الجمعة, 22 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
اعترافات الحاج باولو كويلو/فصل من كتاب
تاليف:خوان ارياس/ترجمة واعداد:خضير اللامي
اعترافات الحاج باولو كويلو/فصل من كتاب
باولو كويلو


يصدر قريبا عن دار الشؤون الثقافية العامة في بغداد ، كتاب " اعترافات الحاج باولو كويلو " حوار الصحافي البرازيلي المعروف خوان ارياس المحرر في جريدة الابياس الاسبانية ، وترجمة خضير اللامي . والكتاب عبارة عن مجموعة من الحوارات التي اجراها ارياس في منزل باولو كويلو ، تناولت مجمل حياته في السياسة والاخلاق وتجربته في مستشفى الامراض العقلية ، ودخوله السجن وما لاقاه وزوجته الاخيرة كرستينا من تعذيب بشع في زمن الدكتاتورية الاسبانية . كما انه اسهب في هذه الحوارت عن حياته الشخصية وتناوله للمخدرات وخوضه تجربة السحر الاسود في فترة شبابه . كما انه يتحدث لنا عن مخيمات الاعتقال النازية ، حيث عانى كويلو من تجربة روحية عميقة ومكثفة شكلت بعدا جديدا في حياته ، اعاده الى القناعات الكاثوليكية التي كان يؤمن بها ابواه . ومع مرشده الروحي انفق خمسة وخمسين يوما مشيا على الاقدام قاطعين مسافة 700 كيلو متر الى الطريق العام القديم المؤدي الى سانتياغو على طريقة الحجيج في القرون القديمة ليزور بورخس .
وعندما يجن الليل ، يكون كويلو ، في تماس مع تجاربه الماضية المؤلمة مع السحر والطقوس الشيطانية . اذن ، كويلو ، كاتب متعدد الاوجه ، متعدد الرموز ، عسير الفهم . على كثير من نقاده في مجال الادب . وحياة كويلو تنحصر اصلا ، كونه كاتبا مبدعا ، واحيانا كان يصارع ازاء ذلك ، في كل حياته . وقد انجز ذلك ، عبر اماله . لانه كاتب يجب ان يغمر ذاته في خضم الحياة ويمعن النظر فيها . فضلا عن انه قرأ سر الف باء الحياة ، والنذر التي ترسل الينا تشبه الرسائل المشفرة كما يقول كويلو .
في الوقت ذاته ، انه يملك قدرة عالية ورغبة خالصة في مساعدة الاخرين على معرفة قدرهم الذاتي , وهذا ما انقذه من الصعوبات وتجاوز الماضي التراجيدي الذي طالما قاده اكثر من مرة الى حافة الموت والجنون .واجتزأنا الفصل الخامس من هذا الكتاب الذي كرسه المحاور مع باولو كويلو عن الانثى وراي الاخير في ذلك ..






الفصل الخامس



الانثى



" كل حياتي محكومة بالطاقة الانثوية ، بالمرأ ة . "

" قبل ان اعرف الانثى لم اعرف معنى الحياة ."




من المستحيل ان نفهم باولو كويلو دون ان نفهم الدور الذي لعبه في حياته، وتاثير العنصر الانثوي فيه . كما اعترف هو في هذه الحوارات . اذ شغلت المراة وتستمر تشغل حيزا اساسيا في مسيرة حياته . وهو الذي اسرى القسم الاكبر منه، في منعطف فارس النور في الصراع ، والتعاطف مع هويته الذكورية . وفي يوم ما ، قرر ان يكتشف المرأة في داخله ، وكان هذاحينما التقى عنصرا جديدا وفي مقدمته : الحنان تاركا نفسه تُحمل بعيدة عن مسار الحياة دون ان يدافع عنها . وكان ايضا ، حينما اكتشف الجزء الانثوي في الاله . وكتبه الان لا تُفهم دون رؤية الانثى في داخله . وماذا تمثل داخل وخارج نفوسنا . ولديه كتابان يحملان اسماء انثوية للعنوان ، هما : " بريدا " و " فيرونيكا تقرر الانتحار " وفي كتب اخر ، تشكل الشخصيات الانثوية ، جانبا اساسيا فيها.و لكن، ربما ان العمل الذي يُظهر جانبه الانثوي بطريقة افضل هو كتاب:" على جانب نهربيدرا جلستُ باكيا " By the River Pedra I Sat Down and Wept " الذي كتبه كويلو من وجهة نظر امرأة.

ــ دعنا نتحدث عن جزئك الاخر ، اعني الانثى ، لانني مقتنع ان هذا القرن هو اساسا يسير باتجاه في ان يكون قرن المرأة .

