الأحد, 19 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
مقدمة نحو التنويع
ميلان كونديرا- ترجمة جيان
مقدمة نحو التنويع
ميلان كونديرا



- 1 -


عندما إحتل الروس في عام 1968*، بلدي الصغير ، حرمت كتبي كلها من التداول وفجأة فقدت كل الوسائل الشرعية في ضمان عيشي. و سعى عدد من الناس الى مساعدتي. في يوم ما جاءني مخرج مقترحا علي كتابة إعداد مسرحي بإسمه لرواية ( الأبله ) لدوستويفسكي.
وهكذا عدت الى قراءة ( الأبله ) مدركا حتما لو أنني تعرضت الى الجوع ، لا أستطيع القيام بهذا العمل . دوستويفسكي البشري ، المليء بالإيماءات ، والأعماق المظلمة ، والنزعات العاطفية العدوانية تقاومني . ما شعرت به عموما هو ألم لاذع يتعذر تفسيره من الوطان ( الحنين ) الى ( جاك القدري Jacque le Fataliste )
- هلا يمكن أن تفضل ديدرو "1" على دوستويفسكي ؟
- لا. لن يفضل ذلك. من ناحية اخرى ، لايمكن زعزعة رغبتي الفريدة ، وهي البقاء في صحبة جاك وسيّده مادام ذلك ممكنا ، و بدأت في تخطيطهما نماذج في مسرحية من تأليفي.

- 2 –

لماذا الكره الشديد لدوستويفسكي ؟
ألم يكن رد فعل ٍ للجرح التشيكي من جراء إحتلال بلاده ، ومعاد ٍ للروس ؟
كلا. ذلك أني لم أكف عن حب تشيخوف. هل كانت شكوكا بشأن القيمة الجمالية للعمل ؟ كلا ، ذلك بسبب أن كرهي الشديد فاجأني ودون مطاليب مقارنة بالموضوعية .
ما أثار غضبي بشأن دوستويفسكي كان الجو العام لرواياته. الكون البشري حيث كل ما فيه يتحول الى عاطفة ، بكلمات اخرى ، حيث العواطف ترقى الى مكافحة القيمة والحقيقة معا.
في اليوم الثالث للإحتلال ، كنت أقود سيّارة من براغ بإتجاه بوديوفتسه ( المدينة التي وضع فيها كامو ( ألبير 1913 – 1960 ) مسرحيته " سوء التفاهم Le Malentendu ". وعلى طول الطريق ، في الحقول ، في الغابات ، في كل مكان ، كانت هناك معسكرات لقوات المشاة الروسية. في نقطة التفتيش أوقفوا سيارتي . وبدأ ثلاثة جنود في تفتيشها ، وما أن إنتهت عملية التفتيش سألني الضابط الذي أصدر الأمر في تفتيشها ، في الروسية. والسؤال هو الآتي : " Kak churstruetes ? " كيف تشعر؟ ما هي مشاعرك ؟ لم يعن سؤاله لا الحقد ولا تفاهم كبير . " لكن هذا سينتهي في النهاية ! عليك أن تفهم بوضوح أننا نحب التشيكيين. نحن نحبهم ".
الريف مخرّب بسبب آلاف الدبابات ، ومستقبل البلاد مكبل بحل وسط لقرون قادمة. وقادة الحكومة التشيكية معتقلون ومخطوفون ، وضابط من الجيش المحتل يقدّم إليك أعلانا عن الحب ، " رجاء إفهمني ! ". ليست لديه الرغبة في إدانة الغزو ، لا على الإطلاق ، وجميعهم يتحدثون أقل أو أكثر عن نموذج بيئي مختلف : حب غير مرغوب به. لماذا يرفض هؤلاء التشيكيون ( الذين نحبهم الى هذا الحد ) العيش معنا بالطريقة التي نعيش بها ؟ يالها من خسارة ، إننا مجبرون على إستخدام الدبابات لتعليمهم ماذا يعني أن تحب !

