السبت, 18 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
محمد المنسى قنديل: جيلنا تواطأ مع الأنظمة الفاسدة
حوار: علا الساكت
محمد المنسى قنديل: جيلنا تواطأ مع الأنظمة الفاسدة
محمد المنسى قنديل



المنسى قنديل
عاد الكاتب محمد المنسى قنديل بعد سنوات من الغياب عن الساحة الأدبية المصرية برواية «يوم غائم فى البر الغربى» التى تصدر قريبا عن «دار الشروق»، ورسم فيها مصر فى بدايات القرن التاسع عشر.
اختار قنديل هذه الفترة التاريخية بدقة، إذ قال: «نحن كمصريين كنا طوال الوقت مجرد أرقام عبثية، فيقال مثلا إن مائة ألف مصرى ماتوا فى حفر قناة السويس، وأودت الكوليرا بحياة 300 ألف مصرى لأننا لم نكن سوى أرقام. لكن فى مطلع القرن التاسع عشر حاول الناس أن يبدوا كذوات متفردة وليسوا مجرد أرقام، وفى هذه الفترة بدأ البحث عن جذور الشخصية المصرية وبدأت الهوية القومية فى الظهور».
تخلقت موهبة القاص والروائى محمد المنسى قنديل (1949) فى فترة نهاية الستينيات، وسرعان ما لمعت مبكرا، إذ نالت مجموعته القصصية «أغنية المشرحة الخالية» جائزة القصة عام 1970 ومجموعته «سعفان مات» جائزة الثقافة الجماهيرية، وهو لايزال طالبا يدرس الطب بجامعة المنصورة، وما لبث أن اتبع قلمه فتخلى تماما عن الطب فى أوائل الثمانينيات وتفرغ للكتابة الصحفية والأدبية، بعد أن نشر أول أعماله «من قتل مريم الصافى» عام 1983.
غادر المنسى قنديل مصر عام 1993 ليبدأ أسفاره، التى أنتجت سلسلة من الكتابات عن رحلاته تعد واحدة من أبرز سلاسل أدب الرحلات المعاصر، وتحمل عودة قنديل إلى مصر الكثير من الاعترافات التى ظلت حبيسة بداخله طوال فترة غيابه.
وفيما يلي نص الحوار:
■ قلت إن المصريين طوال الوقت كانوا أرقاما بلا قيمة فكيف تراهم الآن؟
- مع الاسف عدنا أرقاما، فهذه الفترة التى رصدتها فى روايتى كانت قصيرة جدا، وعلى سبيل المثال صرنا أرقاما تموت فى العبارات وانهيارات الصخور، وحوادث الطرق، وبتسمم الأطعمة، لأننا فقدنا الفترة النادرة فى حياتنا التى حاولنا فيها أن نكون ذوات متفردة.
لأن حكامنا أصبحوا يتعاملون معنا باعتبار أننا عالة لا يخفون ضيقهم منها، فنحن المخطئون لأننا نتكاثر ونمرض ونموت..
أشعر أن كل مظاهر الاهمال التى تعم مصر محاولة لتقليص الشعب المصرى والتخلص منه.
■ غيابك لمدة طويلة عن مصر جعلك تشعر بالصدمة حيال ما يحدث الان؟
- أنا ابتعدت عن مصر لكنى لم أنقطع يوما، وهذا البعد جعلنى أتخفف من التفاصيل اليومية، وبالتالى لم أعتد عليها وبذلك كانت المفاجأة قاسية لدى العودة.
من يعيش فى مصر مرغم على التعايش مع المهالك كل يوم، فهو فى حرب دائما، فقد أوصل الحكام الشعب المصرى إلى المكافحة للإبقاء على ذواتهم أحياء لا يهم بأى طريقة ولا ما هو مصيرهم.
أما نحن فى الخارج كالهاربين من الخدمة العسكرية، عدنا فوجدنا الحرب مشتعلة.