ــ وانا ايضا ، متاكد ان هذا القرن سيتأثر بالحضور الكبير للمرأة، تعرف افضل ماذا تريد ، فضلا عن الاستقلال الذاتي الذي تفتقده ، لكي تحصل عليه بعد قرون من الهيمنة الذكورية المطلقة .
وبقدر اهتمامي بذلك ، نستطيع ان نتحدث عن شيئين : المرأة في حياتي ؛ والمرأة التي هي انا . لانني اشعر في ان اكون رجلا وامرأة في الوقت ذاته .

ــ دعنا نبدأ ، اية امرأ ة تعني في حياتك .

ــ في الحقيقة ان كل حياتي كانت محكومة بطريقة ما ، بالطاقة الانثوية ؛ بالمرأة . فنحن اجمالا هنا ، على كرسي اعتراف . وهكذا ، ساقول لك شيئا شخصيا جدا، ورمزيا عن علاقتي بالنساء ، لان ما حدث لي مع الحبيبة الاولى ، هو ما حدث اخيرا مع كل النساء اللائي التقيتهن في حياتي ، بما فيهن زوجتي الحالية كرستينا
بداية ، انا مولع جدا في المسرح ، وكان كما قلت هو حلمي الاول ، فضلا عن الكتابة . بيد انني لا املك شروى نقير ، وكنت ايضا مطوقا حتى عنقي بالمشاكل مع اسرتي التي لم تستطع مقاومة نزواتي الفنية . متوقعة ان اكون محترفا وذا شان ، مثل محام ، او اي شيء اخر . من هذا لقبيل . كان هذا ،عندما اودعوني مستشفى الامراض العقلية، كنت الشاة السوداء في الاسرة ، ولكني محارب جيد . وحافظت على المضي على القتال من اجل حلمي للعمل في المسرح .

ــ وتحولت المرأة الى ملاك حارس لك ؟

ــ نعم . وخاصة في الازمنة الصعبة جدا ، التي واجهتها . مع انني كنت اعالج مشاكلي بنفسي ، واجتاز من خلالها اختبارات كثيرة . فان كنت اعيش بسلام الان بلا صراعاات داخلية ، فانا مدين بها في كل تلك المعارك الى ابويُ . وكان من الممكن ان تدمرني تلك المشاكل تماما . ولكن ، الحمد لله الذي ساعدني على قوة معنوياتي الروحية لمواجهة صراعات المستقبل .
وعلى كل حال ، بقيت اعيش على امال العمل في المسرح ، في ذلك الوقت . حين كان ثمة فتاة قد قد دخلت حياتي و كنت في الثامنة عشرة ، وكانت هي رمزا في حياتي .

ــ وباي احساس ؟

ــ ساخبرك ، لان سلسلة الاحداث هذه تقول اشياء كثيرة عن جوهر الانسانية. وفي هذه القضية الخاصة ، جوهر المراة . حينما بلغت تلك الفتاة الثامنة عشرة من عمرها، وكعادة البرازيليين فان اسرتها تنظم لها حفلة كبيرة تقدم فيها الهدايا من اسرتها واصدقائها . كان اسم الفتاة تلك ، فابيولا . وكانت فائقة الجمال ، وشقراء ، ولها عيون زرق . ومن حقها ان تبتهج عند تسلمها تلك الهدايا . لانها اول حفلة كبيرة تقام لها في حياتها . واقول الحقيقة ، انني شعرت بالضعة امامها ؛ لانني لا املك النقود لتقديم هدية لها، وعلى العكس من ذلك، طلبت منها ان تنقدني ثمن علبة سيجائر ، وكان الامر حينها عسيرا جدا عليُ .

ــ وهل دعتك الى حضور هذه الحفلة ؟

ــ كلا ، انها قامت اكثر من ذلك بكثير . دون ان اعرف اي شيء . فقد طلبت من اصدقائها واقاربها ان يقدموا لها النقود بدلا من الهدايا ، وعندما جمعت المبلغ كله ، جاءت اليُ وهي تقول :" يا باولو حلمك هو المسرح وسيكون حلما حقيقيا ، تفضل هذه هي النقود وخذها . والان بامكانك ان تجرب تحقيق حلمك الكبير .

ــ وهكذا ، استطعت ان تبدا العمل في المسرح .

ــ واكاد لا اصدق ذلك كله ، فقد انفتح امامي باب جديد . و قامت بمساعدتي بالعمل . وتمضي السنون ، ووجدت الابواب مفتوحة على مصاريعها امامي . في غضون ذلك لم ير احدنا الاخر . ولكن في احد الايام ، حينما كنت اعمل في المحطة الفضائية غلوبو Globo ، وهي واحدة من اكبر المحطات في البرازيل ، كانت فابيولا تعرض نصوص ومخطوطات البرامج هناك .