- 3 –

لا يمكن للإنسان العمل بدون عواطف ، ولكن في اللحظة التي تعتبر فيها قيما بذاتها ، معيارا للحقيقة وتبريرا لأنواع من السلوك ، تصبح مرعبة. و أسمى العواطف الوطنية تصبح جاهزة لتبرير عظم الرعب ، حيث الإنسان ينضح جسمه عرقا من جراء حماسة شاعريته مقترفا فظاعات مكرسة بإسم الحب.
عندما تحل العواطف بالقوة محل التفكير المنطقي تصبح قاعدة لإنعدام التفاهم وللتعصب. إنها تصبح مثلما عبّر عنها كارل يونغ " البناء الفوقي للوحشية "..
إن تأريخ التعامل مع العاطفة الى درجة التعظيم بعيد للغاية ، وربما حتى اللحظة التي إنسلخت فيها المسيحية عن اليهودية . " أحب ْ الله و إعملْ ما تشاء ! " كما قال القديس أوغسطين . وتوحي المقولة الشهيرة : إنها تنقل المقياس للحقيقة من الخارج ، ( الجوهر ، القانون - ملاحظة المترجم )، الى داخل فضاء الذاتية الإعتباطي وشعور الحب الغامض ( " أحب ْ الله" ( الأموية اليهودية ) لتصبح بالأحرى مقياسا غامضا للأخلاقية ).
إن تأريخ المجتمع المسيحي هو مدرسة قديمة العمر للمشاعر. وعلمنا المسيح وهو على الصليب التمسك بالعذاب ، تعبير فرودسي يكتشف الحب ، لقد جعلت منا العائلة البوروجوازية ِوطانيين للحياة العائلية ، ويستطيع السياسيون الدهماويون تدجين عواطفية النزعة ( الرغبة ) الى السلطة. وهذا هو التأريخ الذي يصوغ في عواطفنا الثروة والقوة والجمال .
لكن بدءا من عصر النهضة وما بعده فإن الأحاسيس الغريبة الآفلة نجومها تم توازنها بروح متممة هي السبب والشك وعن دورهما وفي نسبية الشؤون الإنسانية. عند ذاك بالضبط عاد الغرب الى ماهو عليه.
في إحتفائية خطابية في هارفارد ، حدد سولجنتسين نقطة البداية للأزمة الراهنة لإنحباس الغرب داخل ( عصر النهضة ).
إنها روسيا – روسيا كحضارة مختلفة – تم تفسير هذا والإيحاء به في تقييمه ، وبخصوص روسيا يختلف التاريخ عن تأريخ الغرب وبالدقة تماما في إفتقاده الى عصر النهضة وإلى الروح الناجمة عنه. و لهذا بالذات فإن الذهنية الروسية تحافظ على توازن مختلف بين العقلانية والعواطفية ، وفي هذا فإن التوازن الآخر ( أو اللاتوازن ) نجد فيه أشهر أحجية دينية للروح الروسية ( عمقها ومثلما هي عليه وحشيتها ).
عندما إنهار هذا الثقل للعقلانية واللاعقلانية على وطني ، شعرت غريزيا بالحاجة للإستنشاق بعمق ، روح الغرب ما بعد عصر النهضة. وتبدو هذه الروح أكثر من أي مكان آخر شديدة التركيز في وليمة الذكاء ، و حس الدعابة ( وبالمناسبة هذه الأخيرة هي ملكة عقلية تمكن المرء من إكتشاف المضحكات وتقديرها أو التعبير عنها - ملاحظة المترجم بالإستناد الى " المنجد" ) ، و الخيال ، وهذا هو : " جاك المؤمن بالقدر".


