الإثنين, 20 تشرين الثاني 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
محمد البساطى: تيارات خفية تسيطر على البوكر العربية
حوار: علا الساكت
محمد البساطى: تيارات خفية تسيطر على البوكر العربية
محمد البساطي


خلال مشوار إبداعى طويل، قدم الكاتب الروائى والقاص محمد البساطى مجموعة من الأعمال المتميزة، بدأت بـ«الكبار والصغار» ثم «التاجر والنقاش» اللتين صدرتا عام 1967، ثم توالت أعماله تطوف عوالم مختلفة بين الواقع والفانتازيا، رسم ضمن طياتها صورا متعددة للمجتمع المصرى، وخصوصا للفئات المهمشة التى تعانى الفقر والجوع. له 11 مجموعة قصصية تصدر الأخيرة منها خلال أيام بعنوان «نوافذ صغيرة» وله 14 رواية صدرت آخرها قبل أشهر بعنوان «أسوار».
وللبساطى قصة طويلة مع النشر، فبالإضافة إلى كونه كاتبا يختار بعناية شديدة مكان إطلاق كتاباته، فقد عمل مسؤولا للنشر بالهيئة العامة لقصور الثقافة، وتصادم مع التيار الدينى فى أزمة ما زلنا نعيش صداها حتى اليوم.
وما بين مؤسسات حكومية تخشى المواجهة وتيار دينى يتصيد الكلمات، يناقش البساطى أوضاع الثقافة المصرية فى حواره.
■ فى معظم أعمالك تناولت معاناة الفقر وعوالم المهمشين، فلماذا هذا الإصرار على تناول نفس القضية؟
- الشعب المصرى كله مهمش، فنسبة الجوع والفقر والجهل مرتفعة جدا، ومن يتجاهل هذا الواقع ليس أديبا، حين أريد أن أكتب قصة حب أجدنى مرغما على كتابة الواقع المعيش أيضا، فهو يتسلل دون رغبتى.
■ لكن هذا العالم لم ينل فى الغرب نفس الحظ من الشهرة والاحتفاء الذى نالته روايات أخرى تناولت نفس الموضوع؟
- لا يمكننى تفسير ذلك، لكن الغرب يحب التلصص على المرأة العربية تحديدا، وتعاملها مع واقعها وزوجها- ضاحكا- وأرى أن نوال السعداوى تقوم بالواجب وزيادة فى هذا المجال. الغرب يحتفى بكل ما ينهش فى الدين، والنظام السياسى، وأنا لا أحب افتعال هذا النوع من الصراع فى كتابتى، فلا يمكن أن أكتب عملا أدبيا لأهاجم نظام حكم معينا، وعندما يتغير هذا النظام تموت روايتى معه.
■ فى روايتك الأخيرة «أسوار» تناولت العلاقة بين السجان والمسجون، كان المجال أمامك مفتوحا للاحتجاج بصوت عال، وهو ما يلقى نجاحا كبيرا لدى القراء البعيدين عن عالم الأدب، لكنك ذهبت لتناول هادئ تماما، لماذا؟
- قرأت كل ما كتب عن السجن والمعتقل قبل أن أبدأ الكتابة، ومن ضمن ما قرأت كتاب «ليمان أبوزعبل» لفتحى عبدالفتاح، مرورا بالكتب التى تسرد تجارب اليساريين فى المعتقل، وكل هذه الكتب تذهب لوصف مشاهد موت العروسة والتعذيب مثل شهدى عطية وغيره من الكتاب الذين صوروا أنفسهم كأبطال تحملوا وصمدوا ورفعوا الشعار «تحيا مصر». لم أكن أريد ذلك، فأنا أكتب رواية عن المسجون والسجان والإدارة والمجتمع المحيط بهم، والعلاقات بينهم.
■ كتبت مجموعة قصص بعنوان «محابيس» صدرت عام 2003 عن دار ميريت، تدور حول عالم السجن، فلماذا عاودت تناول نفس العالم فى أسوار؟
- شعرت أننى أحتاج لكتابة رواية عن نفس الجو، حتى أخرجه من رأسى.
■ لم تتناول الشذوذ الجنسى باعتباره أمرا مكروها ولم تحاول خلق أعذار لهؤلاء الأبطال أو عقد نفسية كما اعتاد أن يفعل الروائيون العرب؟
- لم أرد فعل ذلك، فكل هذه الرواية واقع، شاهدته بنفسى، فقد حضرت أزمة مماثلة لقصة الصبى الذى يتكالب على معاشرته المساجين فى أحد السجون، حين زرت السجن للتفتيش، اصطحبنى مدير السجن إلى عراك بين عنبرين من المساجين حول الصبى وكاد السجن يتحول إلى ساحة حرب دامية لولا أوامر مدير السجن بتنظيم إقامة الصبى فى العنابر لكى يريح رأسه.
■ كثير من أعمال الشباب تميل إلى كسر القالب الروائى التقليدى الذى يتكون من مقدمة وعقدة ونهاية، والذى تمثله كتاباتك الأخيرة، بحجة أن الإبداع لابد أن يرتكز على جدة الأفكار والتقنية وطريقة الكتابة، وينتقد هؤلاء الشباب لجوء كتاب الستينيات إلى كتابة نفس شكل الرواية مرارا وتكرارا، فما تعليقك؟
- رفض الآباء أمر عادى يمر به كل الأجيال، وكلنا كنا نجعجع بذلك حين بدأنا، لكن بعد وقت اكتشفنا أن الكتابة سيل متواصل، لا يمكن أن يكتب البساطى بهذه الطريقة إلا لو كان إدريس كتب بطريقته. مسألة أن يضع الكاتب فى رأسه أن يكتب عملا متفردا لا يمكن أن تنتج شيئا، يأتى ذلك دون قصد من الكاتب، وإذا تعمد ذلك أصبح العمل مفتعلا، فهو عالم أمامه يريد تصويره بطريقة جيدة، هذا التناول هو الذى يجعل كاتبا متفردا بحق.
■ رحلتك طويلة مع النشر بين دور حكومية وخاصة وعربية، وأخيرا عودة للنشر الحكومى فى قطاع الثقافة بمؤسسة أخبار اليوم هل زالت أسباب القطيعة مع النشر الحكومى؟
- لم أقاطع النشر فى مؤسسات حكومية معينة، لفترة طويلة كنت أنشر فى دار الهلال فقط، ثم غيرت عندما عرض علىّ النشر بقطاع الثقافة فى أخبار اليوم، وأنا حريص على الطبع فى هذين المكانين لأنهما يقدمان الكتاب بسعر رخيص للقارئ، لأن سقف القارئ المصرى 5 أو 6 جنيهات يدفعها وهو متردد.. وهناك أيضا دار الآداب البيروتية التى تتبنى مشروعا لنشر كل كتبى، القديم منها والجديد، كذلك يسمحون بنشر أعمالى فى طبعات أخرى بمصر.
■ لكن دور النشر الحكومية لا تقوم بدعاية كافية لكتبها؟
- لا تقوم بدعاية مثل دور النشر الخاصة، لكن الدعاية كثيرا ما تصنع أكاذيب.. الأهم أن يكون العمل جيدا ومع هذه الدعاية يمكن أن يحقق انتشارا واسعا.
■ لماذا تلجأ للنشر فى دار الآداب إلى جوار الطبعات فى مصر؟
- مصر ليست سوقا لدور نشر عربية مثل الآداب لأن الثمن يكون غاليا بالنسبة للقارئ المصرى كما أشرت سابقا.
■ لكنك لم تفكر فى التعامل مع دور النشر الحكومية مثل الهيئة العامة للكتاب وغيرها؟
- أبحث عن معاملة لائقة، ومشوارى لابد أن يراعى، ففى قطاع الثقافة بأخبار اليوم يحترم مسؤول النشر هذا التاريخ، وبمجرد أن يسمع بأن لدىّ عملا جديدا يسرع بالاتفاق معى على نشره.
كذلك الوضع فى سلسلة روايات الهلال.. أما الهيئة العامة للكتاب فتضطرك إلى الوقوف فى صف طويل لتنتظر نشر كتابك، ومن ناحية أخرى لى تاريخ مع هيئة قصور الثقافة يمنع التعامل معها.
■ هل ما زالت دور النشر الحكومية تقدم المزايا التى حملت معظم الكتاب الكبار على التعامل معها؟
- يعيب معظم دور النشر الحكومية، وخصوصا الهيئة العامة للكتاب، الرقابة الداخلية الرهيبة، التى تقف عند كل كلمة، ويتدخلون فى كل شىء، لكن بعضها يختلف فيه الوضع مثل دار الهلال، التى تعد دار نشر حكومية لكنها متحررة من هذه القيود بداية بالعقليات التى أدارتها وحتى مضامين الكتب، فلم يحدث أن غيرت لى حرفا فى رواياتى.
■ بعد مرور أعوام على أزمة الروايات الثلاث عام 2001، أثناء فترة إشرافك على سلسلة «أصوات أدبية» بالهيئة العامة لقصور الثقافة، ما زال نفس الجدل دائرا بين التيار الدينى والوزارة، فهل ترى أن رد فعل الوزارة تغير؟
- نعم تغير، لكن للأسوأ، أصبحت الوزارة أكثر حرصا على ممارسة القمع على الأعمال الأدبية التى تنشر بسلاسلها منذ البدء، ولعل من يراقب الكتب التى تصدرها يعلم ذلك جيدا، فهى ليست ذات جودة، لأن المؤسسة لا تحمى الثقافة.
الحقيقة التى خرجت بها من أزمة الروايات الثلاث التى نشرتها، وتذرع التيار الدينى بأن بها ما يخدش الحياء العام رغم أن سوق الكتب تكتظ بكتب سيئة للغاية وبها ما هو أسوأ-هى أن المؤسسة لا تحمى مثقفا، وسريعا تتهرب من المسؤولية، وفى أول اصطدام مع التيار الدينى هرع الوزير إلى مصادرة الكتب، رعبا من السؤال الذى وُجّه له.
■ البعض يلوم المثقفين بسبب رضوخهم لمثل هذه الإجراءات؟
- المثقفون الآن أصبحوا قطيعا، وفقا لتعبير قاله الوزير فاروق حسنى وقت الأزمة: «سأدخلهم الحظيرة» وقد فعل، وفعلا أصبح المثقفون مستأنسين، وأصبحت هناك مجموعة دائمة تأكل وتشرب وتنال الجوائز وتمثل مصر وهى المحيطة بالمؤسسة، وعلى مستوى الإبداع صارت كتاباتهم (نُص عمر).
فالكتاب الجيدون يصنعون خارج الحظيرة، وليس أدل على ذلك من الجوائز الأدبية التى تعطى كمكافآت عن تقديم خدمات للمؤسسة، ففى جوائز الدولة وهى أعلى الجوائز فى مصر يصوت أعضاء المجلس الأعلى للثقافة لأسماء، لم يقرأ إنتاجها معظمهم، إنما فقط تكون هناك ورقة سرية تحمل أسماء جاهزة ومعدة مسبقا من قبل الوزير.
ومعظم المسؤولين فى وزارة الثقافة الآن يعملون وفقا لنظام الانتداب، حتى إذا ما غضب عليهم الوزير خلعهم من مناصبهم، وأذكر فى ذلك الإطار ما فعله مع على أبوشادى حين كان مسؤولا بهيئة قصور الثقافة، وقت أزمة الروايات الثلاث التى نشرتها فى سلسلة تحت إشرافه، حيث خلعه الوزير من منصبه، وظل فى بيته أشهرًا، وبعد أن تاب عاد ليشرف على المركز القومى للسينما.
■ إذاً كيف تجد مساعى وزير الثقافة فاروق حسنى للوصول إلى اليونسكو، هل يجوز أن تدعمه لأنه مصرى يصل لهذا المنصب للمرة الأولى؟
- لا أدرى لماذا يفعل المثقفون كل هذا لدعمه، فما نفوذ هذا الرجل الذى يجعل دولة بأكملها تقف لدعمه، الميزانيات التى صُرفت على دعايته تكفى لأن تطعم المصريين عامين كاملين.. استفزنى اعتذاره عن تصريحاته حول الكتب العبرية، وتصريحات عصفور حول ترجمة الكتب العبرية، لماذا يقول مثقف كبير مثل جابر عصفور هذا الكلام الآن.
■ تحدثت عن الجوائز الأدبية المصرية، لكن ما رأيك فى الجوائز العربية وقد نلت منها جائزة العويس فى الإبداع الروائى، ورشحت للبوكر العربية؟
- حصلت على أكثر الجوائز العربية نزاهة، التى لا ينالها إلا القامات الكبيرة وهذا يكفينى، وهى جائزة العويس، أخذها قبلى محمود درويش وسعدى يوسف، وأدونيس وغيرهم. أما عن البوكر فقد اكتشفت حقيقة الأمر، حين ذهبت هناك وندمت على الذهاب، أدركت أن هناك تيارات خفية تسيطر على الجائزة، ولعل أبرز ما آخذه على الجائزة أنها تعطى لعمل، وتتجاهل المشوار الأدبى الطويل.
■ لكن هذا النظام معمول به فى البوكر البريطانية؟
- البوكر البريطانية تقوم عليها دور نشر محترمة ولجان تحكيم محترمة، ليس هناك مجال للعبث، وفى رأيى أن البوكر البريطانية عنّ لها أن تستفيد بمبلغ من المال، فباعت الاسم للخليج.
ما شاهدته يؤكد أن الجائزة لا تسعى وراء قرار أمين، فالتعامل مع عمل لحاله دون النظر لخلفية الكاتب أمر ظالم.

علا الساكت
كاتبة وصحفية مصرية
ola_elsaket@hotmail.com
مقالات اخرى للكاتب

لا يوجد

القائمة الرئيسة
البحث