ــ وأردت ان تعودا معا مرة ثانية ؟

ــ كلا ، كان الموضوع اسوأ من ذلك . جاءت لتطلب مني ان اقدم لها خدمة ، ولم افعل ذلك . وفي تلك اللحظة دفعني الاله الى اعماق افتقاري للكرم . وساقول لك بوضوح،،جاءتني وعلامات السعادة على وجهها قائلة :" باولو ، انك لا تعمل في المسرح حسب ، بل انك تكتب نصوصا تلفازية‘ كم هو مدهش هذا ! واضافت ، اريد منك ان تقدم لي خدمة ، لان مخرجك يملك مسرحا وارغب ان تقدمني اليه ،لانني احب ان اكون ممثلة . " وفي هذه اللحظة بدأ تاريخي يعيد نفسه عندما اردت العمل في المسرح ؛ بادرت فابيولا في مد يد المساعدة ، وكانت كريمة بطريقة لا تصدق ، ناسية كل هداياها لي .

ــ وانك نسيت ما قد قدمته لك ؟

ــ ليس لانني قد نسيته ، ولكن الحقيقة كنت جبانا ، لانني لم اجرؤ واطلب تلك الخدمة من المخرج ، مع مقدرتي على ذلك ، وقلت لها : فابيولا ، لا أقدر ان اقدم لك مساعدة. " ثم غادرتني ‘ يلفها الحزن والخيبة . ولم اكن حينها املك الاحساس بما فيه الكفاية ، وغلبت علي الانانية وكنت افكر في نفسي حسب .وبعد سنة ادركت ما قد قمت به من فعلة ، وكان شيئا مخجلا للغاية ، وتمنيت من اعماق قلبي ان يمنحني الرب فرصة لاصحح غلطتي تلك .

ــ وهل ساعدك الرب ؟

ــ نعم ، يا خوان . ان الرب يجعلك ترى اسواْ شيء في داخلك ، وبعد ذلك ، يمنحك فرصة الخلاص . وفي نهاية الامر ، غيرت فابيولا رأيها بالمسرح ، وانصرفت الى النحت . وانتصرت على نفسها لانها تملك موهبة مدهشة . وذات يوم ، حينما كانت شهرتي تتسع في البرازيل ، رايتها في احد البارات . قالت : كم كنت مدهشا ياباولو ، فقد اصبحت رجلا يشار اليه بالبنان ، لتاليفك اعمالا ابداعية . عندها شعرت بخجل كبير ، بعد هذا ، اجبتها وانا انظر في عينيها " كم كنت رائعة معي يا فابيولا ! في وقت كنت انا فيه وغدا معك ؟ لكنها تظاهرت بعدم سماع ما قلته . ولم اطلب منها المغفرة . وما كنا نناقشه في يوم اخر ‘ عندما قلنا ان اعظم سخاء للروح هو عندما لا تحتاج ان تغفر لانسان ما ، بطريقة تشعره بنفسك مترفعا حينما تغفر لذلك الانسان المتواضع .

ــ وقد غفرت لك اذن ، و نسيت كل شيء ولهذا فانك لست بحاجة الى الشعور بالضعة.

ــ دون شك ، واكثرمن ذلك انها منحتني فرصة جديدة، وقالت : لا تقلق على ما كان في الماضي
يحمله لي. ربما كان الافضل بي ان انصرف للعمل الىالنحت بدلا من التمثيل . وانا الان سعيدة بذلك . واريد ان اطلب منك جميلا ، " شعرت بالابتهاج وقلت : اطلبي ما شئت ، فلن اخذلك هذه المرة ابدا ." واخبرتني انها تحلم بانجاز تمثال لتقيمه في احدى الساحات العامة في ريودي جانيرو . واجبتها : انظري ، يا فابيولا، انا لا اهتم كم يكلفني هذا التمثال ، وساتكفل بانجاز اجراءاته بما فيها اجازة نصبه في احدي الساحات .

ــ وقد نجحت في ذلك ؟

ــ بالطبع . واقيم في ساحة " سيدتنا العذراء" فان رغبت في مشاهدته فهو هناك . ويمثل التمثال طفلين ، هما نحن الاثنين ، وارادت فابيولا ان تضع لوحة ُينقش عليها ان ذلك التمثال هو عبارة عن هبة من باولو كويلو . بيد انني رفضت ذلك تماما . واخبرتها برفضي المطلق وانني ما قدمت لها شيئا . انما العكس تماما ، انها وهبتيني امكانية ازالة الذنب القديم . الا ترى يا اخوان انها قصة مهمة جدا في فهم حياتي . هذا ما اردت اخبارك به .

ــ ان تلك المراة منحتك فرصة لتدرك ذاتك المضيئة ، فضلا عن فهم جانب مظلم منها .

ــ الحقيقة ، ان جميع النساء اللائي دخلن حياتي قد وصلن عتبة داري في لحظة حرجة واخذن بيدي وجعلنني اغير من مجرى اتجاهي .

ــ زوجتك كرستينا ، هل كانت واحدة منهن ؟

ــ تماما .فاننا عشنا ثمان عشرة سنة ، وقد شجعتني على الاستمرار في الكتابة . وفي احد الايام قالت لي : " يا باولو،ا تريد ان تكون كاتبا ؟ حسنا ، دعنا نسافراذن ." وانطلقنا و عشنا تجارب عديدة . وقابلت شخصيات مهمة بفضلها . كانت صديقة رائعة في كل الاوقات . واخيرا ، عند ما بلغتُ النجاح ، ساعدتني على تحقيق بساطتي ، وتجنب الغطرسة . وكانت ترافقني في منعطفي ، ولم تحارب ضد ما كنت ابحث عنه ، وكانت تكن لي الاحترام ، وتقدم لي المساعدة ، وتنفخ فيُ الحماسة ، وفي كل مرة افقدها . تساعدني على النهوض عندما اكبو .
وبالطبع ، لا اقول ليس لدينا خلافات ‘انما اننا مثل بقية الناس . وانا انفق في الغالب مئتي يوم في السنة بعيدا عنها . بيد انني اشعر انني قريب منها . وكانت تحب الاعتناء بالمؤسسة ، وتحقيق ذاتها من خلال الرسم .


ــ ولكن كيف التقيتما ؟

ــ في لحظة رهيبة . لانها كانت، في وقت كنت انا فيه مستلبا ومتورطا مع طوائف شيطانية . وحينما جاءت الى منزلي ، كان لديُ ثمة كتاب عن الشيطانية موضوعا على منضدة . سالتها : ماذا ستفعلين هذا اليوم ؟" اخبرتني ، انها ستغني مع ايفان جيليكان ، في احدى الساحات . لانها كانت عضو فرقة كنسية في ذلك الحين . ذهبت لرؤيتها وهي تغني , كانت مغرية تماما . ومنذ تلك اللحظة رافقتني في حياتي . مع علمها انني احب النساء . بيد انها لم تعر انتباها لذلك . وبقيت وفية لمبادئها . وكان يحب احدنا الاخر .

ــ وماذا عن شريكاتك الاخريات ؟

ــ كن جيدات معي ، افضل مما كنت انا معهن . وقد اخبرتك عن قصة فابيولا . زوجتي الاولى تسمى فيرا . وهي يوغسلافية الاصل . كانت تكبرني ، اذ هي ، في الثالثة والثلاثين . وانا في الحادية والعشرين . وقد علمتني معظم الاشياء المهمة في الحياة ، من الجنس الى فن الحوار . اما زوجتي الثانية ، فانا لااسميها ، انما اناديها بزوجتي . وهي التي اختطفت معي من قبل ميليشيا ، وكنت جبانا جدا معها كما اخبرتك . والثالثة سيسيليا ‘ كانت امراة رائعة ومهمة لي . وكانت تبلغ التاسعة عشرة من عمرها . وانا في التاسعة والعشرين . عملت معي في شركة موسيقية تسمى " بولي غرام " ورغم ذلك اعد نفسي رجلا عاديا . بيد انني عاملتها برداءة وقد عانت من تجارب قاسية .
وعلى كل حال ، فانني لن ارقى الى اي طموح في الحياة دون هؤلاء النسوة . وكن اكثر نضجا مني . وحتى الان ، فان كرستينا دائما ما تحافط على توازني في علاقاتي المهنية مع النساء ابتداء من المعنيات بالادب ودور النشر وانتهاء بمحررات الصحف والمجلات الخ..

ــ لابد وان يكون السبب في ذلك ، انك تعرف كيف ترتبط معهن . فليس كل الرجال قادرين على اثارة هذا الحب فيهن . ولكن ، ما هي ظاهرة الانثى التي تحبها شخصيتك ؟

ــ اقول لك الحقيقة ، من وجهة نظري في الجانب الانثوي الداخلي ، فانا قد ادرت ظهري عن ذلك . كوني محاربا ؛ واريد ان ادخل جميع المعارك ، وقد غذيت الجانب الذكوري لدي كثيرا . وبسبب ذلك ‘ فانني ما عرفت الحنان والعاطفة في حيا تي ، الى ان اكتشفت ان هناك في داخلي امراة ايضا ؛ وهذا بعد مهم جدا ، وبدونه فاننا معشر الرجال سنبقى ناقصين .

ــ متى بدات تدرك الحاجة الى جانبك الانثوي ؟

ــ كما اخبرتك ، فانا اتصارع في كل حياتي ضد العقبات الكأداء التي اكتشفها في طريقي ، واتخذت قرارات حاسمة ، مثل التخلي عن المخدرات.بيد ان الحياة استمرت ، احيانا انزعج ، واقول مع نفسي : انك لا تعرف اي شيء عن الحياة يا باولو . وحاولت ان اجرب الاسترخاء الذهني ، واطلق العنان لذاتي . وفي تلك اللحطات عندما نجحت في ذلك ، بدات اشعر انني اسير نحو الافضل .كما انني تركت عنان الحياة يقودني . ولكن سرعان ما برزت مرة اخرى المشاكل امامي . ولا بد من ان احتاط للامر ، واسيطر على نفسي ، وان اتخذ القرارت ، وهذا لم يكن كافيا لان ادع نفسي تنساق بموازاة نهر الحياة .

ــ الى ان ...

ــ الى ان قمت باداء الحجة الى سانتياغو ، والتي شكلت لدي تجربة عميقة في حياتي . وقررت ان اقوم ما جاء به تقليد RAM،وهو تقليد روحي قديم جدا ، يتجاوز خمسمائة سنة .ولد في قلب الكنيسة الكاثوليكية التي انتمي لها ، مع اربعة مريدين ــ والتي تعرف بطريق الانثى، والاخرون يطلقون عليه : الطريق الى روما ــ وهي بعثتها لاظهار جانب الشخصية الانثوية في داخلنا . ومن هذه التجربة انطلقت ارضية رواية " بريدا" وهي قصة امراة قابلتها في تلك الحجة والتي كانت تجربتها قريبة جدا من تجربتي . وفي الوقت ذاته ‘ ان " بريدا " هي تلك المراة التي كنت ابحث عنها في داخلي .

ــ ما هي بالضبط هذه الحجة ، والطريقة الانثوية التي تحتويها ؟

ــ كثير من الناس ربما يعتقدون انها عملية سخيفة ، ولكن ، من وجهة نظري ، ان هذه السبعين يوما التي قطعتها الى سانتياغو تعد اياما اساسية . فانت لا تطلق اجندتك دون دليل مشترك الى اين تتجه . والشيء الرئيس هو ان تتذكر احلامك . وهي ليست احلاما لاسلافنا مرتبطة مع روح الانثى ؟ ومن خلال النهار يجب ان يكون حلمك في حالة تفاعل ابداعي .

ــ فانت تريد اذا، ان تفسر احلامك ؟

ــ كلا .المسالة ليست تفسير احلام ، ولكن تحويل الحلم الى عمل ابداعي . وعلى سبيل المثال ، فان حلمت في محطة قطار ، يجب عليك الذهاب الى اقرب حافلة لترى بنفسك ماذا حدث لك هناك . والشيء نفسه يحدث اذا حلمت بمراب . فذات ليلة ، حلمت بلعبة كرة القدم ، بين الدانمارك والبرازيل وقد حلمت ان الدانمارك ربحت 3-2 . وعندما تكون الاهداف 2-2 فلا بد ان يكون هناك هدف اخر . وكان ما حدث ، وانتهت اللعبة 3-2 وكما حلمت ؛ وحدث العكس ، اذ ان البرازيل هي التي حققت الهدف .

ــ وماذا يحدث اذا لم تحلم ؟

ــ انا دائما ما احلم بشيء ، لان الشيء ذاته يحدث ، اذاكنت تخضع لعلاج التحليل النفسي ، وانت ليس ذلك الانسان الذي يتذكر احلامه . وانت ليس ذلك الانسان الذي يحلم كثيرا، لكنك ذلك الانسان الذي يتذكراحلامه وعندما اخبرت الطبيب ذات مرة انني لا احلم ابدا. اجاب ، بالطبع ، انك دائما ما تحلم بشيء ما . اجبته : حسنا ، انا حلمت بمراب . قال لي : وماذا تريد ان تحلم ، بمريم العذراء! اذهب الى المراب وانظر ماذا يحدث ؟

ــ وهل شعرت يوما ما ، انك اقترفت خطا؟

ــ مرة واحدة ، اقترفت غلطة حقيقية ، كادت ان تكلفني في الغالب حياتي . فقد حلمت ب:غيز ــ وهو اسم جبل ، واسم كنيسة ايضا قريبة من المدينة ـ واعتقدت انه يشير الى الجبل وعلي ان اذهب اليه . بيد انه كان جبلا من الصعوبة بمكان ان يتسلقه المرء . وكاد يودي بي الى الهلاك . ومنذ ذلك الحين لم اعد اقترف مثل هذه الغلطة . اذ كان علي الذهاب الى الكنيسة وليس الى ذلك الجبل . لالتباس الاسم علي .

ــ ولماذا تطلق تسمية طريق الانثى ؟

ــ لانه يشير في ذلك الى الحجة ــ كما هو ، عكس الحجة الى سانتياغو ، وطبقا لتقاليد رام ‘RAM ، فانك تنمي بشكل خاص قوتك في الرغبة المعتمدة على المريدين والجهد الذاتي ــ اما في منعطف الانثى فانك تنمي وبشكل خاص ايضا الحنان ، والتامل ، والاقتراب ، من جذور الحياة ، والحقيقة ، والحياة ، والارض . والحجة الى سانتياغو هي اكثر فاعلية ، واكثر من معركة . وهذا يدعوني الى القول انها اكثر " يسوعية " لان اليسوعية اسسها السنت اغناسيوس دي لو يولا .Saint Ignacius de Loyola ، وهو احد جنودها. بينما طريق الانثوية هو اكثر اغراء واكثر من الترابستيين Trappistلان هؤلاء الرهبان يكرسون انفسهم في التامل واكتشاف جهنمهم الداخلي ، وانه اي الطريق اكثر دينية انثوية من " اليسوعية " لان الترابستيين يشتغلون بايديهم ويعزقون الحدائق ، وهم يتاملون مليا في الوقت ذاته . اما اليسوعيون فهم اكثر ارتباطا وفاعلية بمعارك هذه الارض .

ــ في الواقع ، ان اول الهة في التاريخ هي انثى ، انها الالهة غايا، Gaia الهة اخصاب الارض . وبعد ذلك تدريجيا، خلق الرجال المحاربون الها ذكرا . ثم شرعت المراة بالتنازل عن حقها الى المستوى الثانوي ، وتحول الاله الى اله مستبد قاس ، ومستقيم ، وسريع الغضب ، وجشع .

ــ ولهذا فان لا احب اسلوب الاديان في سرقة الوجه لانثوي للاله وحب الحياة والناس والاشياء الخ ..وفي الحقيقة ، ان الخلق هو عملية انثوية ‘ بطيئة وغامضة وغير مرتبطة بمنطقنا الذكوري . بيد ان جوهر الانثوية هو‘ حماية الحب والحيا ة ؛ وليس الحروب التي تقتل ثمرة رحم المراة.

ــ ماذا تعني بصحوة الانثى ؟

ــ لم يكن ذلك تعبيرا جنسيا ، وانما تحرير الشيء خارج المنطق التقليدي . وكما تعرف ان كثيرا من الكتُاب يستخدمون المراة كرمز ليشرحوا الاندماج بين الشعور والمنطق . ومثل هذ الحدث نجده في الاحلام . فقد ذكر الانجيل ان زوجة بونتيوس بيليتيز قد حلمت حلما لم يحترمه منطق زوجها ‘ وقد اخطا لانه لم يصغ اليها جيدا . وفي يوليوس قيصر فان زوجته نبهته الى خطر محدق قد يتعرض له عضو مجلس الشيوخ في الخامس عشر من شهر مارس . بيد ان القيصر لم يول اهتماما لتحذير زوجته ، لانه يعتقد منطقيا ان النساء قليلات الفهم في الامور السياسية .

