الإثنين, 11 كانون الأول 2017
   
أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي               أطيب التحيات من الروائي              
عودة الدهشة/فصل أول من رواية
حسين عجة
عودة الدهشة/فصل أول من رواية
حسين عجة





كم مرة ستتعثر ذات القدم بذات العتبة، أو بالزلة ذاتها.

حين أحدق في الكراسي الثلاثة الشائخة في غرفتي، أكتشف فجأة، لكن عشرات المرات في اليوم الواحد، بأنها بقيت منذ أعوام طويلة شاغرة ولم يجلس من فوق أي منها إنسان آخر غيري، أي فزع يمكنه اكتساح الغرفة؟

قد يكون المرء، أحياناً، مرغماً على الحديث عن نفسه؛ باختصار، في جملة واحدة : كل الذين عرفوني في الماضي كانوا يثنون على ما يسمونه "دماثة خلقي"، " كرمي". لقول الحقيقة أو تزوير الواقع. كيف يمكنني، إذاً، إقناع الكراسي بأن بقائها وحيدة معي، فارغة، طيلة عقود وأعوام طويلة، وهي تتطلع لضيف ما، لزيارة خاطفة، وإن كانت سرية وبدون إنذار مسبق؛ كيف يمكنني إقناعها بأن الأمر يجري على طبيعته المعهودة، أو أن شأن الحياة هو هكذا، ومن ثم ينبغي علينا تحمل الواحد الآخر؟

أي حوار يمكن إقامته معها؟ فالجدران وغيرها من الأشياء المبعثرة على الأرض، كالكتب مثلاً، ما عادت قادرة على إيصال صوتها لي، أو أن أدخل أنا معها بحديث ودي ومسالم، كما كنت أفعل في السابق، وكأني أمام شخص أعرفه. أمّا الخرق البالية التي أضعها من فوق جسدي، حين أخرج إلى الشارع، والتي التقطتها، بدورها، من مزابله؛ فهي الأخرى لم يعد لديها ما تقوله لي. لقد أدت ما كان عليها القيام به، ثم استكانت في زاوية صغيرة من زوايا الغرفة، يائسة ربما تماماً، كأصدقائي أو معارفي القدامى، من حالتي. ومع ذلك، ليس بمقدور أحد، كما أتخيل، نكران أهمية الكلام، أو الثرثرة، من حين لآخر، مع فرد آخر، أو مع ما يمكنه أن يحل محله. لسوء الحظ، لا أؤمن بحوار الأشباح، على أهميته.

في الماضي، لنقل البعيد، حين كان الآخرون يتحدثون ويتحاورون فيما بينهم، كنت أظل صامتاً، حتى ضمن مناخ السكر والعربدة. لحد كان أحد معارفي مرغماً على طردي من بيته تقريباً، في أمسية أقامها لبعض أصدقائه الشعراء الإنكليز. أمسية صاخبة بالجدل من حول مواضيع يبدو أنها كانت ذات أهمية خاصة لتلك المرحلة، لكنها أمسية جميلة بالرغم من كل شيءً. أخبرني الرجل الذي دعاني إليها، فيما بعد، بأنه كان قد كرسها من أجلي، لتعريفي على أصدقائه، أو تعريفهم عليَّ، بيد أني قد خيبت آماله. فأنا لم أتحدث مع أحد طيلة ذلك الوقت السعيد الذي مر، والذي قد لا يتكرر أو تعود حلاوته مرة أخرى إلى حياة المرء. منذ ذلك اليوم، تبخرت وماتت أية علاقة لي بهذا الرجل الطيب، الذي كان يسعى لنزعي من صمتي وجعلي أشارك الآخرين هموم وقضايا المرحلة. هل ندمت على ما حصل؟ صراحة، لا أعرف.