- 4 –


إذا كان عليّ تعريف نفسي ، سأقول إني ِمتعي ( متعلق بالمتعة واللذة ) ووقعتُ في شرك عالم مسيس الى ابعد حدود التطرف ، هذا هو الوضع الذي هو عليه صوّرته في ( المحبات المضحكة ) ، كتابي الموله به شخصيا لأنه يعكس اسعد فترة في حياتي . تزامن غريب : أنجزت ُ كتابة آخر قصص الكتاب ( بعد إنشغالي بها طيلة فترة الستينات ) وقبل ثلاثة ايام من وصول الروس.
عندما نشرت الطبعة الفرنسية له في عام 1970 صنفه النقاد ضمن تقاليد فترة التنوير . وبتأثير من المقارنة ، كنتُ توّاقا لطفولية الى حد ما للتأكيد على أني حقا أعشق القرن الثامن عشر. ولإيضاح الحقيقة ، لا أحب القرن الثامن عشر كثيرا الى الحد الذ ي أخص به ( ديدرو ). و لأكن أكثر صراحة ، احب رواياته ، وأن أكون دقيقا أحب ( جاك المؤمن بالقدر ).
إن مثل هذا الإدراك الحسّي للأعمال الكاملة ل( ديدرو ) قد يكون شخصيا الى حد بعيد ، لكنه ليس كذلك ، وربما غير مبرّر.
يمكن لنا العمل في كتابة مسرحية دون ديدرو . نستطيع ذلك ، إذا كان علينا فهم تأريخ الفلسفة دون قراءة مقالات الإنسكلوبيديين العظام. ولكن - وهنا أؤكد - على أن تأريخ الرواية سيكون ناقصا ولايمكن فهمه دون ( جاك القدري ). وهكذا يمكن القول بقدر ما ، إن هذا العمل ، على وجه الحصر ، عانى ( كجزء من آثار ديدرو الموّثقة ) ، من الإمتهان، أكثر من أية قرينة في الرواية العالمية. وعظمته الحقيقية واضحة فقط في العلاقة مع دون كيخوت أو توم جونز ، أو أوليسيس أو فرديدوركه. لكن عند المقارنة مع فعاليات ديدرو الأخرى ألا تبدو ( جاك القدري ) محض تسلية ؟ ألم يكن متأثرا بقوة ، بنموذجه العظيم للورنس ستيرن " 2 " تريستام شاندي ؟


- 5 –


كثيرا ما أسمع ما يقال إن الرواية إستنفدت كل إمكانياتها. ولدي إنطباع مقابل : خلال أربعة قرون من تأريخها إفتقدت الرواية كثيرا من إمكانياتها : تجنبت كثيرا من الفر ص العظيمة و سبل عديدة منسية ، ودعوات لم تسمع.
تريستام شاندي هي واحدة من تلك الفوضى العظيمة الضائعة. الرواية التي خلقت قدوة هي الأكثر شبها ب( صاموئيل ريتشارسن ) الذي إكتشف الإمكانيات النفسية ( للرواية – ملاحظة المترجم ) في شكل رسائليّ. من ناحية أخرى ، أبدت إهتماما ضئيلا تجاه وجهة النظر المتضمنة في عمل ستيرن.
تريستام شاندي هي حرفة روائية. ويمعن ستيرن النظر في الأمر على مدى أيام بتصورات ومعارف بطله وميلاده فقط الى حين التخلي عنه بوقاحة لكن بإستمرار حتى اللحظة التي يدخل فيها الى العالم : إنه يمازح قارءه فاقدا طريقه في إستطرادات بلانهايات . فهو يبدأ في حادثة عرضية ، دون أن ينتهي منها ، إنه يقحم التكريس والمقدمة وسط الكتاب وهكذا دواليك وهكذا دائما.
بإختصار : لايقيم ستيرن بناء قصته وفقا لمبدأ وحدة العمل ، حيث يتضمن كنتيجة منطقية ، الأخذ بنظر الإعتبار ، الفعلي في الفكرة الوحيدة للرواية ، بالنسبة إليه ، أي أن تلك الحرفة العظيمة في إبداع الشخصيات ، تعني حرية لامحدودة في المصطلح الشكلي للإبداع.
في دفاعه عن ستيرن كتب ناقد أميركي : " تريستام شاندي ، رغم أنها مسرحية هزلية ، هي عمل جاد، وهي جادة طيلة الوقت ". بحق السماء ما المعني أنها هزلية جادة إن لم تكن ذلك ؟ بالرغم من أن الجملة التي إقتبستها فارغة من المعنى ، هي نموذج أمين للهلع الذي يستحوذ على النقد الأدبي حين يكون عليه مواجهة شيء ما لا يظهر إنه جاد.
دعني اقول بصراحة ، ما من رواية جديدة بالإسم تتناول العالم بصورة جادة. وأكثر من هذا ما الذي تعنيه " تناول العالم بصورة جادة " ؟ المعنى بالتأكيد هو الآتي : التصديق بما يشاء منا العالم التصديق به ، بدءا من دون كيخوت الى اوليسيس. تحدث الرواية ما يشاء من العالم التصديق به.
ولكن يمكن لأحد ما الإجابة : تستطيع الرواية رفض التصديق بما يوحيه إلينا العالم ، التصديق به في حين تحتفظ هي بإيمانها ضمن حقيقتها الخاصة. وليست هي بحاجة الى تداول العالم بصورة جادة لتكون بنفسها جادة.
و إذن عليّ أن أسأل : " ما الذي يعنيه " أن تكون جادا ؟ الإنسان جاد إذا ما كان مؤمنا بما يريد من الآخرين الإيمان به.
هذا بالذات ما لم تفعله " تريستام شاندي ". و" تريستام شاندي " غير جادة في كل مكان : ولاتجعل منا مؤمنين بأيّ شيء. لا في حقيقة شخصياتها. ولا في حقيقة مؤلفها ، ولا أيضا في حقيقة الرواية كنوع أدبي. كل شيء فيها يدعو الى التساؤل ، كل شيء فيها معرّض الى الشك . كل شيء فيها هو تسلية ( تسلية دون خجل ) – ومع كل شيء يندرج ضمنا في شكل الرواية .
إكتشف ستيرن الإمكانيات الهائلة للإرث الهازل للغاية في الرواية وفتح بذلك طريقا جديدة لنشوئها ، ولكن ما من أحد تبعه ، ما من أحد سوى ديدرو. هو وحده المتفتح الأسرع لهذه الدعوة الى التجديد. ولذا من السذاجة تكذيب مصداقيته. ما من أحد يشكك بأصالة روسو أو غيته على أساس أنهم مدينون بقسط كبير( هم ونشوء تطور الرواية عموما ) الى سذاجة ريتشاردسن العجوز. إذا كان التشابه ما بين ستيرن وديدرو ملفتا للنظر الى هذا الحد ، فإنه فقط بسبب أن مشروعهما المشترك بقي معزولا بكل ما في الكلمة من معنى في تأريخ الرواية .

- 6 -

ليست الإختلافات ما بين ( تريستام شاندي ) و ( جاك القدري ) أقل أهمية من التشابهات.
أولا ثمة إختلاف في المزاج أو الحساسية البالغة : ستيرن بطيء ، ونهجه نوع من الإعلانية ، ووجهة نظره هي تلك الميكروسكوبية – المجهرية ( يمكن له وقف الزمن وعزل اللحظة المنفردة من الحياة ، كما فعل جويس لاحقا ).
ديدرو سريع ، و نهجه نوع من التعجيل : وجهة نظره هي تلك التلسكوبية ( مقرابية ) – أعرف أنه ما من إفتتاحية لرواية أكثر فتنة من الصفحات الأولى ل( جاك القدري ) : مناوبة الفنان في تسجيل تعاقب الحس بإيقاعات السرعة الفائقة للجمل الأولى.
هناك أيضا فرق في البنية : ( تريستام شاندي ) هي مناجاة للنفس ، كلام الشخص الراوي ، تريستام نفسه ستيرن موسوس شديد التدقيق ، متابعا أغرب ما يسفر عنه شروده الذهني في مجرى مسيل الأفكار.
يستخدم ديدرو خمسة رواة : كل منهم يقاطع الآخر للإدلاء بقصص الرواية : المؤلف نفسه ( في حوار مع قارئه ) ، السيد ( في حوار مع جاك ) ، جاك ( في حوار مع سيده ) ، صاحبة النزل ( في حوار مع نزلائها ) ، ثم ماركوس دي آرسيس . Marquis des Arcis والمكيدة المهيمنة في كل القصص المنفردة هو الحوار ( فائق الفتنة و الذي لايجارى ). و لكن منذ أن يبدأ القصاصون حواراتهم في حوار ( الحوارات التي توائم حوارات أخرى ) ، ليست الرواية ككل سوى أنها محادثة ضوضائية وكبيرة .
هناك أيضا فرق في الروح : بارسون في كتاب ستيرن هو حل وسط ما بين روح التفكير الحر وروح العواطفية ، وطان لذكريات العربدة الرابلية ( نسبة الى فرانسوا رابليه - ملاحظة المترجم ) في حجرة فكتورية متواضعة .
إن رواية ديدرو هي إنفجار حرية عشوائية دون قيود شخصية ، من تهيّج جنسي دون أعذار عاطفية .
ختاما ثمة إختلاف في درجة الوهم الواقعي : ستيرن يعطل تقسيم الوقت الى فترات ( الكرونولوجيا ) لكنه يرسي الأحداث بثبات في الزمكان ، شخصياته غريبة ، لكنها متوائمة مع كل ما هو ضروري لجعلنا نؤمن بواقعية وجودهم.
يبدع ديدرو فضاء ً ، لم يكن مرئيا من قبل في تأريخ الرواية ، مرحا دون جاهزية المسرح. من أين جاءت الشحصيات ؟ نحن لانعرف. ما هي أسماؤهم ؟ هذا أمر ليس من شأننا. كم هي أعمارهم ؟ كلا ، لايقوم ديدرو بأي شيء يجعلنا نؤمن في أن شخصياته موجودة فعليا في لحظة محددة. في كامل التأريخ العام للرواية يمثل ( جاك القدري ) الى أبعد حد ، الرفض التام للوهم الواقعي وجمالية الرواية النفسية psychological .


- 7 –

إن الطريقة التلخيصية لفهم المواضيع هي إنعكاس وفي عميق الجذور للنزعات في وقتنا الحاضر. مما يجعلني أفكر أنه في يوم ما سوف تعاد كليا كتابة كامل الآداب الماضية و ُتنسى كليا ما بعد إعادة الكتابة . إن إعداد الروايات العظيمة للشاشة السينمائية والمسرح ليست هي أكثر من نوع من التلخيصات للقاريء.
لا تدافع وجهة نظري عن عذرية الأعمال الفنية المقدّسة الى أبعد الحدود. حتى شكسبير أعاد كتابة أعمال أبدعها آخرون غير أنه ، على أية حال ، لم يكيفها : إستخدام العمل كفكرة في أعماله المتنوعة التي كان فيما بعد الكاتب المنفرد المستقل لها.
إستعار ديدرو من ستيرن كامل قصة جاك بعد جرحه في الركبة ، محمولا بالكارة ( عربة بدولابين يجّرها حصان – ملاحظة المترجم ) تحت رعاية إمرأة جميلة. ولكن فيما كتبه لم يقلد كما لم يكيّف معا ، وكتب ما هو مختلف وعلى أساس فكرة ستيرن الرئيسية.
من ناحية أخرى تكون إعادة كتابة آنا كارنينا مرئية ً على المسرح أو على الشاشة هي تكيّفات ، وهذا إختزال. وكلما حاول المكيِّف الحفاظ على سرّية أكثر مختبئا وراء الرواية ، كلما إزدادت خيانته لها. وفي إختزالها يحرّم ، كنسيا ً ، ليس فقط جمالها ولكن معناها أيضا.
ولكي لا نبتعد أكثر لقد إستوضع تولستوي تقنية الفعل الإنساني في طريقة جذرية جديدة في تأريخ الرواية : إكتشف الأهمية الحاسمة بشأن المراوغة المنطقية المسبِّبة في إتخاذ القرار ، لماذا أرادت آنا كارنينا الإنتحار ؟ يمضي تولستوي الى الحد الذي يستخدم فيه الحوار الداخلي تقريبا - جويسيّ joycean " 4" ، ليرسم الخطوط الكبرى لشبكة الحوافز غير العاقلة التي تدفع البطلة الى الإنتحار. كل تكيّف لهذا الرواية ضروري وفقا لطبيعة الفهم التلخيصية ، هو محاولة تفسير سبب تصرف آنا بوضوح ومنطقيا ، وعقلنة الموضوع تجعل التكيّف هكذا إنكارا للنقاء و البساطة ، لأصالة الرواية .
وبالعكس : إذا ما بقي معنى الرواية حيّا فإن عملية إعادة الكتابة ، هي برهان غير مباشر للرواية وكونها معتدلة الجودة. في جميع الآداب ثمة روايتان يتعذر إختزالهما بكل معنى الكلمة ، وعموما غير قابلتين تماما لإعادة كتابتها : تريستام شاندي و ( جاك القدري ). كيف يمكن للواحد تفسير مثل هذه الفوضى الرائعة وأن يخلف وراءه شيئا ما ؟ ما الذي يترك ؟!
يستطيع ، حقيقة ً ، أحد ما تحويل قصة مدام de la Pommeraye الى مسرحية أو فلم . وحدث هذا في الواقع . لكن ما أسفر عن ذلك كله هو إبتذال حكاية باردة يعوزها الجمال. وطريقة القص التي روى بها ديدرو الحكاية غير منفصلة عن جمالها :
1 - إمرأة الناس ذات مسلسل من علاقات منطقية أخذت مكانها في وضع إجتماعي خارج معرفتها له ، و 2 - كل إمكانيات التماثل الميلودرامي مع الشخصيات هو تعارض مع حقيقةٍ هي أن الحكاية كانت مرة تلو الأخرى وفي تطابق منسجم تقاطع بحكايات أخرى وملاحظات ، و 3 - إعادة نظر مستمرة ، وتحليل نفسي ، ومناقشة ، ولكن 4 - كل واحد من المعلقين يستنتج خلاصة مختلفة ، ومنذ ذلك الحين وقصة هذه المدام هي ضد العقلانية.
لماذا الخوض في كل هذا ؟ ذلك لأنني أرغب أن أصرخ مع السيّد جاك ، " الموت لكل من يجرؤ على إعادة كتابة ما سبق أن كتب... ليتم خصيهم وتقطع آذانهم ! ".

- 8 –

طبيعي لابد من القول إن جاك وسيّده ليست تكيفا ، أعترف أنها مسرحيتي ، إنها ملكي " شكل مختلف عن ديدرو " أو ، منذ أن كانت تخيلا في إعجابي ب" ديدرو المبجل ".
هذا " الشكل المختلف – الإجلال " يمثل تضادات متعددة : تضاد بين كاتبين ولكن أيضا بين قرنين ، وبين الرواية والمسرح. وكان شكل العمل الدرامي ولازال قسطا جيدا أكثر صرامة ومعياريا من ذاك الروائي. لم يكن لدى المسرح بالمرة لورنس ستيرن. ومن المحال أن أمنح مسرحيتي الهزلية الحرية التقليدية التي إكتشفها ديدرو الروائي ولم يعرفها أبداً ديدرو الكاتب المسرحي. كتبت ُ وليس تبجيلا لديدرو بل وتبجيلا للرواية. هذه هي بنيتها: على قاعدتها الهشة - جاكوب وسيّده تستند الى ثلاث قصص حب ، عن السيد ، عن جاك ، عن السيدة de la Pommaraye . بينما القصتان الأوليتان رخوتان ( الثانية فقط رخوة للغاية ) ذات علاقة بما تسفر عنها الرحلة الثالثة ، والتي تصادر تماما الفصل الثاني ، ومن وجهة النظر التقنية بوضوح وبساطة هي حكاية ( غير مندمجة ) كما هي عليه في داخل الحدث الرئيسي : إنها خرق واضح ل( قوانين ) البناء المسرحي . لكن ذلك هو ما إستندتُ إليه في رهاني:
إنكار للوحدة الصارمة في الحدث ، وكنت أقصد إبداع تلاحم تام بأساليب أكثر حذاقة : و بالأحرى في تقنية تعدد الأصوات تتمازج ( القصص الثلاث أكثر مما تقال على التعاقب ) ، وتقنية الإختلاف في الشكل ( كل من القصص الثلاث هي في الواقع تغيّر مختلف عن الأخريات ). ( وهكذا فإن هذه المسرحية ، مثلما كانت عليه ، سبع سنوات ماضية روايتي " كتاب عن الضحك و النسيان " ..).

- 9 –

بالنسبة لكاتب تشيكي في عام 1970 ، كان غريبا التفكير في أن ( جاك القدري ) ( كتبت أيضا في السبعينات ) ولم تطبع أبدا اثناء حياة كاتبها و نها وزعت في نسخ مخطوطة ما بين مشاهدين خاصين. ما كان مقبولا في أيام ديدرو وبعد مائتي سنة من ذلك ، أصبح في براغ ، لكثرة من الكتاب التشيكيين المهمين - الممنوعين عن النشر - ممكنا لهم رؤية أعمالهم ، فقط ، في نسخ مكتوبة على الآلة الكاتبة. بدأ ذلك مع الغزو الروسي ، ويستمر الى الحاضر ، وفي النظر الى الأشياء هنا ثمة ما يقال :
كتبت ُ جاك وسيّده ولمتعتي الخاصة وربما بفكرة غير واضحة في أنها قد تعرض في يوم ما على مسرح تشيكي بتوقيع إسم مستعار. و بطريقة التوقيع زينت النص بتذكيرات عديدة من أعمالي السابقة ( دور آخر ، إختلاف آخر ! ) : جاك و سيّده صديقان حافلان بالذكريات في " التفاحة الذهبية للرغبة الخالدة " ( المحبات المضحكة ) ، وثمة وهم ل ( الحياة في مكان آخر ) و أيضا آخر في ( وداعا للحزب ). أجل كانت هناك ذكريات حافلة ، وكامل المسرحية كانت وداعا لحياتي ككاتب " وداعا في صيغة تسلية ". ورواية " وداعا للحزب " التي أنجزتها في نفس الوقت تقريبا ، كان يجوز أن تكون آخر رواياتي. وعلاوة على ذلك بقيت ُ حيّا خلال " تلك الفترة بلا إحساس بالمرارة ، بلا إنهزام شخصي ، وإندمج توديعي الخاص كليّا بآخرهائل ، بوداع عظيم آخر كان أبعد مما تصورت .
مواجها الليل الروسي الأبدي ، لدي تجربة في براغ أن نهاية العنف في الثقافة الغربية مثلما كان قد فهم عنها في مطلع العصر الحديث ، نشأت على أساس الفردية ومبررها ، وتعددية الأفكار ، وعلى التسامح ، في بلد غربي صغير جربت نهاية الغرب. كان ذلك الوداع الحاسم.

- 10 –

مع قروي أميّ كخادم ، إستعد دون كيخوت ذات يوم الى بدء معركة مع أعدائه. بعد مائة وخمسين عاما ، حوّل توبي شاندي حديقته الى نموذج بالحجم الطبيعي الى ساحة معركة ، كرس فيها وقته للإستغراق في الذكريات بما يخص شبابه في الخدمة العسكرية ، ملازما بإخلاص العريف ترم Trim . كان ترم مترهلا في مشيته ، يشبه جاك الى حد كبير ، والذي بعد عشر سنوات خدم سيّده في سفرهما. كان ثرثارا وعنيدا مثلما كان عليه الجندي شفيك. وبعد مائة وخمسين عاما ، كان يسلي ويرهب سيّده الملازم ( لوكاش ) في الجيش النمساوي – المجري . بعد ثلاثين سنة من ذلك ، بإنتظار غودو ، فلاديمير وخادمه لوحدهما على مسرح العالم الفارغ . و إنتهت الرحلة.
شق الخادم وسيّده طريقهما خلال كل التأريخ الحديث للغرب . وفي براغ ، مدينة الوداع ، الحاسم ، سمعت ضحكهما المهووس بحب وألم ..
وتشبثت ُ بذلك الضحك مثلما يتشبث الواحد بالقشة ، أشياء قابلة للفساد ، الأشياء التي أدينت دائما.

باريس – تموز / يوليو 1981


إحالات المترجم :

1 – دنيس ديدرو 1713 – 1784 : فيلسوف وكاتب فرنسي ، ناقد فني وبالدرجة الأولى إنسكلوبيدي في معارفه. لديه تفاؤل متناغم مع أفكارعامة جادة مثمناً الحياة ومؤمناً كلياً بالمستقبل والتقدم. ( القاموس الكبير باللغة التشيكية . صفحة 321 ).
2 – لورنس ستيرن 1713 – 1768 كاتب إنكليزي عرف في حياته الزوجية أنه غير سعيد لعلاقاته بنساء أخريات ( يوميات أليزا – يوميات الى أليزا - ومن أهم أعماله الأدبية رواية ( حياة وآراء السيد تريستام شاندي ).
3 – رابليه 1494 – 1553 مترجم عن اللاتينية وطبيب ومؤلف فرنسي. له ( غارغنتوا و بانتاغريل - الحكايات النثرية في مطلع عصر النهضة ، قائمة على أساس فكرين متضادين عالميين : فكر العصور الوسطى ، الفرنسي ، وفكر عصر النهضة وإنعكاسهما في الثقافة ، و تمتزج الواقعية والسخرية بعفوية في نثره في طريقة هزلية زاخرة ( كاريكاتورية ). إنتقد الكنيسة ، مثلما سخر من العناية الفائقة بقوة المثال للفارس الذي مجدته روايات القرون الوسطى ، كان مؤمنا بالحرية و المجتمع ومدافعا عن الحكمة الشعبية والتفاؤل بالطبيعة.
4 – نسبة الى جيمس جويس.



* كتب ميلان كونديرا هذه المقدمة لمسرحيته " جاك وسيّده " .

جيان
من رواد الادب العراقي الحديث

مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

أضف تعليقك
* اسمك :
* عنوان التعليق :
* نص التعليق :
حرف متبقي للمشاركة
كود التحقق:
* ارقام و أحرف كود التحقق:
القائمة الرئيسة
البحث