بالعصي في مذبحة يندى لها جبين البشرية . 37 من كبار رجال الفكر والأدب قتلوا في هذا الحادث أمام أنظار أرتال من الشرطة . تخلص عزيز نسين من الحرق باعجوبة وعن طريق الصدفة .
(19) توجهات تركيا نحو أقطار الخليج العربي . عبدالزهرة شلش العتابي . دار الشؤون الثقافية العامة 2002 بغداد ص 103- ص 119.
(20) راجع الهامش رقم 3 الحوار نفسه منشور بالتركية على موقع الكاتب : http://www.yasarkemal.net
(21) مئة سؤال في الآداب التركية . رؤوف موتلو آي . الطبعة الخامسة (منقحة) 1981 . الباحث (موتلو آي) يعد الروائي (ياشار كمال) من أبرز كتاب الرواية الريفية ص 184 ، ولم يغير من رأيه على الرغم من أن هذا الكتاب نقح وأعيدت طباعته لخمس مرات . وهذا الرأي أستقيناه اعتمادا على الطبعة الأخيرة من هذا الكتاب. الطبعة الأولى 1969/ الثانية 1970/ الثالثة 1974/ الرابعة 1978 . ولد (رؤوف موتلو آي) في مدينة أسكي شهر 1925 وتوفي في اسطنبول 1995.
(22) اسطنبول بنيت على سبعة تلال .
(23) من أرشيف جامعة بيلكنت . لقاء قصير مع الكاتب (أورهان پاموك) أجرته بينار آكا (PINAR AKA) طالبة دراسات عليا في كلية الآداب التركية بجامعة بيلكنت/ آنقرة . لا توجد أية إشارة الى تاريخ اللقاء وأغلب الظن أن المقابلة أجريت مع الكاتب بعيد صدور روايته (أنا اسمي أحمر). الرابط :
http://www.bilkent.edu.tr/~kanat/k020402.html
(24) الألوان الأخرى . مجموعة مقالات مختارة ولقاءات الكاتب 1999 دار ايليتشم / اسطنبول .
(25) (ANAKRONIK) = ( (UNCHRONICرأينا أن ترجمتها نحو الفارقة التاريخية أقرب الى ما يعنيه الكاتب.
(26) نفس المصدر في الهامش 21 .
(27) لقاء تلفزيوني مع الكاتب (أورهان پاموك) تم بثه من على قناة (NTV-MSNBC) التركية. أجرت الحوار بانو كوفن بتاريخ 02 أيلول 2008. الرابط : http://www.ntvmsnbc.com/news/457412.asp
(28) نفس المصدر السابق .



المصادر التركية :

• Akıncı, Gündüz. Türk Romanında Köye Doğru. Türk Edebiyatı Serisi 17. Ankara: Ankara Üniversitesi Dil ve Tarih-Coğrafya Fakültesi Yayınları, 1961.
• Demirtaş Ceyhun,. Türk Edebiyatındaki Anadolu. İstanbul: Sis Çanı Yayınları, 1996. “Edebiyatımızda Köy, Köylü ve ‘Köy Edebiyatı’ Akımı”. Varlık (Ocak 1995): 39-45.
• Bayrak, Mehmet. Köy Enstitüleri ve Köy Edebiyatı. Ankara: Özge Yayınları, 2000.
• "Abbas Güçlü ile Genç Bakış" programının konuğu Zülfü Livaneli. Program 28 Kasım 2007 Çarşamba gecesi Eskişehir Anadolu Üniversitesi'nden canlı yayınla Kanal D'de 00:15'te.
• Arcurio, Bruno. “Makal’la Bir Görüşme”. Mahmut Makal 7.
• Banu Güven,Orhan Kemale Söyleşi : http://www.ntvmsnbc.com/news/457412.asp
• İnce Memet,1955;
• İnce Memet 2. C 1969
• İnce Memet 3. C 1984
• İnce Memet 4.C 1987.
• 100 Soruda Türk Edebiyatı – Rauf Mutluay. Gerçek Yayınları 5. Baskı Aralık 1981.
• (Behcet Necatigil, Edebiyatımızda İsimler Sözlüğü 158).
• Yaşar Kemal'le Edebiyat ve Politika .. Aydınlık, 1-2 Mayıs 1993 Fethi Naci
http://www.yenisafak.com.tr/arsiv/2002/MAYIS/06/kultur.html
• 65 / 66 / 67 Hece Dergisi - Türk Romanı Özel Sayısı Mayıs -Haziran -Temmuz 2002 : www.hece.com.tr
http://www.radikal.com.tr/haber.php?haberno=131196
http://yasarkemal.net/soylesi/docs/fethinaci.html



جلال فتاح رفعت
كاتب ومترجم من العراق- كركوك
jalalrifat@yahoo.com
أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث