الإثنين, 16 تموز 2018
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
ليلى و القرد/1
سعد هادي
ليلى و القرد/1


ليلى و القرد

سعد هادي



رواية

نشرت الطبعة الأولى لهذه الرواية في دار نينوى- دمشق 2005

(( وعلى حافة غدير غير صافٍ رأى عجوزاً يبدو مستغرقاً في تأمل الماء واقترب منه يدفعه الفضول إلى أن يرى ما ينظر إليه بهذه الدرجة من الاهتمام فلم ير شيئاً اللهم إلا الماء الذي يجري وسأله في دهشة :
- ما الذي تنظر إليه يا جدي ؟
ورفع العجوز رأسه بابتسامة حزينة وقال :
- انظر إلى حياتي التي تجري وتضيع ، حياتي التي تجري وتضيع .
فرد عليه :
- لا تغتم يا جدي فهي تعرف بنفسها إلى أين تذهب ، إلى البحر ، فكل حياة تذهب إلى البحر .
وتنهد العجوز قائلاً :
- نعم يا بني ولهذا السبب اصبح البحر مالحاً ، صنع من دموعنا .
ثم اطرق ينحني مرة أخرى على الماء الذي يجري . ))

كازانتزاكي / الأخوة الأعداء



الى : سهيل سامي نادر

(1)
استيقظت أنا أولاً ونظرت بعينين مجهدتين من النافذة، رأيت جداراً صخرياً وشلالاً وأشخاصا يتحركون في الظلمة والضباب بموازاة حاجز حديدي.
كان موسى ما يزال نائماً، يتكور فوق المقعد مثل صرة من العظام. همست في أذنه:
- موسى... وصلنا، انهض .
رد علي بنفثة من زبد وشخير ، نظرت إلى المقعد المجاور، فوزية نائمة أيضاً إلى جانب زوجة أبيها التي سقطت عباءتها عن كتفها، قلت مع نفسي:" لأدع الجمال نائماً للحظات" واتجهت مترنحاً، نصف نائم بين المقاعد إلى الباب الخلفي. كانت الحافلة تقف مع حافلات أخرى فوق مرتفع شاهق، بدت أضواء القرى المتناثرة بعيدة واختلطت الظلمة بالإنكسارات والإلتواءات والكتل الحجرية أما الشلال فكان ينحدر من قوس صخري كبير ويتجمع الماء المندفع بسرعة وقوة في بركة يحيط بها حاجز حديدي ويتطاير رذاذ كثيف منه على وجوه المارة وثيابهم وتسيل جداول منه على الطريق الصخري .
هبط المسافرون من حافلاتهم، اتجه بعضهم إلى المقهى التي تميزها واجهة زجاجية مضاءة وتوقف بعضهم الآخر ليقضي حاجته خلف الصخور او ليعدل هندامه او ليتأمل ظلال القرى البعيدة، اتجهت أنا أيضا إلى المقهى. كان ثمة رجل أحدب عند الباب يرحب بالقادمين من خلال مكبر صوت يدوي وذلك ما فعله حين دخلت المقهى ثم انحنى ليهمس في أذن رجل يجلس إلى جانبه وضحكا معا. جلست في ركن منعزل وطلبت شايا وأردت التدخين فلم اعثر على علبة ثقاب وقبل أن أغادر لمحت موسى خلف الواجهة الزجاجية ، بدا مثل طفل ضائع.

*
حين صعد إلى الحافلة قبل أن تنطلق من محطتها الأولى بدقائق أحدث فيها ما يشبه الزوبعة وظل يصرخ ويؤنب شخصاً اعتقدناه من نسج خياله ثم صعد ذلك الشخص وكان كهلاً بديناً وجلس إلى جانبه واتضح من خلال مونولوج موسى الطويل إنه مكلف بإيصاله إلى أقرباء له في اسطنبول ثم سكت فجأة ونام واستيقظ بعد نصف ساعة بينما كانت الحافلة تسعى في أريج ليلة غرائبية من الليالي الألفية المتكررة للمدينة التي لن نستطيع مفارقتها برغم ابتعادنا عنها ليشتم الرجل الذي ظل صامتاً ويطلب من السائق التوقف لأن (الأفندي) يشعر بالغثيان وسيفعلها في سرواله. بعد ذلك توقفت الحافلة مرات عدة وفي كل مرة كان موسى يهرول إلى الخارج معتذراً للجميع جاراً صاحبه كما يجر ثور من قرنيه. عند الفجر وفي مقهى صغير قرب الموصل تركنا الرجل وأقنعه موسى بالعودة إلى بيته إذ قد يقتله الإسهال ، اقتنع الرجل بعد لأي لكنه حين تحركت الحافلة بدأ يبكي ولوح لنا وظل يلوح ثم انهار على مقعد قريب واستمر يتضاءل ونحن نبتعد الى أن اختفى.
*
طلب مني موسى أن أنتقل إلى جانبه حين كنا في المركز الحدودي. سألني:
- إلى أين ستذهب؟
قلت:
- إلى إيطاليا لدراسة الرسم.
أخرج ورقة وقلماً وطلب مني أن أخطط صورة سريعة له ولكن شرطياً صرخ بإسمي فذهبت وعدت بسرعة .
- ها... ماذا حدث؟
- لا شيء ، سألني ضابط الأمن سؤالاً واحداً: كم تحمل معك من النقود؟
جلست أمامه وبين يدي القلم والورقة. كان ذا رأس كبير لا يتناسب مع جسمه الشبيه بجسم طفل، شعره كث، نصف أشيب وعيناه مدورتان تخفيهما نظارة سوداء رقيقة أما رقبته فمجعدة مثل رقبة ديك. لم يكن وجهه غريباً لكني لا أتذكر أين رأيته، ربما حدث ذلك قبل أن يتغير شئ ما في ملامحه.
رسمت دائرة في منتصف الورقة وقبل أن أضيف خطاً آخر صرخ الشرطي:
- موسى حسين.
ذهب مهرولاً وحين عاد قال:
- كنت أخشى أن يسألني عن هذا.
وأشار إلى كيس ورقي صغير يظهر منه غلاف دفتر مدرسي ثم انشغلنا بالحديث ونسينا أمر الصورة وحين صعدنا إلى الحافلة جلست إلى جانبه، ظل لبضع لحظات يتمتم بغموض كأني لست موجوداً. حين التفت إلى المقعد المجاور اكتشفت وجه فوزية الساحر، إلتفتت هي أيضا وإبتسمت فأصابني مسٌ.

*
بدا الطريق أمامنا مثل رقائق متصلة من الطين الاصطناعي، متعرجاً ، يتلوى ويتداخل مع مساحات وخطوط ورقائق من ألوان أخرى. الشمس ساطعة والهضاب الخضر تتوالى، تعلوها أو تحاذي سفوحها بيوت من الحجر، هناك أيضا قطعان ماشية تمر ببطء وقرويات يسترحن في ظلال الاشجار أو يحملن جرادل ماء أو صرراً قماشية ولى الجانب الآخر شاحنات قديمة تأتي من بعيد وهي تطلق دخانها في الفضاء.
أنظر مثل طفل الى كل شيء، أحاول أن أستعيد توازني وربما ستمر أيام عدة قبل أن أنسى اللحظة الاولى التي إجتزنا فيها المركز الحدودي التركي، اللحظة التي أنتظرتها منذ سنين، لم تكن كما تخيلت، لا لذة فيها ولا مفاجأة، كانت لحظة طويلة ملغزة أقرب الى طعم الرماد ولونه من أي طعم ولون آخرين، ستظل تتكرر فيها وجوه جنود ذوي خوذ كالحة يحملون البنادق بموازاة خصورهم استعداداً لأي طاريء، جنود صغار لوحتهم الشمس، بوجوهٍ إسمنتية، ضجرة، تحدق بلا اهتمام في الحافلات الآتية والذاهبة التي تعبر جسر إبراهيم الخليل، وقد ترتفع يد أحدهم لتؤشر أو لترد التحية ولكنها تعود بسرعة إلى موضعها .
بعد بضعة أمتار توقفت الحافلة وصعد إليها حشد من الصيارفة، جميعهم في ثياب رثة، يحملون رزماً من النقود من كل الفئات والأشكال ويرطنون بالعربية والتركية والكردية، ويبدو إن بضاعتهم كانت كاسدة برغم صخبهم إذ توقف السائق فجأة وبدأ يصرخ وأجبرهم على النزول فوقفوا على جانب من الطريق يودعون حافلة البخلاء بأفضل ما لديهم من أصوات وإشارات وشتائم واستمرت الحافلة بعد ذلك في تقدمها بين مناظر سريعة لقرى ومدن صغيرة تبدأ وتنتهي بتمثال صغير لأتاتورك. ثم جاء الليل ونام الجميع إلا فوزية التي ظلت ساهرة تقشر البرتقال وتزدرد حبات الفستق وتبادلني النظرات في الظلام .