مرت مرحلة أخرى، كانت فيها حياتي تكتظ وتزدحم، بلا مبالغة، بالنساء. نساء كالحلم. جميعهن تقريباً كنْ غاية في اللطف والمودة مع العالم، وكذلك أحياناً معي. غير أن علاقاتنا كانت ترتطم لسوء الحظ ثانية بعائقين : أولهما صمتي، الذي كان ربما الأثقل والأهم. أما السبب الآخر، فكان أكثر تهديداً وفزعاً من الأول : جميعهن، دون استثناء، كن يرغبن بإنجاب طفل مني. فيما كنت أنا أقاوم بشراسة رغبة أو طلباً كهذا. لم تكن لدي أبداً نية وضع أي طفل في العالم. لذا، كنت مرغماً على تركهن الواحدة بعد الأخرى. ومع ذلك، لا يمكنني القول بأني كنت خالي الوفاض ومرتاح البال. البعض منهن تركتهن قبل أنجاب ذلك الطفل والبعض الآخر بعده. أكثر من واحدة منهن، إذاً، حَقَقتْ حلمها من وراء ظهري، إذا جاز القول، وأكثر من واحدة منهن لم يبق من ذكرياتها سوى الرماد أو بعض الصور الضبابية. مرة سمعتُ منْ يقول : "بإمكان رجل واحد تلقيح كل نساء الأرض". غير أني لم أكن أعير أقوالاً كهذه أقل اهتمام. أو كنت أهرب منها كالمتطاير. بيد أن تحدّيد مشاكلي مع تلك النسوة، وترك أقوال ما يقوله الآخرون، لم يكن ليشكل بحد ذاته عائقاً. لكن فكرة تغيّير الصمت، أو حتى قلبه أو تزييفه، فذلك ما كان يضع أكثر من عائق أمامي، ولم يكن بمقدوري الخروج من قبضته الشنيعة بإرادتي وحدها، ذلك لأن جذوره تضرب عميقاً في أرضية حياتي، منذ طفولتي، وربما حتى قبلها، حين كنت ما أزال في بطن أمي. من يدري؟ من ناحية أخرى، لكي يتكلم المرء لا بد وإن يكون لديه ما يقوله، ذلك أمر بديهي، كما يبدو. فالمرء لديه دائماً ما يقوله، ولكي يقوله عليه التمتع بالرغبة والإرادة، الحسنة أو السيئة، لقوله. كيف يمكنه، إذا، الشروع فحسب بالكلام إذا لم يكن لديه شيئاً من كل ذلك؟ جميع من عرف زنزانات السجن يدرك بداهة ما أقول، يفهم حالتي.

لم يكن عمر"سيسيل" يتجاوز الثانية والعشرين عاماً حين التقيت بها للمرة الأولى، بالصدفة. فلقاء رجل مثلي، في الثلاثين من عمره، في ذلك الوقت، وبغض النظر عن شكله أو هيئته الخارجية، بامرأة لم يكن يعرفها من قبل كان شيئاً أكثر من ممكن ولا يتطلب بذل جهوداً استثنائية أو يطرح صعوبات تتخطى قدراته المُتخيلة، كما هو عليه الحال اليوم. كان العالم "مفتوحاً"، كما يبدو. لاسيما في مدينة كالتي أسكنها، مشرعة الأبواب ومرحبة بالقادمين من أنحاء الأرض كلها، مع أنها لا تقع على البحر وليس فيها ما يميزها، من وجهة نظري، عن باقي المدن الأخرى، اللهم إلا ما يسمونه روحها العريقة والأساطير التي حيكت من حول تاريخها القديم، أمجاده الكثيرة والعتيدة أيضاً. وكذلك ما يُقال عن جمال وإيقاع لغتها الخاصة. لم تكن تقع على البحر، إذاً، لكن النهر الوحيد الذي يخترقها من كل جانب، كان يتمتع وما زال بشهرة عالمية لم أفلح حتى اليوم، أي بعد مرور أكثر من ثلاثين عاماً على إقامتي فيها، من معرفة سرها.