ــ وهل من السهل الاندماج مع جانبك الانثوي ؟

ــ كلا . كان بطيئا وصعبا ،لانه ينبغي علينا تدريجيا ان نحرر انفسنا من الثقافة التي خلقتها المؤسسة الرسمية في عقولنا . والتي كانت ذكورية دائما . وتنتقص من قيم المراة . كما لو ان ليس ثمة فلسفة اخرى غير فلسفة ديكارت في الوجود . ولدينا المتصوفة الذين لا يرون الاشياء حصريا من خلال عيني المنطق الديكارتي ، الذي يركز على ان اثنين زائدا اثنين يعادل اربعة . ويستخدم المنطق الذي يفقدنا الاتصال مع الغموض والخيال . وبناءعليه ، فانني احب الفسفة الشرقية التي تتركز مفاهيمها اصلا على التناقض بين الاشياء ، والتي لا تسير باتجاه مستقيم .وبدلا من ذلك تسيرباتجاه دائري . ولكن ، ثمة شيئا يمكن ان يكون اولا يكون في ان واحد . لان الحياة هي ليست الة تعطينا اجوبة جاهزة . بل بالعكس ، انها قابلة للتنبؤ ، ويمكن ان تتغير في اية لحظة .
ــ وما يتعلق بمسالة اثنين زائدا اثنين تساوي اربعة على وفق النظرية المادية الكلاسيكية . و في كتاب الفيلسوف الاسباني فرناندو سافاتيرنجد مثل هذا النوع من الاحاديث . فقد قال لي ‘ ان ردود الافعال العاطفية لا يمكن ان تقاس ، بينما نجد الذكاء يعمل بمقدار ثابت ويمكن ان يحسب .فاثنان زائدا اثنين هما اربعة في المنطق الرياضي‘بينما حزنان زائدا حزنين لا يساوي اربعة . و على هذا يمكن ان ترميني من خارج النافذة .

ــ هذا مهم جدا .

ــ ما قد يحدث هوفي ثقافتنا ، وبخاصة ثقافة الغرب ــ وبصورة اقل الثقافات الافريقية ــ الذكورية بشكل رئيس .

ــ انا مغرم جدا ، بالحكايات التراثية مثل حكاية ،" الحمامة والافعى" . واحيانا نحتاج الى رموز مادية لنفهم انفسنا بطريقة افضل . والصور التقليدية التي احبها اكثر هي صورة مريم العذراء والافعى تحت قدميها . فضلا عن تقاليد الروح التي تهجر المباديء . وما هو مهم ليس التراكم المعرفي ، ولكن ، هو الطريقة التي نقرا بها لغة الوعي الجمعي والذي نسميه ، anima mundi وهذه هي لغة الحمامة . وبعد ذلك من الجانب الاخر‘ التقاليد الاساسية للافعي . من تراكم الحكمة ، فاننا لا نستطيع البقاء مع واحد او الاخر تحديدا ، ولكن يجب ان نناغم بين الاثنين ؛ المنطق والشعور .

ــ في كتاب ليونارد بوف ، " النسر والدجاجة " يتحدث عن الخرافة الافريقية التي تلمح الى ما نقوله ، لان النسر هو جزء من غموض الارتفاعات التي نحن جميعا في داخلها . مع اننا ننسى ذلك ‘ بينما الدجاجة التي لا تطير عاليا عن الارض . والتي تعيش فوقها . ونظرية ديكارت تؤكد على الخير المحدود للاحلام . والاشياء الخارقة ، وغير المتوقع من الاشياء . بيد ان ثمة واقعية يجب ان نحسب حسابها .

ــ كتاب بوف هذا رائع . كما يوجد في الانجيل الكثير من هذه الامثلة . ومثل ما قال اليسوع ‘ انه لم يات لتدمير القانون ، ولكن ، لكي ينفخ فيه الروح الجديدة ، لان ثمةزمنا اتيا نحترم ونطيع فيه القانون الذي يحافط على حياتنا . ولكن لن نستطييع العيش مع الفوضى .
وهناك مثال اخر ورد في الانجيل ايضا ، احبه كثيرا ، هو عندما اخبر اليسوع حوارييه ان يكونوا حكماء مقتفين اثر حكاية الافعى والحمامة غير المؤذية عند اختلاطهم مع الناس وهذا يجعلنا حذرين ولا بد وان تكون اقدامنا على ارض صلبة ، وفي الوقت ذاته ، ان نعرف كيف نراقب تحرك الاشياء ونستمع لها ونتاملها . ونحاول ان نكتشف سر اللغة الذي يتحدث اكثر ‘ الى جانب انثويتنا اللاشعورية ، اكثر مما يتحدث الى عقولنا .

ــ انك تتحدث عن نظام تفكيرالانثى ؛ الى ماذا تشير ؟

ــ اعتقد انني اشير الى عكس ما يطلق عليه نظام الفكراالديكارتي .كي تفكر في الانثى يجب ان تفكر بطريقة متباينة عن المنعطف الذكوري التقليدي الذي ساد فكره حقبة طويلة من الزمن . وبخاصة في الفكرالغربي .

ــ وما يحدث ان المراة ، رغم المعارك التي تخوضها لنيل استقلالها ما زالت تتخلى عن بعض الفضاءات التي اطلقت عليها " الفضاءات الاكاديمية " ففي اسبانيا ثمة امراة واحدة فقط رئيسة جامعة .

