الأربعاء, 20 أيلول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
مسودّة مْسُودْنين أو خمس مذكرات زرقاء تبحث عن روائي
اسماعيل غزالي، حسن بلاسم، عدنان المبارك
مسودّة مْسُودْنين أو خمس مذكرات زرقاء تبحث عن روائي
مسودنين
ـ ولم يكن في هذه المدينة شيء نظرتُ إليه وصدّقتُ بأنه ذلك الشيء للعينين ، بل كان كل شيء تعزيمة سحرية ، وبدا كأنه قد تحوّل الى هيئة أخرى ، وهكذا حين رفست بقدمي الحجارة كنت أميل الى رؤيتها بشرا ُمسخوا الى صخورٍ وطيورٍ أخذت أسمع زقزقتها - بشرا كسيوا على الفور بالريش ، وفي الأشجار المحيطة بي رأيتُ أسوارا منيعة - وبالطريقة نفسها ُكسي البشرُ بأوراق الشجر ، وعندي ريبة بأن منابع الماء راحت تنبثق من أجسام البشر ، كمارأيت التماثيل والصور تتحرك من أماكنها ، وجدران البيت تنطق ، وليس خوارالثور وشبيهه من البهائم إلا إطلاق تنبوءات ، ومن السماء ذاتها ، من قرص الشمس الملتهب تطيرعلامة لإحدى العرّافات.
لوُكيوُس أبوُليوُس في ( تحولات Metamorphoses أو الحمار الذهبي (

……………
…………...

صارت خمسين ورقة ...
خمسون ورقة يشهق بها دفتر بكامله مفتوح على الهباء. دفتر أزرق لايشبه دفتر رواية ليلة التنبؤ في شيء. وما دمتم تدمنون جريمة الإشتباه عفوا ألق التشبيهات فلأكن واضحا من البداية حد الرماد بأنه أقرب إلى دليل للسخافة التي لاتعني البلاهة. أو البلاهة التي قد تعني السخافة ... لاشيء فيها على ما يبدو لي الآن غير لهاث عداء كسول لايركض إلا في حلمه بعد أن فاته أن يكون كذلك واقعا. ربما هي شبيهة بما يكتبه مخبول فقد ذاكرته تماما ، كما لا أشك بأني نصف مخبول. حاليا.
اللعنة ! لم أفقد الذاكرة بعد...
سوف لن أغتم إذا فقدتها كاملة. كيف سأغتم إذا انزاح عني ضجر غيمها الفاسق ... حينها سأعلن للعلماء عن كامل الإستعداد كي يعملوا مني مادة مختبرية فأرية ، أرنبية ، قردية ، بل بشرية. ولم لا هكذا يفعلون في كل بقاع هذه الأرض الشؤم. أحفاد موسى وإسحق ويعقوب وغولدي قتلوا الأطفال في غزة كي يأخذوا من جثثهم هذا العضو وذاك طالما أنه سارٍ إلى أبد الآبدين مبدأ : كل شيء للشراء والبيع...
في الخامسة والدقيقة الثانية والعشرين استيقظت من كابوس كما لو رسم بقلم الرصاص وأراهن أن كوابيسي وأحلامي يرسمها فنان هاو مخبول مثلي مفتون بالأبيض والأسود ( غالب الظن أنه يسكن شقة الطابق المقابل لطابق الشقة التي أقيم فيها ) . لا أتذكر منه شيئا سوى أني كنت على سطح عمارة شاهقة وأراد أحدهم أن يدفعني من الوراء الى الأرض. كنت أتأرجح على حافة السطح. بكل تأكيد أنبش في رصيد الوجوه العالقة في مرآة صباحي عن هوية هذا الشخص الآثم . لم كان علي أن أستيقظ قبل أن أتبين ملامحه التي لن تكون إلا بلون أرض خاصمها مطر الأبدية ؟ كيف لي أن أتبين ملامح وجهه العطنة كما لو على زجاج سيارة غارقة في بحيرة وهو كان يقف ورائي لحظة الدفع المريب ؟ لم أعرف إن كنت أصرخ. أكيد أني كنت أصرخ أو أن صيحتي المثلومة تعطلت في رماد حنجرتي، وإلا لماذا كانت حنجرتي جافة مثل العاقول. شربت قدح ماء الى آخر قطرة لاأعرف لماذا أملتْ علي حواسي حنين رائحة قدح سافرة ، مصنوع من الخزف ، مطلي بالقطران شربته ذات زقاق في صيف غائر . غريبة هذه الكوابيس. سوف لن تنسيني في الرجوع إلى حكاية هذا الزقاق الذي يشبه نفق أرنستو ساباتو . أليست غريبة هذه مجرد تحصيل حاصل؟ هل من كابوس مألوف . مرة خنقني أحدهم في سيارتي لا أزال أحتفظ بأثر ملمس يديه الفظتين اللتين تشبهان يدي بائع الهندية وإلا ما تفسير أشواكها الدقيقة التي شوشت علي مذاق منامي . في أخرى فتح أحدهم من الخلف عليّ النار من رشاش قصير . لا بد أن رأسي مطلوب عمليا لدى جماعة أو جهة داخلية أو خارجية . هل زعمت أنها خمسين ورقة ، لخمسين يوما؟ فروق طفيفة بينها. ( القوانة ) العتيقة نفسها. بلاهات اليومي نفسها. عدا الكوابيس تلك الفكرة اللحوح ، خيط رفيع لكنه متين. جرجرت رجليّ الى الحمّام كي أجلس هناك أكثر من ساعة . دائما أتلمسها تلك الكتابات السومرية والفينيقية والرومانية على جداريات حمامي . نهضت وتلفنت. أخبرتُ رئيس العمل وهو من أعتى الأخلاقيين سماجة وصلافة بأني مريض جدا ولن أجيء لا اليوم ولاغدا إلى العمل ، هل كان دابر مسكها : اليوم وغدا و أبدا أيضا تلك المكالمة البليدة . المعتوه أراد تزويدي ببضع نصائح ذهبية( بأن أعرض حالتي غير الآدمية على زوجته الطبيبة النفسية ) . قطعت عليه الطريق كما كل مرة أتصوره فيها قطا أسود سمينا : أخي. أنا في حالة لا تسمح لي بالإستماع إلى نصائحك – باذنجانك – هذه الأخيرة لم تدلقها كلماتي بل كانت على أهبة ذلك. مع السلامة. هكذا ينبغي علي أن أتصرف مع أصناف القردة المملين. بعد الحمّام جاءتني فكرة ليست بالعاطلة : أن أتصرف منذ هذه اللحظة بمرح ٍ وتلوين كل شيء مما حولي بالوردي. حتما سأتهم بشبهة أيروتيكي عتيد . جرّبت حوالي عشر دقائق قبل أن أشيع هنري ميللر بسيجارة . فشلت. لم أفشل في أن أصير كائنا ورديا . بل لأنني تذكرت أن للجحيم حواليّ عشرات العيون والأفواه. نظرات نمرية وصرخات قطيع غوريللا وشحاج غربان. رحت إلى التلفزيون. ماذا هناك ؟ أكثر من سيرك واحد. انتقلت إلى ( سيّار الحيوان Animal Planet). سخرت من نفسي حين اكتشفت ، وبعد كل هذه السنين التي قضيتها في أحد أقفاص حديقة الحيوان الكبرى الممتدة من القطب الشمالي إلى الجنوبي ، أن السبل وحدها تفرق بين الإنسان والحيوان. بالتأكيد هي خمسون ورقة بدت كلها كأنها نسخ مشوهة لورقة أصلية واحدة. اختلافات بسيطة أو اختلالات بالأحرى . هل تريدون أن تعرفوها ؟ لأكثر من عشرين يوما حلقت لحيتي بشفرة واحدة حتى صار جلدي مثل خريطة دفّ ماعزي . الأعمق هو الجلد ؟ قالها اللعين بول فاليري ولم ينطق بها إلا بعد أن لمح في مرآة يومه خريطة وجه عائمة كالتي أتجشم شقاء تلاوينها الباغية في ملامحي الجنوبية . استبدلتها بأخرى كي أحلق بها ما بقي من الأيام الخمسين . في اليوم السابع عشر زدتُ من مقدار قهوة الصباح في لحظة شرود ذهني ، كلا ، لم يكن شرودا بل مغصا سببه طعام غير طازج في العشاء. كان قد أنساني المقدار اليومي... والى آخر الفروق التافهة حقا. أستثني الرأس منها. التفكير ماء ساخن يبقبق وتتطاير فقاعاته في كل الجهات. غريب أني لم أسجل هذه البقبقات على الأوراق الخمسين. هل تعرفون بم فكرت وحتى قبل شرب القهوة أي قبل القرار بأن أكون مرحا ؟ بتأريخ الأرض الشؤم هذه. عدت هنا إلى تسليتي التي بدأت أمارسها حين قرأت بأن الأكاذيب هي بلانهاية بدءا بتلك الخليقة المزعومة وإنتهاء بما يحدث اليوم. فكرة جيّدة ولأنها إنسانية للغاية : أن يبدأ تأريخ الأرض من 2009 كي ينتهي بماقبل الأزمنة الجيولوجية الأربعة . تسلية مبتكرة أليس كذاك ؟ لم يفكر بها أخصب كتاب الخيال العلمي مخيلةً. إذن لندر دولاب الهواء المثير هذا :
إنه الزمن الأركي الذي انتهى ، وللأسف الشديد ، منذ 600 مليون سنة. قبلها بزمن طويل تخلصت الأرض من أوبئة كثيرة لما يسمى بالحياة : سكون جليل لا يلوثه صخب بشري ولاحيواني عموما. آه ، لكم يمر الوقت سريعا. إنه الزمن التالي الباليوزي ( إنتهى منذ 250 مليون سنة ) ، زمن ملعون إلى يوم القيامة وبعده ، فهو زمن الحياة القديمة ( هذا وذاك يسميّه بالزمن الأول الذي لوسمع به مغن مصري لناح عليه في سهرة المساء التي تستمر إلى الفجر! ) ، لعلمكم فيه خمسة عصور : الكمبري ، الردوفيشي ، السيلوري ، الديفوني ، الفحمي / الكاربوني . أكيد أننا الآن في عصور الزمن الميزوزي ، زمن الحياة الوسطى أو الزمن الثاني الذي عبرنا عصوره الثلاثة : الكريتاسي ، الجوراسي ، الترياسي. حان دور الزمن الكاينوزي، زمن الحياة الحديثة ، يا سلام ! يشمل أيضا زمنين : الثالث والرابع. في الثالث أربعة عصور : الأيوسين ، الأوليجوسين ، الميوسين ، البليوسين. الرابع فيه عصران : البليستوسين و … الحديث. أرجوكم الآن أن تبدأوا العد التصاعدي كي تعودوا من عصر الدعارة الألكترونية إلى عصر الصمت الجليل. إقتراح ليس بالسيء ، أليس كذلك ؟ أنا بالخدمة. أظنها معجّنات البارحة ( زاعت ) كل هذه الحقائق عن أحوالي والأرض. لا أقول بأني قد التهمتها من دون روية ، لكن اللعينة بدت طازجة. الغادرة. حتى مذاقها كان بريئا. أشتريتها من أفخر ماركيت حيث تصدح الموسيقى وترّش العطور. هل تجدون أن من الحصافة أن أكتب وصيتي ؟ كثرت أسئلتي إليكم. أنا أعرف بأنكم ستسمعونها بعد رحيلي المفترض. لعلمكم أعتنيت كثيرا بفلم الفيديو هذا فيما يخص الصوت والضوء والديكور الذي تشاهدونه خلفي. صورة الديناصورين - المفترس والنباتي كلفتني بعض الوقت والنقود. أرجو أن لا تعيروا الإنتباه لما أمامي. دواء ضد التسمم. ليس من الصيديلية. معروف منذ زمن الأسلاف الأوائل. الكحول النقي مائة بالمائة تقريبا. C2H5OH . يهود الشمال مغرمون بشرب هذا الكحول. ُبعدُ نظر. ينتقل هو من جدار المعدة إلى الدم. يختصر الطريق ومن دون المرور بالإثني عشر والكبد والأمعاء الدقيقة. توفير للوقت ووقاية من أمراض الثلاثة هذه. أسمح لنفسي بالثرثرة ، فأشرطة الفيديو عندي كثيرة. اشتريتها من لص شارعنا بربع الثمن. هل تعرفون بأنه فيلسوف هاو بل لا تنقصه تلك المؤهلات التي بفضلها ينعت الشخص بالمثقف أوالكاتب. تكلم مرات عدة عن جان جينيه. قال بأنه سيكف عن السرقة بعد أول إعلان من الحكومة أو الدولة بأنها ستقطع دابر كبار السرّاق ولن تنفق الملايين على هذه الحرب وتلك. وهو من أهداني الدفتر الأزرق لمعرفته المسبقة بأن بلية الكتابة قد أدركتني من زمن غابر اليقين . يقينا كان هذا المارق يستدرجني الى فخ أو متاهة . وإلا ما سر اعتكافي على ترويض السديم الشرس لهذه الورقات البكر التي تفوح منها رائحة المستشفيات . فيها رطوبة مندلعة لقبو أو سرداب . طبعا هو أخبرني أن الدفتر كانت تمتلكه سيدة عجوز لفظت أنفاسها الداكنة على السرير رقم 19 . والغريب أن ما خربشته فيه ضاع لأسباب غير معروفة . هو قام بزيارتها يومين في دار العجزة قبل وفاتها وكان قد تفحص دفترها الغريب وليس محض تخمين أن يلهج بكلام جازم حول عدد صفحاته المائة . والخمسون الأولى منه مملوءة عن آخرها مثخنة برسومات وقصائد ووصايا ورسائل ... كان الوحيد من المقربين إليها في عزلتها اليتيمة . وكان من الراجح أنها كتبت له أملاكها في وصية كما يقول لأنه الكائن الذي حافظ على تعاطفه النادر معها وبقي لشهور وأيام يزور حديقة بيتها ويقلم أعشابها ويرعى كلبها الأسود النحيف روميو . قبل أن تؤول هذه الممتلكات الى امرأة منمشة أشد نحافة من روميو طفت إلى سطح التفاصيل الشحيحة لأسرة العجوز التي بعينين ببر ... الفتاة الشاحبة ذات العينين الفستقيين التي كانت تعتني بها في الدار هي من احتفظت له بالدفتر الأزرق وهي للآن لاتعرف كيف انتزعت منه الأوراق الخمسين الأولى إذ كانت على تمام اليقين من أنها فحصتها من أولها إلى آخرها قبل أن تضعها في درج سريرها المخصص لها في دار العجزة مع طاقم المشرفين على تدبيرها ... والعجوز من منحتها الدفتر في آخر ليلة كي يحصل عليه لص شارعنا الصاخب ... هذا الذي يصر على أن يتتبع خيوط السيناريو ليكشف عن اللعبة المحبوكة ضده وضد عجوزه الببرية ... وإن اضمحلت هكذا تفاصيل هلوساته إلى حين ... بقي رقم 19 راسخا في ذهني كما دبوس مغروز فيه ...
فهو رقم الحافلة التي كنت أستقلها الى الجامعة أيام دراستي الرمادية والتي اندلعت فيها النيران ذات اقلاع ونحن محشورين فيها كما سمك السردين ولم يفلت أي منا من مضاعفات الحريق المهول ، مازال أثر ندوبه الفاقعة على ذراعي اليسرى ...
وهو رقم المرحاض الذي وجدت فيه جثة صديقتي الشقراء التي كانت تهوى غيفارا والقيثارة ...
وهو رقم الشارع الذي دهستني فيه دراجة نارية وكسرت ترقوتي ... وهو رقم العمارة التي انتحر فيها صديقي الشاعر ملقيا نفسه من شرفة إحدى طوابقها السبعة ...
وهو رقم المنزل الذي داهم فيه البوليس أستاذ مادة الفلسفة مع زوجة أستاذ الشريعة الإسلامية ...
وهو الرقم المندمغ في قاع كاس شربتها ذات حانة فلما غادرتها كنت أراني منفصلا عني كما شبح يشيعني وعشت على حافة فزع الموت الموعود كل الأسبوع والشهر والسنة ...
وهو الرقم الذي وشمته امرأة على ردفيها نمت معها في سفر إلى باريس وعندما سألتها عن حكاية الرقم أفصحت لي في هذيان الأورجازم بأنه السن الذي فقدت فيه بكارتها، والغريب أن يكون من افتضها قد لفظ أنفاسه بين فخديها لحظتها وكان من مدونة سنها ...
وهو رقم غرفة في فندق بهولندا هجمت علي فيه ليلا غربان فان كوخ التي أخذت ترتطم بسقفها ودولابها وسريرها وهي تنعق بشكل حاد لا يزال صداه إلى الآن غائرا ...
وهو رقم مقعد الطائرة التي لملمت أطرافي في سفر هوليودي بين مدينتين ، فقد ربانها السيطرة على التوازن أثناء الإقلاع بسبب عطب ميكانيكي ومن يدري قد يكون عطبا ميتافزيقيا فسقطت داخل حقل للطماطم ...
وهو رقم الزقاق الموشوم بمواخير الدعارة الذي شهد انكشافي الساذج الأول والأسطوري على فرج مومس وأنا في سن الخمسة عشر فهرولت شائك الفزع من مشهده العابس المقزز وكان مشوها ومتعفنا كأنما صاحبته من ضحايا الإشعاع النووي ...
وهو رقم عدد السجائر التي أدخنها عادة كل يوم لأنني أرفض تدخين آخر سيجارة في علبة ، فليس من اللائق رمي علبة فارغة في عالم فارغ وتلك لباقة واعدة مني أهديها لمتشردي الشوارع ولاقطي الأشياء المهملة فما من حرج أن أعترف : لطالما فحصت علب سجائر ذات زمن بؤس زنخ وكنت أشتم وألعن أصحابها ، كيف لم يحتفظوا لي بواحدة أو لكائن مثلي لا يمتلك ثمنها ، فيما بعد ومع تحسن غرابة الأحوال صارت هذه العلب لاتحصى في شقتي وهي متناسلة ومستفحلة تصلح لأن يشيد بها برج بابل جديد ، أما زجاجات الفودكا فتصلح عمليا لجدار عازل بيني وبين الله ... هو رقم الحجرة المدرسية التي كان يلقن فيها معلم الفرنسية دروسه الضبابية المتعثرة قبل أن يفاجئ المدينة ذات صباح شتائي وهو يركض عاريا كما أدلقته أمه للعالمين صوب قسمه وتلاميذه الهلعين وبعدها زجوا به في أقرب مستشفى للمجانين .
آه أصدقائي المجانين ...
أستميحكم عذرا ونثرا على هذا الاستطراد القاتم ... ولاترك سيرة الرقم ولص الشارع والعجوز ذات العينين الببريين والكلب النحيف روميو وفتاة النزل الشاحبة وووووو ...
امتثلت بعدئد لصوت الكردية الساحر تارا جاف التي ذهبت بخرفان يقظتي وحواسي صوب حافة أو كهف قيلولة شعشعت قبل الأوان . وكنت كمن يغرق في مياه برميل رصاصية . بالكاد أتنفس . كأن حاوية أزبال تجثم على صدري . فوجدتني داخل طابور من تسعة عشر شخصا كما لو نحتشد على بوابة مخيم لوكالة غوث أجنبية . وفي الداخل كان ينتصب السرير رقم 19 ، هو نفسه سرير دار العجزة الذي تجشم لليال وأيام عناء جثة العجوز ذات العينين الببريين . وكانت تستلقي بكل أريحية في قعره معزاة تتقمص جسد امرأة ممتلئ ومترامي الأطراف . امرأة مألوفة جدا وهي تشهر ضرعها الذي يزدهر بتسع عشرة حلمة .
تقدم رئيس عملي الأخلاقي السمج العتيد ورضع من الحلمة الأولى فتحول إلى جرذ ضخم . نظر ذات اليمين وذات الشمال وركض ليغطس في بالوعة المرحاض ...
تقدمت زوجته الطبيبة النفسية ورضعت من الحلمة الثانية فقامت تمتص أصابعها وأزالت تبانها الأصفر وكشفت عن شيئها الذي يشبه جرح المومس الموسوم بتشوه الإشعاع النووي وحاولت أن تتبول مثل رجل من النافذة المطلة على حديقة خريفية ولما فشلت في ذلك حيث تحلب خيطها الأصفر المخلوط بالبنزين بين فخذيها فولولت وصرخت إلى أن تحولت إلى قطة قمامة شعثاء ، غادرت المكان تموء بسفالة باتجاه المرحاض ... تقدمت الفتاة الملائكية فستقية العينين التي كانت تعتني بصحة العجوز قبل موتها . رضعت من الحلمة الثالثة وتحولت إلى أرنب أبيض ، نظرت بخجل إلى الجهات الأربع ثم اختفت في جحر تحت السرير ...
تقدمت العجوز ذات العينين الببريين ورضعت من الحلمة الرابعة ، أمسكت بأحمر شفاه وضمخت ثغرها الصبياني المتغضن . لبست تنورة وردية وحاولت عبثا أن توضب من اعوجاج صدرها المترهل ليصير جامحا ، تلقفت مكنسة في الركن وامتطتها كما حصان ثم أقلعت باتجاه كوكب زحل ...
تقدم لص شارعنا الدموي ورضع من الخامسة فتحول إلى لقلق ، طقطق منقاره طويلا كما لو يشحذه لغزوة على حافة النافذة وحلق باتجاه عشه المفترض فوق برج إيفل أو بيزا ...
تقدم الكلب الأسود الأغبر النحيف روميو ورضع من الحلمة السادسة فتحول إلى ساحر إفريقي يعزف على طبل مصنوع من جلد تمساح ، قفز من النافذة الى السطح المقابل ومن السطح المقابل إلى الشرفة المحاذية وهكذا دواليك ...
تقدمت صديقتي التي وجدوها جثة في مرحاض عمومي ، عاشقة غيفارا والقيثارة ، رضعت من الحلمة السابعة وتحولت إلى شرطية مرور ، لائبة أخذت تصفر في الإتجاهات ، لفظها باب الغرفة إلى الخارج وهي تتمشى في إيقاع ضالع في التناسق صوب رأس الشارع ...
تقدم صديقي الشاعر الذي ألقى بجسده من الطابق السابع ورضع من الحلمة الثامنة وتحول إلى مروض ثعابين بجامع الفنا بمراكش ...
تقدم أستاذ الفلسفة الذي داهمه البوليس على إثر وشاية لم تكن باطلة في سرير مع زوجة أستاذ الشريعة الإسلامية ورضع من الحلمة التاسعة وتحول إلى صاحب مركب صغير حقير في نهر دجلة يهرق (البستات ) من حنجرته الملوثة بالدخان ...
تقدم المعلم الذي ألم به الجنون الشتائي وجاء إلى تلاميذه الهلعين عاريا ذات صباح مثخن بالصقيع ورضع من الحلمة العاشرة وتحول إلى بومة حلقت توا إلى أقرب جدار برتغالي ...
وتقدمت شخوص لاداعي لذكرها الآن ... إلى أن جاء دوري لأرضع من الحلمة الأخيرة أي رقم 19 ، وما أن أجهزت عليها بشفتي الممسوستين حتى ألفتيني أرضع نهد صديقتي عازفة البيانو ...
واستفقت على صيحة حادة من صيحات ماريا كالاس وأنا لاأعرف كيف تحولت المغنية الكردية تارا جاف التي بطش صوتها بيقظتي فنمت كما جندي بعد معركة طاحنة في حانة طبعا وليس في ساحة حرب ومسخت لتصير ماريا كالاس ...