قد تكمن العلة فيَّ أنا. في عجزي عن معرفة طبيعة المدن وما تمنحه للمرء صفاتها أو شخصيتها المتميزة. ذلك ما قاله لي يوماً أحد أصدقائي. قد يكون محقاً. ومع ذلك، كيف يمكن فهم شعور الحب، الذي ما زال حياً ومتوقداً في روحي ومخيلتي حيال المدينة التي ولدتُ فيها، بالرغم من أنها مدينة فقيرة ولا يمكن مقارنتها بالمدينة الحالية التي أعيش فيها، ألا أنها كانت مسقط رأسي، الذي فارقته منذ أكثر من أربعين عاما ً؟ هل تمارس المدن الفقيرة عليَّ سحراً خفياً، يبقى عالقاً في كياني حتى بعد فراقها الطويل والأسطوري هذا؟ مرة أخرى، بصراحة، لا أدري. كيف يحمل الفرد تلك المدن في قلبه، أو كيف يمكنها هي ملاحقته، متابعة خطواته ومرافقة التحويرات العديدة التي طرأت على شخصه، ذهنه، مخيلته ورؤيته للأشياء والظواهر؟ كم دوختني أسئلة عقيمة كهذه! كم أنا معذب فيها! غير أني لا أرغب في الوقت الحاضر الحديث عن المدن، عن ناسها، بيوتها، شوارعها، وما تخلفه في وجدان الإنسان وروحه من صور وذكريات قد لا تمحى مهما طالت حياته. سيكون الحديث لا نهاية له عن تعلق الفرد بأشياء، كائنات، ساحات وأزقة مدن لم يكن بمقدوره أن ينتبه لها أو يلتفت نحو رقتها أو جمالها المتفجر. في الوقت واللحظة التي كان يجب عليه. ما أرغب في الحديث عنه في الوقت الحاضر سيكون عن سيسيل، كيف جرى وتمّ لقائي بها، وكيف تمدد نسيج حياتها الخاصة وانحلت خيوطه، تفككت فجأة وتداخلت بخيوط حياتي المبعثرة.

هل ستكون واحدة منهن؟ تساءلت مع نفسي، قلقاً بعض الشيء، حين رأيتها للمرة الأولى. كانت شابة، إذاً، لا يتجاوز عمرها الثانية والعشرين عاماً. في موسم لا هو بالصيف ولا بالخريف، بل ما بين الاثنين، أي أنه يقع ضمن هذه الأيام الغربية، ذات الطابع الخاص والنكهة التي تزاوج ما بين رطوبة الجو النسبية وعبق الأشجار، التي ما زالت أغصانها تراقص الرياح دون سقوط أوراقها. أيام أنيقة، إذا ما طاوعتني نفسي على قول ذلك؛ لكن نعم كانت أياماً أنيقة تحرر مجال العيش من الشمس وعنفها المبالغ فيه عند ساعات الحر، ولا تُثقل عليه بلون الخريف الرمادي، حين تهرع الكائنات لكي تختفي في جحورها الخاصة خوفاً من العواصف. كان وقتاً مُظللاً، يلامس الروح عن قرب، وكأنه أعد نفسه للحظات من الهناء والغبطة التي يمنحها مجانياً لكائنات الأرض كلها، ويجعلها تدمدم مع نفسها غير مصدقة بأن الحياة تستحق العيش وتنطوي في عمقها على لحظات متفردة ولها رائحتها النادرة، التي لا تشبه روتين وسكون الأيام التي تمر دون أن تخلف من ورائها أثر. كانت سيسيل، وبطريقة تناسب تلك الظلال، ترتدي ثوباً يميل في خلفيته العامة إلى اللون الأزرق الغامق، لكنه كان مخططاً بخطوط حمراء محتشمة تمنحه، في آن معاً، بهجة لا نعرف من أين تنبع، وتضيف عليه نوعاً من الوقار الذي يحفظ شبابه. كان ذلك الثوب طويلاً، ينحدر على طول قامتها، التي أقل ما يُقال عنها بأنها مرهفة، ويظهر، مع ذلك، قدميها وأصابعهما الطرية، عبر شرائح جلد حذاء الصندل الذي كانت تضع تلك الأصابع وباطن القدمين من فوق قاعدته.

أول ما لفت انتباهي نحوها كان عنقها الطويل وابتسامتها المُغريةِ. وكأن ذلك العنق وحده كان كافياً لمنحي ثقة الاقتراب منها، ومن ثم التلويح لي بوعد السعادة القادمة، التي تحدث عنها مرة أستندال. كان وجهها طافحاً بالفرح وهي تجلس على حافة أحد الأرصفة في باحة تشكل ملتقى لثلاثة شوارع. في تلك الباحة الدائرية كانت ثمة من فرقة موسيقية تعزف تارة قطع موسيقية كلاسيكية، وتارة أخرى موسيقى الجاز والبلوز. لم تكن مكتظة تماماً؛ أمّا الأفراد الذين كانوا هناك، فقد توزعوا واقفين على الأرصفة الثلاثة، التي كانت تطوق بسحر تلك الباحة. البعض منهم شرع بالرقص البطيء والمتردد، أو الخجول نوعاً ما على إيقاع تلك المعزوفات. أمّا هي، فكانت جالسة تُراقب باندهاش طفلة أو قروية ما يدور من حولها، وكأنها غير مصدقة. فجأة قفزت مخيلتي، أو ذاكرتي، عفوياً نحو مدام "بوفاري". كذلك لاحت أمام عيني، لا أدري كيف، ملامح بنت خالتي بشرى، المعلمة في مدرسة من مدارس البنات في منطقة الكرخِ. بشرى التي كانت تقول بأنها تحبني، لكنها لم تدعني يوماً أمسها، أو لم يكن ذلك بالأمر الممكن. فأمها، خالتي، كانت تلازمها كالظل، وتخاف عليها مني خوفاً شديداً لا مبرر له. كنت أقول مع نفسي بأنها ربما تخشى على عفة أبنتها وعلى سمعة العائلة، وهذا ما ليس بعيداً تماماً عن الواقع. لكن روحي كانت تتطلع وتتشوق للانفراد بها ولو مرة في غرفتي الخاصة، في ذلك البيت الشرقي الواسع، بيد أن أمنية كهذه كانت بمثابة نوعاً من المستحيلات التي لا يحس الإنسان بعذوبتها إلا في مخيلته. ومع ذلك حدثت المعجزة. مرة واحدة. ما زلت أتذكر ذلك جيداً. كانت أمي هي من دبر فرصة اللقاء ذاك، بطريقة محكمة ولا تترك أي أثر للشك، ذلك لأنها كانت تشعر بعمق شهيتي نحو تلك البنت ذات الربيع الغض والباهر، والتي كانت أنوثتها تتفتح كالتين الناضج، الذي لا يقاوم. لقد دبرت أمي، إذاً، فرصة اللقاء بيننا، كما يحدث أمر كهذا هناك عادة، وكأنه مشهداً جرت فبركته بسرعة خاطفة، ولكن بإتقان من قبل مخرج مسرحي غير مرئي، معلم ماهر كان قد تمرس بإخراج عشرات المشاهد المماثلة لمشهد انفرادي ما بين اثنين، من جنسي الذكر والأنوثة مثلنا. أية دهشة يخلقها لقاء الكائنات فيما بينها!

حين دَخَلّتْ بشرى في تلك الغرفة الصغيرة، التي لم تكن تحتوي سوى على مقعدين خشبيين وطاولة لا سحنة ولا لون لها، جلست قبالتي، صامتة، محنية الرأس، وشعرها الأسود الهائج والأبنوسي يغطيها حتى منتصف قامتها. شعرتُ أنا وكأن الدنيا بكاملها صارت ملكي. غير أني انتظرت لحظات طويلة، قاسية ومحتدمة، كان دمي وكياني كله يفور فيها من قوة رغبتي في أن تدير نظرها نحوي، ومن ثم تدعني أقبض على واحدة من تلك اللحظات النادرة التي يضيع فيها الرجل في بريق وسحر عيون المرأة. أو أن تفتح فمها وتقول لي شيئاً. لكنها بقيت محتفظة على صمتها، وكأنها دخلت تلك الغرفة ليس من أجلي، بل لكي تكسر حاجزاً نفسياً يُعذبها، ولم تكن تنوي أبداً الإفصاح عنه. أيمكن أن يكون خلل ما قد لحق بالمعجزة وأرغمها على التوقف في منتصف الطريق؟ كان قلبي يخفق. كنتُ أرغب حقاً في أن تجري الأمور أو الأشياء من تلقاء ذاتها. كذلك كانت فكرة القيام بالخطوة الأولى، أخذ المبادرة، كما يُقال، بعيدة عن ذهني. خشية إفزاعها. ومن ثم جعلها تنفر مني، ربما مرة واحدة وإلى الأبد. انتظرتُ مع الصمت الذي حل في الغرفة كالرصاص الثقيل وعطل كل حركة في الداخل والخارج. كنت على وشك فتح الباب والطلب منها الخروج من تلك الغرفة معاً، والعودة إلى باحة الدار في انتظار عودة أمها هناك. إذ ربما سيكون بمقدورها أن ترفع رأسها نحوي بحرية أكبر، أو تحدثني عن ما يطرأ في ذهنها، دون أن تكون مكبلة بهذا الخجل أو الخوف، الذي كنتُ عاجزاً في عمري ذاك عن فهم علته أو ما يخفي من ورائه. في تلك اللحظة بالذات، طلع ذلك الوجه الوردي من حزمة الشعر التي كانت تغطيه وكأنها وشاحه الخاص الذي يحرسه حتى من غبار الغرفة. حين ظهر وجهها بكامله، صوبت نظراتها نحو بضعة رفوف كانت تحتشد فيها الكتب بفوضوية يعجز المرء عن وصفها. ابتَسمتْ. ثم بحياء بالكاد يستر رغبتها العارمة في قول شيء ما : "حميد، هل يمكنني أن أطرح عليك سؤالاً؟" قلت أجل. لكنها بقيت للحظات مترددة، خائفة تقريباً، أو أنها لم تكن قادرة على صياغة سؤالها. وثانية، حل ذلك الصمت بيننا. لم تكمل سؤالها. ولكي أقطع وقع ذلك الصمت، الذي لم أعد قادراً بعد على تحمل حضوره، نهضت وأنا أنوي تقبيلها من شعرها الأسود كالليل المُدلهم، غير أني ترددت، ذلك لأني سمعت، في تلك اللحظة، خطوات في مجاز الدار. هل يمكن أن تكون أمي وخالتي قد عادتا بسرعة كهذه؟ خرجت من الغرفة لكي ألقي نظرة على المجاز، لم يكن هناك من أحد. عدت بسرعة، أغلقت باب الغرفة من خلفي. اقتربت منها، وضعت يدي من فوق شعرها. لم تبدي هي أية مقاومة، أو تشير عليَّ بأية إشارة بأنها لم تكن راغبةً أو مستعدة على تركي المسها. لكني بالكاد كنت قد لاعبتُ خصلاته، حتى شعرت بسائل ساخن ينزل على فخذي ويبللهما. أية متعة، أية دهشة، أي رعب؟ لم تتحرك بشرى قيد أنملة، ظلت جالسة على مقعدها وكأنها قد تحولت إلى مومياء بعيدة عن كل ما يدور من حولها. كنت أرغب في الإمساك على حنكها ومن ثم رفع وجهها نحوي لكي أطبع قبلة على شفتيها. ألقيت نظرة خاطفة، مزدحمة بالخطيئة وعدم الفهم على سروالي، فرأيت بقعة غريبة الشكل مرسومة من فوقه؛ لطخة لا يمكن إزالتها بسرعة ومسح آثارها. لم يكن لدي سروال آخر في تلك الغرفة. ابتعدت عنها. عدتُ وجلست على مقعدي قبالتها. مرت بضعة ثوان، شعرتُ فيها وكأن بشرى قد غرقت في بحر من الهم والقلق، أو أنها قد رحلت بروحها ولم تخلف من ورائها سوى جثة هامدة. كنتُ أنا نفسي مرتبكاً، لكن ذلك الارتباك لم يكن من النوع الذي يفقد المرء سيطرته على نفسه أو يشل قدراته المفكرة. فاجأتها بالقول : "بشرى، كنت قبل قليل ترغبين في طرح سؤالاً عليَّ، ما هو سؤالك"؟ غير أنها بدلاً من الرد عليَّ، نهضت فتحت الباب، خرجت ومن ثم أغلقت باب الغرفة من خلفها بحذر وعناية. لا أدري كم من الوقت كان قد مرَّ قبل أن تعود ثانية وتفتح الباب بنفس شعور الحذر والترقب، الذي أغلقت باب الغرفة معهما عند خروجها. عادت، إذاً، وهي تحمل معها سروالاً آخر وضعته بين يدي، دون أن تترك لي فرصة التعرف على مشاعر قلقها أو حتى الهدوء المحتمل الذي ربما كان أثناء ذلك قد قلل من هلعها وجعلها تتوازن. "لتبدل سروالك بسرعة، يا حميد، من فضلك". على عجل، أخذت السروال من بين يديها، خلعت سروالي الملطخ، غير أني قبل أن أقحم السروال الذي جاءت بشرى به، لاحظت ثانية نفس ذلك الشكل الطويل الهلامي، أو اللطخة التي كانت ما تزال ساخنة من فوق ساقي اليمني، بيد أنه لم يكن بمقدوري في حينها تضيّيع الوقت في تأمل الشكل أو الشعور بالخطيئة حيال ما فعلته؛ لبسته ومن ثم عدت إلى مقعدي ذاته، قبالتها.

كم شعرت بالفرح حين لاحظت بأنها لم تعد مضطربة، كما كانت عليه قبل دقائق. وكأنها كانت بالفعل قد التقطت روحها، ومن ثم أدركت بأن ما حدث لي معها لم يكن من صنع إرادتي، بل شيء يمكن له أن يحدث ويتكرر مع أي شاب آخر يحمل ذات الشهية نحو فتاة أخرى غيرها. رفعت بصرها نحوي هذه المرة بطريقة مؤكدة وقطعت عليَّ دابر الشك بأنها قد فقدت نهائياً شجاعتها. لقد جرى كل ذلك بسرعة محيرة. وثانية : "حميد، هل يمكنني أن أطرح عليك سؤالاً"؟ وبدوري، رددت كما في المرة الأولى : "تفضلي بشرى رجاءً واطرحي علي سؤالك". تَناولتْ قدحاً من الماء كان موضوعاً على تلك الطاولة وشَربتْ منه بضعة قطرات. "حميد، بودي طرح سؤال عليك، لكني أريد أن تجيب عليه بصدق، دون لف أو دوران، بصراحة، أقسم لي بأنك ستقول لي حقاً ما تفكر به". "لكن تفضلي، قولي لي ماذا ترغبين في معرفته، بشرى، قبل أن يداهمنا الوقت". "حسناً، حميد هل تحب امرأة أخرى غيري"؟ كيف كان بمقدوري الرد على سؤال كهذا فحسب؟ فأنا لم أكن أعرف تماماً إذا ما كنت أحبها أو لا؛ كل ما كنت أعرفه أنها أبنت خالتي وأشتهيها بقوة، جنسياً، لكن من كان بمستطاعه الحديث عن الشهوة والجنسية منها، في ذلك الوقت. لم يكن سهلاً أبداً الحديث أو ذكر الأشياء ولو من بعيد، لاسيما هذه الأخيرة. فالكائنات والأشياء كانت تميل نحو الاختلاط والامتزاج والضياع بعضها في البعض الآخر. وحتى لا أجعلها تنكسر في مشاعرها، أو أن تظل معلقة دون إجابة، قلتها لها لاهثاً :
-كلا، بشرى، أنا لا أحب غيرك.
-أنت تكذب، يا حميد.
لا أهمية الآن لوصف الذهول الذي اكتسحني في حينها. ومع ذلك، كان لا بد من مداراة الموقف، بالرغم من احتدام دمي في داخلي، رددت عليها بطريقة أردتها أن تذكرها بأنه ليس من حقها اتهامي بالكذب أولاً، ولكي أشعرها بغضبي ثانياً :
-لماذا قلت ذلك، لمَ تتهميني بالكذب، منْ أنت حتى تقولين لي شيئاً كهذا؟ لكن، بدون تردد وبغضب ربما كان ضعف غضبي، وكأن بشرى الوديعة، الخجولة، التي بالكاد أعرفها، بالرغم من حقيقة أنها أبنت خالتي، قد تحولت إلى فرد آخر لا يعنيه أي شيء آخر سوى الإعلان عن بدأ المحاكمة، ضبط محضر التحقيق، وفي النهاية التأكد من براءة أو عدم براءة المتهم، أو المذنب الذي يجلس أمام حاكمه :
-أنتَ تكذب حميد، لأني رأيتك البارحة في حلم حلمته وما زالت أتذكر بالدقة كل تفاصيله؛ لقد رأيتك مع امرأة أخرى، تقبلها بقوة وتقول لها متأوهاً "يا حبيبتي، يا حبيبة قلبي"، لم لا تريد قول الحقيقة لي"؟ حاولتُ الابتسام أولاً، ثم حين رأيت بأن ابتسامتي كانت قد حركت نوعاً من التذمر على وجهها الوردي الفاتن، حاولتُ، مع ما كان بحوزتي من ثقافة عامة، أن اشرح لها بأن أحلام الشخص هي أحلامه هو بالذات وليست لها علاقة بواقع الآخر. كما قلت لها بأنه لا يمكن أبداً فهم الأحلام بمثل هذه الطريقة، فهي شأن غاية في التعقيد، تعكس بالأحرى قلق المرء نفسه ولا تعبر بالضرورة عن مجرى وواقع الحياة أو العلاقات بين الأفراد. كان ذلك عبثاً :
-أنا كل أحلامي صادقة، حقيقية وتحدث بالضبط كما تجري الأمور في الواقع والحياة. حدث بعدها بيننا ما يمكن تسميته بالمشاحنة، التي جعلتها تفهم بأنها ليست حبيبتي، زوجتي أو عشيقتي ولا تملك أي حق بالحكم على حقيقتي بمثل هذه الطريقة الاعتباطية والعبثية.

تلك كانت هي المرة الأولى والأخيرة التي تحدثت بها مع بشرى بمثل تلك الطريقة الصريحة والغاضبة، قبل أكثر من أربعين عاماً، لم أرها فيها من بعد ولو لمرة واحدة، ولا أعرف الآن ما الذي حل بها، وهل ما زالت حية أو قد سحقها الواقع هناك تحت عجلاته الدامية وغير القليلة. غير أنها عادت وفرضت نفسها بقوة في اللحظة التي رأيت فيها سيسيل، حين كنتُ على وشك الاقتراب منها وتوجيه كلامي نحوها. تَريثتُ قليلاً، لكي أترك وقتاً تتلاشى فيه صورة بشرى، التي قطعت آلاف الكيلومترات والعقود الطويلة التي تفصل بيننا وفرضت، في النهاية، نفسها على واقعي الحالي. هل جاءت ثانية لكي تجعل المعجزة تختل من تلقاء نفسها وتحرمني من لقاء الفتاة الجالسة أمامي والتي لا تبعد عني سوى بقليل من الخطوات. كلا، قاطعة قلتها مع نفسي. وهكذا لم يدم انتظاري طويلاً قبل أن تصفى وتروق فيه مخيلتي، كما قويت إرادتي في توجيه كلامي نحو الفتاة المتربعة على حافة الرصيف، في الباحة التي وصفتها.

بخطوات واثقة من نفسها، اقتربت من سيسيل، إذاً، وجلست بمحاذاتها وجسدي يكاد يمس جسدها؛ لم تندهش هي، بل على العكس من ذلك، تزحزحت قليلاً من مكانها، لكي تترك لي حيزاً ضيقاً إلى جانبها. بعد دقيقة واحدة أو دقيقتين كانت تتظاهر هي أثناءها بالنظر إلى نفس مشهد الرقص والموسيقى ذاك، قربت فمي من أذنها الشمالية، القريبة مني، وهمست لها بتحية مساء الخير بالإنكليزية عمداً. أظهرتْ نوعاً من الاندهاش، لكنها ردت بذات اللغة وبشيء من الرقة التي تفاجأ أي رجل، أو تفرحه بالأحرى. "مشهد رائع هذا الذي يجري أمامنا، أليس كذلك، يا سيدي"؟ سألتني بسرعة وغبطة غير مفتعلة، ساذجة ربما، لكنها صادقة. كنتُ على وشك الرد عليها موافقاً، بيد أنها لم تكن كما يبدو تنتظر إجابتي، ذلك لأنها قد أضافت على سؤالها وبذات السرعة والدهشة : "ألا تتكلم الفرنسية، يا سيدي"؟ في داخلي، كنت أرغب بالرد عليها : "أجل يا حبيبتي". لكن أية حماقة كانت ستكون من جانبي، لو أني غامرت بنقل ما يجول في داخلي نحو الخارج! تريثتُ قليلاً، ثم أجبت بالفرنسية، بلهجتي الخاصة : "أجل أنه مشهد رائع الجمال، يا آنستي، والجو نفسه غاية في الروعة كذلك". استدارت قليلاً نحوي، حتى يكون وجهها، الذي لم تفارقه تلك الدهشة، قبالة وجهي، وبذات الابتسامة المغرية "من أين بلد أنتَ، يا سيدي، وهل تحب عزف الموسيقى في الشوارع، الباحات والرقص"؟