■ بالكلام عن الهرب، عادة ما يتهم جيلكم بالتخاذل عن الدفاع عن الحياة الثقافية فى مصر، الأمر الذى أدى إلى تدهور سريع وبلا مقاومة، ما رأيك فى هذه المقولة؟
- من يقول ذلك محقا إلى حد ما، فنحن أبناء المرحلة الناصرية حين جاء الارتداد على الناصرية لم نستطع أن نغفر لها أخطاءها الكبرى، ومنها الهزيمة، وأنها دهست الديمقراطية، وأن معتقلاتها تحولت لأماكن للتعذيب، وحين جاء من انقلبوا على عبدالناصر وهاجموا إنجازاته لم نحسن الدفاع عنه، وتركنا الناصرية فريسة لهم.
كنا نظن أنهم يشاركونا الغضب، لكن الحقيقة أنهم طمعوا فى الميراث والمكاسب التى حققتها الناصرية وصنعها الشعب المصرى، وباعوها لصالحهم.
وكانت لحظة الغضب تلك التى سمحت بتصفية ثورة 23 يوليو، وحين أفقنا من تلك الخطيئة اكتشفنا أن الخسارة باتت فادحة، ومن الصعب التعايش معها، فهرب البعض وزهد البعض، وبشكل أو بآخر شاركنا التواطؤ مع هذه الأنظمة الفاسدة كل بطريقته.
■ سيطرت على كل أعمالك حالة انكسار ألا ترى فى الواقع المصرى بادرة أمل واحدة؟
- لا توجد ثورة فى مصر تكتمل، فعادة لا تسفر الثورات فى مصر عن تغيير ملموس، فتترك الأنظمة حتى تتفسخ وتتحلل وتموت دون وقفة للمراجعة، فنحن لا نصل لما يعرف فى الرواية بنقطة التحول.
نحن أميل لتعايش المتناقضات مع بعضها البعض حتى تتفسخ فى وقت واحد.
■ كيف أثر هذا الغياب الطويل عن مصر على مشروعك الأدبى، بالسلب أم بالإيجاب؟
- بالسلب إلى حد كبير، لأننى أشعر بأنى هارب من التجربة والتحدى اليومى فى مصر، فهنا لابد أن يدافع المرء عن نفسه بالكتابة أو الفعل أو أى شىء، أما السفر فيجعلك مرتاحا من عبء التفاصيل.
لكن فى الوقت نفسه تخسر معظم المثيرات التى تدفعك للكتابة، ومن الصعب أن تكتب اعتمادا على الصورة التى تنقلها لك السينما والتليفزيون والتوك شو.
فإما أن تكتب من وحى تجاربك، أو أن تعود للتاريخ وقد لجأت للحيلتين، وكنت أتمنى أن أمكث فى القاهرة وأن أكتب عنها.
■ قدمت فى «قمر على سمرقند» نموذجا لأدب الرحلات المعاصر، فهل يشغلك مشروعا يخص هذا النوع الأدبى؟
- نجيب محفوظ استنفد معظم مفردات الكتابة المحلية وخرج من بعده جيل يكتب بنفس شروطه والمساحة الجغرافية التى كتب فيها نجيب محفوظ بل اكتسبوا مفرداته التى خلقها لنفسه.
من فترة خرجت كثير من الكتابات تحاول توسيع رقعة الرواية العربية، فخرجت على الزمن المحفوظى، وأذكر منها رواية بهاء طاهر فى «خالتى صفية والدير» وإبراهيم عبدالمجيد فى «لا أحد ينام فى الإسكندرية» وحتى يوسف زيدان وروايته «عزازيل»، ورواية الرحلات إحدى المحاولات لتوسيع رقعة الرواية العربية.
■ أشيع عن طبعة الهلال لرواية «قمر على سمرقند» أنه تم حذف أجزاء منها فهل هذا صحيح؟
- تدخلت الهلال وحذفت كل ما يخص السياسة وهو حوالى ثلث الرواية.
وحين أرادت الجامعة الأمريكية ترجمة النص المنقوص رفضت، ورفضوا ترجمة النسخة الكاملة دون أن تنشر، فنشرتها بدار ميريت، ثم ترجمت.
وقد قررت بعد هذه الحادثة ألا أتعامل مع دار الهلال، فالمسؤولون عن النشر فى الأجهزة الحكومية ضيقو الأفق، ومن قام بالحذف فى روايتى ارتكب جريمة فى حق دار الهلال العريقة، وفى حق الأدب المعاصر لأنه أقام نفسه رقيبا عليه. وهؤلاء للأسف لا يحاسبوا، فهناك الكثير من القراء قرأوا الرواية فى طبعتها المختصرة.
■ الكتابة الأدبية تذهب الآن فى اتجاه اللغة التلغرافية الصارمة لكنك تصر على الكتابة بنفس اللغة الأدبية الكلاسيكية؟
- مثلى الأعلى فى الكتابة طه حسين، فأنا أحب الغنائية فى كتاباته، وقدرته أن يصف الشىء الواحد فى ثلاث جمل.
أنا لا أشعر بأنى أبذل جهدا كبيرا فى اللغة، لكنى يؤسفنى أن أجد كتابا ينحطون باللغة العربية، ويعاملون الأدب كنشرة الأخبار ويحولون العامية إلى الفصحى.
أنا لا أحب اللغة السائدة فى الصحافة العربية، فعلى الأقل لابد أن نحافظ على القوام الأساسى فى الصحف، أما الأدب فيجب أن تكون اللغة فيه بكامل بهائها.
■ رغم ندرة أعمالك الأدبية فإن لديك جمهورا خفيا من الشباب تربوا على كتاباتك للأطفال، فهل كان هذا الجمهور سببا لاختيارك لدار نشر شابة مهتمة بأدب الجيب؟
- هذا الجمهور أتعامل معه منذ 25 عاما حيث بدأت الكتابة لمجلة ماجد والعربى الصغير وعلاء الدين.
هذا الجمهور صامت، لم أكن أعتقد أنهم يهتمون بالمؤلف، لكنى أشعر بأن هذه الكتابة أثمرت فمن بدأت الكتابة لهم فى عام 1985 كبروا الآن وأدركونى ويلاحقون باقى أعمالى.
■ لذا اخترت دار نشر شابة - دار ليلى - مهتمة بأدب الجيب والمغامرات لإعادة نشر كتابك «وقائع عربية»؟
- أشعر بأن الشباب أعادوا اكتشافى، وأشعر بأن مبادرة دار ليلى جزء من هذا الاتجاه نحوى، لكنى اخترت الدار لأنها حققت لى رغبة دفينة فى أعماقى، فأنا لدى ثلاث مجموعات قصصية تتخذ من التاريخ مسرحا لها، نشرت بشكل متفرق، وكنت أحلم بطبعها فى سلسلة لها نفس الشكل وكأنها عمل واحد على أجزاء.
■ قبل أيام صرح الكاتب خيرى شلبى بأن غزارة الإنتاج جزء مهم من موهبة الكاتب، ألا يشغلك غزارة الإنتاج؟
- أتفق معه تماما، رغم أنى لم أستطع تحقيق ذلك، فأنا أخون الرواية كثيرا، فأنا كاتب يتبع نزواته، ومن المفترض أن أكون مخلصا لشكل واحد، وهذا أحد أخطائى الجسيمة.
■ هل تشعر بأن التكريم تأخر عنك بسبب غيابك؟
- ما نلت من جوائز وتكريمات كان بمقدار عملى، فلم يتجاهلنى أحد كذلك لم يبالغ فى تقديرى.
■ لكنك عادة ما تذكر ككاتب مهضوم بين أبناء جيلك، فهل يسيطر عليك هذا الشعور؟
- لا أشعر بأنى مهضوم، أنا مقصر فى العمل على مشروعى الروائى.


علا الساكت
كاتبة وصحفية مصرية
ola_elsaket@hotmail.com
القائمة الرئيسة
البحث