كيف لم يستطع منطق وضيع الى الآن أن يبطل آلة جنوني . ما من سبيل إلى حياة لاتؤتى إلا بالحماقة . كل أوهام هذه الجغرافيا الفاحشة لم تجد لها من مأوى وارف وأثير إلا في جمجمتي . هذه التي سيشرب الشيطان فيها كأسه الأخيرة قبل أن تصعد كتابة جينيريك العالم . وإن كانت تصلح لتصفر فيها رياح الجنوب على كثيب رمل - منتصب كردف إحدى نساء الفنان الكولمبي المولوع بالسمنة فرناندو بوتيرو - رصدت الأمة منه هزائمها الشعثاء وعندها ستكون ملاذا لخنافس تتواشج فيما بينها لشن غزوة صيف على واحة منذورة لمكر السراب ...
آلاف السجائر تحترق في فمي . الأفكار المنبوذة التي لا مكان لها في مدن البشر لها حظ جسامة مع كأسي . حتى لاأقول رأسي . ها هي ذي تقهقه كسمك أزرق وحشي في بركة من برك خيالي الفاسد . خيالي الأفّاق هذا الذي يمتهن حفر القبور بفأس مثلومة . من زمن سحيق تصيدتني البشاعة في هذه المدينة التي استمنى فوقها الشيطان وتبرأ منها الله فسقطت من حساباته العميقة . ليس في وسع هذه الرئة إلا مصادقة هواء الخرائب . دعنا من حفر القبور والشيطان والله وهواء الخرائب . ولنرجع الى ما يمكن أن نستسيغه عن صدق بمحض افتراء . أو أن نستطعمه عن افتراء بمحض صدق أنه حدث البارحة فقط :

كنت قد عزمت على أن أصطاد السمك الأزرق من النهر الذي يشطر المدينة الى نصفين ... هذا السمك الوحشي النادر الذي يقهقه كل ليلة في بركة خيالي الفاسدة ... لما لاأنتهز حماقة اليوم ليكون أبيض بدون تدخين ولاشرب ولا قراءة حتى ؟ هكذا تغاضيت عن وضع علبة السجائر في كيس أغراضي الجلدي – هل من الضروري أن أعترف بأنني اشتريته من لص شارعنا الدموي أيضا وهو لسائح ألماني مهووس بالفوتوغرافيا يعد معرضا لوجوه نساء من شتى البلدان؟ - وبعد أن رتبت الصنارة والقصبة وما يلزم للمجازفة كيفما اتفق طبعا لأنني صياد فاشل ، خرجت بسيارتي إلى ضاحية المدينة وركنتها تماما على ضفة النهر - الذي لايشبه في شيء لا دجلة ولاالفرات ولا أم الربيع – مضى وقت عسير وأنا أرصص وأصفف وأركب وأوالف وأنسق وأدير وأرغي وأزبد وأغني وأرقص وألعن وأبصق وأتأفف وأضحك وأغضب وأغتم وأصرخ وأقفز إلى أن أفلحت وبصعوبة في نصب قصبة الصنارة والإلقاء بالشص مع قطعة الفلين الى إهليلج المياه – هل من المفيد أيضا أن أبوح بأنني اقتنيتها من لص شارعنا دائما ؟ هي لسائح هولندي مهووس برسم بورتريهات النساء العاريات - ورميت بجثماني على الكرسي المخطوط بالأحمر الدامغ - هذا اللون القاني الذي يذكرني بدم مجازر الأضحية الفواح المشرشر في كل أزقة المدينة والبلد – و أنا أدلق أنفاسي وأتأمل كيف تتواشج الغيوم فوقي في إيهامي برسم لوحات سريالية ودادائية وتكعيبية و أتساءل لماذا تصر هذه الغيمات الداعرات على أن تكشف لي أردافها كلما نظرت إليها . غمزت الصنارة ورقصت قطعة الفلين النزقة كما عين إباحية رماشة و ابتهج شيء لعين كالضفادع بداخلي التي أخذت تنق بشبق ... قفزت كما يجدر بصياد محترف صارم على أهبة تدشين اليوم بسمكة بكر وما ألهب هذا الجشع المسرف لي هو الثقل الواضح الذي جعل متن القصبة ينحني الى أقصاه مثل رجل هرم مقوس الظهر على مشارف أن يبوس الأرض وبحركة جزافية رفعت إلى أعلى وكانت خيبتي ضارية إذ أن سلحفاة بليدة أخذت تتأرجح في الشص وهي تلوح بأطرافها كما زوجة بكماء من وراء زجاج . بجسامة العناء خلصتها وكدت أقذفها كما كرة إلى غيهب النهر لولا أن أشرق وجه أمي وانتزعت مني تعاطفا مهترئا ذكرني بشقاوة الطفولة وخطابها الطاعن في شفق الرحمة . فجعلتها على رمل وحشائش تتدبر أمر عودتها الملكية إلى قلعة السلاحف المجيدة . ألقيت بالشص من جديد وأنا أشتم ربها وألعنني من معتوه صدق بلاهة ترك التدخين كيف لايدخن من يدشن نهاره بسلحفاة ... التفت إلى يميني مستشعرا وجود كائن يتقاسم معي كينونة اللحظة واسترعى يقظة غرابتي التي اتسعت للأقصى مشهد صياد أشقر أشعث يدخن ويقرأ ... أدهشني كيف حل بالمكان ومتى وكيف لم أنتبه إلى ذلك . كل تلك الإستفسارات الواطئة تبخرت أمام رغبتي المتوقدة ، الشرهة ، في تدخين سيجارة ولتوه ودون وازع تردد تقدمت نحوه من أجل الحصول على سيجارة . وقفت على تخوم ظله وبادرني بالكلام قبل أن ألقي عليه التحية .
- مصادفة غريبة أن يكون بطل هذه القصة ، قد دشن يومه باصطياد سلحفاة أيضا!!
وكان يعني الكتاب الرمادي الذي بين يديه .. رسمت ابتسامة سمجة وأنا ألفظ جملة لم أفكر فيها حتى ، لأن رغبتي محمومة في تدخين سيجارة لاغير :
- السلحفاة أرحم من أن تدق باب صباحك قحبة فظة ومملة ...
أردفت الجملة بكلام لبق يليق بطلب سيجارة مشتهاة جدا . مدني بها وابتسامته العريضة تكاد تأكل كل وجهه . أضرمتها وسحبت نفسا عميقا أعاد إلى غابة شراييني ابتهاج السديم . عندها انقشع الضباب عن عيني فاسترعى انتباهي أكثر أن عنوان القصة هو ( مسودة مسودنين ) وهو يضع سطرا بقلم رصاص في الصفحة 19 تماما تحت كلمة حذاء رياضي . وكان يحدق في وجهي بعينين فوسفوريتين ، يتدلى من أذنه اليسرى قرط على شكل أفعى رقطاء وقرط آخر يعزز وجهه مغروز في أنفه الأفطس . انسحبت إلى مكاني وقد أمدني بكل العلبة لأنه يمتلك أخرى بينما حيرة عاتية توخزني محاولا تذكر هذا الوجه الفواح برائحة مألوفة عندي ... جيد أننا ندخن نفس نوعية السجائر ولا داعي أيضا لذكر إسمها نكاية بأرباب شركتها الفاحشي الثراء . أشعلت ثانية وثالثة و .. سابعة وأنا أشيع فكرة الإنقطاع عنها والى الأبد . غمزت الصنارة من جديد وكان هناك ثقل غريب يموج ويتأرجح بالفلينة إلى أسفل . لم أقفز كما المرة الأولى ورفعتها ببرود فأثارني جدا أن الغنيمة كانت حذاء رياضيا أخذ يترنح بدوره فيها ومطبوع على دائرة صفراء في أعلاه رقم 19 . أيعقل أن يكون هذا السيناريو مجرد مصادفة ؟ التفت لأتبين ضحكته الشاسعة الشامتة بي . ولم أجد له أثر ظل في المكان . اختفى بطريقة مشبوهة كما حل من قليل . دخنت الثامنة والتاسعة والعاشرة .. كانت هناك جريدة تتقاذفها الريح العانس من مكانه باتجاهي . ستكون الرمية الثالثة والأخيرة في حياتي كصياد أبله هتفت لنفسي الأمارة بالشك و أنا ألقي بالشص هذه المرة كما جمرة . تفحصت الجريدة التي صارت لصيقة بقدمي وكانت كل كتابتها متآكلة بسبب لطخات زيت أو بنزين . إلا صفحة سالمة في آخرها وكانت ركنا خاصا بالقصة القصيرة . وكانت تقويضا لنص تحت عنوان خمس مذكرات زرقاء تبحث عن روائي لكاتب مجهول. نطقت العنوان مرات ومرات محاولا تذكر تفاصيل قراءتها الأولى من زمن و فشلت في ذلك . حاولت أن أقطع صفحتها وطويتها بعناية ووضعتها في جيب سترتي . عندها غمزت الصنارة من جديد . سحقت عقب السيجارة تحت قدمي ورفعت الصنارة الى أعلى ساحبا إلي الشص وكان كيسا أسود هذه المرة ، فككت عقدته الشائكة وأصابني فزع حاد جعلني أصرخ وأرتمي إلى الوراء . كانت يد امرأة مبتورة وفي أحد أصابعها الطويلة الرشيقة خاتم تلتمع فيه لؤلؤة زرقاء ... يشبه إلى حد بعيد خاتم صديقتي عازفة البيانو . بحركات راعشة ولاهثة خلصت الخاتم من الأصبع وأرجعت اليد إلى الكيس وألقيت به إلى غيابة النهر ... ألقيت بصنارة الهولندي المهووس ببورتريهات النساء العاريات أيضا وأنا على يقين مطلق من أنه اليوم الأخير في تجربة هذه الهواية الموحشة . هرعت إلى السيارة وانطلقت بسرعة مجنونة مقفلا إلى شقتي هذه.

حين فتحت بابي شعرت بأني في زمكاني. الخاص بي ولايشاركني أحد فيه. وشأن ضحية من ضحايا التنويم المغناطيسي توجهتُ من دون إرادة إلى الفراش وقبل ذلك وضعت الخاتم في فنجان تجمدت فيه أكثر من قطرة دم صفدت من بكارات مخرومة وآخرها كان من فتاة نزل العجزة ، فستقية العينين ، ادخرته لأيام وأسابيع في ثلاجة كي أكتب به الكلمة الأولى لأجمل وأفظع القصائد على الإطلاق وصار على تلك الحال باهمال مني . كل حياتي يزحف فيها برص الإهمال . شبح اليد المبتورة ظل يطاردني ويستبد بصفو لحظتي زرعت يدي في بطن الساعة ونزعت عقربها الواطئ . مثل إبرة كانت تحرث دماغي في معتقل سري .
/كم من بظر امرأة تحتاج هذه المقلاة لطبخ أومليت بخصيتي ؟!/
يد المرأة المبتورة تسدل الستائر الآن وتشحذ السكين على حجر تيمم مع مياه المرحاض . تعريني في السرير الوضيع وتربط أطرافي إلى مسامير دقت كما يليق بمحفل شهواني مميت . كممت فمي وبنصل السكين شرعت في جرح شفتي السفلى ورسمت خريطة مدينتي الأولى على صدري . أجهزتْ على قضيبي وأيقظتْ أحواله . عندما انتصب كما صارية سفينة لقراصنة أوغاد على أهبة غرق أكيد ، جاءت بالفنجان وأخرجت الخاتم . سكبت دم البكارات المغدور ودهنت تحجره الفظ . وبدل أن تجزه بالسكين أولجتْه في خرم الخاتم وكان ألم ألف قرن يعتصرني . كما دخول جمل في ثقب باب وجدتني أصرخ بشكل حاد ، أركض في زقاق ضيق كما شرج . إنه نفس الزقاق الذي يشبه نفق ارنستو ساباتو الذي حاولت أن أشرب فيه ذات ظهيرة قائظة من خابية تحت دالية على سفح بيت الجميلات النائمات وأمسكت بالقدح الفواح بالقطران ونزعت غطاءها كما ينزع حطاب حقير رأس بلوطة وصعقني ما رأيت ... كان رأس امرأة يخضب المياه الضئيلة في قاع الخابية . وفيما بعد كشفت التحريات أنها فتاة كونطوار / حانة " باب البحر" وقاتلها كان كاتب قصة قصيرة مغمور لم يعثروا له على أثر إلى الآن وكانت تتردد على غرفته في الأسبوع الأخير من تداعيات حتفها الشنيع على سطح بناية من سبع طوابق . وقد استند محضر الجريمة إلى معطيات ضبابية في مسودة قصة قصيرة وجدوها على مائدة إفطاره موقعة بجماعة غريبة تسمى ضد المانيفست ،و معها سكين مضرج بدمها ...

استيقظت وأنا أغني بلغة غير مفهومة. اللحن أتذكره. حزين وطويل. كيف يغني من استيقظ من سيناريو كابوس ؟ ربما كانت من لغات الأرض. ربما حصل اتصال مع جهة ما من الكون ، ربما جرى تشغيل أحد أجزاء دماغي العاطلة. كانت غبطة من النوع الغريب ، أبدا لم تكن هي غبطتنا البشرية المعهودة بل مليئة بحزن مجهول الباعث. لا أعتقد بأن الحمى دفعتني إلى ذاك الغناء. كانت الحرارة طبيعية. أعترف بأني أخذت أقيس حرارتي من حين إلى آخر وخاصة عندما تداهمني الهلوسات والكوابيس. وإذا سمحتم لابد من تذكيركم بأولى الحقائق التي تشوهها جهتان – الإيمان والعلم : الإنسان لايعرف من هو ، بل لايعرف كل شيء عن كيانه المادي.
كسرت سيجارة ودخنت نصفها. بتبغ النصف الآخر حشوت سرتي وأوقدت النار فيه . تلك كانت تسلية عازفة البيانو . التقينا أول مرة على هامش صدفة نادرة الحدوث في مصعد مبنى وزاري أصابه عطب وكنا لوحدينا معلقين في فضاء أحد الطوابق العلوية . لم نعلق بالكلام على الخلل كما يجدر بخطب اللحظة تلك . وكانت الأنفاس مندلعة ووحشية بين رجل وامرأة يكتشفان بعضهما بعضا كما لو في كهف من عصر الديناصورات . ضاجعتها في تنورتها الليلكية قبل أن أعرف من هي . قبل أن تعرف من أنا . ودام عطب المصعد ساعات ثلاث ودقائق معدودة . وكان ما اقترفناه أجمل ما يمكن أن نفعله نكاية بأحد رموز الدولة السيادية . المجنونة ، كانت بدون تبان . امرأة ملوثة بغموض المنافي . كما شفرة تخفي شمس المدن الصقيعية تحت لسانها . في عينيها تتربص النمور وتتوعد كل نظرة ببرق مخلب سافر . أتلمس الآن لؤلؤة الخاتم الأزرق بعد أن فصلتها عن دم الفنجان اليابس . أجس رائحة يدها . يدها التي كلما عزفت على البيانو إلا وأجهشت الحيطان بأعشاب ونباتات زاحفة بكل الاتجاهات . ما من لوحة لاتسكب ألوانها وتمتشق عري البياض . ما من ضوء مصباح لايتقيأ خفافيشه وطيورعتماته الجارحة . ما من مقبرة لاترشق سطوح الأحياء بعظام موتاها ...
أيعقل أن تكون هذه اليد المسكونة بقلق الأبدية هي نفسها التي كشفت عنها مصادفة الصنارة المبتذلة في حادثة النهر السافل ؟
آخر ليلة معها كانت في شرفة شقتها المطلة على مسرح : المسرنمون . بدأنا بشرب الفودكا على متن البيانو الذي بدا شاسعا كما ظهر بارجة حربية . وقررنا أن نقتحم المسرح تحت سطوة وتموجات سكر ماجن مع الثالثة صباحا . الممسوسة كانت تمتلك نسخة من المفاتيح . لم تدع لي برهة كي أسألها كيف حصلت عليها هذه الجامحة كما قصيدة يلهث وراءها شعراء الكوكب على فراسخ مائة قرن ولا يطالون زغب كلماتها ... أضاءت الركح وأسقطت الفستان الأحمر عن صرح جسدها الممتنع عن الانكشاف الصارخ في صورة أحادية ، كما لو يسقط ثوري ستارة عن نصب حرية جديد . وكانت بلاتبان كالعادة . ركضت على الخشبة حافية كما لو على رمل شاطئ وارف تصهل فيه خيول التتار . طلبت مني الصعود إلى غرفة الإنارة كي أدلق حزم الضوء على كتلة بياضها المشبوبة . انخرطت في هذيان محبوك الإشارات ، دامغ الإثارة ، صاعق الدهشة ، شاسع الإغراء وهي تتمرغ بألوان الخيوط التي أرسلها عبر مقصورة السينوغرافيا . أطارد بها انفلات لوحاتها المأهولة بشبق الأقاصي . وكانت مثل زلزال يرقص على أطراف أنامله . الزلزال الذي يتمشى على خيوط الكمنجات . ولفظنا بعدئد غسق الليلة إلى ضفة بحر غير محروسة . مشتبكان على ضلالة ثمل نهتدي بنار صغيرة أضرمناها في حطب مركب مهشم . أقفلنا إلى سرير شقتي هذه الذي يشبه تابوتا وغفونا مثل كائنين طرواديين عادا لتوهما من أتون بطش رحلة هوميرية . ولما استفقت مع ساعة متاخمة لحدود الظهيرة ، على غير عادتي ، لم أجدها في ريش تابوتي الحجلي . غادرت الشقة وقد تركت لي رسالة على المرآة . ألصقتها بلهاث يخضب صفحتها القرمزية وفيها كتبت لي :
"
منذورة للغياب أنا حبيبي...
ذنبي أن خيال أصابعي يشوش على آلة الموت تصالحها مع ضحاياها ... ها طائر الشفق ينقر زجاج نافذتي لهجرة واعدة فيما وراء أقاليم هذا الحصار ...
عش على أمل لقاء خرافي في مصعد آخر ...
انتظرني في موسم عودة البجع ...
قبلة طاعنة في بنفسج الأبدي ..."





لص شارعنا كثرت زياراته. صراحته تصدمني. أقول هذا طالما الحديث يخص مجهولية الإنسان. اللص قصيرالقامة ، نحيلها ، نطقه قريب من الهمس ، عينان رماديتان تميلان إلى الزرقة. تشعان بالذكاء الإبليسي. سيطرة كاملة على الحركات. مشية هادئة لكني انتبهت إلى أنها غالبا ما تصبح بخفة وسرعة القط . كما يليق بلص . اللعين ! كان يفقه بأني لا أصلح شريكا له ، فلا خفة فيّ ولاسرعة تماما مثل نجم إنطفأ قبل ملياردات السنين وصار الآن مشنوقا للفرجة بقرب ثقب أسود لا أعرف لم لم يبتلعه لغاية الآن أو لربما لم يفلح الله في أن يجعله لذوي الألباب قصاصا. إلا أن اللص ، لم يتخل عن فكرته، ولكم هي جنونية ، في أن أصبح شريكا له حتى أنه أخذ يشكو من هذا وذاك :( تنقص هذا الفطنة وذاك الشرف. واحد إبن قحبة ، وكأن أصله لايكفيه عارا بل كان أعور ومجدّر الوجه ، ولك أن تعرف كم من مرة فكرت : أيّ حكمة ربانية في تواجد مثل هذا المخلوق بيننا ، كان يسرقني بانتظام . فكوخه الحقير كان أحسن مكان خزنت فيه الكثير من الرزق.رحت مرة الى هناك ولم أجد الأعور. الكوخ فارغ ! وبقيت أبحث طويلاعن ابن القحبة لكن من دون ثمرة. فصّ ملح وذاب. أكيد أنه لا يعرف الآن لا الجوع ولا العوز. الرزق كان كبيرا وثمينا. أنت يا أستاذي العزيز نزيه من اليافوخ إلى أخمص القدمين. وأنا أعرف مع من أتعامل. دراستي لحماقات علم النفس لم تكن من أخطائي وما أكثرها ! إذن هل ندخل في تفاصيل التعاون والشراكة ؟ لا تقل إنك لست بحاجة الى ثروة، فالكومبيوتر يكاد ينفجر بكل هذه الكتب ... ) . بقي يتكلم أو يثثر طويلا. كنت أهز رأسي رافضا طوال الوقت. عرض اللص مغر لكن كيف التحرر من الخوف. لعلمكم أدرياليني ينافس لعابي في الإفراز. من دون مبالغة فكل ليلة يتبربر دمي و أكاد أتحول إلى واحد من أولئك العمالقة الأسطوريين. عرفت أن إسمه السكندنافي : يتوون أي المفترس. انا أصدق أسطورته حول أنه ، وليس ذلك “ الأثول “ آدم ، كان أول من سكن هذه الأرض وتكاثر في أووتغارد ذلك البلد الغريب. هل أضجرتكم كوابيسي ؟ ما العمل ، هكذا هي حياتي. تكون “ فاهية “ بلا كوابيس. لعلمكم كانت أولى الكوابيس في تلك الجنة ، أفلا يعني كابوسا ذاك الفعل البليد مع التفاحة ثم الطرد ثم مأساة هابيل وقابيل ثم هذا التكاثر السكاني المريع والى آخر مبتكرات الرب المفزعة ؟ وهل تعرفون بأن الموسيقى و الغناء والرقص ترافق جميع كوابيسي تقريبا. خذوا كابوس يوم الجمعة الأخيرة : رقصت فوقي إمرأة. كانت تلك الرقصة الشعبية الإسبانية ( خوتا ). رقصة سريعة سمعت فيها أصوات الصنوج وضربات كعوب الأحذية ، الموجعة . الغريب أنها لم توقظني. سأعمل إستراحة الآن. فرأسي صار بالونا مملوءا بالميثان الكريه الرائحة. معدتي فارغة ودمي ينهش عروقي.هي بطولة حقيقية أني لم أشرب شيئا منذ تشغيل الفيديو. [ فترة الإستراحة استغرقت حوالي الساعتين. يعود إلى مشاهديه ومستمعيه نصف ثمل ] :

تكلمت عن ذاك الشاعر الذي انتحر من الطابق السابع/ أرجوكم أن لا تكترثوا لتجشؤي اللعين/ هو لابد من أن يكون نهاية مقرفة بل بائخة لكل قنينة خمر / كان هذا الشاعر يكتب قصيدة بعد أن انتهى من رش الزهور بمبيد الحشرات /احد الموجودين في ( المسودة ) يقول أن المنتحر كان يغني القصيدة / كان عاريا حين تبول فوق الزهور/ أما أنا فأكتب وخصيتي فوق رأسي عادة / لاداعي للضحك ( تجشؤ )/ فأنا ألبس خوذة لاغير/ خوذة للتصدي للفوضى/ الشظايا تنزل من السماء وأنا أتسلى بزبّي :الملمس الوحيد الساخر أثناء نزيف الوحدة/ ربما هذا الملمس يضاعف من غلياني/ لا أدري/ لكنني متأكد من أن خوذتي كافية لخوض هذه الحرب الصغيرة / حرب مع من ؟ وضد من ؟ غير معلوم / فأنا أتبعثر على مدار الساعة/ ونضالي من أجل لملمة نفسي هو محض لحظة عبثية/ أنا أشبه عامل بدالة يتلقى في اللحظة ذاتها ، الاف نداءات الاستغاثة من مدينة تحترق/ أنا مجرد جهاز استقبال مصاب بالجنون/ لم أعد أفهم شيئا ( تجشؤ )/ كل أصوات الاستغاثة فكرتها مقرفة : إنهم مرعبون يتحدثون عن حياتهم التي على وشك أن تختفي وسط ألسنة النار/ إنهم يحترقون ويصهرهم الألم والفزع/ أعرف أنهم يتحدثون عن كارثة/ لكنني لا أفهم مايقوله كل صوت على حدة/ أتلقى العالم كتلة ً مخاطية ًمن الأصوات. وهذا يؤلمني/ مازال دمي يغلي حتى وهم يلقون فيه المزيد من اللحوم والعظام/ لايمكن أن أغلي وحيدا ومن دون هدف/ أنا بحاجة الى لحم انساني من طراز خاص لكي أطبخه في دمي/ أنا صاحب مطعم. أو شاعر يكتب بقلم غير مرئي/ ما من فرق كبير بالنسبة لحالي/ حفرة من النار تشتهي كل مايلقى اليها/ إنني آكل من دون تخمة ( تجشؤ )/ كل ما تلقونه في دمي سيتحول إلى رماد تحمله الريح الى حيث العدم/ ألقوا في ناري أصواتكم/ أنا لست الله / مجردعامل في بدّالة الخراب./أسمعوني استغاثاتكم التافهة/ آكل ولن يصير لي كرش/ كرشي وهمي مثل الزمن/ لا تكتبوا عن الزمن والموت/ أنتم أكثر بشاعة من المجهول/ وعامل البدالة مصاب بالرهاب/ خصيتاه فوق رأسه وجسده دائم الإهتزازمثل زب يمارس العادة السرية في كوة دبابير ( قهقهة ثم تجشؤ )/ خصيتاي تقوداني لشن حرب على المكان الذي ولدت فيه أيضا / إنه بلد - مرحاض. لاماء فيه/ مرحاض دم/ كل مايتمتع به البيت الذي ولدت فيه أنه أشهر ماكنة لثرم اللحم في التاريخ/ أنا صورة فوتغرافية معلقة على حائط المرحاض/ أتبول في الصورة سلابيح صفر/ ربما يكفي/ لقد جعت سريعا/ لايمكنني المكوث في المرحاض طويلا / دمي يغلي/ ألقوا فيه ستة آلاف ذئب ومليون تمساح / أنا موسيقى تطير في الهواء على هيئة موس حلاقة/ الشجرة التي أمامي وأنا أكتب، لاتحتاج سوى الى نفخة مني ، لتقطيعها ، وليصدروا خشبها الى بلدان الجوع والفزع لصنع طاولة طعام/ الطاولة نظيفة لكن الطعام طين مخلوط بالظلم والوحشية/ هويتي هي الرعب/ أنا من سكان المجهول/ أتقدم من كل إنسان ، أصافحه مثل مهرج ساخر/ أخفي هويتي/ لدي أقنعة للتمويه/ لئلا يودوعني السجن/ بودي أن أدخل زبي في كل من يصافحني أو يتركني هنا وحيدا في البئر/ زبي محراث - صورة بديعة أليس كذك ؟ ( ضحكة قصيرة يعقبها تجشؤ )/ كان من المفروض أن يكون اسمي : هو الذي في رأسه خوذة/ أخض قضيبي من جديد/ مثلما تخض أمٌ جسد طفل يموت بين يديها/ إننا نضاجع بعضنا البعض في كل لحظة/ لهذا لاحاجة لنا للإغواء/ السخرية هو كل مايلزمنا/أن نتقدم مثل قتلة سئموا سفك الدماء/ محترفون ، ولارعشة في الأصابع/ أمنحيني أنت أيها الأم أبنك الميت./دعيني أنزل المسيح وأعلق جسد الصغير لتمزقه الطيور الجارحة/ اغتصبوا بعضكم بعضا، وكأنكم تحصدون حقلا وتغنون/ في رأسي خوذة. وجسدي يهتز/ من فمي يخرج نهر من الجمر/ أنا أصلي من أجل التوقف عن الكتابة / أصابعي ترتجف من فرط الإثارة / في دماغي كومة أفاع. متى تنتهي الليلة ؟ لست متعبا بل مذبوحا بسكاكين غير مرئية ( تجشؤ ) / لكني خائف مما سألقيه في دمي. أنا لا أشبع / كرشي وهمي / الزمن رماد/ أنا مخلب المرارة / أنتم من سأغتصب، لا تفزعوا ! هذا (حجي ربع عرق ) كما نقول في البلد القديم / لاحكمة في هذا الغضب/ كل مافي الأمر أنني أهتز في عاصفة الأصوات / أعرف أنني سأُقذف قريبا فوق جبل الحب/ إنه موضوع ( الحب ) حتى أنني لاأكترث أن أذرق فوقه/ الحزن سجادة يصلي فوقها من يعاني من البواسير/ إنه مجرد ألم لا يشكل نسبة في جحيم العالم الحقيقي / الحرب والسلام / أي الرعب في أزياء كلاسية، هو صفير يشبه موسيقى قروية / الفلاح الذي يحب بقرته يشبه الشاعر الذي يعشق قصيدته / أما الدفاع عن الإنسان من أجل حياة أفضل. فهذا يشبه اللعب بالخصيتين/ أي وأنا أحك رأسي / إنه تفكير كارتوني/ مسلسل درامي منحط ...

ماالذي يعنيه العالم وهذا الدم على قميصي. الإنسان مشهد هزلي، ُيحشر أسفل دمي. إنه مجرد وجبة أخرى من الحطب. أريد أن أسلق العالم . بصقة مسلوقة في الفطور. كم أتمنى أن أدون كل الضراط ( تجشؤ ). أن أجلس في المراحيض العامة والخاصة وفي يدي جهاز تسجيل. أكيد أنني ساخرج من هذه التجربة ، بلحن رائع، سيحتفل العالم فيه كأغنية جبارة. لكنني بحاجة للمزيد من الحطب. لو أمهلني الزمن ، ومنحني 300 سنة أخرى فقط. أكيد أنني سأقضي على آخر نفس يمكن خزنه في حقل الحبوب الأساسية. الجوع هو سنبلة تموت في صحراء إفريقيا. الحب هو طفل في بغداد ينصهر في انفجار. الأدب هو كتلة من الخراء ينزل من السماء كنيزك وينطفيء. الحقيقة حجر. أنا متعب. أنت عاهرة. هل توافق على مضاجعتك بموس الحلاقة. الإنسان ـ القرد الذي حاولوا تنظيفه، مازال يلعق مؤخرته كلما شعر بالخوف أو العاصفة. لايمكن مواصلة المشي في هذا العالم من دون خوذ. فوق رأسي خصيتي. وأنا ذاهب لخوض معركة خاسرة. هناك شجاعة واحدة في هذا العالم. هي الغناء بحنجرة من نار. أما الصراخ وحتى هدوء من يتفلسف فهو جبن ، انسحاب منظم يشبه فاكهة تتعفن في ثلاجة. لكم أن تتصوروني ذلك الشاعر الذي انتحر ، أعترف بأني وقبل كرع الخمر كنت أتقمص دوره . تقمص لا بأس به أليس كذلك؟ إذن لأواصل أداء الدور :

سأنتحر قريبا. لاتنزعجوا. أبحث عن طريقة للموت لاتسقط فيها خوذتي من رأسي. أقصد أن تبقى من مذاق لساني، وعلى الأقل ، ذكرى في فم من سيتلقى الأصوات من بعدي. عذرا ، القيء سيملأ فمي . لابد من الذهاب إلى ...هناك ( يذهب الى الحمام كي يعود بعد بضع دقائق ). طيّب . أقول لكم الآن بأنه لايمكنني السير ولا الكتابة و لاحتى النوم من دون السكين في دماغي. مخيلتي سجن لأشهر السفاحين. إن أطلقتهم أكلوا الأخضر واليابس. في رأسي خوذة، وأنا ذاهب لشراء موزة واحدة. وفي الطريق أشتري من الصيدلية حبوب وجع الرأس. أعطي لصديقتي الموزة والحبوب. أما أنا فاشتريت مسدسا.ها أني أغادر الشرفة. صديقتي عارية في السرير وماء زبي فوق شفتيها ( بكل تأكيد ليست صديقتي عازفة البيانو ). إنها نائمة من فرط اللذة. أقفز إلى الحديقة الخلفية. أرتطم بالأرض. لحظات. ثم تنهض روحي وتسير. أرتدي لباسا داخليا أسود، مرسوم فوقه قمر عملاق. إلى أين أنا ذاهب ؟ صديقتي نامت. اشتريت لها موزة وحبوب للصداع. أسير على الرصيف مثل رقبة دجاجة مذبوحة، والمسدس أسفل حزامي. من أنفي يخرج المخاط. أمسح بباطن كفي الدموع التي تسيح من عيني. قيئ وعصير زبالة هي دموعي. أنا ذاهب لأعترف. أنني أبكي. أنني أبكي نارا ووحولا. لكنني مصر على الوصول إليه. في موقف الباص هناك سكير آخر. الباص يصل بعد أن أدفن السكير أسفل مقعد الإنتظار. في فمه أطلقت الرصاصة. أنا نائم لكنني واثق من خطواتي في هذا الكابوس. أنا وحيد أيضا في باص المجهول هذا. السائق يتوقف في المحطة الأخيرة. أفتح في معدته مجالا لست رصاصات. ينام فوق مقود السيارة وينزف مثل من يصب من زجاجة نبيذ في كأس امرأة عارية. كم أحب المعرفة والجريمة مخلوطة بالجسد العاري. ما أصابني بالجنون في هذه الحفرة هو الغموض. إنه زجاجة مكسورة تغرز في رقبتي وقلبي. وهم حاد الحواف. سم أحقاد. مازال الخراء يسيح من عيوني أحمر وأنا أدخل البار ( لاأذكر أنه نفسه بار الفردوس المعلق ). إنهم يرقصون. موسيقى وكؤوس ورائحة تنبعث من المؤخرات والأفواه. في الزاوية فتاة تبرز حلمة نهديها كأعلان مثل اعلان الكوكا كولا. حلمة نهدها تساوي دولار يكفي لدفن عشرة أطفال في زاوية بعيدة من هذا العالم. أطفال لايحصلون على دولار، لهذا تأكل الطيور لحوم اخوتنا في العراء . أتقدم من البار واطلب كأسا. وفوق رأسي خصيتي خوذتي التي تنبعث منها رائحة السخام. أين هو الطريق الى حفرة الخراء ؟ أسأل فتاة من المفترض أنها مستعدة لتقبيل زبي من دون مقدمات. وأنا الآخر جاهز ، وربما بعد أن أعالج غليان دمي، أن أحزّ بظرها بأسناني. أخرج المسدس. السماء تمطر في الخارج. هناك رائحة مطر تنبعث من الشخص الذي يتبول معي ، وجها لوجه . هو الاخر يرتدي الخوذة. نصوب كلانا في اللحظة نفسها. وحين أفيق ـ يبقى هو في مرآة المرحاض مصوبا مسدسه في وجهي. يبقى هو هناك مرعوبا وينزف وحيدا ….......................

ها أني أعود إليكم بعد خروجي من السجن . إتهموني بجز بظر امرأة وحلمتين قبل أن ترئني ذات المرأة التي لم يسبق لي رؤيتها إلا في بلكونة شقة العمارة المقابلة لشقتي. آه من ثقوب ذاكرتي الفظيعة ... كيف غاب عن بالي أنها كانت تتردد على شقة صديقي الشاعر المنتحر... هل تعرفون أن إذاعة محلية إتصلت بي كي أتحدث لهم عن الشاعر الذي انتحر وقصيدته تلك. إعتذرت. فأنا مشغول الآن بكتابة رواية عن الأصوات وحدها...

أخبركم فقط ( تجشؤ ) أنا من النازلين الآن . يورديم. هكذا هي التسمية الشائعة عن مواطني إسرائيل الذين يتركونها إلى بلدان أخرى ، إلى الولايات المتحدة خاصة. في واقع الحال أنا يورديم عراقي عتيق. كنت قد تحملت كل روائح وعطن البلد القديم ، كل شناعاته ، كل قاذوراته ، كل عصملياته ، كل قرقوشياته ، كل تلك الوجوه القبيحة - دمامل الصديد التي تظهر في التلفزيون بصحبة الأناشيد الحماسية ، أما في الإذاعة فالخبال أشد سعارا. السبب ؟ أظنكم تحزرونه. لا مكان لصور تلك الدمامل على موجات الأثير ولذا لابد من مضاعفة هستيريا هذا الغياب. لكني لم أطق الهستريا المحلية ، البيتية. لكم أن تتصوروا أن طفلين في البيت كانا يترنمان كما اللعب الميكانيكية بأغاني التلفزيون والإذاعة وهتافاتهما المدوية ليل نهار، ولو كان بيد كل واحد منهما سكين لأجهز على الأم والأب وعلى النفس أيضا ، فهما كانا يبحثان عن الفداء داخل البيت أولا. منذئذ فكرت بالهروب. وتحقق بثمن ليس بالباهظ كثيرا. هبطت بي الطائرة في أرض مغطاة بالثلوج لكنها لم تمنعني من السجود وتقبيل تلك الأرض. أطلقت ( صفطة ) من أشنع الشتائم بحق تلك الدمامل. أذكر أن مضيفات الطائرة وعدد من ركابها وقفوا مدهوشين من هذا المنظرغير اليومي : مجنون من الجنوب يقبل الأرض البيضاء ويصرخ بكلام غير مفهوم. باختصار : هربتُ حين وجدت أن الخبال وصل الى عقر الدار ( تجشؤ ). في الجوهر لم يتغير الكثيرعندكم. دمامل جديدة بدل القديمة ، ولماذا ؟ لأن الجسم والدم فاسدان. حين تكلمت بالهاتف مع الأب وصلني نحيب الأم. ( إبني. إحنا صرنا جزء من هذا المستنقع وتعودنا على كل شيء. لا عتب عليك. بس دير بالك على نفسك ، على صحتك ). أقول لكم أردت أن أنحب مثل أمي. بعدها أفرغت صفرائي على مسبّبها الحقيقي. ولو عرفت أين وجهه لصرخت به : أين الحكمة من كل هذا ؟ كفاك تحججا بذلك الخطأ القديم وبتلك التفاحة اللعينة ! لست أنا المقصود هنا بل أقرب الضحايا إلي. أنا مثل مخلوقتك الحرباء أجيد التطبّع والتلوّن، وها أن زمهرير الشمال لايدق عظامي. أنا صرت ، يا أبي ، مثل تلك النباتات التي تنفلق بذورها وتتبرعم وتنمو في درجات الحرارة المنخفضة - من الصفر إلى عشرة تحته ، بل صارت مهنتي التكيّف حتى حين الكتابة ( تجشؤ ) هنا رائحة كافكا وهناك لهاث ميللر وبالقرب مني ينبش بورخيس بعصاه الخيزرانية ، الرهط كله محيط بي وتصلني من دون إنقطاع نصائحه وإرشاداته. أقول لكم كم من مرة أقنعني سيوران بأن لا أتوقع أي شيء من كل هذا اللاشيء. بالطبع أنا أسمع النصائح وأخزنها في مكان تتوفر فيه شروط النماء ، فمن يعلم - قد يستيقظ أحد الأجزاء النائمة من المخ ويؤدي وظيفته : أن يقودني كما الطفل الضائع الى مملكة العدم مثلا. العدم … ( تجشؤ ) … هه... ولم الذهاب إليه. أنا فيه هنا. قلت هذا لكاتب هو نتاج تقليدي لمستنقعنا. رسم بكل عناية ابتسامة إشفاق على وجهه المهموم وجاءني ردّه الذي أراده بالطبع أن يكون مفحما : ( لاعدم هنا بل هذا مجرد وهم أنت عائش فيه ). أعترف لكم بأن الإستفزازالوحيد هنا كانت تلك الإبتسامة التي كما أعتقد قد تعلمها أثناء دورة خاصة ومختصة بإعداد مثل هذا النتاج النمطي لأكثرية المستنقع. لا أعرف أيّ إبليس همس لي بأن أرد الصاع صاعين. صمتت لثوان ثم تحولتُ الى نافورة كلام. وعن حق كان تاكتيكا ناجحا. هكذا بدأت الجولة الأولى مع صاحب الإبتسامة : قلت بصوت خافت من دون أن أنظر إليه : جميفوتيزم je -men – foutisme … إختفت تلك الإبتسامة بعد أن طردها تعبير بليد على الوجه يدل على الحيرة : ( ماذا هناك ؟ أهو يشتمني ؟ أهو يهينني ؟ أهو يحقّرني ؟ أكيد أن الأمر هكذا وإلا من أين هذه ال( إزم ) كما في فاشيزم ؟ ). صار واضحا أنه جاء دوري في التظاهر بالرثاء: ( أخي العزيز. لاتأخذك الظنون بعيدا. كل ما في الأمر قلت جملة فرنسية معروفة صارت فيما بعد من ال(إزم )ات أي ما يسمى بالتوميفيزم ، وعن هذا ليبعدك الإثنان – الله والشيطان ...) بدا نافد الصبر ولذا قاطعني : ( أخي ، شنو القصة ؟ ). قلت بلهجة من يوضح أمرا لطفل صغير : ( المقصود هنا موقف الفرد اللامبالي تماما والمستخف بالقضايا المهمة للمجتمع ولمحيطه وفي أحيان كثيرة تكون هذه اللامبالاة والإستخفاف مثل البوميرانغ الأسترالي : تتوجهان الى نحر ذلك الفرد. الروس يسمونها نابليفتييلستفو. كلمة شائكة أليس كذلك ؟ منحدرها من فعل ( أن تبصق ) وبالطبع على أحدهم أوعلى شيء ما ). صدقوني بأنها كانت تسلية مثيرة لشخص مثلي يتلقى يوميا الطعنات المميتة من كل الجهات. لكن حصل أن إستعاد الرجل تلك الثقة المضحكة بالنفس وراح من جديد يقنعني بأن لاعدم هناك ولاهم يحزنون. وجدت نفسي عاجزا حقا. فالأخذ بالتاكتيك السابق قد لا ينجح. لكن لأحاول :
- هل سمعت يا أخي ب(ناراغونيا ) من عام 1494 أو بسابستيان براندت ؟
هذه المرة ارتسم على وجهه تساؤل لايخلو من الإستغراب ولا من تلك الخيلاء التي كما سمعت يكرسون لتعليمها قدرا كبيرا من الإهتمام :
- هل لهذه الناراغونيا علاقة بعدمك أو شيء من هذا القبيل ؟
وفق تاكتيكي السابق أخذت من جديد بلهجة من يخاطب طفلا صغيرا :
- أبدا. المقصود هنا عنوان مؤلف ذي نزعة إصلاحية ، إجتماعية – سياسية بل كان هجوما قاسيا على أحوال مجتمع معيّن. دعني أوضح لك قصة المؤلف من البداية : هذا المؤلف كتبه براندت باللاتينية وكملحمة شعرية إلا أنه معروف اليوم ، بالطبع ليس لدى الكل ، بمؤلف ساخر عنوانه ( سفينة الحمقى ). كان كتابا مشهورا جدا في المانيا خاصة. وأخذ براندت عند إستخدامه مثل هذا المجاز ، بوصف سفينة مليئة بالحمقى الذين يقودونها أيضا ! هل تعرف إلى أين ؟ إلى تلك الناراغونيا أي جنة الحمقى. ويا عزيزي كان الكتاب نقدا لايرحم لأوربا القرون الوسطى. أبحر في السفينة ممثلو المجتمع بفئاته وطبقاته ومهنه. وقبل الكارثة التي أصابتهم في الطريق الى جنتهم الموعودة ، وصلوا الى شاطيء ( بلد الوفرة الأبدية ) أي Schlaraffenland كما يقول الألمان ، ولدى الإنكليز : Land of Cocaigne والفرنجة : Cocagne . ربما سمعتَ بالفرنساوي ميشيل فوكو ، كان واحدا منكم لكن ليس إلى النهاية. قام في أحد أشهر مؤلفاته ( تاريخ الجنون في حقبة الكلاسية المحدثة ) ، بتحليل عجيب غريب لهذا الموتيف ( أخذت أحشو كلامي عامدا بمصطلحات يخلو منها إنجيل الإلتزام لكني لا أكررها عليكم الآن ) أي تلك البراكتيك الهمجية من القرون الوسطى. سألته :
- وأنت يا أخي العزيزهل تحزرها ؟
سكت قليلا ثم قال :
- أخي. واصل كلامك.
وهكذا واصلت :
- كان القصد من تلك البراكتيك التخلص من المجانين والقاصرين عقليا بشحنهم في سفينة أو وسيلة بحرية أخرى تقل جماعات من الحجاج أو التجار يوصون برعاية المجانين ، و أحيانا يكون البحارة من يرعاهم . بهذه الصورة يجد المجنون نفسه في مكان غريب تماما. فوكو يقوم بترميز البراكتيك أي هذا الإرسال الى جهة مجهولة ، بوسيلة الماء تماما كما حصل مع اليهود عند عبورهم البحر الأحمر أو التعميد عند المسيحيين بالتغطيس في الماء. العزيز ميشيل يكتب عن العقل واللاعقل. الثاني هو أحد مقررات determinants أصالة الثقافة الغربية ، والعلاقة بين الإثنين رافقت هذه الثقافة قبل ظهور جيروم بوش وستبقى بعد نيتشه وأرتو. بالمناسبة لا أعرف إن كنت قد سمعت بجيروم بوش ؟
- فرنسي آخر أيضا ؟
- لا يا أخي العزيز ، هو مصور نيديرلاندي. لم يمنعه إيمانه من تصوير كوابيسه وإطلاق اللاوعي من عقاله. السورياليون يدعون أنه ملهمهم وخاصة حين يحشد في لوحاته مثل هذا القدر المفزع من التراميز. في كثير من الأحيان يكرسها لخطايا الإنسان إزاء الله والحياة والكون. أنا شخصيا أذهل في كل مرة حين يفضح نقص الإنسان وهشاشته المؤسية. هل تعرف بأني كنت أقضي وقتا طويلا محدقا في لوحته ( الإشفاء من الحماقة ) أو ثلاثيته ( حديقة الملذات الأرضية ). كتبت أجمل قصصي عن ( الإشفاء من الحماقة ) حتى أني نشرت معها صورة لها. هل قرأتها ؟
- لا أتذكر.
- لا يا أخي. قراءة مثل هذه الهرطقة الصغيرة ليست إنحرافا عن صراطك المستقيم ولا تحريفا لأي مبدأ سام ٍ. جواب من نوع (لا أتذكر ) كان ، والأكيد أنه لا يزال أيضا ، ممارسا في أشهر التحقيقات والمحاكمات. ولذا يكون زعلي مبررا. وداعا !
أعترف بأني كنت أمثل دورا مزدوجا : دور مهرج صغير يدعي الحكمة ، ودور كاتب يقرضه ، بإستمرار ، شعور بائس بأنه مهان ومن دون حق. هيء هيء هيء ، ما رأيكم بالإثارة التي تأتي بها تسلية من هذا ... ( تجشؤ ) … النوع ؟.......................