ــ وانها من المحتمل تملك اعتبارا ذكوريا عاليا اكثر من الرجل .

ــ واعظم سياسية انثى في التاريخ ، من غولدا مائير الى مارغريت ثاتشر هي امراة ذكورية.

ــ هذه مشكلة كبير،وتحرص علينا في بناء جدار بين المقدس والمدنس ، وهي منطق الغموض ، والمبهم والمعجزات . وقد اخبرتك قبل قليل انك في طريق الانثى . فان كنت تحلم بمراب عليك ان تذهب في اليوم التالي لتشاهد ماذا حدث لك . ان شيئا ما يفتقر اليه المنطق ، وهذا ما يجعله يقترب من اللاتوازن الى ماهو جديد ، الى ما تفعله مع جزئك الاعمق في كينونتك . هذه هي الانثى من وجهة نظري .

ــ ان هذا القرن سيكون بالتاكيد اكثر انثوية ، من القرن الذي انتهى ، واكثر سيولة ‘ واقل صلابة ، كيف ترى وظيفة المراة في المستقبل ؟

ــ قريبة جدا من وظيفة الرجل . لان ما اتحدث عنه الان ليس المراة ، ولكن الانثوية ، انظر ، ماذا حدث للحركات الانثوية المشتتة ؛ حاولت ان تغزو جانبا من القوة ‘ وبطريقة رجولية . وهذا ما ينافي الفكر الانثوي . والنساء يعرفن كيف يوازنُ بين ذكوريتهن والطاقة الانثوية . تماما كما يفعل الرجل بين طاقتيه . الذكورية والانثوية .

ــ اريد ان اوجه لك سؤالا ، اننا معشر الرجال نتحدث قليلا في هذا المجال ، ونميل الى القول ، نحن الرجال علينا ان نكتشف المراة من الداخل ، لاننا لسنا ذكوريين حسب ، وفي الحقيقة ، ان الرجال يكتشفون جوانبهم الانثوية ، ولكن ، مع ذلك ، لا نقبل من المراة ان تكتشف جانبها الذكوري ، الذي هو عنصر مهم فيها. ونريد منهن ان يكونن انثى حسب . وهذا النوع من اللغز يصعقني . لاننا نعتقد اننا اكثر كمالا ان اكتشفنا الجانب الانثوي فينا . بينما ننكر هذا الحق على المراة لتجرب جانبها الذكوري . هل تبدو لك هذه المعادلة منصفة ؟

ــ نعم ، يا خوان ، اعتقد انني اتفق معك ، بيد ان هذه المشكلة ليست مشكلتك ولا مشكلتي انها مشكلتهم ، علينا ان نوقف ابوٌتنا للمرأة . انك على صواب . اذا نحن اكتشفنا انثويتنا ، وبهذا يتحقق العدل عندما يكتشفن ذكوريتهن . مع اننا نريد ان يكونن اكثر انوثة ، ولكن هن اللائي يشعلن المعركة فهن يشهرن السيف ويحاربن . ونحن لا نستطيع ان نحتل مكانتهن . فان عرفن كيف يحاربن سيكتشفن ما هي الطاقة الذكورية ؟



ــ ناخذ منهن كما نعطيهن . لان المراة يجب ان تكون انثى ، ومنذ ان تخيلنا مجتمعا تتطلب فيه القوة اهلية الذكورة . فان قبلنا المراة بوصفها انثى تحديدا ، وتنتهي الى عالم الغموض ‘ فاننا نطردها من مواقع القوة .

ــ انك مصيب ، بيد انني افكر ان ذلك الشيء لا نستطيع نحن الرجال ان نجد له حلا . وعلى المراة ان تدركه وان تقاتل من اجل انجازه تماما . مثلما امتلكن الثورة الانثوية الاولى في التحرر من التمييز العنصري . وعلى الاقل ، ان تقاتل نظريا للحصول على المساواة في مواقع القوة . والان عليهن اطلاق عنان المعركة الثانية ، وعندما ينجزن القوة فعليهن تجنب السيط، وكأن لا شيء قد تغير .
وعند وصول المرأة الى مراكز السلطة ، فانها ستمارس اي شيء ممكنا دون نسيان مميزات انوثتها . وينصرفن الى حكمة الانوثة لبناء مجتمع يمكن ان تعيش عناصره الايجابية جنبا الى جنب عناصر الذكورة والانوثة .



خضير اللامي
كاتب ومترجم عراقي مقيم في السويد
alaame2003@yahoo.com

مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

القائمة الرئيسة
البحث