لا أعرف كيف منحتني كلماتها تلك شجاعة لم أتوقعها عندي، وكيف أنها فتحت أمامي الدرب لكي أسالها إذا ما كانت ترغب في أن نتحدث عن هذه الأشياء وغيرها الكثير في مكان أكثر هدوء من هنا. تطلعت قليلاً في وجهي، ثم بهدوء يحلم به المرء ردت عليَّ : "ولمَ لا؟ منذ فترة طويلة وأنا أجلس هنا. بصراحة بدأت أشعر بالرغبة في تغيّير المكان، أين ترغب أن نذهب، يا سيدي"؟ "إلى أحدى المقاهي القريبة، مثلاً، يا آنستي". "حسناً، لنذهب للبحث عن أحدى المقاهي التي تختارها أنتَ؛ مقهى هادئة من فضلك، فأنا لا أعرف هذه المنطقة جيداً، هل تعرفها أنتَ جيداً، يا سيدي". "أجل، يا آنستي". بعدها، نهضنا معاً، غادرنا تلك الباحة المظللة والفائقة الجمال، وتوجهنا للبحث عن مقهى ليست بالبعيدة. لم تكن سيسيل شقراء. كانت بشرتها تميل بالأحرى إلى شيء من السمرة التي لا يستطيع المرء القطع بطبيعتها؛ هل هي بشرتها الحقيقية، أم أنها قد اكتسبتها أثناء العطلة الصيفية، تحت أشعة شمس تشوي الجلد الخارجي للنساء والرجال، الذين يتعرون على أحدى سواحل البحار، وتمنحه لوناً وسحنة أخرى غير سحنته الأولية؟ لم يكن ذلك ما يشغل ذهني.

أثناء تحركنا وبحثنا عن مقهى من بين تلك المقاهي العديدة والمنتشرة في تلك المنطقة، التي تكاد تكون مركز المدينة، لاحظت بأن المرأة التي كانت تسير بجانبي لم تكن تنقل خطواتها بيسر، أو براحة عادية؛ لا أقول بأن خطواتها كانت ثقيلة أو متباطئة، لكن شيء ما في طريقة نقلها لتلك الخطوات قد أوحى لي وكأنها كانت تعاني من ألم ، من وجع بسيط في وركها. كانت تَضلَعٌ قليلاً، على الرغم من رهافة قامتها، رأسها المرفوع، جمالها الصارخ والابتسامة المغرية، التي لم تفارق وجهها. كنتُ مفرط الحساسية حيال أشياء كهذه، وكأني أبحث بجنون عن الكمال المطلق. كان ذلك بحد ذاته كافياً لخلق أول هواجسي حيال سيسيل، شكي في اختياري لها، أو قبولي بالقيام بمغامرة الحديث معها. ومع ذلك، شيئاً فشيئاً، عادت إلى مخيلتي تلك الدهشة أو الحيرة التي عصرت قلبي مع ابنة خالتي، بشرى، كذلك تذكرت البقعة التي شعرت بنزول سائلها الحارق من فوق سروالي، ورأيت التصاق سخونتها فيما بعد من فوق ساقي اليمنى.



حسين عجة
كاتب وروائي عراقي يعيش في باريس
hussainagah_010744@yahoo.fr


القائمة الرئيسة
البحث