( يفتح الباب. يدخل ثلاثة رجال ملثمين. لم ينتبهوا إلى عمل الفيديو. يجري مثل هذا الحوار :
الملثم الذي يبدو أنه رئيس المجموعة :
- ظننت أنك في حفرة الكفار هذه ستكون بمنجى عن العقاب. وقبل أن نقطع لسانك ويدك اليمنى لابد أن تعرف : سنستأصلكم مثل الطفيليات، سننظف أرض الله الطاهرة من نجاساتكم. رب العالمين غفور رحيم لكن لكل شيء حدّه وإذا زاد إنقلب الى ضده. إذن حان وقت العقاب الشديد. ننصحك قبلها أن تنطق بالشهادة .
- - وكيف لي أن أنطق بالشهادة وقد صدر الحكم عليّ ؟! اخوتي ، كل هذا عبث في عبث. سأذهب أنا الى عدمي وأنتم فيما بعد إلى عدمكم الذي تؤمنون بأن له إسما آخر. وفي الأخير لا أجد نفسي مذنبا بل كل ما في الأمر أني جهرت برأي آخر. لم أكن البادي بالهجوم. فربكم هو الباديء. يكفي أن تنظروا حواليكم بل يكفي وجودكم في بيتي وإغتصابكم حريتي وحياتي. قبل كل شيء لم هذه العجلة طالما أن زعيمكم القاطن في الأعلى قد حسم المسألة من زمان ورسم مسبقا مصير الإنسان بإختراعه الجنة والنار.إذن صدرالحكم عليّ ، و لا أجد ضرورة في أن تكلفوا أنفسكم بمثل هذا الحضور ذي الإخراج المسرحي السيء. بالطبع هو مخالف لشريعة ربكم قبل كل شيء. طيّب ، قبل أن أذهب الى عدمي أرجو أن تبرزوا التخويل الرباني لكم بقطع لساني ويدي وبعدها يمكنكم إنزال الستار على هذه السخافة الكبرى المسماة بالحياة. أما سيجارتي الأخيرة فلتكن هكذا : أن أستمع إلى باخ وأشرب نبيذي الإسباني وأراجع ما ترجمته من شذرات لمجّدّف آخر لم يحالفه الحظ بزيارة كزيارتكم هذه.
- أنت تهذي يا كافر .
- أشكرك على هذا التقدير لما أقوله. أجد نفسي مرغما على أن أشرح لك الفروق بين الهذيان والثرثرة. الأول كشف لباطن الإنسان في حين أن الثرثرة قيء أفرغه الوعي لاغير. طيّب ، من العبث إقناعكم بحكمة نبيكم القائل : لكم دينكم ولي ديني. إذن إفتحوا الباب أمام عدمي الذي آمل أن يكون أكثر رأفة بي من هذه الحياة التي أغادرها وأسفي بالغ لكوني لم أعلم من كان مرتكبها الحقيقي. وقد تعرفون بأن هناك فرضية لم تفند لغاية الآن مفادها أن الحياة قد بذرت على الأرض بعد أن انتقلت من حالة السديم الى سيّار يدور حول الشمس. لكم أن تتصورا بأن مركبة فضاء حطت على الأرض وفتح طاقمها بضعة صناديق وحصل بذارالحياة. لا أظن أن فلما سينمائيا يصورهذا الفصل البالغ الإثارة في تأريخنا سيمنى بالفشل. والآن إبدأوا عملكم ، فبعد قليل سيحل موعد زيارة صديق عزيز لي، ولا أريدها أن تضايقكم خاصة أنكم في الأساس تقدمون لي خدمة حميدة. عندما ينتهي عملكم أرجو أن تتركوا هذا الجسم على حاله . فصديقي معتاد على منظر الدماء والجثث.
- لقد هذيت بما فيه الكفاية. ستذهب الى الجحيم بدلا عن عدمك …
" يبدأ قطع اللسان واليد اليمنى ثم الرأس. يسرع الملثمون بمغادرة المكان ومن دون أن ينتبهوا الى الفيديو. يدخل الصديق بعد دقائق. يوقف الفيديو ثم يخرج هاتفه المحمول كي يبلغ البوليس بالجريمة. بعدها ببضعة أيام يحصل على نسخة من فلم الفيديو. فقد قرر مع صديق آخر أن يكملوا تصوير الفصول التالية من العبث. "
بحثت أولا عن لص الشارع كي يتقمص هذه المرة دور المتحري. فلابد من معرفة هوية القتلة. أماعقيدتهم فأنا أعرفها. قال اللص الذي بقي لأيام طويلة مصعوقا بعد مقتل الأستاذ العزيز كاتب القصة القصيرة المغمور :
- سأفعل كل شيء كي أصل الى أبناء العاهرة هؤلاء...
أطلق دزينة من الشتائم والنعوت عليهم لكنه تجنب الكلام عما يزمع عمله وكيف الوصول الى ( أبناء العاهرة ). إكتفى بالقول :
- قليلا من الصبر رجاءً. ) ...
بهذه الصورة عدت الى جحيمي الخاص. في الحقيقة كل شيء رتيب ومكرور فيه. لكن ، يا للعنة ، أجد دائما أن هناك حاجة شيطانية إلى الكلام عنه. ربما عن كاثارسيس، عن عزاء ما يبحث السذج عنه عادة .
لاجديد تحت شمسي الخامدة . فحنجرتي تقرحت. الأرق سرطان في رئة الطمأنينة. أشعر أن صوتي سيختفي. وهذا أفضل. أريد أن أنام. أن أغفو وفي رأسي لحن عن الصمت. سأكتفي بهذا القدر من مصارعة الألم. أشتهي النوم مثلما تشتهي أرض قاحلة قطرة مطر. سأروي في ذهني هذه الحكاية وأخلد للنوم. وإن لم أفلح في المحاولة الأولى. سأواصل تدليل ذهني مثل طفل. سأروي له الحكايات إلى أن يغفو. حكايات ناقصة. مثل الانسان. وحين أختفي ، افتحوا دماغي. ستعثورن على سم وحكايات. هناك أيضا صورة الحياة على هيئة بقعة دم سائبة منقوشة على راحة كف طفل:
كان يا ماكان ياذهني الصغير. كانت هناك مدينة تنعم بالكآبة والسلام. مدينة من مدن هذا العالم المعاصر. وذات وم خريفي عاد وممل، ظهر شاب عار وعلى ركبتيه كتاب سميك مفتوح. كان جالسا في الجزرة الوسطية للخط السريع يقرأ في كتابه، غارقا في وحدته ، وكأنه غير موجود في هذا العالم. حاولت قوات الجيش بكل ماتملكه من خبرة ومعدات مساعدة رجال الشرطة لكنهم فشلوا في مسكه مما أحرج الحكومة ودفع الناس إلى التظاهر مطالبين الحكومة بالكف عن مطاردة الشاب. آخرون خرجوا في مظاهرات مضادة : طالبوا الحكومة بالتخلص من الشاب أو أن تستقيل.وهكذا تحول الشاب إلى كابوس وأيقونة في الوقت نفسه. وكان هذا القارئ الوحيد والغامض يختفي كلما اقترب منه أحد لكنه يمكث هناك إذا لم يضايقه أحد أو يقترب منه. وحشدت وسائل الإعلام كل الخبراء والساسة والمهرجين والمتطفلين للحديث عن هذا القارئ وتفسير ما يحدث خاصة أنه تكرر ظهور الشاب واختفاؤه في أماكن عدة. وظهر مرة أخرى جالسا فوق قمة شجرة عالية بالهيئة نفسها : عار وعلى ركبتيه كتاب سميك. وحين طوق رجال الشرطة والإطفاء الشجرة بالسلالم والرافعات ، اختفى الشاب كالمعتاد.وكما تختفي الصورة لحظة اغلاق التلفاز. وعلى هذا المنوال استمر ظهور الشاب في أكثر الأماكن خطرا و غرابة في عيون ناس المدينة. ظهر فوق سطوح البنايات العالية وفي وسط البحيرة وجلس على أسلاك أعمدة الجهد العالي. حاول الجيش بطائراته المروحية ومظليه وقواته الخاصة القبض عليه، لكن اختفاءه السريع كان الرد الحاسم على كل محاولاتهم. تطوع أيضا كثير من المغامرين للإمساك به و فقد رجل أصلع حياته في محاولة الوصول إلى الشاب عندما كان جالسا فوق قطار مترو الأنفاق السريع يقرأ في كتابه، متوحدا مع نفسه ، وكأنه ظل من عالم آخر. الجدل المتواصل والتفسيرات الدينية والعلمية والفلسفية والشعرية عجزت عن الوصول إلى أجوبة مقنعة. وظل الجميع في دوامة من الإستنتاجات المكرورة والسطحية لاغير : ربما يكون الشاب زائرا من كوكب آخر ، علامة جارحة من علامات الله للتذكير بقراءة كتابه المقدس. إنها ظاهرة بصرية بحاجة الى دراسة معمقة. قد تكون صورة ثلاثية الأبعاد تبثها أجهزة مخابرات دولة معادية. ربما هو ساحر. مسيح دجال. سوبرمان. وهكذا انقسمت الجماهير ومن يمثلوه في البرلمان إلى جبهتين. ووصل الأمر إلى أن حذر بعضهم من خطر اندلاع حرب أهلية. فالفوضى سادت تقريبا. وراح الناس يأتون أفواجا من المدن والقرى لرؤية ما يحدث في تلك المدينة . وأخذت قرود الصحافة العالمية والأجانب يغرقون ، كالطوفان ، المطارات والموانئ ومحطات القطار. و أعلنت جبهة المدافعين عن الشاب ، أن جلوسه بهذه الطريقة للقراءة لايؤثر على سيادة البلد ولا يعرض أمن أي مواطن إلى الخطر، بل من المفروض المحافظة على أصالة هذا الحدث قدر المستطاع ، واستثماره في قطاع السياحة ، وتحفيز مخيلة العلماء والأدباء والناس في محاولة تفسير هذا الحلم الجميل الذي ظهر فجأة في المدينة. أما الحكومة وجمهورها، فكانوا يعتقدون بأن على الغرابة والكوابيس وحتى الأحلام الجميلة أن تبقى في أوقات النوم فقط. فلايعقل أن تكون الكوابيس معلقة على أسلاك الكهرباء وعلى السطوح. فمثل هذه الغرابة تشكل خطرا لايمكن التكهن بعواقبه، كما أن ظهور الشاب واختفاءه بهذه الطريقة يثير هلع عدد ليس بالقليل من المواطنين. وهذا كله يعد إخلالا صارخا بأمن وسكينة الناس و البلاد. ومازاد من رعب السلطات و الناس أن الشباب أخذوا يحاكون ذلك القاريء مما دفع الشرطة إلى التدخل،و أخذت تطاردهم وتحول دون تعريض نفوسهم الى أخطار هذا الصنف من المطالعة. فهم ، مثلا ، راحوا يتعرون ويجلسون في الشوارع و أماكن خطرة أخرى وهم يقرأون في كتب سميكة. وبسرعة صارت صورة القارئ الأول أيقونة. طبعت صورته على القمصان والبناطيل ورسمت على الجدران وفي أنفاق المترو والباصات وعلى الألبسة الداخلية والأحذية والجوارب والصحون والحقائب وتشكلت جمعيات عديدة للدفاع عن حق الإنسان بالقراءة عاريا وفي أي مكان يختاره، وتشكل حزب جديد اسمه القارئ العاري. وبفضل هذه الأحداث التي صنعها المغامرون والفضوليون والمتعصبون أختفت الكآبة وحلت محلها الأثارة والمتعة. صحيح أن ظهور الشاب واختفاءه صار حدثا يوميا لكنه ظل خارج المألوف مما جعل المدينة قبلة للزوار من مختلف البلدان وبذلك لقي قطاع السياحة الإنتعاش و الإزدهار بوتيرة جنونية. ودامت الحال أكثر من عام. وبقي القاريء الأول ممسكا بكتابه السميك في شتى الأماكن التي يصعب الوصول إليها ، واستمر الجيش والشرطة بمطاردة قارئنا . وقد وقعت حوادث كثيرة سببها تهور الناس وحماقتهم ، كماحدث قتال دموي في أحد الأحياء حين حاول شبان أن يقذفوا بالحجارة القارئ الجالس على عمود الكهرباء ليلا للقراءة ، بينما حماه آخرون، وحصل اشتباك بين الطرفين وسالت الدماء. لم أتابع الحكاية ، فخدر النعاس أخذ يغزو جسمي ، وما أن أطبقت جفني، حتى اختفت المدينة ولم يبق منها غير ضوء شحيح ، وكان القارئ الأول يجلس عاريا مرتجفا يحاول مواصلة القراءة في مثل تلك العتمة، وبعدها تقيأ أحشاءه ، وأغرق ذهني بالدم. وياليتني لا افيق! فأنا لا أريد ابتكار حكاية طفولية أخرى من أجل النوم. وأنت ياخالق كل هذا ... تبا لك ... وتبا للمعرفة والعدم ...
>
عموما هل أعجبكم هذياني السردي هذا ؟ ومن دون زعل أخبركم بأن ما تفكرون به عني وحكايتي هذه لا يعنيني ولو بقدر ذرة واحدة. فأنا لي كوني الخاص بي و لكل منكم كونه ذو الصنفين من الأبواب : بعضها مفتوح وآخر محكم الإغلاق . أليس كذلك؟ كذلك هل لاحظتم الجديد عندي الآن ؟ لقد اختفى التجشؤ ! و إذا سمحتم سأوقف الآن الفيديو لكن لفترة لا أعلم أمدها بالضبط ، في نيتي البكاء و الصراخ و تحطيم بعض الأشياء تخليدا لذكرى موتي المزعوم في حنايا الكابوس .............................
....... .......................................... ......................................................