*
اجتزنا قرية صغيرة عند سفح جبل، بدت كأنها مهجورة إلا من بضعة شيوخ وعجائز يجلسون عند أبواب بيوتها أو يتسكعون منفردين في شوارعها.
على مشارف القرية إستوقفتنا فرقة من الموسيقيين الجوالين، صعدت إلى الحافلة وبدأت بلا مقدمات مهرجانها. كان موسى نائما، فتح عينيه بصعوبة ونظر باستغراب إلى ما يجري ثم عاد لينام وتصاعد شخيره برغم إن الحافلة أصبحت مثل صندوق موسيقى: أغنيات، سماعيات، الحان راقصة، أناشيد، إبتهالات، أدعية، تراتيل، صرخات، حشرجات تنهي فاصلاً وتبدأ بعد لحظة فاصلاً آخر.
كانت الفرقة مؤلفة من ثلاثة عازفين على الرق والكمان والناي ومن مغنٍ كهل ذي صوت أنثوي، جمعوا ما جادت به أيادي الركاب من نقود وتركوا الحافلة ليقفوا على الجانب الآخر من الطريق بإنتظار حافلة أخرى. بدا الكهل وهو يتقدمهم بأسمال سود وقوراً مهيباً كأنه يتقدم جنازة .
قلت لنفسي حين رأيته يعد القطع المعدنية باصابع تشبه اصابع المرابين: لعله سيتملص من اتباعه بعد قليل ويهرب بالنقود الى أقرب حانة.
سألني موسى حين استيقظ:
- هل كنت احلم أم إن أحدهم كان يغني؟
قلت :
- لا أحد... ربما كنت في كابوس .
شرب جرعة ماء ومدَّ رأسه في الفراغ بين المقعدين الأماميين فوجد الرجل الذي أراد أن يسأله نائما أيضا. نام بعد ذلك نوماً متقطعاً وإستيقظ تماماً حين وصلنا إلى قرية مغبرة تشبه قبراً كبيراً. سألته:
- هل تنام هكذا دائماً؟
فقال:
- لا أعرف ولا أريد أن أعرف
اضاف بعد قليل:
- عليك أيضاً وأنت معي أن لا تسأل كثيراً، إستمع وشاهد وإلا فأسكت.

*
مرت فوزية أمام المطعم وأشارت لي بغموض كأنها تقول: اتبعني.
قلت لموسى:
- سأعود بعد دقائق.
وإتجهت إلى الخارج. تظاهر موسى أنه لم يبصر شيئاً.
لم أعثر على فوزية بين الواقفين أمام الدكاكين القريبة من المطعم ولم تكن في الحافلة ولم تكن في أي مكان آخر ثم رأيتها تعود من دورة المياه مع زوجة أبيها، أوصلتها إلى المطعم وعادت. إنها تقف الآن أمامي في ملابس سود، قميص خفيف وتنورة قصيرة وسروال ضيق يضغط على ساقيها المكتنزتين.
سألتني:
- هل لديك سكائر؟
قلت:
- نعم، هل تدخنين في الشارع ؟
قالت:
- المهم أن لا تراني زوجة أبي.
سارت إلى جانبي في صمت. وجهها صلب، حاد الملامح وثدياها مرتفعان وثمة عطر خفيف ينبعث من ثيابها اكاد اعرفه. جلسنا على مصطبة خشبية أمام بيت في زقاق بعيد وبدأنا ندخن. سألتها:
- هل تدخنين منذ زمن طويل؟
- منذ أن كنت في العاشرة، لا تسألني كثيراً، أريد أن اركِّز وأنا أدخن.

كانت تدخن بسرعة وشراهة .
- هل أنت مستعجلة ؟
- أخاف أن يرانا أحدهم.
- سنعود من طريقين مختلفين.
- لا أقصد ذلك، أنا متوترة قليلاً، أتدري كيف أستمتع بالتدخين عادة؟
لم تترك لي فرصة للاجابة بل قالت:
- أستلقي على فراشي وحيدة وأرحل مع أفكاري وهمومي.
نهضت فجأة، ألقت بعقب السيكارة وداست فوقه.
- سنلتقي في المحطة التالية وسنكرر ما فعلناه.
أضافت وهي تبتعد:
- أرجو أن تبقى هنا حتى أصل إلى الحافلة، قد يرانا أحدهم.

القائمة الرئيسة
البحث