مباغتة محفوفة بأزرق الدهشة تلك التي اكتشفت فيها بأن للص الشارع أخا توأم ، وهو يعمل كحارس لنزل العجزة الذي لفظت فيه العجوز ذات العينين الببريين أنفاسها الداكنة. تفاصيل ملتهبة يحتدم فيها ريق البوح الجارح للسان لص الشارع ، لاهجا بنبش ذاكرته المعشوشبة ، يطلق ضحكات هستيرية يتردد صداها بفحش في فراغ الحجرات الداخلية لشقتي ، يدلق كؤوس الفودكا في نفق حلقه ويضطرم خيط تعاويذه الماجنة ، يخرج صورة أخيه التوأم من جيب سترته الأيسر ، ينقر عليها بأصابعه الخروبية ، يقبله بصوت مسموع ويطلعني عل قسمات وجهه الناري كما هندي أحمر ، اللعين ( يتحدث عن أخيه دائما ) لقد اعترف لي بأنه ينام مع مديرة نزل العجزة ، الأرملة الأربعينية التي توفى زوجها صاحب النزل سابقا في حادثة غرق بالنهر الذي يشطر المدينة إلى نصفين . وقبل أن يشيعني على عتبة الباب ببريق من عينيه المتقدتين كما هررة البراري ، يصدح لي بجملة ضاعفت من مباغتة زيارته المنقوعة ببنفسج البوح والهذيان : عذرا نسيت أن أصطحب معي الأوراق الخمسين المبتورة من دفتر العجوز الأزرق .
بعد صمت أضرم فيه سيجارة ولهاثه يخرم تواتر صوته ... يضيف لي : أخي التوأم من عثر على الأوراق في درج مكتب شقتها وهو من منحني إياها لسبق معرفته ببحثي اللائب عنها ... يرسم ابتسامة وضيعة ويلعن السماء ... ثم يختم : للأسف ... لم يكن فيها ما يدل على أنها كتبت لي وصية ... هي رسومات غريبة وقصائد واعترافات ...سآتيك بها في غضون هذين اليومين أو ثلاثة على أبعد تقدير فلابد أن أسر لك بأنني مقبل على انجاز مخاطرة الآن ، ربما تكون أهم مخاطرة في حياتي الكلبية ... حظ موفق أستاذي العزيز إن لم نلتق بعد الان ...
الملعون هو الذي سيقدم على المغامرة ويرشقني بأمنية الحظ الموفق كأنني أنا من سينجز أو سيرتكب الجريمة ومن أدراني أنها جريمة أصلا ؟ هو راسخ الإعتقاد بأنني شريكه في كل ما اقترفه حتى الآن منها ، المفترضة منها والتي حدثت بالفعل ... لقد استفز رغبة شرهة بداخلي لاكتشاف الأوراق المبتورة من الدفتر الأزرق وكلي يقين دامغ بأن فيها ما يعنيني بشكل أو بآخر ... رائحة شبهة تجعل حدوسي ضارية وحماسية وهي تهمس لي بصوت خفي بأن متاهة شرسة كما عصيدة تترقب بأن أزرع فيها يدي ... وما لص الشارع إلا أحد أبطال هذه اللعبة التي تشبه مربكة الحدائق المتشعبة . وكان بإمكانه اصطحاب الأوراق المبتورة من الدفتر في تلك اللحظة ولا يتعلق الأمر بسهو من باله الحاد كما شفرة حلاقة ، بل نكاية بي لإدمان خيالي هكذا مسوخ ذهنية وآثار قتل وحيثيات ألغاز ووشوم مذكرات واعترافات غرائبية ...

مثل نبض عرق في صدغي استيقظت فكرة ملاحقة لص الشارع ورصد حركاته الليلة . دون أن أتردد قفزت من الكرسي كما أيل كسول وانتعلت الحذاء الرياضي الأحمر ، عندها رن جرس باب الشقة وكانت الفتاة فستقية العينين ، لابد أن هذا الملوث المجنون لص الشارع يدبر لي دسيسة ما أعمق مما يمكن أن أتصوره وإلا ماذا تفعل هذه البلهاء هنا بدقائق معدودة من مغادرته هو ، لقد فاتني أن أخبركم بأنها مشروع زوجة له وإن كانت قد أهدتني غشاءها القرمزي ذات ليلة فودكا منفلتة فلم أكن أعلم لحظتها أنها معشوقته ولما أطلعني على الأمر بعدئد وقد مر على الحادثة الدموية سبعة أشهر ، تكلس لساني في فمي وما أسعفني حتى الشرب في أن أجهر بسيناريو نومي معها في تداعيات تلك الليلة الدموية ... لم يمعن تفكيري في العلاقة المهزوزة بينهما ولم أعط المسألة أكثر من حجمها أو ما يليق بها من اهتمام ، لانهماكي بما يزلزل ضفاف حياتي هذه الأيام ... ترسم قبلة في خدي وتتجه مباشرة نحو علبة الدخان الملقاة على الأريكة وتوقد سيجارة قبل أن تنبس بأي بنت شفة لقيطة ومثل كل مرة تزورني وهي إطلالات لم تتجاوز العشر ، تشرع في الكلام كيفما اتفق دون أن تعير سبب مجيئها الي انتباها وتزودني بشتات التفاصيل المثخنة عن النزل وصاحبته ، عن المقيمات الجديدات وحكاياتهن ذات التجاعيد والثآليل المتناسلة وها قد فوتت علي لحظة ملاحقة فتاها الدموي إن لم يكن الأمر بتدبير منه ... وكي أقطع انسياب مويجاتها الشاسعة زبدا وملحا ألقيت بحجرة السؤال البيضاء إلى قعر النهر صائحا بها :
-الغريب أنك لم تخبريني بتوأم فتاك البربري ولا مرة جاءت ضجة ثرثراتك على ذكر هذا ؟
هل لي أن أعرف كيف تفصلين بينهما والشبه يكاد يكون مطلقا بينهما ؟
على ذكر توأم فتاي الأبله هذا ...
ودون أن توافيني بالإجابة المطلوبة والمرغوبة لوخز السؤال تنجح كما كل مرة في الانفلات كما سمك الحنكليس عن نباهة من ذهنها الألمعي فتتوجه بشظايا انتباهي إلى سطوة إحدى دوائرها الحلزونية المرسومة بدقة الطرز الذي كانت تمتهنه أصلا على الثوب. وتفصح لي عن الذي سيجعلني أرتب أطرافي على الكرسي وأنا أصيخ السمع بارتعاش ، تقول وهي تدخن السيجارة الثانية واضعة ساقا على ساق وهي ترنحها ذات اليمين وذات الشمال ، بأن صديقا لحارس النزل أي توأم لص الشارع وهو أشقر أشعث يضع قرطا في أذنه وأخرى يزرعها في أنفه الأفطس قد عثر صدفة في حادثة صيد بصنارة على يد امرأة في النهر الذي يشطر المدينة الى نصفين وقد بلغ الشرطة على ذلك وهم يقومون بالتحريات اللازمة لإيجاد أعضاء المرأة الأخرى و كلهم حيرة يؤرقهم لغز اليد المبتورة للعثور على رأس الخيط نحو ملابسات الجريمة ومن يكون الشخص المريض الذي يقف وراءها ... ولاتقف آلة حصادها عند هذه التخوم بل توقظ الدهشة القصوى في بريق عيني وهي تستفرد بانصياع وجومي واهتمامي الكلي ، كانت تدخن السيجارة السابعة وهي تقذفني بإثنتين وتقف عند الشرفة تتسلى بإهراق الدخان وتضيف بأن الأشقر صديق حارس النزل عازف موهوب على آلة البيانو ، كيف لا وهو تلميذ أستاذة البيانو الشهيرة في معهد المدينة الموسيقي ، تلك التي يشيع عنها المقربون منها اختفاءها لأسباب غامضة ... لا أشعر بها إلا وقد نزعت عنها أزرار الفستان وقد حررت حجلي صدرها السائبين وهي تقرفص أمامي فواحة بهمس الرغبة الحارق ...:
ضاجعني الآن أيها الملعون ...
ولم يدم سيناريو مواقعتها إلا دقائق مستعجلة الأمر لصالح مغامرة تنتظرها بالخارج كما تقول ... على باب الشقة تشيعني بنفس جملة لص الشارع :
حظ موفق أستاذي العزيز إن لم نلتق بعد الان ...
لابد من ملاحقتها ورصد حركاتها الليلة قلت لنفسي ، فربما أعثر على الطريق الملكية التي ستجلو عن عيني كل هذا الضباب الحقود ... وأنا أعيد انتعال الحذاء الرياضي سيرن باب الشقة من جديد ، وكانت قامة فارعة لرجل أصلع يحمل حقيبة جلدية ( كالتي حملتها الى صيد السمك الأزرق هي نفسها التي اقتنيتها بثمن بخس من لص الشارع وأخبرني أنها لسائح ألماني يحترف فن الفوتوغرافيا ) بلغة انجليزية ركيكة سيبادر الى الاعتذار عن الازعاج ويستميحني عذرا في أن يشرب معي قهوة في أي مكان أختاره ، وقبل أن أنطق بكلمة وأنا غارق في مياه الدهشة حد أذني سيحاول أن يطرد عصافير الغرابة المحومة حول رأسي بأن أوضح لي أكثر :
أنا فنان ألماني وصديقك بائع الخرداوات ( ويعني لص الشارع ) من دلني على عنوانك ، فأنت الوحيد الذي يمكن أن يساعدني بمعلومات حول مشروع فني أعد له ...
أرحب به في الشقة ... هو يشرب قهوة وأنا أشرب كأس ويسكي راشقا إياه بنظرات فاحصة ... برشفة واحدة من فنجانه أعقبها بإشعال سيجار كوبي وغطس مباشرة في صهريج الحكاية المشوشة ولم ينقشع لي سديمها المشبوه بعد ... أطلعني على فكرة مشروعه التي يخصصها للحفر في وجوه نساء من شتى الجنسيات ... ما يشبه أركيولوجيا في طبقات وحالات ووضعيات ونظرات يرصد لشعريتها وقلقها وما تستضمره من أسئلة وما تحيل عليه من أنماط وجود ... الخ
- أوكي ... إلى الآن المشروع جميل وهنيئا مسبقا ... لكن ما دخلي أنا بالأمر ؟
كان هذا استفساري الوحيد واللحوح الذي حاولت أن أحد به من تلاطم الصور والوجوه في استفاضة خطابه الأنيق والمرتب له بعناية فائقة كيف لا وانجليزيته كانت ركيكة قبل قليل من الآن. طبعا لأنه ألماني كما يزعم ولايجيد النطق بلغة أخرى غير نثر أدبيات من لغة شكسبير ...
خدمتك الجليلة التي يتوقف عليها مشروعي أن تدلني على وجه امرأة عربية تضع وشما في ذقنها أو مابين حاجبيها وهي نادرة هنا على ما أعتقد ولو مسنة سيدي الكريم لتكتمل بها سيرة معرضي المرتقب قريبا ... يقول لي ...
أسائله كيف لايسافر إلى بلد عربي ويحصل على ما يريد بأيسر الطرق ، أما هنا في هامش هذا المنفى السحيق فهي لحظة نادرة جدا ما سيصادف فيها إمرأة بتلك المواصفات ... يرتبك قبل أن يسوغ كلامه بحشو غير مفهوم مفاده أنه مضغوط بوقت وشروط لاتتيح له السفر لأن موعد المعرض وشيك ...
لاأعرف كيف غابت عن بالي زوجة صديق فلسطيني يتضرج كل جسدها وشوما ، يقطن قريبا من ناحية أرخبيل العمارات التي أسكن في إحداها ... وحتى لو تذكرته فهو لاجئ سياسي ومضروب بحراسة وأنا لم أره منذ انتحر صديقي الشاعر الذي كان يقيم في الطابق السابع تحته بنفس العمارة ، يحييني على عتبة باب الشقة وهو يحني قامته الفارعة كي يقفز الى المصعد وتبقى نظرته الصارمة الفظة اللأمان فيها شاخصة وراسخة في مخيلتي بعد أن اعتذرت له عن الأمر ...
أخلع عني الحذاء الرياضي الأحمر وأرتدي آخر أسود من نوع بروطكان وأخرج لأقرب حانة ...
في حانة الفردوس المعلق سأشرب كأس ويسكي ثان لنفاد ذخيرة الكحول في شقتي ، صاحت بي امرأة الكنطوار التي ملأت لي كأسي الثالثة بأن شخصا يرفع قدحه من أجل صحتي في آخر المصطبة ، التفت مستنكرا هذا الذي يود إزعاجي و يزعم معرفتي في المكان الذي لاأزوره إلا لماما ، وتقع عيني على الفتى الأشقر ، الأشعث ، صاحب الأنف الأفطس ، صياد النهر الذي يشطر المدينة إلى نصفين ، وكان إلى جانبه لص الشارع بل أخوه التوأم كما سيتضح لي فيما بعد لأن ملامح وجهه ظلت باردة وجليدية وهي تتفحص بحياد تضاريس وجهي ، رفعت لهما قدحي ولوحا لي بأن أشاركهما طقس شربهما ، وشوشت لامرأة الكنطوار الشبيهة بمانيكان بأن تقدم لهما كأسين إضافيين على حسابي ومعهما علبة سجائر امتنانا لإسعافه إياي بدخان ذلك اليوم الرمادي ، يقبل الفتى الأشقر وصديقه جميل المحبة ويفترع العلبة مدخنا أول سجائرها وهويرسم ابتسامة نصفها خبث ونصفها مكر ، يدلقان معا الشراب في نفس واحد ويتقدمان للخروج ، يعرجان علي للسلام والتحية ، توأم لص الشارع يقول بأن أخاه حدثه عني وهو يعزني كثيرا وهي فرصة سعيدة لأنه يراني أول مرة ويتشرف بلقاء كاتب قصة قصيرة ، و يسألني عن وجهة نظري فيما يخربشه أخوه من قصص وأشعار ... ( وهذا ما فاجأني به لأن لص الشارع وإن كان يأخذ كتبا من خزانتي للقراءة لم يكشف لي بأنه مدمن على الكتابة او يمارسها حتى هواية ) بعدها يتلفظ الأشقر الأشعث أفطس الأنف كلمات مقتضبة يذكرني فيها بلقاء النهر ويقفز مباشرة و يهمس :
على ذكر القصص .. أكون سعيدا لو تتجشم عناء قراءة بعض حماقاتي أيضا أسوّد بها مذكرة خاصة بي سأرسلها لك قريبا مع فتاة النزل فستقية العينين إن تكرمت وقبلت الأمر ...

كنت أراوح التفكير في اللاشيء عندما أوقد لي شاب نحيل أخضر العينين سيجارتي ، وأنا أشرب الكأس السابعة وقد غادر الفتى الأشقر ، الأشعث وصديقه المكان من زمن بعيد ، أسأت الظن بالشاب النحيل الذي كدت أصرفه عني لولا أن بادر بأنه يعرفني عن طريق بائع الخرداوات أي لص الشارع الملعون وقدم لي نفسه كرسام هولندي ( طبعا تتذكرون الصنارة التي اقتنيتها بثمن بخس من لص الشارع وكان قد أخبرني أنها لسائح هولندي يهوى رسم بورتريهات النساء العاريات ) وزاغت بي الكؤوس تلو الكؤوس وهو يتلو علي فكرة لمشروع قصة فيلم يقترح أن أكتبها مع انجاز سيناريو لها لأن مخرجا سينمائيا سيتكلف بإخراجها كما اتفقا على ذلك والقصة حول رسام هاو متخصص برسم بورتريهات النساء العاريات وليس أي نساء بل نماذج بمواصفات بالغة الدقة يستدرجهن لورشته بعد أن ينجح في اغرائهن ويسقطن في فخه ، يرسمهن في طقوس شهوانية واحتفالية وبعد أن يضاجعهن يقتلهن ... الخ
يصافحني مودعا إياي على أمل لقاء قريب أكون قد أنجزت فيه القصة والسيناريو ... ويسارع بالخروج بمبرر موعد مهم بانتظاره ويختفي في سديم بهرجان الحانة ...

ضاع على يقظة ذاكرتي ما سيعقب تلك اللحظة من وقائع إذ وجدتني عاريا في تابوت سريري وسمفونية بحيرة البجع لتشايكوفسكي تصدح في الفونوغراف العتيق ...

لم أجد تفسيرا لغيابي الفاجر بعد ...
فلا أذكر للآن ولا أصدق ومتى وكيف دخلت مع المرأة التي تدخن عارية تماما في شرفتي والفادح في الأمر أنها زوجة رئيس عملي أي الطبيبة النفسية التي طالما كان يلح علي بأن أزورها لتبت في أحوالي الغريبة . تعبث بصدرها الضامر وتسرد لي بفرح طفولي كم كنت مدهشا ورائعا فوق ما تخيلته وكم أن وحشيتي رممت الخراب الشاسع في داخلها عبر هذه الثلاثة أيام النافقة ... الثلاثة أيام ! واو ... أيعقل أنني قضيت معها كل هذه المدة وأنا لاأذكر حقا إلا لحظة شربي الانتحاري في حانة الفردوس المعلق ، لم أكن أعتقد أن لمغامرة الخيانة هذا الطعم القاتل! تسترسل في هذيانها لي وهي تترنح في مشيتها داخل الصالون بعجيزة ضخمة مزمنة تشبه إحدى نساء الرسام رينوار المستحمات ، تقبلني بلهفة في شفتي بصوت مسموع وتشرع في ارتداء ثيابها ، تبان وصدرية وفستان ، غير مصدقة ما حصل بيننا ، تقول بأن زوجها سيرجع عصرا من سفره وأنها ستعيش على أمنية وولع أن يتكرر ما اقترفناه من حب وجنون بل إن ما تواطأنا على ارتكابه قد بدأ لكي لاينتهي أبدا ...

لم أكن أحلم هذه المرة بكل تأكيد ، فتاريخ اليوم بالفعل يدل على حقيقة غيابي البشع ، ربما صرت أخيرا أفقد ذاكرتي وإلا لماذا لا أقوى على استحضار ولا لحظة من حكاية الأيام الثلاثة ... ولاشيء عنّ لي في أفق استطرادي بالتذكر بعد كؤووس الحانة الفاسقة تلك وهذا ما لم يحدث لي فيما مضى من حياتي كلها ، تحت الدش انخرطت في شدو أترنم بمقاطع غريبة من أغاني لاأعرف متى سمعتها أو حفظت رنتها الفاقعة وهي بعيدة كل البعد عن ذائقتي العاتية ... عندما خرجت للصالون كي أشغل الفيديو من جديد وجدت أن زوجة رئيس عملي الطبيبة النفسية ، تركت لي مفكرتها على جهار التلفاز فتملكني الفضول كي أتفحص يومياتها تلك – أثارني أنها عبارة عن دفتر أزرق تماما كما دفتر العجوز ذات العينين الببريين الذي أهداه لي لص الشارع – وكانت كتابتها مهداة إلى أحد مرضاها الذي يشبه إسمي وما أن بدأت باستكشاف اعترافاتها حتى رن جرس الشقة ، أخفيت المفكرة في درج الخزانة وفتحت الباب ، كان اللعين لص الشارع ، ركض برشاقة كما لو أنه مطارد إلى قلب الصالون وكان يحمل كيسا يميل بثقله ويكاد يكسر قامته ، تلقف سيجارة من علبة دخاني ، أوقدها وملأ لنفسه كأس ويسكي ثم نطق أخيرا :
( أستاذي العزيز ... أعذر لي هذه المداهمة التي لايمكن أن يتأجل أوار حقائقها الفاجعة ... فإني أحمل معي في هذا الكيس ما سيجعل شعر رأسك ينتصب فزعا ، ربما هذه آخر مرة ستراني فيها حقا ، فأنا متهم بقتل السائح الألماني – صاحب المحفظة الجلدية - إن كنت تتذكره ، أخبرتك بأنه فنان فوتغرافي كما حاول إيهامي بذلك ، لحظة لأطلعك على أداة فنه الطبيعي وليس المزعوم ،- دس يده في الكيس وأخرج بندقية طويلة بمنظار - هذا هو سلاحه فقد اكتشفت بأنه قاتل محترف ومأجور أي قناص ومشروع ضحيته هذه المرة هو صديقك الفلسطيني السياسي السابق الذي يسكن في شقة بالطابق الثامن أي التي تعلو شقة الطابق السابع لصديقك الشاعر المنتحر . المهم أنه من شهور لم يتمكن من أن يعثر على أثر لصديقك الفلسطيني وهو ما جعله يمدد في إقامته بشقة العمارة المقابلة لشقة صديقك المحظوظ إلى حين ظهوره من سفره الغامض. وعلى ذكر شقة الطابق السابع الموشومة فالسائح الهولندي رسام بورتريهات النساء العاريات هو من قطنها بعد الحادثة بشهرين وتلك حكاية الحكاية التي سيشيب لها زغب عانتك الآن ، فقد استدرج فتاتي البلهاء فستقية العينين إلى ورشته هناك من ثلاثة أيام بهدف أن يرسمها عارية كما نماذج نسائه الصالحات السالفات ، إلا أنني دبرت له مكيدة بتواطؤ معها بعد أن فاتحتني بالموضوع وخططنا لسرقته ، منحتها مسحوقا منوما وضعته له في كأس عصيره وأرداه مثل جثة خامدة لألتحق بها كما هندسنا للأمر وفتحت لي باب الشقة فشرعنا في النبش عن الأغراض الثمينة لأتفاجأ بلوحة بورتريه امرأتك الخرافية ، عازفة البيانو التي غادرتك من شهر – دس يده وأخرج اللوحة – ها هي ذي يا عزيزي ، وهو من اقترف جريمة قتلها باعتراف منه كما ورد في الصفحات الأخيرة من مذكرته – دس يده وأخرج دفترا شبيها تماما بمذكرة العجوز والطبيبة النفسية – وهي ضحيته العاشرة لأنه أتى على حتف تسع نساء قبلها وكلهن نماذج لبورتريهات لوحاته كما هو مذكور دائما في المفكرة الزرقاء لأنه يؤرخ فيها لسيرة جرائمه الحرى تلك ...و أدع لك أمر تدبير هذه المتاهة فجثة الرائعةعازفة البيانو قد ألقى بها في بحيرة الغابة المجاورة للمدينة ولك أن تفكر مليا كيف تبلغ البوليس بذلك ... أما أنا فأترك لك هذه الوديعة كلها ... لأنني آيل إلى الاختفاء بعد قليل من الآن وللأبد ... ولاأطمح إلا أن أكون شخصية وضيعة من شخصياتك القصصية لاغير . ولذلك أستميحك عذرا في أن تتقبل مني خربشاتي القصصية وهي مخطوطة في دفتر شبيه لأوراقك الخمسين أي مذكرة زرقاء أيضا - دس يده في فجوة سترته عند صدره وأخرج مفكرة - عانقني وبكى - وهذه أوراق دفتر العجوز ذات العينين الببريين كما وعدتك - ركض باتجاه الباب - ...
- صدقني أستاذي العزيز لم أقتل القناص الألماني ... يمكن أن يكون قد انتحر بعد أن سرقت أشياءه ... حظ سعيد ... – واختفى - ... )


لم أتردد لحظتها في أن ألبس وأخرج إلى الشارع من أجل ان أبلغ عن جثة عازفة البيانو بإسم مجهول ... وهذا ما فعلته وأنا أتحدث من مخدع هاتفي خارج أرخبيل العمارات التي أسكن في إحداها . ثم أقفلت توا لشقتي ورأسي تتماوج بركض غمام عربيد فيها ... عند أول أدراج العمارة كان توأم لص الشارع بانتظاري وما أن رآني حتى قفز مثل يربوع وطفق يحدثني بتدفق متعثر كمن يود أن يقول كل شيء دفعة واحدة ، منحته سيجارة وصعدنا إلى الشقة . هناك أفصح لي بأن البوليس قد قبض على فتاة النزل فستقية العينين بتهمة قتل السائح الهولندي رسام البورتريهات ...
فالفتى الأشقر ، الأشعث هو من ارتكب الجريمة ليلة البارحة انتقاما لأستاذته عازفة البيانو ...
كنا نشرب معا عندما باح لي بما هو عازم على اقترافه . وأراني تذكرة الطائرة التي ستقلع به صباحا باكرا وزوجته حفيدة العجوز ذات العينين الببريين التي قضت نحبها في نزل العجزة أي المرأة النحيفة التي طفت على صفحة التفاصيل الصغيرة بعد موتها المشبوه ... وقد كان مشبوها بالفعل لأن فتاة النزل فستقية العينين اعترفت لي وقد جن جنونها قبل أن يقبض عليها من ساعات بقتلها للعجوز ذات العينين الببرين بتدبير من الفتى الأشقر الذي هندس للأمر مع حفيدتها الأشد نحافة من الكلب الفاحم روميو ... لقد كانت تمني النفس بأن تتزوج هذا الفتى الأشقر الذي وعدها بذلك حالما يحصل على أتعابه الباهضة من الحفيدة الشمطاء بينما كان يستعملها أداة رخيصة لصالح أفق خطط له وفتاته النحيفة الرعناء ... هذه هي مذكرته الزرقاء تركها لي ليلة البارحة قبل أن نفترق كي أمنحك إياها ...)

اندلقت بضحك هستيري حاد بعد خروج الهندي الأحمر توأم لص الشارع ... ضحك أخذ يتفاقم وهو يندلع من الشرفة والنوافذ ويكاد يسمع في كل العمارة ... أخذت أسكب كؤوس الويسكي في جوفي تباعا وأنا أواصل الضحك المجنون ... لاأعرف كيف لمعت كبرق في بالي صفحة الجريدة التي طويتها في جيب سترتي – يوم صيد السمك الأزرق على ضفة النهر الذي يشطر المدينة إلى نصفين - وفيها نص مختل لكاتب مجهول تحت عنوان خمس مذكرات زرقاء تبحث عن روائي . بحثت في سترتي المتدلية من مشجب الحمام ... وجدتها وضيعة ومكمشة .. على مائدة الصالون نشرتها وأنا أنضدد خرومها وتجاعيدها الشبيهة بوجه مثلوم كان لي فيما مضى ... وقرأت :

( صارت خمسين ورقة ...
خمسون ورقة يشهق بها دفتر بكامله مفتوح على الهباء. دفتر أزرق لايشبه دفتر رواية ليلة التنبؤ في شيء. وما دمتم تدمنون جريمة الإشتباه عفوا ألق التشبيهات فلأكن واضحا من البداية حد الرماد بأنه أقرب إلى دليل للسخافة التي لاتعني البلاهة. أو البلاهة التي قد تعني السخافة ... لاشيء فيها على ما يبدو لي الآن غير لهاث عداء كسول لايركض إلا في حلمه بعد أن فاته أن يكون كذلك واقعا . ربما هي شبيهة بما يكتبه مخبول فقد ذاكرته تماما ، كما لا أشك بأني نصف مخبول. حاليا.
اللعنة ! لم أفقد الذاكرة بعد...)

اللعنة ... تلك كانت بداية النص والبقية طالها المحو من أثر بلل النهر والملح والرطوبة ... أما إسم الكاتب المجهول والمغمور فقد تذكرته لحينه بعد أن تبينت حروفه أسفل الصفحة ... لقد كان نفسه كاتب القصة المغمور الذي اتهموه بقتل فتاة كونطوار حانة باب البحر عندما استندوا إلى اعترافات حمقاء ضبابية في مسودة وجدوها على مائدة داخل غرفته وهي قصة قصيرة موقعة باسم جماعة غريبة تدعى ضد المانفيست ...

أضرمت النار في صفحة الجريدة الحقيرة ... وكلي ضحك خارق ... بعدها حملت جهاز التلفاز ورميت به من الشرفة وأتاني صدى تهشمه على الطوار في الحين ... أفرغت مصارين أشرطة الفيديو وصنعت من خيوطهاغابة من الاشتباكات العنكبوتية في كل الصالون ... بعدها رصفت المذكرات الخمس أمامي على نفس المائدة : دفتر الطبيبة النفسية زوجة المفغل رئيس عملي – دفتر الرسام الهولندي – دفتر العجوز ذات العينين الببريين ، خمسون ورقة بالضبط – دفتر لص الشارع – دفتر الفتى الأشقر ، الأشعث صاحب الأنف الأفطس...
مشروع رواية ضخمة تجعلني أطلق كتابة القصة القصيرة إلى حين ...
بل أطلق الكتابة نفسها وإلى الأبد ...
علقت لوحة عازفة البيانو مكان المرآة ، لاحاجة لي بمرآة بعد الآن وإلى الأبد ووضعت شريطها في الفونوغراف العتيق ... حملت معي زجاجة الويسكي والبندقية ذات المنظار ... كسرت زجاج الشرفة محدثا كوة زرعت فيها رأس البندقية وصوبتها باتجاه الشقة المقابلة لشقتي ... متربصا بشخص يشبهني ... يضحك كلما ضحكت ... يدخن كلما دخنت ... ينام أنى نمت ... يسمع لنفس الموسيقى التي أسمع ... يضاجع نساءه لحظة قيامي بذلك ... يتبول ويتبرز في الدقائق التي أكون في حمامي كذلك ... شخص يا ما تجاوزت وغضضت الطرف عن تماديه الجبان في التشبه بي...وها قد آن الأوان لاغتياله ..................................
........................................
...........................................................
................................................................


* يكون مفرد كلمة مسودنين هو مْسُوْدَن ، وتعني مجنون بالدارجة العراقية


اسماعيل غزالي: كاتب من المغرب
حسن بلاسم، عدنان المبارك: كاتبان من العراق
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

القائمة الرئيسة
البحث